النص المفهرس
صفحات 241-260
الباب السادس: في الأشتات، وفيه فوائد تحتاج إلى بعد الأسفار، ووَطء الديار، وركوب البحار، وهو مع ذا ثمرة الحديث، وليس ثواب الفقيه دون ثواب المحدث في الآخرة، ولا عزه بأقل من عز المحدث. فلما سمعت ذلك نقص عزمي في طلب الحديث، وأقبلت على دراسة الفقه وتعلمه إلى أن صرت فيه متقدماً، ووقفت منه على معرفة ما أمكنني من تعلمه بتوفيق الله تعالى ومِنَّته، فلذلك لم يكن عندي ما أمليه على هذا الصبي يا أبا إبراهيم، فقال له أبو إبراهيم: إن هذا الحديث الواحد الذي لا يوجد عند غيرك خير للصبي من ألف حديث نجده عند غيرك، انتهى. وأورد الحافظ ابن حجر على آخر هذه القصة، واستبعدها من البخاري، وقال: تلوح أمارة الوضع على ذلك، سيما قوله: ((خير من ألف حديث)) كذب، ولذا لم يذكر آخرها بعض من ذكر الحكاية. ولم أتحصل بعد لِمَ اشتد إنكار مثل الحافظ على ذلك، لأن هذا القول ليس من البخاري بل من أبي إبراهيم، وتعلم الحديث لا يستلزم الأحاديث الصحيحة، بل يشمل الضعاف والموضوعات أيضاً، ولا شك أن الحكاية أفيد من تعلم موضوعات الفتن ونحوها. وكذلك لا شك في أن الفقه ثمرة الحديث، ورب حامل حديث ليس بفقيه، ورب حامل الحديث إلى من هو أفقه منه، فتأمل، إلا أن الحافظ إمام الفن، وإنكاره حجة. وقد بسط الإِمام أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - في وصاياه للإِمام أبي يوسف - رحمه الله - وهي جديرة بأن تكتب بماء الذهب، مذكورة في آخر ((الأشباه والنظائر))، ينبغي أن تتدبر فيها وتعمل بها . الفائدة الرابعة في طريق التحمل قال القاري: اختلفوا في القراءة على الشيخ هل تساوي السماع من لفظه، أو هي دونه، أو فوقه؟ على ثلاثة أقوال؛ فذهب مالك وأصحابه ٢٤١ الباب السادس: في الأشتات، وفيه فوائد ومعظم أهل الحجاز والكوفة والبخاري إلى التسوية بينهما، وذهب أبو حنيفة وابن أبي ذئب إلى ترجيح القراءة على الشيخ على السماع من لفظه، وروي عن مالك أيضاً، وذهب جمهور أهل الشرق إلى ترجيح السماع على القراءة عليه، قال زين العراقي: هو الصحيح، ولعل وجهه أنه - عليه الصلاة والسلام - كان يقرأ القرآن والحديث على أصحابه، انتهى. وقال السيوطي(١): اختلفوا في مساواتها أي القراءة للسماع من لفظ الشيخ في المرتبة ورجحانه عليها ورجحانها عليه، على ثلاثة مذاهب. فحكي المساواة عن مالك وأصحابه وأشياخه من علماء المدينة ومعظم علماء الحجاز والكوفة والبخاري وغيرهم، وحكاه الرامهرمزي عن علي وابن عباس - رضي الله عنهم -، وحكاه أبو بكر الصيرفي عن الشافعي، قال السيوطي: وعندي أن هؤلاء إنما ذكروا المساواة في صحة الأخذ بها رداً على من أنكرها، لا في اتحاد المرتبة، وحكي ترجيح السماع عليها عن جمهور أهل الشرق، قال النووي: هو الصحيح. وحكي ترجيح القراءة على السماع عن أبي حنيفة وابن أبي ذئب وهو رواية عن مالك. وحكي عن الليث وشعبة وابن لهيعة ويحيى بن سعيد وأبي حاتم والثوري وجماعة ذكرها السيوطي. وأنكر أهل العراق القراءة على الشيخ، ويروى عن أبي عاصم النبيل، ويسمى عند المحدثين عرضاً؛ لأن القارئ يعرض على الشيخ، وقال وكيع: ما أحدث عرضاً قط، وعن محمد بن سلام: أنه أدرك الإِمام مالك بن أنس والناس يقرؤون عليه، فلم يسمع منه لذلك، كذا في (لُقَطِ الدُّرَرِ))، وأهل الحديث يجعلون السماع عن الشيخ في الطبقة الأولى من الطبقات الثمانية للتحمل، والقراءة على الشيخ في الطبقة الثانية . (١) ((تدريب الراوي)) (٦٠٦/٢). ٢٤٢ الباب السادس: في الأشتات، وفيه فوائد الفائدة الخامسة في سن التحمل والأداء واختلفت المشايخ فيهما، أما سن السماع فقال جماعة: بعد ثلاثين، وآخرون: بعد عشرين، قال أبو عبد الله الزبيري: يستحب كتب الحديث في العشرين، لأنها مجتمع العقل، قال: وأحب أن يشتغل قبلها بحفظ القرآن والفرائض، ونقل عياض: أن أهل الصنعة حددوا أول زمن يصح فيه السماع بخمس سنين، ونسبه غيره للجمهور لرواية البخاري وغيره من حديث محمود بن الربيع قال: ((عقلت عن النبي ◌ّ﴾ مجةً مَجَّها في وجهي من دلو وأنا ابن خمس سنين»، بوَّب عليه البخاري(١) ((متى يصح سماع الصغير)). قال ابن الصلاح: والصواب اعتبار التمييز؛ فإن فهم الخطاب ورَدَّ الجواب كان مميزاً صحيح السماع وإن لم يبلغ خمساً، وإلا فلا وإن كان ابن خمس فأكثر، ولا يلزم من عقل محمود المجة في هذه السن أن تمييز غيره مثل تمييزه، بل قد ينقص، وقد يزيد، قال الشارح في ((المنهج)): هذا هو التحقيق، والمذهب الصحيح، انتهى. كذا في ((نيل الأماني)). قال الحافظ(٢): أشار البخاري بهذه الترجمة إلى اختلاف وقع بين أحمد بن حنبل ويحيى بن معين. رواه الخطيب في ((الكفاية)) أن يحيى قال: أقل سن التحمل خمس عشرة سنة لكون ابن عمر - رضي الله عنه - رُدَّ يوم أحد إذا لم يبلغها. فبلغ ذلك أحمد - رضي الله عنه - فقال: بل إذا عقل ما يسمع، وإنما قصة ابن عمر - رضي الله عنه - في القتال. ثم أورد الخطيب أشياء مما حفظها جمع من الصحابة ومن بعدهم وحدثوا بها بعد ذلك وقبلت عنهم، وهذا هو المعتمد، وما قاله ابن معين إن أراد به تحديد ابتداء الصلب بنفسه فموجّةٌ، وإن أراد به رد حديث من سمع اتفاقاً أو اعتنى به فسمع وهو (١) أخرجه البخاري (٧٧) (١ / ٢٧). (٢) ((فتح الباري)) (٢٠٥/١). ٢٤٣ الباب السادس: في الأشتات، وفيه فوائد صغير فلا، وقد نقل ابن عبد البر الاتفاق على قبول هذا. انتهى. وحكى السيوطي(١) عن القاضي عياض: أن أهل الصنعة حددوا أول زمن يصح فيه السماع للصغير بخمس سنين، ونسبه غيره للجمهور، وقال ابن الصلاح: على هذا استقر العمل بين أهل الحديث، فيكتبون لابن خمس فصاعداً ((سمع)) وإن لم يبلغ خمساً ((حضر)) أو ((أحضر))، والصواب اعتبار التمييز، وروي نحوه يعني اعتبار التمييز عن موسى بن هارون وأحمد بن حنبل . وأما سن الإِسماع، فقال ابن خلاد: إذا بلغ الخمسين فيحسن أن يتصدى فيه لإِسماعه، لأنها انتهاء الكهولة، وفيها مجتمع الأشد، قال: ولا ينكر عند الأربعين؛ لأنها حد الاستواء ومنتهى الكمال، وأنكر ذلك القاضي عياض، وقال: كم من السلف فمن بعدهم من لم ينته إلى هذه السن ونشر من الحديث والعلم ما لا يحصى، كعمر بن عبد العزيز، وسعيد بن جبير، والنخعي. وجلس مالك للناس وهو ابن نيف وعشرين، وقيل: ابن سبع عشرة سنة، والناس متوافرون وشيوخه أحياء: ربيعة، والزهري، ونافع، وغيرهم، وكذلك الشافعي وأئمة من المتقدمين والمتأخرين، وقد حدَّث بندار وهو ابن ثمان عشرة، وحدَّث البخاري وما في وجهه شعرة، وهلم جرا . قال ابن الصلاح: ما قاله ابن خلاد محله في من يؤخذ عنه الحديث لمجرد الإِسناد من غير براعة في العلم، قال النووي: الصحيح أنه متى احتيج إلى ما عنده جلس له في أي سن كان، وينبغي أن يمسك عن التحديث إذا خشي التخليط بهَرَم أو خَرِفٍ أو عمى، ويختلف ذلك باختلاف الناس، وضبطه ابن خلاد بالثمانين، قال: والتسبيح والذكر وتلاوة القرآن أولى به، قاله السيوطي، قلت: وتقدم ذلك في آداب الحديث. (١) ((تدريب الراوي)) (٥٩٢/٢). ٢٤٤ الباب السادس: في الأشتات، وفيه فوائد الفائدة السادسة فيما قاله الشيخ أبو عمرو بن الصلاح إن الرواية بالأسانيد المتصلة ليس المقصود بها في عصرنا وكثير من الأعصار قبلنا إثبات ما يروى، إذ لا يخلو إسناد منها عن شيخ لا يدري ما يرويه، ولا يضبط ما في كتابه ضبطاً يصلح لأن يعتمد في ثبوته، وإنما المقصود بها إبقاء سلسلة الإِسناد التي خصت بها هذه الأمة - زادها الله كرامة - وإذا كان كذلك فسبيل من أراد الاحتجاج بحديث من ((صحيح مسلم)) وأشباهه أن ينقله من أصل مقابل على يدي ثقتين بأصول صحيحة متعددة مروية بروايات متنوعة، ليحصلَ له بذلك مع اشتهار هذه الكتب وبعدها عن أن تقصد بالتبديل والتحريف الثقةُ بصحة ما اتفقت عليه تلك الأصول، فقد تكثر تلك الأصول المقابل بها كثرة تتنزل منزلة التواتر أو منزلة الاستفاضة. انتهى. وهذا الذي قاله محمول على الاستحباب والاستظهار، وإلا فلا يشترط تعدد الأصول والروايات، فإن الأصل الصحيح المعتمد يكفي، ويكفي المقابلة، قاله النووي في شرح مسلم. الفائدة السابعة فيما قال البحراني: لا تقبل رواية من عرف بالتساهل في سماع الحديث أو إسماعه، كمن ينام حالة السماع أو يتشاغل عنه بما يشغل، أو يحدث لا من أصل صحيح، أو من عرف بقبول التلقين في الحديث، أو بكثرة السهو في رواياته، إذا لم يحدث من أصل مصحَّح، أو كثرة الشواذ والمناكير في حديثه، وحكى السيوطي عن الإِمام مالك أنه قال: لا يؤخذ العلم عن أربعة، تقدم بيان ذلك في شرافة العلم من الباب الأول. ٢٤٥ الباب السابع: في عِدَّةِ أصولٍ لا بد من معرفتها لطالب الحديث الباب السابع فى عِدَّةِ أصولٍ لا بد من معرفتها لطالب الحديث منها: ما قاله المشايخ: إنه يحكم للحديث بالصحة إذا تلقاه الناس بالقبول، وإن لم يكن له إسناد صحيح، قال ابن عبد البر في (الاستذكار)(١) لما حكى عن الترمذي أن البخاري صحح حديث البحر (هو الطهور ماؤه): وأهل الحديث لا يصححون مثل إسناده، لكن الحديث عندي صحيح، لأن العلماء تلقوه بالقبول، وقال في ((التمهيد))(٢): روى جابر عن النبي وَل﴾: ((الدينار أربعة وعشرون قيراطاً)). قال: وفي قول جماعة العلماء وإجماع الناس على معناه غنى عن الإِسناد. وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني: تعرف صحة الحديث إذا اشتهر عند أئمة الحديث بغير نكير منهم، وقال نحوه ابن فورك، وزاد بأن مثل ذلك حديث: ((في الرقة ربع العشر، وفي مائتي درهم خمسة دراهم)). وقال أبو الحسن بن الحضّار في ((تقريب المدارك على موطأ مالك)): قد يعلم الفقيه صحة الحديث - إذا لم يكن في سنده كذّاب - بموافقة آية من كتاب الله، وبعض أصول الشريعة، فيحمله ذلك على قبوله والعمل به. قال السيوطي في ((التنوير)): وقال ابن العربي في ((شرح الترمذي)): ومن أصول الإِمام مالك - رضي الله عنه - أن شهرة الحديث بالمدينة تغني عن صحة سنده. انتهى. (١) (٩٨/٢). (٢) انظر: ((الأجوبة الفاضلة)) للكهنؤى (ص٢٣١). ٢٤٦ - - . الباب السابع: في عِدَّةِ أصولٍ لا بد من معرفتها لطالب الحديث ومنها: ما قاله السيوطي(١): قد يعرض للمفوق ما يجعله فائقاً، كأن يتفقا على إخراج حديث غريب، ويخرج مسلم أو غيره حديثاً مشهوراً. أو مما وصفت ترجمته بكونها أصح الأسانيد، ولا يقدح ذلك فيما تقدم، لأن ذلك باعتبار الإِجمال، قال الزركشي: ومن ههنا يعلم أن ترجيح كتاب البخاري على مسلم إنما المراد به ترجيح الجملة على الجملة، لا كل فرد من أحاديثه على كل فرد من أحاديث الآخر. ومنها: ما قاله السمعاني في ((القواطع)): إن الصحيح لا يعرف برواية الثقات فقط، إنما يعرف بالفهم والمعرفة وكثرة السماع والمذاكرة، وقال شيخ الإِسلام: وهذا من اشتراط كونه معلولاً؛ لأن الاطلاع على ذلك إنما يحصل بما ذكر من الفهم والمذاكرة وغيرهما، قاله السيوطي، وقال أيضاً: شرط أبو حنيفة لصحة الحديث فقه الراوي. قال شيخ الإسلام: والظاهر أن ذلك إنما يشترط عند المخالفة أو عند التفرد بما تعم به البلوى. وقال السيوطي(٢) تبعاً للنووي: قولهم: هذا حديث حسن الإِسناد أو صحيحه دون قولهم: حسن أو صحيح، لأنه قد يصح أو يحسن الإِسناد لثقة رجاله دون المتن، الشذوذ أو علة. انتهى، قال النووي: وسمى الترمذي النسخ علَّةً، قال العراقي: فإن أراد أنه علة في العمل بالحديث فصحيح، أو في صحته فلا، لأن في الصحيح أحاديث كثيرة منسوخة. انتهى، فعلم أن كون الحديث صحيحاً لا يوجب العمل، بل يحتمل النسخ. وقد يكون شاذاً ومعللاً، فمجرد كون الرواة ثقة عدلاً لا يوجب العمل بالحديث. ومنها: ما قاله النووي وتبعه السيوطي: إن الحسن هو مدار أكثر الحديث، لأن غالب الأحاديث لا تبلغ رتبة الصحيح، ويقبله أكثر العلماء، وإن كان بعض أهل الحديث شَدَّدَ، فرَدَّ بكل علةٍ قادحةٍ كانت أم لا، كما (١) ((تدريب الراوي)) (١/ ١٤١). (٢) ((تدريب الراوي)) (١/ ١٩٤). ٢٤٧ الباب السابع: في عِدَّةِ أصولٍ لا بد من معرفتها لطالب الحديث روي عن ابن أبي حاتم أنه قال: سألت أبي عن حديث فقال: إسناده صحيح. فقلت: يُحتج به؟ فقال: لا، واستعمله يعني عمل به عامة الفقهاء. ومنها: ما قاله السيوطي (١) تبعاً للنووي: إذا روى بعض الثقات الضابطين الحديث مرسلاً وبعضهم متصلاً، أو بعضهم موقوفاً وبعضهم مرفوعاً، أو وصله هو أو رفعه في وقت، وأرسله أو وقفه في وقت آخر، فالصحيح عند أهل الحديث والفقه والأصول أن الحكم لمن وصله أو رفعه، سواء كان المخالف له مثله في الحفظ والإتقان أو أكثر منه، لأن ذلك - يعني الرفع والوصل - زيادة ثقة، وهي مقبولة. ومنهم من قال: الحكم لمن أرسله أو وقفه، قال الخطيب: هو قول أكثر المحدثين، وعن بعضهم: الحكم للأكثر، وعن بعضهم: الحكم للأحفظ، وقال الماوردي: لا تعارض بين ما ورد مرفوعاً مرة، وموقوفاً أخرى، لأنه قد يكون رواه وأفتی به. انتهى. ومنها: ما في ((قرة العين)): تُعرف العدالة بتنصيص عدلين عليها أو بالإِضافة(٢)، فمن اشتهرت عدالته بين أهل النقل وغيرهم من العلماء وشاع الثناء عليه كفى، كمالك والسفيانين والأوزاعي والشافعي وأحمد وأشباههم، وقال ابن عبد البر: كل حامل علم معروف بالعناية به محمول على العدالة أبداً حتى يتبين جرحه، وهذا غير مرضي، ويقبل التعديل من غير ذكر سببه، ولا يقبل الجرح إلا مفسراً لاختلاف الناس في موجبه. قال البدر بن جماعة: هذا هو الصحيح المختار فيهما وبه قال الشافعي. انتهى. ومنها: نكتة لطيفة تفيد معرفتها لطالب الحديث. وتزيل كثيراً من الإِشكالات الواردة على أئمة الحديث والفقه في إيرادهم بعض الروايات (١) المصدر السابق (٣٣٥/١). (٢) هكذا في الأصل، والظاهر ((بالاستفاضة)) انظر ((تدريب الراوي)) (٣٠١/١). ٢٤٨ الباب السابع: في عِدَّةِ أصولٍ لا بد من معرفتها لطالب الحديث المتكلمة في كتبهم، وكذا استدلالهم بأمثال هذه الروايات، وهي أن أئمة الحديث كالبخاري ومسلم وغيرهما من أئمة الفقه والحديث، وهم أئمة الجرح والتعديل مقدمون في الفن، لا يورد عليهم تضعيف معاصريهم، أو من هو دونهم، لا سيما الإِمامين الهمامين: أبي حنيفة ومالك، فإن كل من جاء بعدهما من أئمة الفقه أو الحديث عيال عليهما، وعلى تلاميذهما، ولم يزالوا يستفيدون منهم ويتبعون آثارهم، فمن الظواهر أن الروايات التي صارت متكلمة بعد مضي الدهور لا يلزم أن تكون ضعيفة في عصرهما، كذلك لغيرهما من أئمة الحديث، كالبخاري ومسلم. ولذا قال النووي في ((شرح مسلم)) (١): عاب عائبون مسلماً - رحمه الله - بروايته في ((صحيحه)) عن جماعة من الضعفاء، ولا عيب عليه في ذلك، بل جوابه من أوجهٍ، ذكرها أبو عمرو بن الصلاح، منها: أن يكون ضعيفاً عند غيره ثقة عنده، ومنها: أن يكون ضعف الضعيف الذي احتج به طرأ بعد أخذه عنه باختلاط حدث عليه غير قادح فيما رواه قبل، انتهى ملخصاً. وقال الحافظ في ((مقدمة الفتح))(٢) بعد ذكر ما أورد على البخاري: والجواب عنه على سبيل الإِجمال أن نقول: لا ريب في تقديم البخاري، ثم مسلم على أهل عصرهما، ومن بعده من أئمة هذا الفن في معرفة الصحيح والمعلل، فإنهم لا يختلفون في أن علي بن المديني كان أعلم أقرانه بعلل الحديث، وعنه أخذ البخاري ذلك. حتى كان يقول: ((ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني))، ومع ذلك فكان علي بن المديني إذا بلغه ذلك عن البخاري يقول: دعوا قولَه، فإنه ما رأى مثل نفسه، وروي عن البخاري قال: ما أدخلت في الصحيح حديثاً إلا بعد أن استخرت الله تعالى، وتیقنت صحته. (١) (٣٤/١) . (٢) (ص٣٤٧). ٢٤٩ الباب السابع: في عِدَّةِ أصولٍ لا بد من معرفتها لطالب الحديث وعن مسلم يقول: عرضت كتابي هذا على أبي زرعة الرازي، فكل ما أشار أن له علة تركته. فإذا عرف وتقرر أنهما لا يخرجان من الحديث إلا ما لا علة له، أو له علة إلا أنها غير مؤثرة عندهما، فبتقدير توجيه كلام من انتقد عليهما يكون قوله معارضاً لتصحيحهما، ولا ريب في تقديمهما في ذلك على غيرهما، فيندفع الاعتراض من حيث الجملة. انتهى. وكذا أجاب عنهما السيوطي في ((التدريب)) (١): وأنت خبير بأن الإِمامين الهمامين أبا حنيفة ومالكا صاحب الكتاب مقدَّمان على البخاري ومسلم في هذا المعنى، فإن أبا حنيفة - رضي الله عنه - قال ابن معين: كان ثقة لا يحدث بالحديث إلا بما يحفظه، ولا يحدث بما لا يحفظ، وعن ابن المبارك قال: لولا أن الله أغاثني بأبي حنيفة وسفيان كنت كسائر الناس، كذا في ((تهذيب الحافظ)). وقال الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)): كان إماماً ورعاً عالماً عاملاً متعبداً كبير الشأن، وقد أفرد الحافظ ابن حجر والذهبي مناقبه في أجزاء مفردة، واستدل الترمذي في الرجال بقوله، وقال الإِمام الشافعي - رضي الله عنه -: الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة. وأما الإِمام مالك وما أدراك ما مالك؟ فسنده أصح الأسانيد عند المحدثين، وقال علي بن المديني عن ابن عيينة: ما كان أشد انتقاد مالك للرجال، وأعلمهم بشأنهم، وقال علي: لا أعلم مالكاً ترك إنساناً إلا إنساناً في حديثه شيء، وكان وهيب لا يعدل بمالك أحداً، وعن ابن عيينة قال: نتبع آثار مالك وننظر إلى الشيخ، وإلا تركناه، وغير ذلك من المناقب الكثيرة التي أوردها أهل الفن في مؤلفاتهم، فلا يرد عليهما تضعيف الروايات عمن بعدهما، على أن المعروف عند أئمة أهل الفن أن عمل المجتهد على الحديث تصحيح له. قال الشعراني في ((كشف الغمة)) الذي ذكر فيه أدلة جملة الأئمة: ولم أعز أحاديثه إلى من خرّجها من الأئمة، لأني ما ذكرت فيه إلا ما استدل به (١) انظر: ((تذريب الراوي)) (١٥٧/١). ٢٥٠ الباب السابع: في عِدَّةِ أصولٍ لا بد من معرفتها لطالب الحديث الأئمة المجتهدون لمذاهبهم، وكفانا صحة لذلك الحديث استدلال مجتهد به، وقال أيضاً في موضع آخر: فإنه لولا ما صح عنده ما استدل به، ولا يقدح فيه تجريح غيره من المحدثين والمجتهدين من طريق روايتهم. انتهى. ولذا ترى أن الإِمام الشافعي وغيره الذين قالوا بضعف المرسل جعلوه حجة بموافقة قول صحابي أو فتوى العلماء، كما تقدم في بيان المرسل، وأيضاً تقدم ما صرح به أهل الأصول من أن إماماً من الأئمة إذا قال: حدّثني الثقة عن فلان وفلان، فهو حجة لموافقيه في المذهب. والجملة أن عمل أحد من الأئمة المعروفين على حديث يكفي لتصحيح الحديث سيما لموافقيه ومقلديه، بل هو فوق تصحيح المحدثين كما لا يخفى على من له خبرة بالفن، ولذا قال الأعمش: حديث يتداوله الفقهاء خير من حديث يتداوله الشيوخ، ولام إنسان أحمد في حضوره مجلس الشافعي، وتركه مجلس سفيان بن عيينة، فقال له أحمد: اسكت، فإن فاتك حديث بعلو تجده بنزول، ولا يضرك، وإن فاتك عقل هذا الفتى أخاف أن لا تجده، حكاه السيوطي في ((التدريب)). ومنها: تقرير أنيق أفاده بعض مشايخي(١) - أدام الله علوه - نختم به هذه المقدمة وإن جاء بعض معانيه في الأوراق المتقدمة بمواضع شتى، لكن جلالةً لكلامه ذكرناه بدون التغيير في ألفاظه، فقال: اعلم أن المشهور على ألسنة العلماء أن صحيح البخاري أصح الكتب بعد كتاب الله، وهذا صار كالمجمع عليه فيما بينهم، فإذا عمل أحد الأئمة بحديث خالف ظاهرُه حديث البخاري - رحمه الله - قالوا: يلزم المخالفة بين المشهور وبين هذا العمل، خصوصاً الحنفية فإنهم متَّهمون بهذا أكثر من غيرهم، فلهذا تحتاج المقولة المشهورة إلى التوضيح والتشريح، وطريقته إيضاح معناها بحيث يزول الاشتباه. وأيضاً قد اشتهر عند المحدثين - بناءاً على المقولة المشهورة - أن (١) المراد به فضيلة الشيخ السيد عبد اللطيف، ناظم ((مظاهر العلوم)) نور الله مرقده، (ت ١٣٧٣ هـ). ٢٥١ الباب السابع: في عِدَّةِ أصولٍ لا بد من معرفتها لطالب الحديث أقسام الصحيح سبعة: أصحها ما اتفق عليه الشيخان، ثم ما أخرجه البخاري .. إلخ، فإذا وقع العمل بما يخالف حديث البخاري ألزموا العامل بما لا يلزم. وقد تكلم صاحب ((فتح القدير)) في هذا المقام في انحصار أصح الحديث في البخاري، لكن المقام بعد في خفاءٍ، وطريق الإِيضاح أن يبين أن المراد بكونه أصح الكتب أن مصنفه في هذا الكتاب اشترط في صحة الحديث ما لم يشترط غيره من المحدثين، وشدد فيها وإن خالفه بعض تلاميذه في هذا الاشتراط كمسلم على ما لا يخفى على القارئين، ومعناه أن الكتاب بمجموعه أصح من بقية الكتب من حيث المجموع، وليس معناه أن كل حديث في البخاري هو أصح من كل حديث مما في غيره من الكتب كما فهموا . وهذا لا ينافي أن يعمل بحديث خالف حديثاً مما في البخاري؛ فإن الفرق بين أحكام الكل الأفرادي والمجموعي مما لا يخفى على الواقف، فرب موضع يصح الحكم على الكل الأفرادي ولا يصح على المجموعي، ورب موضع بالعكس، كما يقال: كل إنسان يشبعه هذا الرغيف، فههنا إنْ أريد أن هذا الفرد من الرغيف يشبع مجموع أفراد الإِنسان فلا يصح، وإن أريد أنه يشبع واحداً من أفراد الإِنسان أي فرد كان فهو صحيح لا محالة، ومثال العكس: كل إنسان يحمل هذا الحجر المخصوص، إلى غير ذلك من الأمثلة. والطريق الثاني: أنه لا يخفى أن في صحيح البخاري من الأحاديث ما هو صحيح بالاتفاق، وضعاف بالاتفاق، ومختلف فيها، حتى إن البخاري - رحمه الله - بنفسه صرح(١) في الكتاب بالنسبة ببعض الأحاديث أنه لا يصح (١) إن قول البخاري: ما أدخلت في كتاب الجامع إلا ما صح محمول على ما وضع الكتاب لأجله، وهو الأحاديث الصحيحة المسندة دون المعلقات والآثار الموقوفة على الصحابة فمن بعدهم والأحاديث المترجم بها ونحو ذلك فإن فيها ما لا يجزم بصحته فيستثنى مما يحكم بإفادته العلم وإن كان إيراده لها في أثناء الصحيح - مشعراً بصحة أصله -، انظر ((توجيه النظر)) (١٢٥). فاتضح أن كلام شيخنا يتعلق بما جاء في التراجم من الآثار والمعلقات كما أشار شيخنا إليه في آخر كلامه، فتأمل. ٢٥٢ الباب السابع: في عِدَّةِ أصولٍ لا بد من معرفتها لطالب الحديث فكيف يدّعي كل حديث مما في البخاري أصح مما في غيره من الكتب؟ فلا محالة يضطر إلى التخصيص ببعض الأحاديث التي ليست في التراجم. وقد تكلم الدارقطني على أحاديث البخاري حديثاً حديثاً واعترض على كثير من أحاديثه وإن أجاب عن أكثرها صاحب ((فتح الباري)) في ((مقدمة الصحيح)) (١) لكن اضطر إلى الاعتراف بكون بعض أحاديثه ضعيفاً، وأنصف، وإن كان - رحمه الله - مولعاً بتصحيح أحاديثه . والطريق الثالث: بعد تسليم أصحية أحاديثه أن العمل على حديث غيره لا ينافي أصحيته، فقد يوجد في المفوق ما يفوق به الفائق، ويجعل المفضول فاضلاً بل أفضل، ونظائره في الشريعة غير قليلة، كما أن القياس ظني، لكن ما كان بعلة منصوصة فهو قطعي، وكذا خبر الواحد ظني، لكن المحفوف بالقرائن قد يكون قطعياً، صرّح به الشيخ صاحب ((فتح الباري)) في ((شرح النخبة)) في حديث تحويل قبلة أهل قباء. وكذا لا يخفى على من نظر في كتب الحديث أن أهل الحديث يصرحون بصحة حديث مع كون العمل على خلافه إجماعاً، فبهذا التقرير ظهر أن أُصحبة الحديث لا ينافي العمل على خلافه، وهذا ليس بخلافية، بل عليه إجماع من العلماء، كما إذا صار الحديث الصحيح منسوخاً، فهذا ليس فيه خلاف أن العمل ههنا متحقق بخلاف المنسوخ مع كونه صحيحاً إجماعاً، فلو سلّمنا أن البخاري أصح الأحاديث، لكن فيه المنسوخ والعمل بخلافه لا محالة، فقد انحلَّ الإِشكال، وزال الاشتباه. والطريق الرابع: أن الحكم بصحة الحديث إنما يكون بالاجتهاد، لا بالقطع. فيمكن أن يخالف اجتهاده اجتهاد غيره في تصحيح الأحاديث كما هو المشاهد فيما بين العلماء، فرب حديث ضعيفٍ عند واحدٍ من المحدثين، وهو صحيح عند غيره، انتهى بلفظه الشريف. (١) أي: ((مقدمة شرح الصحيح)). ٢٥٣ الباب السابع: في عِدَّةِ أصولٍ لا بد من معرفتها لطالب الحديث وهذا آخر ما أردت ذكره في هذه المقدمة - ستر الله عيوبنا وغفر ذنوبنا - فإنه سَتَّارٌ للعيوب، وغفّارٌ للذنوب، والحمد لله رب العالمين أولاً وآخراً، والصلاة والسلام على سَيِّدِ المرسلين دائماً، وسرمداً، وعلى آله وأتباعه أبداً أبداً . محمد زكريا ١٢ ربيع الثاني سنة ١٣٤٨هـ وزيد فيه بعض الزيادات عند الطبعة الثانية سنة ١٣٨٤هـ قد تمت - بعونِ اللهِ وتَوفيقِه - مقدمةُ ((أوجز المسَالك)) ويليها ((أوجزُ المسالِك)» مُفْتَتِحاً باب وقوتِ الصلاة. نسأله - جَلَّتْ قدرتُه - أن يَمُنَّ بإِتَمَامِه، ويُوقِّفَنا إلى طَاعَتِهِ، إِنَّه ولِيُّ ذلك ٢٥٤ أوْ جَن المَالِك رمزي إِلى موظأ مالكـ تَأْلِيفُ الإِمَامِ المُحُدِّثْ محمد ركزيًّا الكان حلوي المدني المتوفى سَنَة ١٤٠٢ هـ اعتَنَى بِهِ وَعَلَّقَ عَلَيْهِ الأستاذ الدكتور في الذين الندوي ---- -- ١ - كتاب وقوت الصلاة (١) باب بسم الله الرحمن الرحيم (وصَلَّى اللَّهُ على سَيِِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْيِهِ) (١) كتاب وقوت الصلاة (١) باب وقوت الصلاة (بسم الله الرحمن الرحيم) بدأ المصنف - رضي الله عنه - كتابه بالتسمية مقتصراً عليها - كما هو عادة أكثر المحدثين - بدون كتابة الحمد والشهادة، مع ورود الروايات فيهما، لما أنه ليس في أحد منهما التقييد بالكتابة، مع ما في الروايات من المقال على قواعد المحدثين، وقيل: اقتداءً بنزول القرآن؛ إذ أول ما نزل ((اقرأ)) أو تأسياً بكتب النبي وَله إلى الملوك، أو بكتبه ◌َّل في القضايا، ومن المعلوم أن كتب الحديث كلها جمع لقضاياه ◌َّير في العبادات والمعاملات وغيرها، ويمكن الاعتذار عنه بأن هذا التأليف لم يكن عند المصنف في أمر ذي بال كما هو مشهور عند مشايخ الدرس في أمثال هذا المحل. (١) باب وقوت الصلاة الوقوت جمع كثرة (١) لوقت، كبدر وبدور، وهكذا في أكثر الروايات، وفي رواية ابن بكير ((أوقات الصلاة)) بجمع القلّة، ورجح هذه الرواية بأن الصلاة خمسة، فهي أنسب بجمع القلة، ووجه الأولى بأنها لتكررها كل يوم نزلت بمنزلة الكثير، أو لأنها باعتبار أصل الفرضية والأجر خمسون، أو بأن كل وقت يشمل ثلاثة أوقات: وقت استحباب وجواز وقضاء، أو يقال: إنه (١) قال ابن العربي: كذا فعل هو [الإِمام مالك] رضي الله عنه، فإنه أدخل تحت الترجمة ثلاثة عشر وقتاً، وكل وقت منها ينفرد عن صاحبه بحكم ويغايره من وجهٍ ((القبس)) (١/ ٧٦). ٢٥٧ ١ - كتاب وقوت الصلاة (١) باب شاع استعمال أحد الجَمْعين محل الآخر، أو يقال: إن الفرق بين الجمعين في الغاية دون المبدأ عند بعض المحققين. والصلاة سميت بها - على قول الجمهور - لأنها بمعنى الرحمة، ولذا سميت بها صلاة الجنازة مع أنه ليس فيها ركوع ولا سجود، وقيل: من الصلوين، وهما عرقان في الردف، ينحنيان في الصلاة، روي ذلك عن المبرد وغيره. قاله الباجي(١) . وقدّم هذا الباب على سائر أبواب الكتاب، لأن الصلاة أم العبادات، والوقت أصل في وجوب الصلاة، فإذا دخل الوقت وجبت الصلاة، فيجب الوضوء وغيره. ثم الاختلاف بينهم في أن سبب الوجوب جميع الوقت، كما قال به أكثر المالكية، أو أوله كما قاله الشافعية أو آخره - مسائل الأصول - فارجع إليه. نعم، ينبغي لنا أن نقدم شيئاً من اختلاف العلماء في تحديد مواقيت الصلاة ليفيد بصيرة على الروايات الآتية في الباب فأقول ـ وبالله التوفيق: إن العلماء اتفقوا على أن ابتداء وقت الظهر من الزوال، ولا خلاف في ذلك لمن يُعْتَدُّ به، قال الزرقاني(٢): هذا ما استقر عليه الإِجماع، وكان فيه خلاف قديم عن بعض الصحابة أنه جَوَّزَ الظهر قبل الزوال، وعن أحمد وإسحاق مثله في الجمعة، انتهى. وكذا نقل عليه الإِجماع ابن عبد البر(٣) وصاحب ((المغني))(٤). (١) انظر ((المنتقى)) (٤/١). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٢١/١). (٣) انظر: ((الاستذكار)) (١٩٠/١). (٤) ((المغني)) (٩/٢). ٢٥٨ --- ١ - كتاب وقوت الصلاة (١) باب وأما انتهاء وقت الظهر، فقال مالك وطائفة: إنه يدخل وقت العصر بمصير ظل الشيء مثله، ولا يخرج وقت الظهر، وقالوا: يبقى بعد ذلك قدر أربع ركعات صالح للظهر والعصر، لصلاته عليه الصلاة والسلام في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله، وقد صلّى العصر في اليوم الأول في ذلك الوقت. وقال الجمهور: لا اشتراك، ولا فاصلة بينهما، وقال بعض الشافعية وداود: بالفاصلة بينهما أدنى فاصلة، ورُدَّ برواية مسلم مرفوعاً ((ووقت الظهر ما لم يحضر العصر))(١). ثم قال الجمهور وصاحبا أبي حنيفة - رضي الله عنه -: إنه يخرج وقت الظهر بمصير ظل كل شيء مثله، ويدخل وقت العصر، وهو رواية عن الإِمام الأعظم أبي حنيفة، وظاهر الرواية عن الإِمام أنه لا يخرج وقت الظهر، ولا يدخل وقت العصر إلا بمصير ظل كل شيء مثليه، وتمام البحث فيه في محله. وأما أول وقت العصر فعلى الخلاف المذكور في آخر وقت الظهر، والحاصل أن هناك اختلافين، الأول: أن بين الوقتين اشتراكاً عند بعض المالكية وفاصلة عند بعض الشافعية، ولا اشتراك ولا فاصلة عند الجمهور، والثاني: أن انتقال الوقت من الظهر إلى العصر بالمثل كما قال به الجمهور، أو بالمثلين كما هو المشهور عن الإِمام أبي حنيفة - رضي الله عنه - وأما آخر وقت العصر فقيل: إلى المثلين، وقيل: إلى الاصفرار، وجمهور الأئمة على أنه إلى غروب الشمس . وأول المغرب مجمع على أنه من الغروب، نقل عليه الإِجماع ابن عبد البر وصاحب ((المغني)) وجماعة، وآخره عند أئمتنا الثلاثة وبه قال الحنابلة كما في ((المغني))، هو غروب الشفق، وهو أحد قولي الشافعي ومالك - رضي الله (١) أخرجه مسلم (١/ ١٧٢) رقم الحديث (١٧٢). ٢٥٩ ١ - كتاب وقوت الصلاة (١) باب (١) حديث ١ - قَالَ: حدّثني يَحْيَى بْنُ يَحْيَى اللَّيْنِيُّ، عنه - مع الاختلاف فيما بينهم في الشفق، كما سيجيء، وقالا في قولهما الثاني: لا وقت له إلا وقت واحد، قاله الباجي، وهو أن يتطهّر، ويصلي ثلاث ركعات. وأجمعوا على أن أول وقت العشاء مغيب الشفق، وأما آخر وقتها فقيل: ثلث الليل، وروي ذلك عن الشافعي ومالك - رضي الله عنه - قاله الباجي، وقيل: نصف الليل، وروي عنهما أيضاً، وقيل: إلى طلوع الفجر، وبه قالت الحنفية، وكذا قال في ((المغني)): إن وقت الاختيار إلى ثلث الليل، ووقت الضرورة إلى طلوع الفجر الثاني(١). وأجمعوا على أن أول وقت الصبح طلوع الفجر الثاني، وآخر وقتها قيل: إلى الإِسفار، وروي ذلك عن مالك والشافعي، وقيل: إلى طلوع الشمس، وعليه الجماعة حتى نقل الإِمام الطحاوي الإِجماع عليه. ملخص من ((البذل))(٢) وغيره. هذا إجمال ما قالوا في تحديد الأوقات، وسيأتي الكلام على الدلائل في محله. ١ - (حدثنا)(٣) مقولة لتلميذ يحيى بن يحيى الليثي - صاحب النسخة - وهو ابنه عبيد الله - مصغراً - بن يحيى الليثي، فقيه قرطبة ومسند الأندلس، قال عبيد الله: حدثنا أبي ووالدي (يحيى بن يحيى) بن كثير الليثي، تقدمت ترجمته وترجمة ابنه عبيد الله في المقدمة في بيان هذه النسخة من نسخ الكتاب، قال يحيى: (أنا) هو مخفَّفٌ لقولهم: ((أخبرنا)) كما أن قولهم: ((ثنا)» مخفف لقولهم ((حدثنا)) قال النووي: قد جرت العادة بالاقتصار على الرمز في حدثنا وأخبرنا، واستمر الاصطلاح من قديم الأعصار إلى زماننا، واشتهر ذلك بحيث لا (١) انظر: ((المغني)) (٢٧/٢) و((عمدة القاري)) (٥/٣ ص٢ - ٦) ((وفتح القدير)) (١/ ١٥١) ((والشرح الكبير)) (١ - ١٧٦) ((ولا مع الداري)) (٦٠١/٣). (٢) انظر ((بذل المجهود)) (١٤٨/٣ - ١٥٨). (٣) في نسخة ز حدثنا . ٢٦٠