النص المفهرس
صفحات 201-220
الباب الرابع: في ذكر الإمام الأعظم أبي حنيفة - رضي الله عنه - من الأصحاب والتلاميذ. ولم ينتفع العلماء وجميع الناس بمثل ما انتفعوا به وبأصحابه، في تفسير الأحاديث المشتبهة والمستنبطة والنوازل. وذكر منهم بعض متأخري المحدثين نحو ثمانمائة مع ضبط أسمائهم ونسبهم. قلت: لعله أشار إلى محمد بن محمد بن شهاب، المعروف بابن البزار الكردري. فإنه ذكر في آخر مناقبه أسماء تلامذة الإِمام قريباً من ثلاثمائة من مشايخ الفقه والحديث. قال أحمد بن حجر المكي الشافعي: وتلمذ له كبار من المشايخ والأئمة المجتهدين، والعلماء الراسخين، كالإِمام الجليل المجمع على جلالته عبد الله بن المبارك، والليث بن سعد، والإِمام مالك بن أنس، وناهيك بهؤلاء الأئمة، ومسعر بن كدام. قلت: إحصاء تلامذة الإِمام عسير جداً، ذكر منها السيوطي في ((تبييض الصحيفة)) ثمانية وثمانين نفراً، نترك أسماءهم روماً للاختصار، وحكى الموفق عن ابن السمّاك يقول: أوتاد الكوفة أربعة: الثوري، ومالك بن مغول، وداود الطائي - صاحب أبي حنيفة -، وأبو بكر النهشلي. وكلهم جَالَسَ أبا حنيفة وحدث عنه. وكان عنده - رضي الله عنه - مجلس شورى لأهل العلم، يلقي عليهم مسألة مسألة، يُسمِعُ ما عنده، ويناظرهم شهراً أو أكثر من ذلك حتى يستقر أحد الأقوال فيها، ثم يثبتها القاضي أبو يوسف في الأصول، واختلف أهل النقل فيهم قلة وكثرة، ولا اختلاف حقيقة، لأن التناوب في أمثال هذه المجالس معلوم، ذكر أسماءهم الموفق هكذا: القاضي أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وزفر بن الهذيل، والحسن بن زيادة اللؤلؤي، ووكيع بن الجراح، وعبد الله بن المبارك، وبشر بن غياث، وعافية بن يزيد، وداود الطائي، ويوسف بن خالد السمتي، ومالك بن مغول البجلي، ونوح بن أبي مريم، وغيرهم . ٢٠١ الباب الرابع: في ذكر الإمام الأعظم أبي حنيفة - رضي الله عنه - الفائدة التاسعة فيما ييني عليه مذهبه قال ابن حجر: يتعين عليك أن لا تفهم من أقوال العلماء عن أبي حنيفة وأصحابه ((إنهم أصحاب الرأي)) أن مرادهم بذلك تنقيصهم، ولا نسبتهم إلى أنهم يقدِّمون رأيهم على سُنَّة رسول الله وَّ، ولا على قول أصحابه، لأنهم بُرَاء من ذلك، فقد جاء عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - من طرق كثيرة ما ملخصه: أنه أولاً يأخذ بما في القرآن، فإن لم يجد فبالسنة فإن لم يجد فبقول الصحابة، فإن اختلفوا أخذ بما كان أقرب إلى القرآن أو السنة من أقوالهم، ولم يخرج عنهم، فإن لم يجد لأحد منهم قولاً لم يأخذ بقول التابعين بل يجتهد كما اجتهدوا . قال الفضيل بن عياض: إن كان في المسألة حديث صحيح تبعه، وإن كان عن الصحابة أو التابعين فكذلك، وإلا قاس فأحسَنَ القياس، وقال ابن المبارك رواية عنه: إذا جاء الحديث عن رسول الله وَ ل﴿ فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن الصحابة اخترنا، ولم نخرج عن أقوالهم، وإذاجاء عن التابعين زاحمناهم. وعنه أيضاً: ((عجباً للناس يقولون: أُفتي بالرأي، ما أُفْتِي إلا بالأثر)). وعنه أيضاً: ليس لأحد أن يقول برأيه مع كتاب الله، ولا مع سنة رسول الله ◌َّ، ولا مع ما أجمع عليه أصحابه، وأما ما اختلفوا فيه فنتخيّر من أقاويلهم أقربهم إلى كتاب الله، أو إلى السُّنَّة. وسمعه رجل يقايس آخر في مسألةٍ، فصاح: دعوا هذه المقايسة، فإن أول من قاس إبليس، فأقبل إليه أبو حنيفة، فقال: يا هذا وضعتَ الكلام في غير موضعه، إبليس رد بقياسه على الله تبارك وتعالى أمره، فكفر بذلك، وقياسنا اتباعٌ لأمر الله تعالى، لأنا نرده إلى كتابه وسنّة رسوله، وأقوال الأئمة من الصحابة والتابعين، فنحن ندور حول الاتِّباع، فكيف نساوي إبليس - لعنه الله - ؟ فقال له الرجل: غلطتُ وتبتُ، فَنَوَّر اللهُ قلبك كما نَوَّرْتَ قلبي. ٢٠٢ --- --- ------ --- الباب الرابع: في ذكر الإمام الأعظم أبي حنيفة - رضي الله عنه - وقال ابن حزم: جميع أصحاب أبي حنيفة مجمعون على أن ضعيف الحديث أولى عنده من القياس، قال ابن حجر: الفصل الأربعون في رد ما قيل: إنه خالف فيه صرائح الأحاديث الصحيحة من غير حجة، وهذا باب واسع جداً يستدعي سرد جميع أبواب الفقه، فلنُشِرْ إلى قواعد إجمالية تنفع من استحضرها عند الأدلة التفصيلية. واعلم أن ممن زعم ذلك من المتقدمين الثوري، وآخرين منهم أبو بكر بن أبي شيبة شيخ البخاري، وسبب صدوره ذلك منهم أنهم استروحوا، ولم يتأملوا قواعده وأصوله. ثم ذكر ابن حجر الأصول مفصلاً، نُلَخّص كلامه اختصاراً . فقال: منها: أن خبر الواحد لا يقبل إذا خالف الأصول المجمع عليها، ومنها: عمل الراوي بخلاف مرويه، لأنه يدل على النسخ أو نحوه، ومن ثمة أخذ بعمل أبي هريرة بالغسل من ولوغ الكلب ثلاثاً مع روايته للسبع، ومنها: تفرّده في عموم البلوى، بأن يحتاج كل واحد إلى معرفته، لأن العادة تقضي باستفاضة نقل مثله، فانفراد واحد به قدح فيه، ومن ثمة لم يأخذوا بخبر نقض الوضوء بمس الذكر، الذي يرويه بُسرةُ مع عموم الحاجة إلى معرفته . قلت: وهذا الأصل مما لم يمكن الاحتراز عنه لأحد، ولذا اضطر الشيخ ابن العربي إلى قبوله، كما سيأتي من كلامه مبسوطاً في الجمع بين الصلاتين للمطر، ومنها: وروده في حَدٍّ أو كفارة لسقوطهما بالشبهة، واحتمال خطأ الراوي المنفرد به شبهة، ومنها: طعن بعض السلف فيه، ومنها: وقوع الاختلاف في الصحابة في مسألة ورد فيها خبر الواحد، ولم يحتج أحد منهم به، فإعراضهم عن الاحتجاج به مع شدة عنايتهم بالأحاديث دليل على نسخه أو نحوه. ومنها: مخالفته لظاهر عموم القرآن، لأن أبا حنيفة لا يرى تخصيص عمومه، ولا نسخه بخبر الواحد لأنه ظني، وذاك قطعي، وتقديم أقوى ٢٠٣ الباب الرابع: في ذكر الإمام الأعظم أبي حنيفة - رضي الله عنه - الدليلين واجب، ومن ذلك خبر: ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب))، مخالف لعموم قوله تعالى: ﴿فَقْرَهُواْ مَا تَسَّرَ مِنْهُ﴾ . ومنها: مخالفته للسنة المشهورة لأن الخبر المشهور أقوى من خبر الآحاد، كخبر الشاهد واليمين، فإنه مخالفٌ لعموم الخبر المشهور: ((البيِّنَة على المدعي واليمين على من أنكر)). وإذا تقرر ذلك عُلم منه نزاهة أبي حنيفة - رحمه الله - مما نسبه إليه أعداؤه، والجاهلون لقواعده، بل لمواقع الاجتهاد من أصلها، من تركه لخبر الآحاد لغير حجة، وأنه لم يترك خبراً إلا لدليل أقوى عنده وأوضح، قال ابن حزم: جميع الحنفية مجمعون على أن ضعيف الحديث عند أبي حنيفة وفي مذهبه أولى من الرأي، فتأمل هذا الاعتناء بالأحاديث، وعظيم جلالتها وموقعها عنده. ------ ومن ثَمَّ قدم العمل بالأحاديث المرسلة على العمل بالقياس، فأوجب الوضوء من القهقهة - مع أنها ليست بحدث في القياس - للخبر المرسل فيها، ولم يقل بذلك في صلاة الجنازة، وسجدة التلاوة، اقتصاراً مع النص، فإنه إنما ورد في الصلاة ذات الركوع والسجود. وقد قال المحققون: لا يستقيم العمل بالحديث بدون الرأي فيه؛ إذ هو المدرك لمعانيه التي هي مناط الكلام، ومن ثمة لما لم يكن لبعض المحدثين تأمل لمدرك التحريمة في الرضاع قال: بأن المرتضعَين بلبن شاة تثبت بينهما المحرمية، ولا العمل بالرأي المحض، ومن ثم لم يفطر الصائم بنحو الأكل ناسياً، وأفطر بالاستقاء عمداً مع أن القياس في الأول الفطر دون الثاني. فقد بان، واتضح أن الإِمام إنما ترك بعض خبر الآحاد لهذه القواعد والأعذار التي أشرنا إليها، ونبهناك عليها، فاحذر أن تزلّ قدمك مع من زل، أو يضل فهمك مع من ضلّ، فإنك إذاً تخسر أعمالك. وحكى الشعراني عن الشقيق البلخي: كان أبو حنيفة من أورع الناس، ٢٠٤ ---- الباب الرابع: في ذكر الإمام الأعظم أبي حنيفة - رضي الله عنه - وأعلم الناس، وأعبد الناس، وأكرم الناس، وأكثرهم احتياطاً في الدين، وأبعدهم عن القول بالرأي في دين الله، وكان لا يضع مسألة في العلم حتى يجمع أصحابه عليها ويعقد عليها مجلساً، فإذا اتفق أصحابه كلهم على موافقتها للشريعة قال لأبي يوسف وغيره: ضعها في الباب الفلاني، وتقدم في بيان مرتبته في الحديث إذا وردت عليه المسألة قال: ما عندكم من الآثار؟ فإذا رووها، وذكر ما عنده اختار الأكثر. ٢٠٥ الباب الخامس: في توضيح ألفاظ كثُر استعمالُها في كتب الحديث الباب الخامس في توضيح ألفاظ كثُر استعمالُها في كتب الحديث ولا بد للخائض في هذا الفن الشريف علمها، لما هو معلوم من أن لكل أهل فن اصطلاحاً يجب استحضاره عند الخوض فيه، والحقيقة أنها وظيفة أصول الحديث، لكن لتقاصر الهمم اضطر شيوخ الحديث إلى إحضارها في مبدأ الشروح، ونقتصر منها على ما هو كثير الاستعمال شديد الاحتياج، سيّما لناظر ((الموطأ)). منها: المتن، قال السيد في رسالته: هو ألفاظ الحديث التي يتقدم(١) منها السند، وقال الجلال: أما المتن فهو ألفاظ الحديث التي تتقوم بها المعاني، قال الطيبي: وقال ابن جماعة: هو ما ينتهي إليه غاية السند، وفي ((جواهر الأصول)): هي في اللغة ما يتقوَّى به الشيء، وفي الاصطلاح: ما ينتهي إليه غاية السند. واختُلِفَ في متن الحديث هل هو قول الصحابي عن رسول الله ي چو كذا وكذا؟ أو مقولة رسول الله مَ له؟ والأول أظهر، والثاني أعلى أنواعه. وأنواعه سوى ما يجيء اثنا عشر: ستة باعتبار ضرب الثلاثة - أي: القول والفعل والتقرير - في اثنين، أي: ما قبل الوحي وبعده، ثم ضرب الستة في اثنين ما يخص النبي ◌َّ﴿ وما يعمُّه، قال السيوطي: هو من المماتنة، وهي المباعدة في الغاية، لأنه غاية السند، أو من متنت الكبش إذا شققت جلدة بيضته، واستخرجتها، فكأن المسند استخرج المتن بسنده، أو (١) هكذا في الأصل والظاهر يتقوّم. ٢٠٦ ----- الباب الخامس: في توضيح ألفاظ كثُر استعمالُها في كتب الحديث من المتن وهو ما صَلُّبَ، وارتفع من الأرض؛ لأن المسند يُقوِّيه بالسند، ويرفعه إلى قائله، أو من تمتين القوس أي شدِّها بالعصب؛ لأن المسند يقوي الحديث بسنده. ومنها: السند والإسناد: أما السند فهو عند المحدثين الطريق الموصل إلى متن الحديث، والمراد بالطريق رواة الحديث، وأما الإِسناد فهو الحكاية عن طريق المتن، فهما متغايران، وقال السخاوي في ((شرح الألفية)): هذا - أي التغاير بينهما - هو الحق، انتهى. ولذا قال صاحب ((التوضيح)): الإِسناد أن يقول: حدثنا فلان عن فلان. ويقابل الإِسناد الإِرسال، وهو عدم الإِسناد، وقد يستعمل الإِسناد بمعنى السند، قال في ((شرح مقدمة المشكاة)): (بالفارسية) ((سند رجال حديث راكويند، وإسناد نيز بمعنى سند آيد، وكَاهى بمعنى ذكر سند وإظهار آن نيز آيد)). قال الطيبي(١): السند إِخبار عن طريق المتن، والإِسناد إيصال الحديث إلى قائله، كذا في ((كشاف اصطلاحات الفنون)). وقال الجلال في ((التدريب)): أما السند فقال البدر بن جماعة والطيبي: هو الإِخبار عن طريق المتن، قال ابن جماعة: وأخذه إما من السند، وهو ما ارتفع وعلا من سفح الجبل، لأن المُسْنِدَ يرفعه إلى قائله، أو من قولهم فلان سند أي معتمد، فسُمِّيَ الإِخبار عن طريق المتن سنداً لاعتماد الحُفّاظ في صحة الحديث وضعفه عليه، وأما الإِسناد فهو رفع الحديث إلى قائله، قال الطيبي: وهما متقاربان في معنى اعتماد الحفاظ في صحة الحديث وضعفه. ومنها: المسنَد، قال السيوطي: أما المسند - بفتح النون - فله اعتبارات: أحدها: الحديث الآتي تعريفه، الثاني: الكتاب الذي جمع فيه ما أسنده الصحابة، أي رووه، فهو اسم مفعول، الثالث: يطلق، ويراد به الإِسناد، فيكون مصدراً كمسند الشهاب، ومسند الفردوس إلخ. (١) انظر: (ظفر الأماني)) (٣١). ٢٠٧ الباب الخامس: في توضيح ألفاظ كثُر استعمالُها في كتب الحديث قلت: والمقصود ههنا الإِطلاق الأول، وهو عند المحدثين مرفوع صحابي بسندٍ ظاهره الاتصال، فالمرفوع كالجنس، وقوله: ((صحابي)) كالفصل يخرج ما رفعه التابعي فهو مرسل، وكذا ما رفعه دون التابعي فهو معضل أو معلق، وقوله: ((ظاهره الاتصال)) يخرج ما ظاهره الانقطاع، ويدخل فيه ما يحتمل الاتصال كالمرسل الخفي، وما يحتمل الانقطاع الخفي، كعنعنة المدلس . وهذا التعريف موافق لقول الحاكم: المسند ما رواه المحدث عن شيخ يظهر منه سماعه، وكذا شيخه عن شيخه متصلاً إلى رسول الله وَئية، وقال الخطيب: المسند ما اتصل سنده إلى منتهاه، فعلى هذا، الموقوف إذا جاء بسند متصل يسمى مسنداً عنده فيشمل الموقوف، بل المقطوع أيضاً بل ما بعد التابعي أيضاً، لكنه قال: إن مجيء الموقوف مسنداً قد يأتي بقلة، وأكثر ما يستعمل في المرفوع، وقال القسطلاني: المسند ما اتصل سنده من رواته إلى منتهاه رفعاً ووقفاً إلخ. وقال ابن عبد البر: المسند هو المرفوع متصلاً كان أو منقطعاً، وهذا أبعد، لأنه يصدق على المرسل والمعضل والمنقطع إذا كان متنه مرفوعاً، ولم يقل به أحد. وبالجملة ففي المسند ثلاثة أقوال: الأول: المرفوع المتصل، وقال به الحاكم وغيره، وهو المشهور المعتمد، والثاني: مرادف المتصل، وقال به الخطيب، والثالث: مرادف المرفوع، وقال به ابن عبد البر، كذا في ((الكشاف))، وذكر هذه الأقوال الثلاثة السيوطي في ((التدريب)) مفصلاً، ورجّح قول الحاكم فقال: حكاه ابن عبد البر عن قوم من أهل الحديث، وهو الأصح، به جزم شيخ الإِسلام في ((النخبة)) فيكون أخص من المرفوع. قال الحاكم: من شرط المسند أن لا يكون في إسناده: أُخبرت عن فلان، ولا حُدثت عن فلان، ولا بلغني عن فلان، ولا أظنه مرفوعاً، ولا رفعه فلان، اهـ. وفي ((نيل الأماني)): والقائل به لحظ الفرق بينه وبين المتصل والمرفوع، من حيث إن المرفوع ينظر فيه إلى حال المتن، وهو ٢٠٨ الباب الخامس: في توضيح ألفاظ كثُر استعمالُها في كتب الحديث إضافته إلى النبي ◌ّة دون الإِسناد من أنه متصل أوْ لا؟ والمتصل ينظر فيه إلى حال الإِسناد، وهو سماع كل راوٍ ممن يروي عنه دون المتن، من أنه مرفوع أوْ لا؟ والمسند ينظر فيه إلى الحالين معاً، فيجمع بين شرطي الاتصال والرفع، فيكون بينه وبين كل من المرفوع والمتصل عموم وخصوص مطلق. ومنها: المرسل، قال السيوطي في ((التدريب)) (١): اتفق علماء الطوائف على أن قول التابعي الكبير: قال رسول الله مَّ ر كذا أو فعله كذا يسمى مرسلاً، فإن انقطع قبل الصحابي واحد أو أكثر، قال الحاكم وغيره: لا يسمى مرسلاً، بل يختص المرسل بالتابعي عن النبي ◌َّ فإن سقط قبل الصحابي واحد فهو منقطع، وإن كان أكثر، فمعضل ومنقطع أيضاً، والمشهور في الفقه والأصول أن الكل مرسل، وبه قطع الخطيب، وقال: إلا أن أكثر ما يوصف بالإِرسال من حيث الاستعمال ما رواه التابعي عن النبي وهذا الاختلاف في العبارة دون الحكم، فإنّ الكل لا يحتَجُّ به هؤلاء ولا هؤلاء إلخ. وفي ((نيل الأماني)): المرسل متن رفعه التابعي إلى النبي وَل﴾ مطلقاً، يعني سواء كان التابعي صغيراً أو كبيراً، فإن سقط قبل الصحابي واحد فهو منقطع لا مرسل، أو أكثر فمعضل أو منقطع أيضاً، وهذا عند المحدثين، أما الأصوليون والفقهاء، فالكل مرسل عندهم، وهذا التعريف هو المشهور عند المحدثين، وقيل: المرسل ما رفعه التابعي الكبير فقط، فما رفعه التابعي الصغير يكون منقطعاً، لأن أكثر رواية مثله عن التابعين الكبار، وقيل: المرسل هو رواية الرجل عمن لم يسمع منه، وقيل: ما سقط من رواته راوٍ أو أكثر من أوله أو آخره أو بينهما . فجملة الأقوال فيه أربعة، ومحل كون قول التابعي مرسلاً ما لم يسمع (٢) من النبي ◌َلل وهو كافر، ثم أسلم بعد موته أو قبله ولم يره، ثم (١) (٣٧٦/١). (٢) هكذا في الأصل، والظاهر ((ما سمع من النبي ◌َّ﴾))، انظر ((تدريب الراوي)) (١٩٦/١). ٢٠٩ الباب الخامس: في توضيح ألفاظ كثُر استعمالُها في كتب الحديث حدَّث عنه ما سمعه، كالتنُّوخي رسول هرقل، فإنه مع كونه تابعياً اتفاقاً محكوم لما سمعه بالاتصال لا بالإِرسال، ولا خلاف في الاحتجاج به، قال الزركشي: وعليه فيلغز ويقال: تابعي يقول: قال النبي ◌َطّر كذا، وحديثه مسند لا مرسل، أي ويحتج به من غير خلاف إلخ. واختلفوا في قبول المرسل، وذكر السيوطي في ((التدريب)): وفيه عشرة أقوال للعلماء، والجملة أنه ضعيف عند الشافعي - رضي الله عنه - وأكثر المحدثين، وحجة عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - ومالك وأحمد، في المشهور عنهما، قاله القسطلاني وغيره. قال الزرقاني في ((شرح البيقونية)): ذهب مالك وأحمد - في المشهور عنهما - وأبو حنيفة وأتباعهم من الفقهاء والأصوليين والمحدثين إلى الاحتجاج به في الأحكام وغيرها، لأن تعاليق البخاري المجزومة صحيحة، ورُدّ بأنها علمت صحتها من شرطه. وذهب أكثر أهل الحديث إلى أن المرسل ضعيف لا يحتج به للجهل بالساقط في الإِسناد، نعم، إذا اعتضد المرسل بمسند يجيء من وجه آخر صحيح، أو حسن، أو ضعيف، أو بمرسل آخر، أرسله مَن روى عن غير شيوخ راوي المرسل الأول، بحيث يظن عدم اتحادهما، فهو حجة مقبولة عند الجميع، كما إذا اعتضد بموافقة قول بعض الصحابة، أو بفتوى عوام أهل العلم، وقوة هذه الأربعة مرتبة بترتيبها المذكور. ------------------ قال النووي في ((شرح مسلم)): مذهب الشافعي والمحدثين، أو جمهورهم وجماعة من الفقهاء، أنه لا يحتج بالمرسل، ومذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد، وأكثر الفقهاء أنه يحتج به، ومذهب الشافعي أنه إذا انضمَّ إلى المرسل ما يعضده احتج به، وذلك بأن يروي أيضاً مسنداً أو مرسلاً من جهة أخرى، أو يعمل به بعض الصحابة أو أكثر العلماء. وأما مرسل الصحابي فمذهب الشافعي والجماهير أنه يحتج به، إلخ. وفي (التدريب))(١): قال النووي في ((شرح المهذب)): قيد ابن عبد البر (١) (١/ ١٩٨). ٢١٠ الباب الخامس: في توضيح ألفاظ كثُر استعمالُها في كتب الحديث وغيره ذلك بما إذا لم يكن مُرسِله ممن لا يحترز، ويرسل عن غير الثقات، فإن كان فلا خلاف في رده، وقال غيره: محل قبوله عند الحنفية ما إذا كان مرسله من أهل القرون الثلاثة الفاضلة، فإن كان من غيره فلا؛ لحديث: ((ثم يفشو الكذب)) صححه النسائي. وقال ابن جرير: أجمع التابعون بأسرهم على قبول المرسل، ولم يأت عنهم إنكاره، ولا عن أحد من الأئمة بعدهم إلى رأس المائتين، قال ابن عبد البر: كأنه يعني: أن الشافعي أول من رَدَّه، وبالغ بعضُهم فقوَّاه على المسند، فقال: من أسند فقد أحالك، ومن أرسل فقد تكفل لك، إلخ. قلت: ولا شك في أن كلام الشيوخ سيما الشافعية - رضي الله عنهم - مضطربة في بيان حكم المرسل، فطالما يحكمون عليه بالرد مطلقاً، وطالما يقيدونه بقيود لا يبقى بعد ذلك بينهم وبين القائلين بصحته فرق، وعَدَّه السيوطي في ((التنوير)) في لواحق الصحيح، فقال: الرابع ما هو ضعيف لا من جهة قدح في رجاله، بل من جهة انقطاع يسير في إسناده، قال الإسماعيلي: قد يضع البخاري ذلك، إما لأنه سمعه من ذلك الشيخ بواسطة من يثق به عنه، وهو معروف مشهور عن ذلك الشيخ، أو لأنه سمعه ممن ليس من شرطه، فنبه على ذلك الحديث بتسمية من حدّث به، لا على التحديث به عنه، كقوله في الزكاة: وقال طاووس: قال معاذ بن جبل لأهل اليمن: ائتوني بعرض ثياب ... الحديث(١)، فإسناده إلى طاووس صحيح، إلا أن طاووساً لم يسمع من معاذ إلى آخر ما بسطه، فهناك أقر السيوطي بكون الانقطاع اليسير داخلاً في الصحة، وفي ((نور الأنوار)): مرسل الصحابي مقبول بالإِجماع، ومن القرن الثاني أو الثالث مختلف بيننا وبين الشافعي، ومن بعد الثالث مقبول عند الكرخي دون أبان، إلخ. (١) أخرجه البخاري في كتاب الزكاة في باب العرض في الزكاة (١٢٢/٢). ٢١١ الباب الخامس: في توضيح ألفاظ كثُر استعمالُها في كتب الحديث وقال السيوطي في ((التدريب))(١) بعد ذكر الأقوال المختلفة: هذا كله في غير مرسل الصحابي، أما مرسله فمحكوم بالصحة على الصحيح، الذي قطع به الجمهور وأطبق عليه المحدثون إلى آخر ما بسطه. وفي («قفو الأثر)): المرسل ما سقط من آخر سنده من بعد التابعي فقط، فإن عُرِف من عادة التابعي أنه لا يُرْسل إلا عن ثقة، فقال الشافعي: يُقْبل إن اعتضد بمجيئه من وجهٍ آخر يُبَاين الطريق الأول، مسنداً كان أو مرسلاً، وذهب جمهور المحدثين إلى التوقف، وهو أحد قولي أحمد، وثانيهما وهو قول المالكيين والكوفيين: يقبل سواء اعتضد بمجيئه من وجه آخر يُبَاين الطريق الأول أم لا، هكذا قيل. والمختار في التفصيل قبول مرسل الصحابي إجماعاً، ومرسل أهل القرن الثاني والثالث عندنا وعند مالك مطلقاً، وعند الشافعي بأحد خمسة أمور: أن يسنده غيره أو يرسله آخر، وشيوخهما مختلفة أو أن يعضده قول صحابي، أو أن يعضده قول أكثر العلماء، أو أن يعرف أنه لا يرسل إلا عن عدل، وأما مرسل من دون هؤلاء من الثقات فمقبول عند بعض أصحابنا، مردود عند آخرين، إلا أن يروي الثقات مرسله، كما رووا مسنده، فإن كان الراوي يُرْسِلُ عن الثقات وغيرهم، فعن أبي بكر الرازي من أصحابنا، والباجي من المالكية عدمُ قبولِ مرسله اتفاقاً، إلخ. ومنها: قولهم حدثنا وأخبرنا، اعلم أن التحديث لغةً: الإِخبار، وعند المشارقة من المحدثين، التحديث إخبارٌ بما سمعه من لفظ الشيخ، وغالب المغاربة لم يستعملوا هذا الاصطلاح، بل الإِخبار والتحديث بمعنى واحد، كذا في ((النخبة)) و ((شروحه)). وقال الحافظ في ((الفتح)): التحديث والإِخبار والإِنباء سواءٌ عند أهل العلم بلا خلاف، بالنسبة إلى اللغة. وأما بالنسبة إلى الاصطلاح ففيه (١) (٣٠٤/١) . ٢١٢ الباب الخامس: في توضيح ألفاظ كثُر استعمالُها في كتب الحديث الخلاف، فمنهم من استمرَّ على أصل اللغة، وهذا رأي الزهري ومالك، وابن عيينة والقطّان، وأكثر الحجازيين والكوفيين، وعليه استمر عمل المغاربة، ورجحه ابن الحاجب في ((مختصره)) ونقل الحاكم أنه مذهب الأئمة الأربعة . ومنهم من رأى إطلاق ذلك حيث يقرأ الشيخ من لفظه، وتقييده حيث يقرأ عليه، وهو مذهب إسحاق بن راهويه، والنسائي، وابن حبان وابن منده وغيرهم، ومنهم من رأى التفرقة بحسب افتراق التحمل، فيَخصّون التحديث بما يلفظ به الشيخ، والإِخبار بما يُقْرأ عليه، وهذا مذهب ابن جريج، والأوزاعي، والشافعي، وابن وهب، وجمهور أهل الشرق. ثم أحدث أتباعهم تفصيلاً آخر، فمن سمع وحده أفرد، فقال: حدثني، ومن سمع مع غيره جَمَعَ، وكذلك من قرأ بنفسه على الشيخ أفرد، فقال: أخبرني، ومن سمع بقراءة غيره جمع، وكذلك خصصوا الإنباء بالإِجازة التي يُشافِهُ بها الشيخ، قال العيني: وقيل: إن ابن وهب أول من أحدث هذا الفرق بمصر، فصار هو الشائع الغالب. وقال القاري: اعلم أنه لا فرق بين التحديث والإِنباء والإِخبار والسماع عند المتقدمين، كالزهري ومالك، وابن عيينة والقطان، وأكثر الحجازيين والكوفيين، وهو قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - وصاحبيه، وعليه استمر عمل المغاربة. ورأى بعض المتأخرين التفرقة بين صيغ الأداء بحسب افتراق التحمل فيخصون الحديث والسماع بما يلفظ به الشيخ، وسمع الراوي عنه، والإِخبار بما يقرأ التلميذ على الشيخ، وهذا مذهب ابن جريج والأوزاعي، والشافعي، وجمهور أهل الشرق، واختلفوا أيضاً في القراءة على الشيخ هل تساوي السماع من لفظه أو هي دونه أو فوقه؟ على ثلاثة أقوال سيأتي بيانها في الفائدة الثالثة من الباب السادس. ثم جرت العادة باختصار هذه الألفاظ، قال النووي في مقدمة ٢١٣ الباب الخامس: في توضيح ألفاظ كثُر استعمالُها في كتب الحديث ((شرحه))(١) على ((صحيح مسلم): جرت العادة بالاقتصار على الرمز في حدثنا وأخبرنا، واستمر الاصطلاح عليه من قديم الآثار إلى زماننا، واشتهر ذلك بحيث لا يخفى فيكتبون من حدثنا ((ثنا)» وهي الثاء والنون والألف، وربما حذفوا الثاء، ويكتبون من أخبرنا ((أنا)) ولا تحسن زيادة الباء قبل نا إلخ. وفي ((جواهر الأصول)): قد شاع بحيث لا يخفى، فيكتبون من حدثنا (ثنا)) أو ((نا)) أو ((حا)) ومن أخبرنا ((أرنا)) ومن أنبأنا ((أنبأ)). وقد جاء في أخبرنا («أبنا)» ولا يحسن لِلّبس، وإن فعله البيهقي، وفي حدثنا ((أنا)) ولا يستحب وإن فعله الحاكم والسلمي، وبعضهم يكتب من أخبرنا ((أخ)) ومن أخبرني ((أخي))، ومن أنبأني ((أنبي))، ولا مشاحة، انتهى. قلت: وكذلك جرت عادة أهل الحديث بحذف ((قال)) ونحوه فيما بين رجال الإِسناد في الخط، وينبغي للقارئ أن يلفظ بها، وإذا كان في الكتاب ((قرئ على فلان أخبرك فلان))، فليقل القارئ: قرئ على فلان قيل له: أخبرك فلان، وإذا كان فيه ((قرئ على فلان أخبرنا فلان)) فليقل: قرئ على فلان قيل له: قلت: أخبرنا فلان، وإذا تكررت كلمة ((قال)) كقولك: حدثنا صالح قال: قال الشعبي، فإنهم يحذفون إحداهما في الخط، فليلفظ بهما القارئ، فلو ترك القارئ لفظة ((قال)) في هذا كله فقد أخطأ، والسماع صحيح للعلم بالمقصود. ويكون هذا من الحذف لدلالة الحال عليه. وقال السيوطي في ((التدريب)): لو ترك القارئ لفظ ((قال)) فقد أخطأ، والظاهر صحة السماع، لأن حذف القول جائز، ومما يحذف في الخط دون اللفظ لفظ ((أنه)) كحديث البخاري: سمع أنساً أي: أنه سمع، قال الحافظ في ((شرحه)): لفظ ((أنه)) يحذف في الخط عرفاً، انتهى. ومنها ((ح)) قال السيوطي في ((التدريب))(٢): إذا كان للحديث إسنادَانٍ أَوْ (١) (٣٨/١). (٢) (٢٥٨/١). ٢١٤ الباب الخامس: في توضيح ألفاظ كثُر استعمالُها في كتب الحديث أكْثَرُ وجَمَعوا بينهما في متن واحد، كتبوا عند الانتقال من إسناد إلى إسناد (ح)) مفردة مهملة، ولم يعرف بيانها أي: بيان أمرها عمن تقدم، وكتب جماعة من الحفاظ موضعها ((صح)) فيُشْعر ذلك بأنها رمز صح، قال ابن الصلاح: وحسُن إثبات ((صح)) لئلا يُتَوَهَّم أن حديث هذا الإِسناد سقط، ولئلا يركب الإِسناد الثاني على الإِسناد الأول فيجعلا إسناداً واحداً، وقيل: هي حاء من التحويل، من إسناد إلى إسناد، وقيل: هي حاء من حائل، لأنها تحول بين إسنادين، فلا تكون من الحديث كما قيل: ولا يلفظ عندها بشيء، وقيل: هي رمز إلى قولنا ((الحديث)). وإن أهل المغرب كلهم يقولون إذا وصلوا إليها: ((الحديث))، والمختار أنه يقول عند الوصول إليها: (ح)) ويمر، انتھی . قلت: وما ظهر لي من تفحص الكتب أنهم اختلفوا في ذلك على ستة أقوال، مرجعها إلى قولين: الأول: أنه بالمعجمة، والثاني: أنه بالمهملة، وعلى الأول احتمالان: الأول إشارة إلى آخر الحديث، والثاني إشارة إلى قولهم: وبسند آخر، وعلى الثاني فأربعة أقوال: الأول: أنه رمز صح، والثاني: أنه مأخوذ من التحويل، والثالث: من الحائل، والرابع: إشارة إلى قولهم الحديث. وقال النووي في (مقدمة شرح مسلم)): إذا كان للحديث إسنادان أو أكثر كتبوا عنها للانتقال من إسناد إلى إسناد ((ح)) وهي حاء مفردة، والمختار أنه مأخوذ من التحول. لتحوله من إسناد إلى إسناد، وأنه يقول القارئ إذا انتهى إليه: ((ح)) ويستمر في قراءة ما بعدها إلى آخر ما ذكره النووي بمعنى ما تقدم عن السيوطي. ومنها: أنه يجب حذف التنوين عن كل عَلَم وُصِفَ ابتداءً بابنِ مضاف إلى عَلَم آخر، كما في ((المتن المتين)) وغيره من كتب النحو، والعلم في الموضعين يعم الاسم واللقب والكنية، كما في هامش ((شرح الجامي)) عن عبد الرحمن . ٢١٥ الباب الخامس: في توضيح ألفاظ كثُر استعمالُها في كتب الحديث ومنها: المرفوع والموقوف والأثر، قال القسطلاني: المرفوع: ما أضيف إلى النبي ◌َّل من قولٍ أو فعلٍ أو تقريرٍ، متصلاً كان أو منقطعاً، ويدخل فيه المرسل، ويشمل الضعيف. والموقوف: ما قصر على الصحابي قولاً أو فعلاً ولو منقطعاً، وهل يسمى أثراً؟ نعم. وقال السيوطي في ((التدريب)): المرفوع ما أضيف إلى النبي ◌َّر خاصة لا يقع مطلقه على غيره، متصلاً كان أو منقطعاً، وقال الخطيب: هو ما أخبر به الصحابي عن فعل النبي ◌َّز، أو قوله. فأخرج بذلك المرسل. قال شيخ الإسلام: الظاهر أن الخطيب لم يشترط ذلك، وأن كلامه خرج مخرج الغالب، لأن غالب ما يضاف إلى النبي وَلّر إنما يضيفه الصحابي، قال ابن الصلاح: فمن جعل من أهل الحديث مقابل المرسل يعني حيث يقولون مثلاً: رفعه فلان، وأرسله فلان، فقد عنى بالمرفوع المتصل. وأما الموقوف فهو المروي عن الصحابة قولاً لهم أو فعلاً أو تقريراً، متصلاً كان أو منقطعاً، ويستعمل في غيرهم كالتابعين مقيداً، فيقال: وقفه فلان على الزهري ونحوه، وعند فقهاء خراسان تسمية الموقوف بالأثر والمرفوع بالخبر، قال أبو القاسم: ومنهم الفقهاء يقولون: الخبر ما يروى عن النبي ◌َّل، والأثر ما يروى عن الصحابة، وفي ((نخبة شيخ الإِسلام)) يقال للموقوف، قال النووي: وعند المحدثين كل هذا يسمى أثراً، لأنه مأخوذ من أثرت الحديث أي رویته، انتهى. وقال الإِسكندراني في ((شرح قصيدة الغرامي)): الحديث والخبر والأثر والسنة ألفاظ مترادفة عند الجمهور، وقيل: الأثر هو قول الصحابي، وقيل: هو قول السلف مطلقاً، صحابياً كان أو تابعياً إلخ. ومنها: إذا قيل في الإسناد: عن رجل أو شيخ أو نحو ذلك؛ فقال الحاكم وابن القطان وغيرهما: لا يسمى مرسلاً بل منقطعاً، وفي ((البرهان)) ٢١٦ الباب الخامس: في توضيح ألفاظ كثُر استعمالُها في كتب الحديث الإِمام الحرمين: تسميته بالمرسل، قال العراقي: وكل من هذين القولين مخالف لما عليه أكثر المحدثين، واختار العلائي أنه متصل في إسناده مجهول، أي مبهم، قال شيخ الإِسلام: لكنه مقيد بما إذا لم يسم المبهم في رواية أخرى، وإلا فلا يكون حديثه مجهولاً، وبما إذا صرّح من أبهمه بالتحديث ونحوه، وإلا فلا يكون حديثه متصلاً لاحتمال أنه مدلس، هذا كله إذا كان الراوي عنه غير تابعي أو تابعياً ولم يصفه بالصحبة، وإلا فالحديث صحيح، لأن الصحابة كلهم عدول إلخ، قاله الزرقاني. وفي ((التدريب)): إذا قال الراوي: فلان عن رجل، أو شيخ، فقال الحاكم: منقطع، وقال غيره: مرسل، قال العراقي: وكل من هذين القولين خلاف لما عليه الأكثرون، فإنهم ذهبوا إلى أنه متصل في سنده مجهول، حكاه الرشيد، واختاره العلائي، زاد في ((المحصول)): ومن سمي باسم لا يعرف به، وعلى ذلك مشى أبو داود في ((المراسيل))، فإنه يروي فيه ما أبهم فيه الرجل، قال: بل زاد البيهقي على هذا في ((سننه))، فجعل ما رواه التابعي عن رجل من الصحابة لم يُسَمَّ مرسلاً وليس بجيد، اللّهم إلا إن كان يسميه مرسلاً، ويجعله حجة كمراسيل الصحابة فهو قريب، وقد روى البخاري عن الحميدي قال: إذا صح الإِسناد عن الثقات إلى رجل من الصحابة فهو حجة، وإن لم يسم ذلك الرجل. وقال الأثرم: قلت لأحمد بن حنبل: إذا قال رجلٌ من التابعين: حَدَّثني رجلٌ من الصحابة ولم يسمه فالحديث صحيح؟ قال: نعم. قال: وفَرَّقَ الصيرفي بين أن يرويه التابعي من الصحابي مُعَنْعِناً أو مُصَرِّحاً بالسماع، قال: هو حسن متّجه. وكلام من أطلق قبوله محمول على هذا التفصيل إلخ. ثم إذا قال: حدّثني الثقة أو نحوه، لم يُكْتَفَ به في التعديل على الصحيح، وقيل: يُكتفى بذلك مطلقاً. كما لو عَيَّنه، لأنه مأمون في الحالتين معاً، فإن كان القائل به عالماً أي مجتهداً كمالك والشافعي، وكثيراً ما يفعلان ذلك، كفى في حق موافقيه في المذهب عند بعض المحققين. ٢١٧ الباب الخامس: في توضيح ألفاظ كثُر استعمالُها في كتب الحديث قال ابن الصبَّاغ: لأنه لم يورد ذلك احتجاجاً بالخبر على غيره، بل يذكر لأصحابه قيام الحجة عنده على الحكم، وقد عرف هو من روى عنه ذلك، واختاره إمام الحرمين، ورجحه الرافعي في ((شرح المسند)»، وقيل: لا يكفي أيضاً حتى يقول: كل من أروي لكم عنه ولم أَسمِّه فهو عدل، قاله السيوطي، وقال ابن الهمام في ((التقرير)): إنه فوق الإِرسال عند من يقبله ... إلخ. ومنها: قولهم: كنا نفعل كذا، قال النووي: إذا قال الصحابي: كنا نقول أو نفعل أو يقولون أو يفعلون كذا، اختلفوا فيه، فقال أبو بكر الإِسماعيلي: لا يكون مرفوعاً بل هو موقوف، وقال الجمهور من المحدثين وأصحاب الفقه والأصول: إن لم يُضِفْه إلى زمن رسول الله وَلَر فليس بمرفوع بل موقوفٌ، وإن أضافه فقال: كنا نفعل في حياة رسول الله وَ لأو في زمنه أو هو فينا أو بين أظهرنا أو نحو ذلك فهو مرفوع، هذا هو المذهب الصحيح الظاهر، فإنه إذا فُعِلَ في زمنه مَ ل﴿ فالظاهر اطلاعه عليه وتقريره إياه، وقال آخرون: إن كان ذلك الفعل مما لا يخفى غالباً كان مرفوعاً، وإلا كان موقوفاً، وبهذا قطع الشيخ أبو إسحاق الشيرازي الشافعي. وأما إذا قال الصحابي: أمرنا كذا أو نهينا كذا، أو من السُّنة كذا فكله مرفوع على المذهب الصحيح الذي قاله الجمهور من أهل الفنون، وقيل: موقوف، وأما إذا قال التابعي: من السنة كذا فالصحيح أنه موقوف، وقيل: مرفوع مرسل إلخ. أما الرواية بالمعنى، فإن لم يكن الراوي عالماً بالألفاظ ومدلولاتها ومقاصدها، خبيراً بما يُحيل معانيها، بصيراً بمقادير التفاوت بينها لم تجز له الرواية لما سمعه بالمعنى بلا خلاف، بل يتعين لفظ ما سمعه، أما إن كان عالماً بذلك فقيل: كذلك مطلقاً، وقيل: تجوز للصحابي دون غيره، لأنهم جُبُلُوا على الفصاحة والبلاغة، وقيل: بالعكس، وقيل: لمن نسي اللفظ، وقيل: بالعكس ليتمكّن من التصرف فيه. ٢١٨ --- it الباب الخامس: في توضيح ألفاظ كثُر استعمالُها في كتب الحديث والذي عليه جمهور السلف والخلف ومنهم الأئمة الأربعة جواز الرواية بالمعنى مطلقاً، إذا قطع بأدائه، وذلك هو الذي تشهد به أحوال الصحابة والسلف، ويدل عليه روايتهم للقصة الواحدة بألفاظ مختلفة. وقد ورد في الحديث المرفوع عند الطبراني من حديث عبد الله بن سليمان، قال: قلت: يا رسول الله أسمع منك الحديث لا أستطيع أن أُؤدِّيَه كما أسمع منك يزيد حرفاً أو ينقص حرفاً؟ فقال: إذا لم تُحلِّوا حراماً ولا تُحرِّموا حلالاً، وأصبتم المعنى فلا بأس، فذكر ذلك للحسن فقال: لولا هذا ما حدثنا، انتهى. وحكى الزرقاني عن مالك المنع لمن قدر على الألفاظ. وهذا آخر ما أردنا ذكره من المباحث الأصولية بنوع من التفصيل لشدة احتياج ناظري ((الموطأ)) إلى ذلك، وأما غيرها من المباحث الضرورية فكثيرة لا يسعها المقام، وذكر القسطلاني في بداية شرحه أكثرها بنوع من الاختصار، فارجع إليه إن شئت، ونذكر بعضاً منها تكميلاً للفائدة. فقال: الصحيح: ما اتصل سنده بعدولٍ ضابطين بلا شذوذٍ ولا علةٍ خفيةِ قادحةٍ مجمعٌ عليها . والحسن: ما عُرِف مخرجه من كونه حجازياً مكيّاً كوفياً، كأن يكون راوٍ قد اشتهر برواية أهل بلدة كقتادة في البصريين. فإن حديث البصريين إذا جاء عن قتادة كان مخرجه معروفاً، فالمعتبر الاتصال وشهرة رجاله بالعدالة والضبط المنحظ عن الصحيح. ثم لو قيل: هذا حديث حسن الإِسناد أو صحيحه، فهو دون قولهم: حسن صحيح أو حسن، لأنه قد يحسن الإِسناد لاتصاله وثقة رواتهم، دون المتن الشذوذ أو علة، والصالح دون الحسن، قال أبو داود: ما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالح، وقال ابن حجر: لفظ ((صالح)) في كلامه أعمُّ من أن يكون للاحتجاج أو الاعتبار. والمُضعَّفُ: ما لم يجمع على ضعفه، وهو أعلى من الضعيف، وفي البخاري منه . ٢١٩ الباب الخامس: في توضيح ألفاظ كثُر استعمالُها في كتب الحديث والضعيف: ما قصر عن درجة الحسن، وتتفاوت درجاته في الضعف بحسب بُعْده من شروط الصحة. والموصول : - ويسمى المتصل - ما اتصل سنده رفعاً ووقفاً لا ما اتصل للتابعي، نعم يسوغ أن يقال: متصل إلى سعيد بن المسيب، أو إلى الزهري مثلاً، وإذا تعارض الوصل والإِرسال بأن تختلف الثقات في حديث، فيرويه بعضهم متصلاً وآخر مرسلاً، فقيل: الحُكمُ للمسنِد، إذا كان عدلاً ضابطاً، قال الخطيب: هو الصحيح، وسئل عنه البخاري، فحكم لمن وصل، وقال البخاري: الزيادة من الثقة مقبولة، وقيل: الحكم للأكثر، وقيل: للأحفظ. وإذا تعارض الرفع والوقف فالحكم للرافع، لأنه مثبت وغيره ساكت، وتقبل زيادة الثقات مطلقاً على الصحيح، سواء كانت من شخص واحد أو من غير من رواه. وقيل: مردودة منه مقبولة من غيره، وقال الأصوليون: إن اتحد المجلس ولم يحتمل غفلته عن تلك الزيادة [بل علم أنه متذكر لها غير ذاهل عنها] رُدَّتْ، وإن احتمل قُبِلَتْ عند الجمهور، وإن جُهِلَ تعددُ المجلس فأولى بالقبول، وإن تعدد يقيناً قبلت اتفاقاً . والمقطوع: ما جاء عن تابعي موقوفاً عليه. والمنقطع: ما سقط من رواته واحدٌ قبل الصحابي، وكذا من مكانين أو أكثر. والمعضَلُ: ما سقط من رواته قبل الصحابي اثنان فأكثر مع التوالي. والمُعَنْعَنُ: الذي قيل فيه: فلان عن فلان بدون لفظ السماع أو التحديث، فإن أتى عن رواة مُسَمّين معروفين موصولٌ عند الجمهور بشرط ثبوت اللقاء، وعند مسلم بإمكانه وعدم التدليس. قال النووي: قال بعض العلماء: هو مرسل، والصحيح الذي عليه العمل، وقاله الجماهير من أصحاب الحديث والفقه والأصول: إنه متصل بشرط إمكان اللقاء، وعدم التدليس، وفي اشتراط ثبوت اللقاء وطول الصحبة خلاف إلخ. ٢٢٠ ---- ----- - - -