النص المفهرس

صفحات 221-240

الباب الخامس: في توضيح ألفاظ كثُر استعمالُها في كتب الحديث
وفي ((قرة العين)): شرط أبو بكر الصيرفي ثبوت اللقاء وقال: عليه أئمة
الحديث: البخاري وابن المديني وغيرهما، وشرط أبو مظفر السمعاني طول
الصحبة، وأبو عمرو الداني أن يكون معروفاً بالرواية عنه، وأنكر مسلم على
من اشترط ثبوت اللقاء في العنعنة، وأنه قول مخترع، وأن المتفق عليه إمكان
لقائهما إلخ.
والمُؤَنَّنُ: قول الراوي حدثنا فلان أن فلاناً قال، وهو كـ ((عن)) في
اللقاء وغيره، كذا في ((النيل))، قال السيوطي: قال أحمد بن حنبل وجماعة:
لا تلتحق «أنَّ)) وشبهها بـ ((عن)) في الاتصال، بل يكون منقطعاً حتى يتبين
السماع في ذلك.
وقال الجمهور، منهم مالك: ((أنَّ)) كـ ((عن)) في الاتصال ومطلقه محمول
على السماع بالشرط المذكور، إلخ.
والمعلَّقُ: ما حُذِفَ من أول إسناده لا وسطه.
والمدلَّسُ: بفتح اللام المشددة ثلاثة: أحدها: أن يسقط اسم شيخه،
ويرتقي إلى شيخ شيخه أو فوقه، فيسند ذلك بلفظ لا يقتضي الاتصال، كعن
فلان، أو قال فلان، وإنما يكون تدليساً إذا كان المُدَلِّسُ قد عاصر الذي
روى عنه، أو لَقِيَه ولم يسمع منه ذلك الحديث، فلا يقبل ممن عرف بذلك،
إلا ما صرح بالاتصال، وثانيها: تدليس التسوية بأن يسقط ضعيفاً بين شيخيه
الثقتين، وهو شرُّ التدليس، ثالثها: تدليس الشيوخ بأن يسمي شيخه الذي سمع
منه بغير اسمه المعروف، وهو جائز لقصد تيقظ الطالب واختباره، ليبحث عن
الرواة .
والمُدْرَجُ: كلام يُذْكر عقب الحديث متصلاً، يوهم أنه منه، أو يكون
عنده متنان بإسنادين، فيرويهما بأحدهما أو نحو ذلك، كما بسط صوره
القسطلاني .
والعالي خمسة أنواع :
والمسلسل: ما ورد بحالة واحدة في الرواة أو الرواية، وأصحها
المسلسل بقراءة سورة الصف .
٢٢١

الباب الخامس: في توضيح ألفاظ كثُر استعمالُها في كتب الحديث
والغريب: ما انفرد راوٍ بروايته، أو برواية زيادة فيه. وينقسم إلى
صحيح وحسن، وضعيف، وهو الغالب على الغرائب.
والعزيز: ما انفرد بروايته اثنان أو ثلاثة.
والمعلَّلُ: ويُطْلَقُ عليه المعلول: خَبْرٌ ظاهره السلامة، لكن فيه علةٌ خفيّةٌ
تظهر للنقاد، كمخالفة الأحفظ، أو تفرده وعدم المتابعة مع قرائن تُنَبِّه على
الوهم، وغير ذلك، وهذا من أغمض أنواع علم الحديث. وذكر الجلال في
(التدريب)) (١) العلل عشرة أنواع.
والفرد أنواع: فإن وجد الفرد النسبي موافقاً في اللفظ يسمى متابعاً أو
موافقاً في المعنى يسمى شاهداً، ويدخل فيهما رواية من لا يحتجُّ بحديثه
وحده، بل يكون معدوداً في الضعفاء، وليس كل ضعيف يصلح لذلك، ولذا
قال الدارقطني: فلان يعتبر به، وفلان لا يعتبر به، وقد يكون كل من
المتابع، والمتابَع لا اعتماد عليه، لكن باجتماعهما تحصل القوة.
والشاذُّ: ما خالف الراوي الثقة فيه الثقات، وفيه تفصيل، ومقابله
المحفوظ.
والمنكر: الذي لا يعرف متنه من غير جهة راويه، فلا متابع له ولا
شاهد، ويقال: المنكر ما خالف فيه الضعيف الثقات، ومقابله المعروف.
والمُضْطَرَبُ: ما رُوِي على أوجهٍ مختلفةٍ متدافعةٍ على التساوي في
الاختلاف من راوٍ واحدٍ أو أكثر، وهو موجب للضعف لإشعاره بعدم
الضبط .
والمقلوب: ما بُدِّلَ فيه كلامٌ أو راوٍ بآخر.
والمُصَحَّفُ: ما تغيَّرَ فيه النُّقَطُ كشيئاً وستّاً.
والمُحَرَّفُ: ما تغيَّرَ فيه الشكل.
(١) (١/ ٢٥٨).
٢٢٢

الباب الخامس: في توضيح ألفاظ كثُر استعمالُها في كتب الحديث
والمُرَكبَّ: الذي رُكِّب إسنادُه لمتن آخر، وقيل غير ذلك.
والمختلف: أن يُوجد حديثان متضادان في المعنى بحسب الظاهر،
فيجمع بما ينفي التضاد، ويسمى بمختلف الحديث، وإن عرف التأخر فناسخ
ومنسوخ، وإلا فإن أمكن ترجيح أحدهما بوجهٍ من وجوه الترجيح، وعددها
أكثر من مائة، فيصار إليه، وإلا يتوقف عن العمل عليهما، انتهى ملخصاً مع
تغيير يسير .
وهذه الأنواع لا بد من حفظها لطالب الحديث، وغيرها من الأنواع
كثيرةٌ، محلها كتب الأصول. ولا يجوز عندي للطالب الخوض في كتب
الحديث إلا بعد معرفة الأصول، ولخص بعض أنواع الحديث الإشبيلي في
قصيدته الشهيرة، نذكرها لكونها معيناً لحفظ الأنواع، فمن حفظها بعد معرفة
معانيها الاصطلاحية يحصل له البصيرةُ في علوم الحديث. نذكرها عملاً بقول
أهل الفن: ينبغي ختم الإِملاء بنوادر من حكايات وإنشادات:
القصيدة الغرامية للشيخ شهاب الدين أحمد بن فرح بن محمد اللخمي
الإشبيلي الشافعي - رحمه الله -:
غرامي صحيح والرجا فيك مُعْضَلُ
وصبري عنك يشهد العقل أنه
ولا حَسَنٌ إلا سماع حديثكم
وأمريَ موقُوفٌ عليك وليس لي
ولو كان مرفوعاً إليك لكنت لي
وعذلُ عذولي منكر لا أسيغه
وأقضي زماني فيك متصلَ الأسى
وها أنا في أكفان هجرك مدرَجٌ
وأجريت دمعي فوق خدي مُدَبَّجاً
فمتفقٌ جفني وسهري وعَبْرتي
ومؤتلفٌ وجدي وشجوي ولوعتي
وحزني ودمعي مرسَلٌ ومسلسلُ
ضعيف ومتروك وذليَّ أجملُ
مشافهة يُمْلَى عَلَيَّ فأنقلُ
على أحد إلا عليك المُعَوَّلُ
على رغم عُذّالي ترقُّ وتعدلُ
وزور وتدليس يُرَدُّ ويهملُ
ومنقطعاً عما به أتوصلُ
تُكَلِّفُني ما لا أُطيق فأحملُ
وما هي إلا مُهْجِتِي تتحلَّلُ
ومفترقٌ صبري وقلبي المبَلْبَلُ
ومختلفٌ حظي وما منك آمُلُ
٢٢٣

الباب الخامس: في توضيح ألفاظ كثُر استعمالُها في كتب الحديث
خذ الوجدَ عني مسنَداً ومعنعَنا
وذي نُبَذٍ من مبهم الحب فاعتبر
عزيزٌ بكم صبُّ ذليلٍ لعزكم
غريبٌ يقاسي البعد عنك وما له
فرفقاً بمقطوع الوسائل ما له
فلا زلت في عز منيع ورفعة
أُورِّي بسعدى والرباب وزينب
فخذ أولاً من آخر ثم أولاً
أبُّ إذا أقسمتُ أني بحبه
فغيري بموضوع الهوى يتحلَّلُ
وغامضُهُ إن رمت شرحاً فأطولُ
ومشهورُ أوصاف المحب التذللُ
وحقك من دار القِلى متحوّلُ
إليك سبيل لا ولا عنك معدلُ
ولا زلت تعلو بالتجني فأنزلُ
وأنت الذي تُعْني وأنت المُؤَملُ
من النصف فيه فهو فيه مكمَلُ
أهيمُ وقلبي بالصبابة مُشْعِلٌ
١ - فالبيت الأول: منها يتضمن الصحيح والمعضل، والمرسل
والمسلسل.
٢ - والثاني: الضعيف والمتروك على ما قاله الشراح، قلت: والشاهد
والمجمل أيضاً، والمجمل من الروايات ما يحتاج إلى البيان. ويتضمن من
شروط الرواة العقل أيضاً.
٣ - والثالث: الحسن فقط على رأي الشراح، وعندي يتضمن الحديث
والسماع والمشافهة والإِملاء، الثلاثة من أنواع تحمل الحديث، ويتضمن أيضاً
نقل الحديث وروايته.
٤ - والرابع: يتضمن الموقوف فقط عندهم، قلت: ومن أنواع الرفع
أُمِرْنا بكذا أيضاً، وأخبار الآحاد.
٥ - والخامس: المرفوع عندهم، وعندي تعديل الرواة وجرحهم أيضاً.
٦ - والسادس: المنكر والمدلَّسُ على ما قالوا، قلت: والمردود
والمهمل .
قال التاذفي الحنفي: وإن روى الراوي حديثاً عن أحد اثنين متفقين في
الاسم فقط من كنية أو غيرها، أو فيه وفي اسم الأب أو فيهما وفي اسم
٢٢٤
----
---
.--
----

الباب الخامس: في توضيح ألفاظ كثُر استعمالُها في كتب الحديث
الجد، أو فيهن وفي النسبة معبراً عنه بما فيه الاتفاق من غير أن يتميز عن
الآخر فهو النوع المسمى بالمهمل.
٧ - والسابع: يتضمن المتصل والمنقطع، ولا يبعد أن يشمل زمان
التحديث وزمان التحمل، فإنهما من مسائل الأصول، ومختلفتان عند أهل
الفن، وسيجيء بعض الكلام عليه في الباب السادس.
٨ - والثامن: يتضمن المدرج وطرق تحمل الحديث.
٩ - والتاسع: المدَبَّج.
١٠ - والعاشر: المتفق والمفترق قلت: والمقلوب أيضاً.
١١ - والحادي عشر: المؤتلف والمختلف، قلت: والوجادة أيضاً، وهو
من أنواع التحمل.
١٢ - والثاني عشر: المسند والمعنعن والموضوع.
١٣ - والثالث عشر: المبهمات، وهو أربعة أقسام ذكرها السيوطي في
(التدريب))، والاعتبار وغامض الحديث، وقد صنف الدارقطني فيه تأليفاً
مفرداً .
١٤ - والرابع عشر: العزيز والمشهور.
١٠ - والخامس عشر: الغريب، قلت: والتحويل أيضاً.
١٦ - والسادس عشر: المقطوع، قلت: ولا يبعد أن يدخل فيه تعديل
الرواة وتجريحهم وسبيل الحديث وطريقه المسمى بالسند.
١٧ - والسابع عشر: العالي والنازل
١٨ - والثامن عشر: لم يذكروا فيه شيئاً مع أن الرواية بالمعنى داخل
فيه .
١٩ - وكذا التاسع عشر: سكتوا عنه مع أن أول السند وهو من جانب
٢٢٥

الباب الخامس: في توضيح ألفاظ كثُر استعمالُها في كتب الحديث
الراوي وآخره وهو من جانب الصحابي، وتكميل الرواية بعد اختصار الشيخ
كلها من مسائل الأصول.
قال في ((جامع الأصول)): إذا ذكر الشيخ إسناداً أو طرفاً من المتن، ثم
قال: الحديث، وأراد السامع أن يروي عنه بكماله فطريقه أن يقتصر على ما
ذكره الشيخ، ثم يقول: والحديثُ بطوله هكذا ويسوقه، انتهى.
هذا ما يظهر بجلي النظر ودقيقه، ويدخل في القصيدة الأنواع الكثيرة.
فلله درّ الناظم، أجاد ظاهراً وباطناً - غفر الله له ولنا -.
٢٢٦

الباب السادس: في الأشتات، وفيه فوائد
الباب السادس
في الأشتات، وفيه فوائد :
الفائدة الأولى
في آداب المحدث
قال السيوطي في ((التدريب)): علم الحديث شريف، يناسب مكارم
الأخلاق ومحاسن الشيم، وينافر ضد ذلك، وهو من علوم الآخرة المحضة.
قال أبو الحسن: ((من أراد علم القبر فعليه بالأثر، من حرمهُ حرم خيراً كثيراً،
ومن رزقه نال فضلاً جسيماً» فعلى صاحبه تصحيح النية وإخلاصها، وتطهير
قلبه من أغراض الدنيا وأدناسها، كحب الرئاسة ونحوها، وليكن أكبر همه
نشر الحديث والتبليغ عن رسول الله - رمل * - فالأعمال بالنيات.
وقد قال الثوري: قلت لحبيب بن أبي ثابت: حدثنا، قال: حتى تُحْسن
النية، وقيل لأبي الأحوص سلام بن سليم: حدثنا، فقال: ليس لي نية،
فقالوا له: إنك تؤجر، فقال:
نجوت كفافاً لا عليَّ ولا ليا
يُمَنُّوْني الخير الكثير وليتني
وقال حماد بن زيد: أستغفر الله، إن لذكر الإِسناد في القلب خيلاء.
قال النووي: والأولى أن لا يحدث بحضرة من هو أولى منه لسنه أو
علمه أو غيره، وقيل: يكره أن يحدث في بلد فيه من هو أولى منه، وينبغي
له أن يرشد إليه، فالدين النصيحة.
قال في ((الاقتراح)) (١): وينبغي أن يكون هذا عند الاستواء فيما عدا
(١) (ص٢٤٧).
٢٢٧

الباب السادس: في الأشتات، وفيه فوائد
الصفة المرجحة، أما مع التفاوت بأن يكون الأعلى سنداً عامياً، والأنزل
عارفاً ضابطاً، فقد يتوقف في الإِرشاد إليه؛ لأنه قد يكون في الرواية عنه ما
يوجب خللاً، وقال السيوطي: الصواب أن إطلاق التحديث بحضرة الأولى
ليس بمكروه ولا خلاف الأولى، فالصحابة كانوا يُفْتون في عهده وََّ، وقد
عقد ابن سعد في ((الطبقات)) باباً لذلك، ولا ينبغي أن يمتنع من تحديث
أحد، لكونه غير صحيح النية، فإنه يرجى له صحتها بعد ذلك.
قلت: وينبغي أن لا يأخذ عليه أجراً إن استطاع ذلك، قال السيوطي:
من أخذ على التحديث أجراً لا تقبل روايته عند أحمد بن حنبل، وإسحاق بن
راهويه، وأبي حاتم الرازي، وتقبل عند أبي نعيم الفضل بن دكين شيخ
البخاري، وعلي بن عبد العزيز البغوي، وآخرين ترخصاً، وأفتى الشيخ أبو
إسحاق الشيرازي بجوازها، لأنه ممن امتنع عليه الكسب لعياله بسبب
التحديث، انتهى.
وفي ((قرة العين)): الأعدل أنه إن تعطل بانقطاعه لذلك كسبُه قُبِل وإلا
فلا، كما أفتى به الشيخ أبو إسحاق الشيرازي انتهى.
قلتُ: ولكن مما يجب عليه التنبيه أن أكثر من لا يأخذون الأجر في
زماننا لا يهتمون بالدروس، ويُضَيِّعُونها ويُعَطِّلُون أوقاتهم، وأوقات الطلبة،
ظناً منهم أنهم على أمنٍ من النكير عليهم، فهذا أشدُّ من الأول، ولمثل
هؤلاء، فلا بد من تعيين الأجرة لهم.
ويُسْتَحَبُّ له إذا أراد حضور مجلس التحديث أن يتطهّر بغسل أو
وضوء، ويتطيَّب ويتبخّر، ويستاك كما ذكره السمعاني، ويُسَرِّح لحيته، ويجلس
في صدر مجلسه، متمكناً في جلوسه بوقار وهيبة، وقد كان مالك - رضي الله
عنه - يفعل ذلك، فقيل له؟ فقال: أُحِبُّ أن أُعظّمَ حديث رسول الله وَّهِ،
وكان يكره أن يُحَدِّثَ في الطريق أو هو قائم، أسنده البيهقي، وأسند عن
قتادة قال: يستحب أن لا يقرأ الأحاديث إلا على طهارة، قال: وكانوا
يكرهون أن يحدثوا على غير طهر.
٢٢٨

الباب السادس: في الأشتات، وفيه فوائد
وعن ابن المسيب أنه سئل عن حديث، وهو مضطجع في مرضه،
فجلس وحدث، فقيل له: وددت أنك لم تتعَنَّ، فقال: كرهت أن أحدث عن
رسول الله ﴾ وأنا مضطجع. وسئل ابن المبارك عن حديث وهو يمشي،
فقال: ليس هذا من توقير العلم، وعن مالك قال: مجالس العلم تُخْتضَر
بالخشوع والسكينة والوقار، ويكره أن يقوم لأحد، فقد قيل: إذا قام القارئ
لحديث رسول الله وَ لأحد، فإنه يكتب عليه بخطيئة.
ومن الآداب أيضاً: أنه إن رفع أحدٌ صوتَه في المجلس زجره وانتهره،
فقد كان مالك - رضي الله عنه - يفعل ذلك، ويقول: قال الله تعالى: ﴿يَأَيُها
الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَرْفَعُوْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوَّتِ النَّبِ﴾(١) فمن رفع صوته عند حديثه،
فكأنما رفع صوته فوق صوته.
ومنها أيضاً: أن يقبل على الحاضرين كلهم، قال حبيب بن ثابت: من
السنة إذا حدّث الرجل القوم أن يقبل عليهم جميعاً، ومنها: أن يبتدئ مجلسه
ويختمه بتحميد الله تعالى والصلاة على النبي بَّ، ولا يسرد الحديث سرداً
وعجلاً یمنع فهم بعضه.
ويستحب للمحدث عقد مجلس لإِملاء الحديث، قاله السيوطي، وفي
((نيل الأماني)): ينبغي للشيخ أن لا يروي حديثه بقراءة لحَّان أو مصحّف، فقد
قال الأصمعي: أخوف ما أخاف على طالب العلم إذا لم يعرف النحو أن
يدخل في جملة قوله وعليه: (من كذب علي متعمداً ... )) الحديث، لأنه وَلّ لم
يكن يلحن، فمهما رويتَ عنه ولحنتَ فيه كذبتَ عليه. وإذا كان في سماعه
بعض الوهن فعليه بيانه بحال الرواية، فإن في إغفاله نوعاً من التدليس،
وذلك كأن يسمع من غير أصل، أو يحصل له عند القراءة نوم، أو حديث أو
نحوه.
قال السيوطي: لا تقبل رواية من عُرِفَ بالتساهل في سماعه أو
(١) سورة الحجرات: الآية ٢.
٢٢٩

الباب السادس: في الأشتات، وفيه فوائد
إسماعه، كمن لا يبالي بالنوم في السماع منه أو عليه، أو يحدّث لا من
أصل مصحح مقابل على أصله أو أصل شيخه، أو عُرِف بقبول التلقين في
الحديث بأن يلقن الشيء فحدّث به من غير أن يعلم أنه من حديثه. أو كثرة
السهو في روايته إذا لم يحدّث من أصل صحيح بخلاف ما إذا حدث منه فلا
عبرة بكثرة سهوه؛ لأن الاعتماد حينئذ على الأصل لا على حفظه، أو عرف
بكثرة الشواذ والمناكير وغير ذلك ... انتهى.
وكلما ذكر النبي وَ﴿ل صلّى عليه، قال الخطيب: ويرفع بها صوته،
وكلما ذكر صحابياً رضي عليه، فإن كان ابن صحابي قال: رضي الله عنهما،
وكذا يترحم على الأئمة، فقد روى الخطيب أن الربيع بن سليمان قال له
القارئ يوماً: حدثكم الشافعي، ولم يقل: رضي الله عنه، فقال الربيع: ولا
حرفٌ حتى يقال: رضي الله عنه. ويحسن للمحدث الثناء على شيخه حال
الرواية عنه بما هو أهله، كما فعله جماعات من السلف، كقول أبي مسلم
الخولاني: حدثني الحبيب الأمين عوف بن مسلم، وكقول مسروق: حدثتني
الصديقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله المبرأة، وكقول عطاء: حدّثني البحر
ابن عباس، وكقول شعبة حدّثني سيد الفقهاء أيوب وغير ذلك.
وليعتن بالدعاء لهم فهو أهم من الثناء، وينبه على صحة الحديث أو
حسنه أو ضعفه أو علته، وعلى ما فيه من علوٍ وفائدةٍ في المتن أو السند،
وضبط مشكل في الأسماء أو غريب أو معنى غامض في المتن، وليجتنب ما
لا تحتمله عقولهم، وما لا يفهمونه، قال الخطيب: ويجتنب أيضاً في روايته
للعَوَامِ أحاديث الرُّخَص، وما شجر بين الصحابة والإِسرائيليات، قال ابن
مسعود: ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة،
وروى المقدام مرفوعاً قال: إذا حدثتم الناس عن ربهم، فلا تحدثوهم بما
يُغْرِب أو يشقّ عليهم.
قلت: وينبغي أن لا يمنع عدوه، ولا يقتصر على صديقه، كما تقدم في
شرافة العلم مبسوطاً، ويختم الإِملاء بحكايات ونوادر وإنشادات بأسانيدها،
٢٣٠

الباب السادس: في الأشتات، وفيه فوائد
كعادة الأئمة في ذلك، وقد استدل له الخطيب بما رواه عن علي - رضي الله
عنه - قال: رَوِّحُوا القلوب، وابتغوا لها ◌ُرَفَ الحكمة، وكان الزهري يقول
لأصحابه: هاتوا من أشعاركم، هاتوا من أحاديثكم، فإن الأذن مجاجة،
والقلب حمض.
وينبغي أن يشتغل بالتخريج والتصنيف إذا تأهل لذلك. مبادراً إليه،
وليعتن بالتصنيف في شرحه وبيان مشكله متقناً واضحاً، فقلما تمهَّر في علم
الحديث من لم يفعل هذا، قال الخطيب: لا يتمَهَّرُ في الحديث، ويقف على
غوامضه، ويستبين الخفي من فوائده، إلا من جمع متفرقه، وألّف متشتته،
وضم بعضه إلى بعض، فإن ذلك مما يقوي النفس، ويُثَبِّتُ الحفظ، ويزكي
القلب، ويُشَحِّذُ الطبع، ويبسط اللسان، ويجيد البيان، ويكشف المشتبه،
ويوضح الملتبس، ويكسب أيضاً جميل الذكر، ويُخَلِّدُه إلى آخر الدهر، كما
قال الشاعر :
يموت القوم فَيُحْيِي العِلْمُ ذِكْرَهمُ والجهلُ يُلْحِقُ أمواتاً بأمواتٍ
قال: وكان بعض شيوخنا يقول: من أراد الفائدة فليكسر قلم النسخ،
وليأخذ قلم التخريج.
وقال النووي في ((شرح المهذب)): بالتصنيف يطلع على حقائق العلوم
ودقائقه، ويثبت معه، لأنه يضطره إلى كثرة التفتيش والمطالعة، والتحقيق
والمراجعة، والاطلاع على مختلف كلام الأئمة ومتفقه، وواضحه من مشكله،
وصحيحه من ضعيفه، وجزله من ركيكه، وبه يتصف المحقق بصفة المجتهد،
قال الربيع: لم أر الشافعي - رضي الله عنه - آكلاً بنهار، ولا نائماً بليل،
لاهتمامه بالتصنيف .
وينبغي أن يكتب بالهيئة التي بسطها أهل الأصول، لا نُطوّل الكلام
بسرد تفاصيلها، لكن ينبغي أن يحافظ على كتابة الصلاة والتسليم على
رسول الله ◌َّ، ولا يسأم من تكراره، ولا يتقيَّد فيه بما في الأصل إن كان
ناقصاً، قاله النووي في ((التقريب)).
٢٣١

الباب السادس: في الأشتات، وفيه فوائد
وفي (نيل الأماني)): وينبغي للمحدث أن يُمْسِك عن التحديث إذا خشي
التخليط بهَرَم أو حزن أو عمى، ويختلف ذلك باختلاف الناس، وضبطه
بالثمانين أغلبيٍّ، فقد حدث بعدها أنس والشعبي ومالك وغيرهم، وحدث بعد
المائة من الصحابة حكيم بن حزام - رضي الله عنه - ومن غيرهم غيره،
والمدار على ثبوت العقل واجتماع الرأي ... انتهى.
الفائدة الثانية
في مراتب أهل الحديث
قال السيوطي في ((التدريب)) في حدِّ الحافظ، والمحدث، والمُسْنِدِ: إن
أدنى درجات الثلاثة المسند - بكسر النون - وهو من يروي الحدیث بإسناده،
سواء كان عنده علم به، أو ليس له إلا مجرد الرواية، وأما المحدث: فهو
أرفع منه، قال الرافعي وغيره: إذا أوصى للعلماء لم يدخل الذين يسمعون
الحديث ولا علم لهم بطرقه، ولا بأسماء الرواة والمتون، لأن السماع
المجرد ليس بعلم.
وتقدم ما قال مالك - رضي الله عنه -: لا يؤخذ العلم عن أربعة، وذكر
منها من لا يعرف هذا الشأن، قال القاضي: مراده إذا لم يكن ممن يعرف
الرجال من الرواة، ولا يعرف هل زِيدَ في حديث شيء أو نقص، وكان
السلف يُطْلِقُون اسم المحدث والحافظ بمعنى.
وقال هشيم: من لم يحفظ الحديث فليس هو من أصحاب الحديث،
والحق أن الحافظ أخص. وقال التاج السبكي: فرقة ادّعت الحديث، وكان
قُصَارى أمرها النظر في ((مشارق الأنوار)) فإن ترفّعَتْ إلى ((مصابيح البغوي))
ظنت أنها بهذا القدر تصل إلى درجة المحدثين، وما ذلك إلا بجهلها
بالحديث، فلو حفظ هذين الكتابين عن ظهر قلب، وضم إليهما من المتون
مثليهما لم يكن محدثاً حتى يلج الجمل في سم الخياط، فإن رامت بلوغ
الغاية في الحديث على زعمها اشتغلت بـ((جامع الأصول)) لابن الأثير، فإن
ضمت إليه ((علوم الحديث)) لابن الصلاح، أو مختصره المسمى ((بالتقريب))
٢٣٢

الباب السادس: في الأشتات، وفيه فوائد
للنووي ينادى من انتهى إلى هذا المقام محدث المحدثين، وبخاري العصر،
وما ناسب هذه الألفاظ الكاذبة، فإن من ذكرناه لا يُعَدُّ محدثاً بهذا القدر.
وإنما المحدث من عرف الأسانيد والعلل وأسماء الرجال، والعالي
والنازل، وحفظ مع ذلك جملة مستكثرة من المتون وسمع الكتب الستة،
و((مسند أحمد)) و(سنن البيهقي))، و((معجم الطبراني))، وضم إلى هذا القدر
ألف جزء من الأجزاء الحديثية. هذا أقل درجاته إلى آخر ما قاله، انتهى
ملتقطاً .
وبسط الكلام عليه السيوطي، وحكى عن المشايخ أنهم توسعوا بعد
ذلك في إطلاق هذه الأسماء لاختلاف الزمان، وأن هذه الشروط باعتبار
أزمنتهم، وفي حواشي ((شرح النخبة)): الحافظ في الاصطلاح: من أحاط
علمه بمائة ألف حديث، ثم الحاكم، وهو الذي أحاط علمه بجميع الأحاديث
المروية متناً وإسناداً وجرحاً وتعديلاً وتاريخاً، كذا قاله جماعة من المحققين،
انتهى. وكذا قال حسين خاطر المالكي في ((لقط الدرر))، وقال أيضاً: المسند
- بكسر النون - من يروي الحديث بإسناده، سواء كان عن عالم به أو ليس له
إلا مجرد الرواية.
وأما المحدث، فهو العالم بطرق الحديث، وأسماء الرواة والمتون،
وأرفع منهما المفيد، وهو دون الحافظ، وأما الحجة فهو أرفع من المثبت،
وقال الزهري: لا يولد الحافظ إلا في كل أربعين سنة، انتهى.
الفائدة الثالثة
في آداب الطالب
ويجب عليه أيضاً تصحيح النية والإِخلاص لله تعالى في طلبه، والحذر
من التوصل به إلى أغراض الدنيا، فقد روى أبو داود(١) وابن ماجه من
(١) أخرجه أبو داود (٣٦٦٤) وابن ماجه في المقدمه (٢٣) باب الانتفاع بالعلم والعلم به،
(الحديث ٢٥٢).
٢٣٣

الباب السادس: في الأشتات، وفيه فوائد
حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعاً: ((من تعلم علماً مما يُبْتَغَى به
وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم
القيامة)). وقال حماد بن سلمة: من طلب الحديث لغير الله مُكِر به.
ويسأل الله تعالى التوفيق والتسديد والتيسير والإِعانة عليه، ويستعمل
الأخلاق الحميدة، والآداب المرضية، فقد قال أبو عاصم النبيل: من طلب
هذا الحديث فقد طلب أعلى أمور الدين، فيجب أن يكون خير الناس، ثم
ليفرغ جهده في تحصيله ويغتنم إمكانه. وفي ((صحيح مسلم))(١) من حديث أبي
هريرة مرفوعاً: ((احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز)). وقال
يحيى بن أبي كثير: لا ينال العلم براحة الجسم. وقال الشافعي - رضي الله
عنه -: لا يفلح من طلب هذا العلم بالتملل، وغنى النفس، ولكن من طلبه
بذلة النفس، وضيق العيش، وخدمة العلم أفلح. وفي المثل السائر ((ومن
طلب العلا سهر الليالي)).
وينبغي أن يقرأ أولاً شيئاً من النحو وغيره، فقد تقدم ما قال
الأصمعي: أخوف ما أخاف على طالب العلم إذا لم يعرف النحو أن يدخل
في جملة قوله وَّة: ((من كذّب علي معتمداً .. )) الحديث، لأنه وَّ لم يكن
يلحن، فمهما رويت عنه أو لحنت فيه كذبت عليه، فعلى طالب الحديث أن
يتعلم من النحو واللغة ما يسلم به اللحن والتحريف.
والطريق في السلامة من التحريف والتصحيف الأخذ من أفواه أهل
المعرفة والضبط والتحقيق. لا من بطون الكتب، وإذا وقع في روايته لحن
وتحريف فقيل: يرويه كما سمعه. قال ابن الصلاح: هو غلو في اتباع اللفظ،
والصواب تقريره في الأصل على حاله مع التضبيب عليه، وبيان الصواب في
الحاشية، والأولى عند الأداء أن يقرأه على الصواب أولاً، ثم يقول: وقع
في روايتنا كذا، هذا إذا علم أن شيخه رواه له على الخطأ، أما إن غلب
(١) (٢٦٦٤) .
٢٣٤

الباب السادس: في الأشتات، وفيه فوائد
على ظنه أنه من كتاب نفسه لا من شيخه، فيتجه إلى إصلاحه، كذا في ((نيل
الأماني)» .
وقال السيوطي تبعاً للنووي: وإذا وقع في روايته لحن أو تحريف فقال
ابن سيرين وابن سنجرة: يرويه كما سمعه، والصواب قول الأكثرين: إنه
يروى على الصواب، وأما إصلاحه في الكتاب، فَجوَّزَه بعضهم، والصواب
تقريره في الأصل على حاله مع التضبيب عليه، وبيان الصواب في الحاشية،
ثم الأولى عند الإِسماع أن يقرأه أولاً على الصواب، ثم يقول: وقع في
روايتنا أو عند شيخنا أو من طريق فلان كذا، وله أن يقرأ ما في الأصل
أولاً، ثم يذكر الصواب، وإنما كان الأول أولى كيلا يتقوّل على رسول الله وَله
ما لم يقل، انتهى.
ويبدأ بالسماع من أرجح شيوخ بلده إسناداً وعلماً وشهرة، وديناً وغيره،
فإذا فرغ من مهماتهم وسماع عواليهم، فليرحل إلى سائر البلدان على عادة
الحفاظ، ولا يرحل قبل ذلك، قال الخطيب: فالمقصود بالرحلة أمران:
أحدهما: تحصيل علو السند وقِدَم السماع، والثاني: لقاء الحفاظ والمذاكرة
لهم والاستفادة منهم، فإذا كان الأمران موجودين في بلده، ومعدومَيْن في
غيره، فلا فائدة في الرحلة، أو موجودَيْن فيهما، فليحصل حديث بلده، ثم
يرحل، وإذا عزم على الرحلة فلا يترك أحداً في بلده من الرواة إلا ويكتب
عنه ما تيّسر من الأحاديث، وإن قَلَّتْ، فقد قال بعضهم: ضَيِّعْ ورقةً، ولا
تُضَيِّع شيخاً .
ولا يَحْملَنَّه الشره والحرص على التساهل في التحمل، فيُخِلَّ بشيء من
شروطه السابقة، فإن شهوة السماع لا تنتهي، ونهمة الطلب لا تنقضي،
والعلم كالبحار التي يتعذر كيلها، والمعادن التي لا ينقطع نيلها، وتقدم في
آداب المحدث أنه ينبغي له الصلاة والترضي والترحم على مواضعها، وأن لا
يتساهل في السماع، وينبغي أن يستعمل ما يسمعه من أحاديث العبادات،
والآداب، وفضائل الأعمال فذاك زكاة الحديث وسبب حفظه.
٢٣٥

الباب السادس: فى الأشتات، وفيه فوائد
وقال عمرو بن القيس الملائي: إذا بلغك شيء من الخبر فاعمل به ولو
مرة تكن من أهله، وقال وكيع: إذا أردت أن تحفظ الحديث فاعمل به،
وقال إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع: كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل
به، وقال أحمد بن حنبل: ما كتبت حديثاً إلا وقد عملت به، حتى مَرَّ بي:
((أن النبي ◌َّ﴾(١) احتجم وأعطى أبا طيبة ديناراً، فاحتجمت وأعطيت الحجام
ديناراً)).
---
وينبغي للطالب أيضاً أن يعظم شيخه ومن يسمع منه، فذلك من إجلال
العلم وأسباب الانتفاع به، وقد قال المغيرة: كنا نهاب إبراهيم كما نهاب
الأمير، وقال البخاري: ما رأيت أحداً أوقر للمحدثين من يحيى بن معين،
وفي الحديث ((تواضعوا لمن تَعَلَّمون منه)) ورجح البيهقي وقفه على عمر
- رضي الله عنه -، وعن أبي عبيد بن القاسم قال: ما دققت على مُحدث بابه
قط لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًاً لَّهُمْ﴾(٢) ويعتقد
جلالة شيخه ورجحانه على غيره.
فقد روى الخليلي في ((الإِرشاد)) عن أبي يوسف القاضي قال: سمعت
السلف يقولون: من لا يعرف لأستاذه لا يفلح. ويتحرَّى رضاه ويحذر
سخطه، ولا يطول عليه بحيث يضجره بل يقنع بما يحدثه به، فإن الإِضجار
يُغَيِّرِ الأفهام، ويُفْسِدُ الأخلاق، ويُحِيْلُ الطباع، وقد كان إسماعيل بن أبي
خالد من أحسن الناس خلقاً، فلم يزالوا به حتى ساء خلقه.
قال ابن الصلاح: ويخشى على فاعل ذلك أن يُحْرَمَ من الانتفاع، قال:
وروينا عن الزهري أنه قال: إذا طال المجلس كان للشيطان فيه نصيب،
ويستشيره في أموره، وفيما يشتغل فيه وكيفية اشتغاله، وعلى الشيخ نصحه في
ذلك، وينبغي له إذا ظفر بسماع أن يرشد إليه غيره، فإن كتمانه لؤمٌ يقع فيه
(١) أخرجه أحمد (٩٠/١، ١٣٤، ١٣٥).
(٢) سورة الحجرات: الآية ٥.
٢٣٦

الباب السادس: في الأشتات، وفيه فوائد
جهلةُ الطلبة، فيخاف على كاتمه عدم الانتفاع، فإن من بركة الحديث إفادته.
وينشره وينميه، وقال ابن معين: من بخل بالحديث، وكتم على الناس لم
يفلح، وكذا قال أبو إسحاق بن راهويه.
وقال ابن المبارك: من بخل بالعلم ابتلي بثلاث: إما أن يموت فيذهب
علمه، أو ينسى، أو يتبع الشيطان، وعن ابن عباس مرفوعاً: ((إخواني
تناصحوا في العلم، ولا يكتم بعضكم بعضاً، فإن خيانة الرجل في علمه أشدُّ
من خيانته في ماله)). قال الخطيب: ولا يحرم الكتم على من ليس بأهل، أو
لا يقبل الصواب إذا أرشد إليه، ونحو ذلك، وعلى ذلك يحمل ما نقل عن
الأئمة من الكتم.
. قلت: ومنه إعارة الكتب، قال وكيع: أول بركة الحديث إعارة الكتب،
وقال سفيان الثوري: من بخل بالعلم ابتلي بإحدى ثلاث: أن ينساه، أو
يموت ولا ينتفع به، أو تذهب كتبه، قال السيوطي: وقد ذَمَّ اللهُ تعالى
﴿وَيَمْنَعُونَ اُلْمَاعُونَ﴾ وإذا أعاره، فلا يبطئ عليه بكتابه إلا بقدر حاجته، قال
الزهري: إياك وغلول الكتاب وهو حبسها عن أصحابها، انتهى.
وليحذر كل الحذر من أن يمنعه الحياءُ أو الكِبْرُ من السعي التام في
التحصيل وأخذ العلم ممن دونه في نسب أو سن أو غيرهما، فقد ذكر
البخاري عن مجاهد قال: لا ينال العلم مستحي ولا مستكبرٌ، وقال عمر بن
الخطاب - رضي الله عنه -: من رَقَّ وجهه دَقَّ علمه، وقال وكيع: لا ينبل
الرجل من أصحاب الحديث حتى يكتب عمن فوقه، وعمن هو مثله، وعمن
هو دونه.
وعن الأصمعي قال: من لم يحتمل ذل التعليم ساعة بقي في ذل الجهل
أبداً. وليصبر على جفاء شيخه، ففيه فوائد مجزية لا تحصى، وليعتن بالمهم،
ولا يضيع وقته بالاستكثار من الشيوخ لمجرد اسم الكثرة، وليكتب وليسمع ما
يقع له من كتاب أو جزء بكماله ولا ينتخب، فربما احتاج بعد ذلك إلى رواية
شيء منه لم يكن فيما انتخبه فيندم، وقد قال ابن المبارك: ما انتخبت على
عالم قط إلا ندمت، وقال ابن معين: صاحب الانتخاب يندم.
٢٣٧
.. ..=

الباب السادس: في الأشتات، وفيه فوائد
ولا ينبغي أن يقتصر من الحديث على سماعه وكتبه دون معرفته وفهمه،
فليعرف صحته وضعفه وفقهه ومعانيه، ولغته وإعرابه، وأسماء رجاله محققاً كل
ذلك، مقدماً ((الصحيحين)) ثم سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن خزيمة وابن
حبان، ثم ((السنن الكبرى)) للبيهقي، ثم من المسانيد والجوامع، فأهم المسانيد
((مسند أحمد))، وأهم الجوامع ((الموطأ))، قاله السيوطي تبعاً للنووي.
والأوجه عندي في ترتيب التحصيل أن يقدم ((الترمذي))، ثم ((أبا داود))،
ثم ((البخاري))، ثم ((مسلماً))، ثم ((النسائي))، ثم ((ابن ماجه))، ثم ((الموطأ)»،
لأن طالب الحديث أول ما يحتاج إليه تحقيق المذاهب وأنواع الحديث، ثم
دلائلهم، ثم طرق الاستنباط، ثم جمع الروايات، ثم التنبيه على الضعاف،
ثم التأييد بالآثار، وهكذا ترتيب وظائف الكتب المذكورة قبل.
فإن وظيفة الترمذي بيان المذاهب وأنواع الحديث، ومقصد أبي داود
جمع دلائل الأئمة، ومعظم خواص البخاري طرق الاستنباط، ودأب مسلم
جمع الروايات بالطرق الكثيرة، وأشار النسائي إلى علل الأحاديث، وجمع
ابن ماجه الصحاح والضعاف، وأكثر في ((الموطأ)) الآثار.
ولا بد للحنفي خاصة أن يقدم ((الموطأ)) برواية محمد، ثم الطحاوي
قبل الأمهات الست، كما ينبغي للمالكي تقديم ((الموطأ)) برواية يحيى على
الستة، وفيه فوائد لا تخفى.
قال السيوطي: ثم يقرأ سائر الكتب المصنفة في الأحكام، ككتاب ابن
جريج وابن أبي عروبة، ثم من كتب العلل، فعَدَّ الكتبَ الكثيرة التي لا توجد
في هذا الزمان، ولكن عندي لا بد من أن يقرأ جزءاً من ((تقريب الحافظ)»،
و ((لسان الميزان)» وشيئاً من ((مجمع البحار))، وهذه الكتب متداولة بين
الناس، ليحصل له بصيرة في الرجال وغريب الحديث.
قال السيوطي(١): وليذاكر بمحفوظه، ويباحث أهل المعرفة، فإن
(١) (تدريب الراوي)) (٧٨٤/٣).
٢٣٨

الباب السادس: في الأشتات، وفيه فوائد
المذاكرة تعين على دوامه، قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -:
تذاكروا هذا الحديث، إن لا تفعلوا يدرس، وقال ابن مسعود: تذاكروا
الحديث فإن حياته مذاكرته، وقال ابن عباس - رضي الله عنه -: مذاكرة العلم
ساعة خير من إحياء ليلة، وقال أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه -: مذاكرة
الحديث أفضل من قراءة القرآن، وقال الزهري: آفة العلم النسيان، وقلة
المذاكرة، وليكن حفظه له بالتدريج قليلاً قليلاً، وقال الزهري: من طلب
العلم جملة فاته جملة.
وقد رُوي عن إمام المحدثين محمد بن إسماعيل البخاري أثرٌ في آداب
طالب الحديث، نختم به هذا الفصل، ذكره جمع من المشايخ بأسانيدهم عن
أبي المظَفَّر محمد بن أحمد بن حامد بن الفضل البخاري يقول: لما عزل أبو
العباس الوليد بن إبراهيم بن زيد الهمداني عن قضاء الري ورد بخارى سنة
ثمان عشرة وثلاثمائة لتجديد مودة كانت بينه وبين أبي الفضل البلعمي، فنزل
في جوارنا، فحملني معلمي أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم الختلي إليه، فقال
له: أسألك أن تحدث هذا الصبي عن مشايخك، فقال: مالي سماع، قال:
فكيف وأنت فقيه! فما هذا؟ قال: لأني لما بلغت مبلغ الرجال تاقت نفسي
إلى معرفة الحديث ورواية الأخبار وسماعها، فقصدت محمد بن إسماعيل
البخاري ببخارى، صاحب التاريخ والمنظور إليه في علم الحديث، وأعلمته
مرادي، وسألته الإِقبال على ذلك، فقال لي: يا بُنَيّ، لا تدخل في أمر إلا
بعد معرفة حدوده، والوقوف على مقاديره. فقلت: عَرِّفِني - رحمك الله -
حدود ما قصدتُك له، ومقادير ما سألتُك عنه، فقال لي: اعلم أن الرجل لا
يصير محدثاً كاملاً في حديثه إلا بعد أن يكتب أربعاً مع أربع، كأربع مع
أربع، مثل أربع في أربع، عند أربع بأربع، على أربع عن أربع الأربع، وكل
هذه الرباعيات لا تتم إلا بأربع مع أربع، فإذا تمت له كلها هان عليه أربع،
وابتلي بأربع. فإذا صبر على ذلك أكرمه الله تعالى في الدنيا بأربع، وأثابه في
الآخرة بأربع.
قلت له: فسِّر لي - رحمك الله - ما ذكرت من أحوال هذه الرباعيات،
٢٣٩

الباب السادس: في الأشتات، وفيه فوائد
عن قلبٍ صافٍ، بشرح كافٍ، وبيان شافٍ طلباً للأجر الوافي. فقال: نعم،
الأربعة التي يحتاج إلى كتبها هي أخبار الرسول وَل98 وشرائعه، والصحابة
- رضي الله عنهم - ومقاديرهم، والتابعين وأحوالهم، وسائر العلماء
وتواريخهم مع أسماء رجالهم، وكناهم، وأمكنتهم، وأزمنتهم، كالتحميد مع
الخطب والدعاء مع التوسل، والبسملة مع السورة، والتكبير مع الصلوات مثل
المسندات والمرسلات، والموقوفات، والمقطوعات، في صغره وفي إدراكه،
وفي شبابه وفي كهولته، عند فراغه وعند شغله، وعند فقره وعند غناه،
بالجبال والبحار والبلدان والبراري، على الأحجار والأخزاف والجلود
والأكتاف، إلى الوقت الذي يمكنه نقله إلى الأوراق عمن هو فوقه، وعمن
هو مثله، وعمن هو دونه، وعن كتاب أبيه يتيقن أنه بخط أبيه دون غيره،
لوجه الله تعالى طلباً لمرضاته، والعمل بما وافق كتاب الله عزّ وجلّ منها،
ونشرها بين طالبيها ومحبيها، والتأليف في إحياء ذكره بعده.
ثم لا تتم له هذه الأشياء إلا بأربع، هي من كسب العبد، أعني معرفة
الكتابة، واللغة، والصرف، والنحو، مع أربع هي من إعطاء الله تعالى، أعني
القدرة، والصحة، والحرص، والحفظ، فإذا تمت له هذه الأشياء كلها هان
عليه أربع، الأهل، والمال، والولد، والوطن، وابتلي بأربع، بشماتة
الأعداء، وملامة الأصدقاء، وطعن الجهلاء، وحسد العلماء.
فإذا صبر على هذه المحن أكرمه الله عزّ وجلّ في الدنيا بأربع: بعز
القناعة، وبهيبة النفس، وبلذة العلم، وبحياة الأبد؛ وأثابه في الآخرة بأربع:
بالشفاعة لمن أراد من إخوانه، وبظل العرش يوم لا ظلِّ إلا ظله، وبسقي من
أراد من حوض نبيه وّر وبمجاورة النبيين في أعلى عليين في الجنة.
فقد أعلمتك يا بني مجملاً لجميع ما سمعت من مشايخي، متفرقاً في
هذا الباب، فأقبل الآن إلى ما قصدت إليه أو دَعْ. فهالني قوله، فسكت
متفكراً، وأطرقتُ متأدباً، فلما رأى ذلك مني قال: وإن لم تُطِقْ حمل هذه
المشاق كلها، فعليك بالفقه، ويمكنك تعلمه وأنت في بيتك قارٌّ ساكنٌ لا
٢٤٠