النص المفهرس
صفحات 341-360
٢ - كتاب الطهارة (١) باب (٣١) حديث عبد ربه إلا حديث الأذان فقط، كما في ((التنوير))(١). ثم ظاهر هذا السياق أن السائل يحيى بن عمارة، وكذا روى الشافعي عن مالك في ((الأم))، وكذا القعنبي عنه عند الإِسماعيلي، ففي كلها نسب السؤال إلى يحيى، وروى الإِمام محمد في ((موطئه))(٢) عن مالك عن عمرو عن أبيه يحيى أنه سمع جده أبا حسن يسأل عبد الله بن زيد، فجعل السائل أبا حسن، وكذا رواه معن بن عيسى، وكذا نقله سحنون في ((المدونة)) وفي رواية للبخاري من طريق وهيب قال: شهدت عمرو بن أبي حسن سأل عبد الله بن زيد، فجعل السائل عمرواً، وأكثر رواة الموطأ على الإِبهام، وكذا في أكثر روايات البخاري ومسلم بلفظ ((إن رجلاً سأل)) فجعلوا السائل مبهماً. قال الحافظ(٣): والذي يجمع هذا الاختلاف أن يقال: اجتمع عند عبد الله بن زيد أبو الحسن الأنصاري وابنه عمرو وابن ابنه يحيى بن عمارة، فسألوه عن صفة الوضوء، وتولى السؤال منهم عمرو بن أبي حسن، فحيث نسب السؤال إليه كان على الحقيقة، وحيث نسب إلى أبي حسن، فعلى المجاز لكونه الأكبر وكان حاضراً، وحيث نسب السؤال ليحيى، فعلى المجاز أيضاً لكونه ناقل الحديث، فقد حصل الجمع. ويؤيده رواية الإِسماعيلي عن عمرو عن أبيه قال: قلنا، بلفظ الجمع المشير إلى أنهم اتفقوا على السؤال، ورواية أبي نعيم في ((المستخرج)) عن عمرو بن أبي حسن قال: ((كنت كثير الوضوء فقلت لعبد الله بن زيد ... )) صريحة في أن متولي السؤال كان عَمْراً فلله الحمد والمنة. (١) ((تنوير الحوالك)) (ص١٣٩). (٢) انظر: ((التعليق الممجد)) (١٧٧/١). (٣) ((فتح الباري)) (٢٨٩/١). ٣٤١ ٢ - كتاب الطهارة (١) باب (٣١) حديث وَهُوَ جَدُّ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ (وهو جد عمرو بن يحيى) المازني، كذا لجميع رواة الموطأ، بل كذا في جميع روايات الإِمام مالك - رضي الله عنه - في غير ((الموطأ)) أيضاً كسنن أبي داود والنسائي وغيرهما . قال ابن عبد البر(١): انفرد به مالك ولم يتابعه عليه أحد، ولم يقل أحد: إن عبد الله بن زيد جد عمرو، قال ابن دقيق العيد: هذا وهم قبيح من يحيى بن يحيى أو غيره، وأعجب منه أن ابن وضّاح - وكان من الأئمة في الفقه والحديث - سئل عنه فقال: هو جده لأمه. وقال الحافظ (٢): الضمير راجع إلى الرجل القائل الثابت في أكثر الروايات، فإن كان أبا حسن فهو جد عمرو حقيقة، أو ابنه عمرو فمجاز، لأنه عم أبيه يحيى، لأن نسبهم هكذا : عمرو ٦ أبو الحسن = - عمارة ۔ یحیی - عمرو ووهم من زعم أن الضمير لعبد الله، وليس هو جد عمرو، لا حقيقة ولا مجازاً، وقول صاحب الكمال ومن تبعه: إن عَمْراً هو ابن بنت عبد الله بن زيد غلط توهمه من هذه الرواية، فلا تغفل. (وكان) أي عبد الله بن زيد (من أصحاب رسول الله مَّد) كذا قاله المشايخ. والأوجه عندي أن يرجع الضمير إلى جد عمرو المذكور، إذ كون عبد الله بن زيد من الصحابة ظاهر، وكون السائل من الصحابة في حيّز الخفاء بعد، مع أنه قريب لفظاً، وكونه سائلاً لصفة وضوئه وَلّ أيضاً يوهم عدم صحبته، فإذا التنبيه على كونه صحابياً أشد احتياجاً من التنبيه على بيان صحبة عبد الله بن زيد، والله أعلم. (١) انظر: ((الاستذكار)) (٤٧/٢) و((التمهيد)) (١١٤/٢). (٢) انظر: ((فتح الباري)) (٢٨٩/٢٨٨/١). و((تهذيب التهذيب)) (١١٨/٨). ٣٤٢ ---- --- - ٢ - كتاب الطهارة (١) باب (٣١) حديث هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُرِيَنِي كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ يَتَوَضَّأُ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِم: نَعَمْ. فَدَعَا بِوَضُوءٍ. فَأَفْرَغَ عَلَى يَدِهِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، ثم لا يذهب عليك بعد هذا كله أن في سند الحديث أربعة أبحاث طويلة الباع: الأول: في تعين السائل، والثاني: في مرجع (وهو جد عمرو)) والثالث: في مرجع ((وكان من أصحاب)) والرابع: يختص برواية النسائي، إذ زاد فيها لفظ ((الذي أري النداء فلا تجتاز منها نائماً)) والبحث الخامس: في متن الحديث، ويختص أيضاً برواية النسائي إذ قال فيه ابن عيينة: ((ومسح برأسه مرتين)) قال ابن عبد البر: لم يقل فيه مرتين غير ابن عينية، انتهى، قال الزيلعي: كأنه تأول قوله: أقبل وأدبر، فتأمل، وسيجيء في محله. (هل تستطيع أن تريني) أي أرني، فيه ملاطفة الطالب للشيخ، كأنه أراد الإِراءة بالفعل ليكون أبلغ في التعليم و((أن)) مصدرية، والجملة في محل النصب مفعول لتستطيع (كيف كان رسول الله وَ ل يتوضأ) للصلاة (قال عبد الله بن زيد: نعم) أريك (فدعا بوضوء) بفتح الواو ما يتوضأ به، وفي رواية للبخاري («فدعا بماء)) وفي أخرى له ((فدعا بتور)) ولعله دعا توراً المذكور في رواية أخرى عند البخاري عن عبد الله بن زيد: أتانا رسول الله ◌َّ فأخرجنا له في تور من صفر، الحديث، ولعله دعاه ليكون أبلغ في حكاية صورة الحال. (فأفرغ) من أفرغت الإِناء إذا قلبت ما فيه أي صب الماء، يقال: فرغ وأفرغ لغتان (على يده) زاد أبو مصعب وغيره ((اليمنى)) في رواية ابن وضّاح وغيره بالتثنية، فالتقدير على إحدى يديه، أو يراد باليد الجنس فتتفق الروايتان، ولم يذكر فيه النية أو التسمية لأنها من الأقوال دون الأفعال، أو لأنهما تخفيان، قاله القاري(١). قلت: أو لبيان الجواز بدونهما. (فغسل يديه) والتثنية لجمهور رواة الموطأ، والمراد الكفان (مرتين مرتين) (١) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (١٢/٢). ٣٤٣ ٢ - كتاب الطهارة (١) باب (٣١) حديث ثُمَّ تَمَضْمَضَ، بالتكرار في بعض الروايات إلا في رواية ((المصابيح)) فبدونه، قال ابن حجر: وجه الاحتياج إلى التكرير أن الاقتصار على الأول يوهم التوزيع ((قاري)). قال الحافظ: كذا لمالك بلفظ مرتين، ووقع في رواية وهيب عند البخاري وخالد عند مسلم والدراوردي عند أبي نعيم بلفظ ((ثلاثاً)) وهؤلاء حفاظ قد اجتمعوا، فروايتهم مقدمة على رواية الحافظ الواحد، كذا في ((التنوير))(١) . قال الحافظان ابن حجر والعيني: إن قلت: لم لا يحمل هذا على وقعتين؟ قلت: المخرج واحد، والأصل عدم التعدد، اهـ. قلت: وبعض الروايات عن مالك خالية أيضاً عن ذكر العدد كما في أبي داود وغيره، والمعنى: أنه وَلّ نَظّفهما قبل إدخالهما الإِناء، كما يدل عليه لفظ (أفرغ)) ثم غسلهما، هذا سنةٌ باتفاق العلماء، كما قال النووي، وقيل: واجب عند بعض أهل الظاهر، نعم اختلفوا فيما بعد النوم. كما سيجيء في محله. قال ابن رسلان: وهل يُفْتقر في غسلهما إلى النية؟ قال الباجي ما معناه: إن من جعله من سنن الوضوء كابن قاسم اشترط النية في غسلهما، ومن رأى النظافة كأشهب ويحيى بن يحيى لم يشترطها، انتهى. (ثم مضمض) كذا في أكثر النسخ، وفي بعضها ((تمضمض)) والمضمضة لغة تحريك الماء في الفم، قال العيني: قال ابن سيده: مضمض وتمضمض، وكماله أن يجعل الماء في فيه ثم يديره ويمجُّه، أصله التحريك، ومنه مضمض النعاس في عينيه إذا تحرك، واستعمل في المضمضة لتحريك الماء في الفم، اهـ. قال النووي: وأقلها أن يجعل الماء في فيه، ولا يشترط الإِدارة على المشهور عند الجمهور(٢). (١) (٤٠/١). (٢) قال ابن عبد البر: ليس إدخال الإصبع وذلك الأسنان بها من المضمضة، فمن شاء فعل، ومن شاء لم يفعل ((الاستذكار)) (١١/٢). ٣٤٤ ٢ - كتاب الطهارة (١) باب (٣١) حديث وَاسْتَنْثَرَ (واستنثر) كذا ليحيى، ولأبي مصعب بدله ((واستنشق)) ففي رواية يحيى لم يذكر الاستنشاق لأن ذكر الاستنثار دليل عليه، فإنه لا يكون إلا بعد الاستنشاق، قال النووي: الذي عليه جمهور أهل اللغة أن الاستنشاق غير الاستنثار، هو مأخوذ من النثرة، وهي طرف الأنف، فهو إخراج الماء من الأنف بعد الاستنشاق، وهو إيصال الماء إلى داخل الأنف وجذبه بالنفس، خلافاً لمن قال: إنهما بمعنى واحد، وقال عياض: من النثر وهو الطرح، فهو طرح الماء الذي تنشق منه قبل، وقال ابن الأثير: نثر ينثر بالكسر إذا امتخط، واستنثر استفعل أي استنشق الماء ثم استخرج ما في الأنف، قاله الزرقاني(١). قال الباجي: ومن سنته أن يضع يده عند ذلك على أنفه، وقد روي عن مالك في الذي يستنثر بدونه أنه أنكره، وقال: هكذا يفعل الحمار، اهـ مختصراً. قال ابن رسلان: سواء كان بإعانة يد أم لا، وحكي عن مالك الكراهة بغير اليد، لكونه يشبه فعل الدابة، والمشهور عدم الكراهة، والمستحب أن يكون باليسرى، بوب عليه النسائي، وأخرجه مقيداً بها من حديث علي، ولفظه ((عن علي أنه دعا بوضوء فمضمض واستنشق ونثر بيده اليسرى))، انتهى. ثم المضمضة والاستنشاق سنة في الوضوء عند أبي حنيفة ومالك والشافعي - رضي الله عنهم -، وواجب عند أحمد - رضي الله عنه -. وفي رواية عنه المضمضة سنة والاستنشاق واجب، كذا في ((النيل)) قلت: ذكر ابن قدامة في ((المغني))(٢) ثلاث روايات عندهم، والثالثة مثل الجمهور، لكن جعل الأول - وهو وجوبهما - المشهور في المذهب، واستدل على الرواية الثالثة بقوله عليه السلام: ((عشر من الفطرة)) الحديث، والفطرة السنة. (١) ((شرح الزرقاني)) (٤٦/١). (٢) (١٦٧/١). ٣٤٥ ٢ - كتاب الطهارة (١) باب (٣١) حديث ثلاثاً. ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاَثاً. قلت: واستدل الجمهور أيضاً على ندبه بقوله عليه السلام للأعرابي: ((توضّأُ كما أمرك الله)) حسنه الترمذي وصححه الحاكم، أحال على الآية، وليس فيها ذكر الاستنشاق والاستئثار ولا المضمضة (ثلاثاً) تنازع فيه الفعلان، أي تمضمض ثلاثاً واستنشق ثلاثاً، وقيل: فيه الجمع بين المضمضة والاستنشاق من كل غرفة. وهو مختلف عند العلماء، بسطه العلامة العيني، وذكر خمسة أقوال للشافعي وأقوال غيره، لا يسعها هذا ((الأوجز)). والمستحب عندنا الحنفية وكذا المالكية تفريق المضمضة والاستنشاق بست غرفات، قال في ((مختصر الخليل))(١) للمالكية: وفعلهما بست أفضل وجازا أو إحداهما بغرفة، اهـ. فلو ثبت الجمع بالحديث يحمل على بيان الجواز، قال الترمذي: قال الشافعي: إن جمعهما في كف واحد فهو جائز، فإن فرقهما فهو أحبُّ إلينا، وبَوَّبَ أبو داود في ((سننه))(٢) في الفرق بين المضمضة والاستنشاق، وذكر فيه حديث طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده، وفيه ((فرأيته يفصل بين المضمضة والاستنشاق)) وأخرجه النيموي عن شقيق بن سلمة قال: شهدت علياً وعثمان - رضي الله عنهما - توضاً ثلاثاً ثلاثاً، وأفردا المضمضة من الاستنشاق، ثم قالا: هكذا رأينا رسول الله وَ لل توضأ، رواه ابن السكن في ((صحيحه))، قال الباجي: ودليلنا من جهة المعنى أن هذين عضوان منفصلان، فوجب أن يفصل بينهما في الطهارة كاليدين، انتهى. (ثم غسل وجهه ثلاثاً) لم تختلف الروايات في ذلك، قال ابن قدامة في (المغني))(٣): وغسل الوجه واجب بالنص والإجماع، وهو من منابت شعر الرأس إلى ما انحدر من اللحيين والذقن، وإلى أصول الأذنين، ويتعاهد (١) انظر: ((الخرشي على مختصر الخليل)) (١/ ١٣٤). (٢) ((سنن أبي داود)) (٣٠/١) من كتاب الطهارة. (٣) (١٦١/١). ٣٤٦ ٢ - كتاب الطهارة (١) باب (٣١) حديث ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، المفصل، وهو ما بين اللحية والأذن(١). وقال مالك: ما بين اللحية والأذن ليس من الوجه، ولا يجب غسله، لأن الوجه ما تحصل به المواجهة، وهذا ما لا يحصل به المواجهة. قال ابن عبد البر: لا أعلم أحداً من فقهاء الأمصار قال بقول مالك هذا، انتهى. قلت: وسيأتي كلام الرازي في تحديد الوجه في تفسير الآية. قال ابن رسلان: السنة تثليث غسل الوجه بالإجماع، بل أوجبه بعض العلماء، انتهى، وقال أيضاً: فإن شك أخذ بالأقل، وقال الجويني: نأخذ بالأكثر لأن ترك سنة أولى من اقتحام بدعة، ورُدَّ بأنه إنما يكون البدعة عند التعمد بلا سبب، انتهى. وقالوا في حكمة تأخير غسل الوجه عن المضمضة والاستنشاق: إنه لاعتبار أوصاف الماء، فاللون يدرك بالبصر والطعم بالمضمضة، والريح بالاستنشاق، ثم بعده يبتدأ بغسل الوجه، ويغسله بيديه جميعاً؛ لرواية علي عند أبي داود وغيره ((ثم أدخل يديه في إناء فأخذ بهما حفنة)) الحديث. قال ابن رسلان: فيه دليل لما قاله صاحب الحاوي: إن المستحب في غسل الوجه أخذ الماء بيديه جميعاً؛ لأنه أمكن وأسبغ، اهـ. (ثم غسل يديه مرتين مرتين) قال الحافظ: لم تختلف الروايات عن عمرو في غسل اليدين مرتين، ولمسلم من طريق حبان بن واسع عن عبد الله بن زيد، وفيه ((غسل يده اليمنى ثلاثاً ثم الأخرى ثلاثاً، فيحمل على أنه وضوء آخر))، انتھی . (١) وقال أبو حنيفة وأصحابه: البياض الذي بين العِذار والأذن من الوجه وغسله واجب. ((الاستذكار)) (١٦/٢). ٣٤٧ ٢ - كتاب الطهارة (١) باب (٣١) حديث إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ؛ ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، قال ابن رسلان: لكون مخرج الحديث غير متحد، وذكر لفظ ((مرتين)) بالتكرار لئلا يتوهم انقسام المرتين على اليدين، ومن المعلوم عند أهل العربية أن أسماء الأعداد والمصادر والأجناس إذا كررت كان المراد حصولها مكررة، لا التأكيد اللفظي، فإنه قليل الفائدة، فإذا قيل: جاء القوم اثنين اثنين أو رجلاً رجلاً فيكون المعنى اثنين بعد اثنين ورجلاً بعد رجل، فالمراد غسلهما مرتين بعد مرتين، أي إفراد كل واحدة منهما بالغسل مرتين. (إلى المرفقين) تثنية مرفق بكسر الميم وفتح الفاء وبفتح الميم وكسر الفاء لغتان مشهورتان، وهو العظم الناتىء في آخر الذراع، سمي به لأنه يرتفق به في الاتكاء ونحوه (١). واتفق الأئمة على دخولهما في غسل اليدين، وخالفهم زفر وحكي عن مالك أيضاً، ورُدَّ كما في الباجي(٢)، قال الإِمام الشافعي في ((الأم)): لا أعلم مخالفاً في إيجاب دخول المرفقين في الوضوء. فعلى هذا فزفر أيضاً محجوج بإجماع من قبله، وكذا من قال بذلك من أصحاب الظواهر، قاله الحافظ، ولم يبق الاحتياج إلى الدلائل بعد إجماع الأربعة، وذكر شيء منها في ((البذل))(٣) (ثم مسح رأسه بيديه) زاد ابن الطباع ((كله))، قال النووي: مسح جميع الرأس مستحب باتفاق العلماء، انتھی . وأما مقدار المفروض فمختلف جداً بسطه العلامة العيني فقال: للفقهاء في هذا ثلاثة عشر قولاً: ستة عن المالكية، وثلاث روايات للحنفية، والشافعية قولان، وحكي عن أحمد قولين، قلت: لكن الروايات المشهورة عن الأئمة أن الاستيعاب واجب عند المالكية، وبعض الرأس عند الشافعي، وهما روايتان (١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٤٤/١). (٢) ((المنتقى)) (٣٦/١). (٣) (٣٠١/١). ٣٤٨ ٢ - كتاب الطهارة (١) باب (٣١) حديث فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَذْبَرَ؛ بَدَأَ بِمُقَدَّم رَأْسِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا ، عن أحمد، وقال الموفق(١): ظاهر مذهب أحمد الاستيعاب في حق الرجل، ويكفي للمرأة أن تمسح مقدم رأسها، اهـ. وربع الرأس أو مقدار الناصية عندنا الحنفية، لرواية مغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - أنه عليه السلام توضأ ومسح على الناصية، رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه مطولاً ومختصراً، والبسط في المطولات: العيني وغيره. (فأقبل بهما وأدبر) الذهاب إلى جهة القفاء إدبار والإِقبال عكسه، كما في كتب اللغة، فحينئذٍ يكون الحديث حجة لمن قال: السنة أن يبدأ بمؤخر الرأس، ولذا بوّب عليه الترمذي(٢) ((البداءة بمؤخر الرأس)) لكن يخالفه التفسير الآتي: بدأ بمقدم رأسه إلخ، فقيل: إن الواو لمطلق الجمع فمعناه أدبر فأقبل، ويعضده رواية وهيب عند البخاري ((فأدبر بهما وأقبل)) وقيل: معناه وأقبل إلى جهة قفاه ورجع، من تسمية الفعل بابتدائه، أي بدأ بقُبْل الرأس، قاله الحافظ (٣) . قال ابن رسلان: الإِقبال والإِدبار كلاهما يحسب مرة واحدة بخلاف السعي بين الصفا والمروة فإنه يحسب الذهاب مرة والرجوع مرة، انتهى. ثم فسر الإِقبال والإِدبار بقوله: (بدأ) أي ابتدأ عطف بيان لقوله: ((أقبل وأدبر)) ولذا لم يدخلها الواو (بمقدم) بفتح الدال المشددة ويجوز كسرها مع التخفيف (رأسه ثم ذهب بهما) أي اليدين (إلى ففاه) بالقصر؛ وحكي مدّه - وهو قليل - مؤخر العنق، وفي ((القاموس)): وراء العنق يذكر ويؤنث (ثم ردهما) أي (١) ((المغني)) (١٧٦/١). (٢) (٤٨/١). (٣) انظر (فتح الباري)) (٣٦٧/١) من كتاب الوضوء، الحديث (١٨٥). ٣٤٩ ٢ - كتاب الطهارة (١) باب (٣١) حديث حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ؛ اليدين (حتى رجع) بالمسح (إلى المكان الذي بدأ منه) وهو مقدم الرأس، فاستوعب اليد جهتي الرأس بالمسح، قال الحافظ: والظاهر أن قوله: بدأ ... إلى آخره من الحديث وليس مدرجاً من كلام مالك رضي الله عنه. قال ابن عبد البر: روى ابن عيينة هذا الحديث فذكر فيه مسح الرأس مرتين، وهو خطأ لم يذكره أحد غيره، قال: وأظنه تأوله على أن الإقبال مرة والإِدبار أخرى، انتهى. قلت: وهذا ليس هو التكرار الذي اختلف فيه الأئمة، بل هو مستحب عند الكل، والمختلف فيه التكرار بماء جديد، قال العيني: قوله: ثم مسح برأسه، يقتضي مرة واحدة كذا فهمه غير واحد من العلماء، وإليه ذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد، وهو وجه للشافعية، كما قاله ابن رسلان، وقال الشافعي - رضي الله عنه - في المشهور عنه: يستحب التثليث كغيرها، انتهى. قاله ابن رسلان وأغرب ما يذكر ههنا أن الشيخ أبا حامد الإسفرائيني حكى عن بعضهم أنه أوجب الثلاث، وحكاه صاحب ((الإِبانة)) عن ابن أبي ليلى، انتهى. وقال ابن قدامة في ((المغني(١)): لا يسن تكرار المسح في الصحيح من المذهب، وهو قول أبي حنيفة ومالك، وروي ذلك عن ابن عمر وابنه سالم والنخعي ومجاهد وطلحة بن مصرف والحكم، قال الترمذي: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب رسول الله وَ لّر ومن بعدهم، وعن أحمد أنه يسن تكراره وهو مذهب الشافعي، قال ابن عبد البر(٢): كلهم يقول: يمسح الرأس مسحة واحدة، وقال الشافعي: يمسح برأسه ثلاثاً، ثم استدل على توحيد المسح بقوله: ولنا أن عبد الله بن زيد وصف وضوء رسول الله وَّل قال: ومسح (١) (١٧٨/١). (٢) انظر: ((الاستذكار)) (٢٦/٢). ٣٥٠ ---- - ---- ----- -- ٢ - كتاب الطهارة (١) باب (٣١) حديث ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ . أخرجه البخاري في: ٤ - كتاب الوضوء، ٣٨ - باب مسح الرأس كله. ومسلم في: ٢ - كتاب الطهارة، ٧ - باب في وضوء النبيّ ◌َّر، حديث ١٨ و١٩. برأسه مرة واحدة متفق عليه، وروي عن علي - رضي الله عنه - أنه توضأ ومسح برأسه مرة واحدة، وقال: هذا وضوء النبي ◌َ ◌ّ من أحب أن ينظر إلى طهور رسول الله صل فلينظر إلى هذا. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وكذلك وصف عبد الله بن أبي أوفى وابن عباس وسلمة بن الأكوع والربيع كلهم قالوا: مسح برأسه مرة واحدة، وحكايتهم لوضوئه مّ إخبار عن الدوام، ولا يداوم إلا على الأفضل والأكمل، ولأنه مسح في طهارة فلم يسن تكراره كالمسح في التيمم والمسح على الجبيرة وسائر المسح، ولم يصح من أحاديثهم شيء صريح، قال أبو داود(١): أحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على أن مسح الرأس مرة، انتهى. وسيأتي الكلام على مسح الأذنين في باب مفرد. (ثم غسل رجليه) إلى الكعبين، كما في رواية وهيب عند البخاري، والبحث فيه كالبحث في ((إلى المرفقين)) قاله الزرقاني. والمراد بالكعبين هما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم، وما قال الزرقاني، تبعاً للحافظ -: من أنه حكى محمد عن أبي حنيفة وابن القاسم عن مالك أنه العظم الذي في ظهر القدم عند معقد الشراك، رَدَّه الشيخ في ((البذل))(٢) تبعاً للعيني، بأن النقل عن الإِمام ليس بصحيح، نعم، روي عن محمد - رحمه الله - لكنه في ((باب الحج في المحرم إذا لم يجد النعلين يلبس الخفين ويقطعهما أسفل من الكعبين)) بهذا التفسير، وليس هو من باب الوضوء، فتأمل . (١) ((سنن أبي داود)) (٢٥/٢٤/١) من كتاب الطهارة في: باب صفة وضوء رسول الله وَالقول. (٢) (٣٠٢/١). ٣٥١ ٢ - كتاب الطهارة (١) باب (٣٢) حديث ٢/٣٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: ((إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلَ فِي أَنْفِهِ مَاءَ، ثُمَّ لِيَنْثِرَ؛ ثم قال الإِمام محمد في ((موطئه)) (١) بعد تخريج هذا الحديث: قال محمد: هذا حسن، والوضوء ثلاثاً ثلاثاً أفضل، والاثنان يجزيان، والواحدة إذا أسبغت تجزىء أيضاً، وهو قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - وسيجيء الكلام في غسل الرجلين تحت حديث الإِسباغ. ٢/٣٢ - (مالك عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة) رضي الله عنه (أن رسول الله وَليل قال: إذا توضأ) أي شرع الوضوء (أحدكم فليجعل في أنفه) أي ماء كما في رواية القعنبي وأكثر الرواة، وسقط من رواية يحيى ومحمد بن يحيى وكثير من الرواة، لأنه مفهوم من السياق (ثم لينثر) بكسر المثلثة بعد النون الساكنة على المشهور، وحكي ضمها، وحكي (لينتثر)) بزيادة التاء، كما في الصحيح أيضاً، وحكي ((ليستنثر)) بزيادة السين والتاء كما في النسائي أيضاً، قال الفراء: يقال: نثر الرجل وانتثر واستنثر إذا حرك النثرة وهي طرف الأنف، قاله الزرقاني (٢). قلت: قد تقدم الكلام في معنى الاستنثار والحكم قريباً فلا تغفل، والأمر عند الجمهور للندب، ذكر ابن المنذر: أن الشافعي - رضي الله عنه - لم يحتج على عدم الوجوب مع صحة الأمر إلا لكونه لا يعلم خلافاً في أن تاركه لا يعيد، وهذا دليل فقهي فإنه لا يحفظ ذلك من أحد من الصحابة والتابعين. قال القاري: قال ابن حجر: ظاهر الأمر للوجوب لكن منعه أنه عليه (١) انظر: ((التعليق الممجد)) (١٨١/١). (٢) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٤٦/١) و((التمهيد)) (٢٢٢/١٨) وما بعدها و((الاستذكار)) (٣٨/٢). ٣٥٢ ٢ - كتاب الطهارة (١) باب (٣٢) حديث وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ)) . أخرجه البخاري في: ٤ - كتاب الوضوء، ٢٦ - باب الاستجمار وتراً. ومسلم في: ٢ - كتاب الطهارة، ٨ - باب الإِيثار في الاستنثار والاستجمار، حديث ٢٠. الصلاة والسلام توضأ ولم يفعله، كما دل عليه سكوت الواصفين لوضوئه الدال على أنه لم يوجد وإلا لم يسكتوا، اهـ. (ومن استجمر) أي استعمل الجمار، وهي الحجارة الصغار في الاستنجاء، وحمله بعضهم على استعمال البخور، يقال: تجمَّر واستجمر، واختلف قول مالك وغيره في تفسيره بالقولين المذكورين، ونقل الباجي رجوع الإِمام مالك إلى القول الأول، وقال سحنون: القول ما رجع إليه مالك، اهـ. وقال عياض: الأول أظهر، وقال النووي: وهو الصحيح المعروف، قاله السيوطي . واختلف العلماء في الاستنجاء فقال أبو حنيفة ومالك - رضي الله عنهما -: سنة(١)، وقال الشافعي وأحمد: واجب، كذا في ((الاستذكار))(٢) و((المغني)). (فليوتر) ندباً عند أبي حنيفة ومالك وداود ومن وافقهم لزيادة ((من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج))(٣) في رواية أبي سعيد عن أبي هريرة عند أبي داود وابن ماجه وغيرهما بسند حسن، وقال الشافعي وأحمد: واجب، قاله الزرقاني، وتقدم عن ((المغني)). (١) وفي ((المنهل)) واجب عند مالك في المشهور عنه، اهـ. فههنا أمران: حكم الاستنجاء والثاني: اشتراط العدد، وفي الثاني مالك مع أبي حنيفة دون الأول، اهـ (ش)). (٢) انظر: (٤٢/٢) و((التعليق الممجد)) (١٨٥/١) وهامش ((بذل المجهود)) (٨٥/١). (٣) أخرجه أبو داود في الطهارة ح (٣٥) باب ((الاستتار في الخلاء)) وذكره ابن عبد البر في ((التمهيد)) (٢٢٢/١٨) و(١٣/١١) و(٣٣/٤). ٣٥٣ ٢ - كتاب الطهارة (١) باب (٣٣ - ٣٤) حديث ٣/٣٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي إِذْرِيسَ الْخَوْلاَنِيّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَل﴾ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ)) . أخرجه البخاري في: ٤ - كتاب الوضوء، ٢٥ - باب الاستنثار في الوضوء. ومسلم في: ٢ - كتاب الطهارة، ٨ - باب الإِيثار في الاستنثار والاستجمار، حديث ٢٢. (١/ ٢١٢). ٤/٣٤ - قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ، فِي الرَّجُلِ يَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْثِرُ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ : ٣/٣٣ - (مالك عن ابن شهاب عن أبي إدريس) عائذ الله بعين مهملة وتحتية وذال معجمة ابن عبد الله (الخولاني) بفتح خاء معجمة وبنون، منسوب إلى خولان بن مالك، كذا في ((المغني)) (١) والخولان في قبائل حكاه الهمداني في ((الإِكليل)) وهو فعلان من خال يخول، وُلِد في حياة النبي ◌َّل يوم حنين، كان عالم الشام بعد أبي الدرداء، وقاضي دمشق لمعاوية، قال مكحول: ما رأيت أعلم منه، مات سنة ٨٠هـ (عن أبي هريرة) رضي الله عنه (أن رسول الله واله قال: من توضأ فليستنثر) بزيادة السين والتاء (ومن استجمر فليوتر) تقدم قريباً. ٤/٣٤ - (قال يحيى) بن يحيى الليثي راوي الكتاب (سمعت مالكاً) الإِمام (يقول في الرجل يتمضمض ويستنثر من غرفة واحدة) قال الباجي(٢): يحتمل وجهين؛ أحدهما: أن يفعل المضمضة كلها والاستنثار كله من غرفة واحدة، يعني الست من غرفة واحدة، والثاني: أن يجمع كل مضمضة واستنشاق في غرفة واحدة، فيأتي الكل بثلاث غرفات، اهـ. قلت: والاحتمال الثالث أن يفعل كلا منها بغرفة واحدة، فيكون الكل من غرفتين، كما تقدم من ((مختصر (١) انظر: ((المغنى)) للعلامة طاهر الفتني (ص ٩٨). (٢) ((المنتقى)) (٤٥/١). ٣٥٤ ---- ----------- ----- ٢ - كتاب الطهارة (١) باب (٣٥) حديث إِنَّهُ لاَ بَأْسَ بِذَلِكَ. ٥/٣٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، أَنَّهُ بَلَغَهُ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمُنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ قَدْ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيّ ◌َِّه يَوْمَ مَاتَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، فَدَعَا بِوَضُوءٍ. فَقَالَتْ لَّهُ عَائِشَةُ: يَا عَبْدَ الرَّحْمُنِ أَسْبِغِ الْوُضُوءَ . الخليل)) (إنه لا بأس بذلك) يعني يجوز وإن كان الأفضل خلافه، قاله الزرقاني والباجي، قلت: وبه قالت الحنفية. ٥/٣٥ - (مالك: أنه بلغه) قال السيوطي: وصله مسلم بطرق عن سالم مولى شدّاد به (أن عبد الرحمن بن أبي بكر)(١) الصديق - رضي الله عنه -، شقيق عائشة - رضي الله عنهما -. تأخر إسلامه إلى قبيل الفتح، وشهد اليمامة والفتوح، مات سنة ٥٣هـ، وقيل: بعدها (دخل) أي عبد الرحمن (على) أخته (عائشة) أم المؤمنين (زوج النبي ◌ّليل يوم مات سعد بن أبي وقاص) مالك بن وهيب، أحد العشرة المبشرة، وأحد الستة أصحاب الشورى، وأول من رمى في سبيل الله، فارس الإِسلام، وأحد من فداه رسول الله ◌َليل بأبيه وأمه، آخر العشرة موتاً، مات بالعقيق سنة ٥٥هـ على المشهور. (فدعا) عبد الرحمن (بوضوء) أي بماء يتوضأ به (فقالت له عائشة) وكأنها رأت منه تقصيراً أو خافت عليه ذلك، فقالت على وجه التنبيه (يا عبد الرحمن أسبغ) بفتح الهمزة من الإِسباغ وهو إبلاغه مواضعه وإيفاء كل عضو حقه (الوضوء) بضم الواو أي أتم الوضوء بإتيان فرائضه وواجباته وسننه، ولو ثبت فتح الواو لكان له وجهٌ وجيه أيضاً أي أوصل ماء الوضوء إلى الأعضاء بطريق الاستيعاب، كذا في ((البذل))(٢). (١) انظر ترجمته في: ((تهذيب التهذيب)) (١٤٦/٦) و((سير أعلام النبلاء)) (٤٧١/٢). (٢) ((بذل المجهود)) (٢٤٩/١). ٣٥٥ ٢ - كتاب الطهارة (١) باب (٣٥) حدیث فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يَقُولُ: ((وَبْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ)). أخرجه مسلم موصولاً في: ٢ - كتاب الطهارة، ٩ - باب وجوب غسل الرجلین بکمالهما، حديث ٢٥. (فإني سمعت رسول الله * يقول: ويل) قال النووي: أي هلكة وخيبة، وقال الحافظ: اختلف في معناه على أقوال: أظهرها ما رواه ابن حبان في (صحيحه)) مرفوعاً ((ويل وادٍ في جهنم))، وفي ((النهاية)): الويل الخزي والهلاك، والتنوين فيه للتعظيم أي هلاك عظيم وعقاب أليم. (للأعقاب) جمع عقب بكسر القاف وسكونها، وهو مؤخر القدم (من النار) (١) يعني تختص بالعذاب إذا قصر في غسلها، زاد عياض («فإن مواضع الوضوء لا تمسها النار)) كما جاء في أثر السجود أنه محرَّم على النار، وقال البغوي: معناه لأصحاب الأعقاب المقصِّرين في غسلها، ويلحق بالأعقاب ما في معناها من جميع الأعضاء، ويؤيده رواية عبد الله بن الحارث بزيادة ((ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار)) وتخصيصها بالذكر لما وقع التقصير فيه حينئذ کما ورد مفصلاً. والحديث يدل على استيعاب غسل الرجلين، وأن المسح لا يجزىء، إذ لو أجزأ المسح لما توعّد بالنار، وعليه جمهور الفقهاء، ولم يثبت خلاف هذا عن أحد يعتدُّ به في الإِجماع؛ فلا عبرة لقول الشيعة وغيرهم القائلين بوجوب المسح لظاهر قراءة ﴿وَأَرْجُلِكُمْ﴾ بالخفض، ورُدَّ بأنه يعارضها قراءة النصب، والجر يحتمل المجاورة، وقد بيَّنت السنة أن قراءة الجر محمول على التخفف، وقد تواترت الأخبار عن النبي ◌ّلّ في صفة وضوئه أنه غسل رجليه، وهو المبيِّن لأمر الله تعالى. قال الزرقاني: ولم يثبت عن أحد من الصحابة خلاف ذلك إلا عن علي (١) انظر: ((التمهيد)) (١٤٩/١١) ((والاستذكار)) (٤٦/٢). ٣٥٦ ٢ - كتاب الطهارة (١) باب (٣٦) حديث ٦/٣٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَحْلاَءَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ؛ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَتَوَضَّأُ بِالْمَاءِ وضوءاً لِمَا تَحْتَ إِزَارِهِ. وابن عباس وأنس، وثبت عنهم الرجوع عن ذلك، قال ابن أبي ليلى: أجمع أصحاب رسول الله وَ﴿ على غسل القدمين، وادّعى الطحاوي وابن حزم أن المسح منسوخ، وبسط شيئاً من الكلام عليه ابن قدامة في ((المغني))(١). ٦/٣٦ - (مالك عن يحيى بن محمد بن طحلاء) بفتح الطاء وسكون الحاء المهملة ممدود المدني التيمي مولاهم، ذكره ابن حبان (٢) في ثقات التابعين (عن عثمان بن عبد الرحمن) بن عثمان التيمي المدني، ثقة من الخامسة (أن أباه) عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي، صحابي قتل مع ابن الزبير - رضي الله عنه - (حدثه أنه سمع) أمير المؤمنين (عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - (يتوضأ) أي يتطهر، والوضوء قد يراد به غسل بعض الأعضاء من الوضاءة، وهي الحسن، كما في ((النهاية))، وهو المراد ههنا. (بالماء وضوءاً لما تحت إزاره) كناية عن موضع الاستنجاء، قال العيني: قال مالك: أراد به الاستنجاء، وكذا في ((الفتح الرحماني)) والحديث يحتمل أن يكون من قول عمر - رضي الله عنه - أو فعله، وإلى الأول مال الزرقاني، إذ قال: إنه سمع عمر بن الخطاب يقول: يتوضأ، إلخ، فحينئذ يكون لفظ (يُتَوَضَّأ)) ببناء المجهول، واختار الباجي الثاني، فقال: يريد أنه سمع وقعَ الماء وحركةَ يديه، فحينئذ يكون ببناء الفاعل. ثم عموم اللفظ يتناول الاستنجاء بالغائط والبول، لكن ظاهر قول الإِمام في آخر ((ما جاء في البول قائماً)) يدل على أنه اقتصره على الأول، إِذ نسب الوضوء للغائط إلى من سبق الوضوء (١) (١/ ١٨٧). (٢) (كتاب الثقات)) لابن حبان (٦٠٦/٧). ٣٥٧ ٢ - كتاب الطهارة (١) باب (٣٧) حديث ٣٧/ ٧ - قَالَ يَحْيَى: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلِ تَوَضَّأَ للفرج إلى نفسه، لكن لم أتحصل بعد ما اقتضى إلى الاقتصار على أحدهما، فإن عموم ما تحت إزاره يتناول كليهما . وغرض الإِمام مالك - رضي الله عنه - بإخراج هذا الحديث ردّ على من أنكر الاستنجاء بالماء (١)، وقد ورد الإنكار عن بعض الصحابة والتابعين كما يأتي الإنكار عن سعيد بن المسيب وغيره في ((جامع الوضوء)). قال الإِمام محمد بعد تخريج هذا الحديث: وبهذا نأخذ، الاستنجاء بالماء أحب إلينا من غيره، وهو قول أبي حنيفة (٢)، انتهى. وما نقل عن الإِمام مالك أنه أنكر الاستنجاء بالماء أنكره الزرقاني، وقال: معروف مذهبه أن الماء أفضل، وأفضل منه الجمع بينه وبين الحجر، انتهى. قال في ((مختصر الخليل)): وندب جمع ماء وحجر ثم ماء، انتهى. وقال في ((المغني)): وهو مخيّر بين الاستنجاء بالماء والأحجار في قول أكثر أهل العلم، فإن أراد الاقتصار على أحدهما، فالماء أفضل، وإن اقتصر على الحجر أجزأه بغير خلاف بين أهل العلم للأخبار، ولأنه إجماع الصحابة، والأفضل أن يستجمر بالحجر، ثم يتبعه الماء، اهـ. قال الشامي: اعلم أن الجمع بين الماء والحجر أفضل، ويليه في الفضل الاقتصار على الماء، ويليه الاقتصار على الحجر، وتحصل السنة بالكل، وإن تفاوت فى الفضل، اهـ. ٧/٣٧ - (قال يحيى: سُئِلَ مالك) رضي الله عنه (عن رجل توضأ) وضوء .(١) قال ابن عبد البر: أدخل هذا الحديث في ((الموطأ)) رداً على من قال عن عمر: إنه كان لا يستنجي بالماء، وإنما كان استنجاؤه هو وسائر المهاجرين بالأحجار، انظر: (الاستذكار)) (٢/ ٥٥). (٢) انظر: ((التعليق الممجد)) (١٩٤/١). ٣٥٨ ------ ٢ - كتاب الطهارة (١) باب (٣٧) حديث فَنَسِيَ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَمَضْمَضَ، أَوْ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَ وَجْهَه، فَقَالَ: أَمَّا الَّذِي غَسَلَ وَجْهَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَمَضْمَضَ، فَلْيُمَضْمِضْ وَلاَ يُعِدْ غَسْلَ وَجْهِهِ، وَأَمَّا الَّذِي غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ قَبْلَ وَجْهِهِ، فَلْيَغْسِلِ وَجْهَهُ ثُمَّ لْيُعِدْ غَسْلَ ذِرَاعَيْهِ، حَتَّى يَكُونَ غَسْلُهُمَا بَعْدَ وَجْهِهِ، إِذَا كَانَ ذْلِكَ فِي مَكَانِهِ، أَوْ بِحَضْرَةِ ذَلِكَ. الصلاة (فنسي) فيه (فغسل وجهه) مثلاً (قبل أن يمضمض) يعني غير الترتيب بين الفرض والسنة (أو غسل ذراعيه) مثلاً (قبل أن يغسل وجهه) فَغَيَّرَ الترتيب في الفرائض (فقال) الإِمام في جوابه (أما الذي غسل وجهه قبل أن يمضمض فليمضمض) فمه (ولا يعد غسل وجهه) لأن ترتيب السنن مع الفرائض مستحب، وقد فات. قلت: هذا عند المالكية، وبه قالت الحنفية، وأما عند الشافعية فالظاهر خلافه، إذ قال ابن رسلان في ((شرح أبي داود)): الترتيب في السنن شرط كما في الفرائض (وأما الذي غسل ذراعيه قبل وجهه فليغسل وجهه، ثم ليعد غسل ذراعيه حتى يكون غسلهما) أي الذراعين (بعد) غسل (وجهه) على وجهة السنة وهذا (إذا كان ذلك) أي المتوضىء (في مكانه) أي في مكان الوضوء (أو بحضرة ذلك) أي قريباً منه، أما إذا بعد فلا حاجة إلى التكلف، فإن الوضوء قد تم، لأن الترتيب بين أعضاء الوضوء سنة عند المالكية على المشهور، وكذا عند الحنفية خلافاً للشافعية - رضي الله عنهم -، وهو رواية علي بن زياد عن مالك، رواه الباجي. قال الزرقاني: سواء فعل ذلك عمداً أو سهواً، والنسيان إنما وقع في السؤال، اهـ. قلت: كذلك عند الحنفية، وأما عند المالكية، فهذه رواية ابن القاسم، وأما في رواية ابن حبيب ففرق بين العامد والناسي. قلت: وعَدَّ صاحب (مختصر الخليل)) الترتيب من السنن، وسيأتي البسط في ذلك في أبواب الحج تحت حديث السعي بين الصفا والمروة. ٣٥٩ ٢ - كتاب الطهارة (١) باب (٣٨) حديث ٨/٣٨ - قَالَ يَحْيَى: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلِ نَسِيَ أَنْ يَتَمَضْمَضَ وَيَسْتَنْثِرَ حَتَّى صَلَّى؟ قَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ صَلاَتَهُ. وَلْيُمَضْمِضْ وَيَسْتَنْثِرْ مَا يَسْتَقْبِلُ، إِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يُصَلِّيَ. وقال في ((المغني)) (١). والترتيب في الوضوء على ما في الآية واجبٌ عند أحمد، لم أر عنه فيه اختلافاً، وهو مذهب الشافعي، وحكى أبو الخطاب رواية أخرى عن أحمد أنه غير واجب. وهذا مذهب مالك والثوري وأصحاب الرأي، انتهى. وقال أيضاً: لا يجب الترتيب بين اليُمْنَى واليُسْرَى، ولا نعلم فيه خلافاً، لأن مخرجهما في الكتاب واحد، قال تعالى: ﴿أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ الآية، انتهى. وكذا قال ابن رسلان. ٨/٣٨ - (قال يحيى: وسئل مالك عن رجل نسي أن يمضمض أو) بلفظ الترديد على أكثر النسخ (يستنثر حتى صلى؟ قال) الإِمام (ليس عليه أن يعيد صلاته) لأنهما من سنن الوضوء، كما تقدم مفصلاً، قال الزرقاني: فما على تاركهما ولو عمداً إعادة، وقيد النسيان إنما وقع في السؤال، انتهى. قلت: وبه قالت الحنفية، (وليمضمض) إن ترك المضمضة (أو ليستنثر) إن تركها (لما يستقبل) بكسر الباء أي لما يصلي بعد ذلك من الصلوات (إن كان يريد أن يصلي) بعد ذلك بهذا الوضوء وإلا فلا حاجة له، قال في ((مختصر الخليل))(٢): ومن ترك فرضاً أتى به وبالصلاة، وسنةً فعلها لما يستقبل، اهـ. وأما مسألة الموالاة فنذكر الكلام عليه في المسح على الخفين. وذكره في ((الموطأ)) في مسح الرأس إجمالاً. والظاهر في مقصود الترجمة بيان كيفية وضوء النائم، فعُلِمَ من الحديث (١) (١٨٩/١). (٢) ((مختصر الخليل)) مع الخُرَشي (٣٥/١). ٣٦٠