النص المفهرس

صفحات 161-180

الباب الثالث: في بيان هذا التعليق، وفيه فوائد
شيوخ الحديث يكنى أبا الأسرار، جامعاً لفنون العلم، صحب الشيخ عيسى
المغربي، واستفاد منه كثيراً، وروى عن أحمد القشاشي والبابلي، وهو شمس
الدين أبو عبد الله محمد بن علاء الدين الشهير بمحمد بن العلاء، من مشاهير
المحدثين في الحجاز، صاحب الأسانيد الكثيرة، جمعها الشيخ عيسى،
وسماها (بمنتخب الأسانيد)) كما في - ((الإِرشاد))، وأخذ عن محمد بن محمد
سليمان الفاسي المالكي، مؤلف ((جمع الفوائد من جامع الأصول ومجمع
الزوائد»، وأخذ أيضاً عن الشيخ زين العابدين بن عبد القادر الطبري مفتي
الشافعية وغيرهم.
وكان الشيخ حسن حنفياً لكنه يُجوِّز التلفيق، كان في عينيه هنّةٌ، لكنه
إذا قرأ الحديث رُؤي على وجهه الأنوار، وصار كأجمل من رؤي، يأتي كل
رجب إلى المدينة المنورة، ومعه كتاب من الكتب الستة، يختمه في المسجد
النبوي على طريق السرد، ويروون عنه أهل المدينة، وأخذ الطرق الثلاثة
المتعارفة لتدريس الحديث، وهي طريق السرد، وطريق البحث، وطريق
التعمق، بسطها الشيخ الدهلوي، في ((إنسان العين)) وأنكر الطريقة الثالثة،
وقال: هي طريقة القصاص الذين يريدون إظهار فضلهم وكمال علمهم
- أعاذنا الله من ذلك - وقال: كان مختار الشيخ حسن وأبي طاهر وأحمد
القطان طريق السرد.
وكان الشيخ حسن ترك السكنى بمكة في آخر عمره، وتبثّل عن الدنيا
في الطائف، وتوفي بها سنة ثلاث عشرة بعد مائة وألف، ودفن عند قبر ابن
عباس - رضي الله عنهما - وله روايات في المسلسلات بمسلسل الحنفية.
وأما الشيخ عبد الله بن سالم بن محمد بن سالم الشافعي البصري(١)، ثم
المكي، فهو من أكابر المحدثين، وأشهر المشايخ، صاحب الأسانيد الكثيرة
(١) انظر: ((المختصر من كتاب نشر النور والزهر)) (٢٤٦/٢)، و((تاريخ الجبرتي)) (١٣٢/١)
و((أبجد العلوم)) (١٧٧/٣)، و((فهرس الفهارس)) (١٣٦/١)، و((هدية العارفين))
(١ /٤٨٠).
١٦١

الباب الثالث: في بيان هذا التعليق، وفيه فوائد
جمعها ولده سالم بن عبد الله الشماع، وسماها ((بالإِمداد بمعرفة علو
الإِسناد))، طبعت بحيدر آباد دكن، صحح كتب الأحاديث كلها حتى صارت
نسخة يرجع إليها من أقطار العالم.
ومن أعظمها ((صحيح البخاري))، أخذ في تصحيحه عشرين سنة وجمع
((مسند أحمد)) عن المكتبات المتفرقة من مصر والعراق، بعد أن تفرق به أيدي
سبأ، ولم يكن في وجه الأرض نسخة كاملة، فجمعها وصححها، وقابلها
بالأصول وأمهات الكتب الستة وغيرها، حتى صارت نسخته أم النسخ.
وشرح صحيح البخاري وسماه ((ضياء الساري)) وهو تاريخ عام الشروع، إلا
أنه لم يتفق له إتمامه، شرعه سنة ١١١٣هـ. قرأ البخاري مرتين في جوف
الكعبة سنة ١١٠٩ هـ وسنة ١١١٩ هـ.
وأخذ الحديث عن جماعة من المشايخ، منهم البابلي المذكور في
الترجمة السابقة، والشيخ أحمد البنّاء، والشيخ عيسى المغربي، والقاضي تاج
الدين المالكي وغيرهم، ذكروا في آخر ((الإِمداد))، واكتسب طريق العرفان عن
جماعة. أجلّهم السيد عبد الرحمن بن السيد محمد الشهير بالمحجوب، كان
كثير الاجتهاد في قيام الليل، يُواظب على عشرة أجزاء من القرآن كل يوم.
وُلِدَ عند طلوع الفجر يوم الأربعاء رابع شعبان سنة ١٠٤٩هـ، وتوفي بمكة
المكرمة قبيل العصر من يوم الاثنين رابع رجب سنة أربع وثلاثين ومائة
وألف، وكانت مدة عمره أربعاً وثمانين سنة.
وأما الشيخ عيسى الجعفري(١)، فهو عيسى بن محمد بن محمد بن أحمد
السعدي المغربي، وُلِدَ بالمغرب، حفظ القرآن فأخذ العلوم الابتدائية، ثم رحل
إلى الجزائر، وصحب السلجماسي أكثر من عشر سنين، وتبحرّ عنده، وأخذ عن
علماء قسطنطينية ومصر والحرمين، وتوطن بمكة، صاحب الأسانيد الكثيرة
-
(١) انظر: ((إنسان العين في مشايخ الحرمين)) (ص٦)، ((خلاصة الأثر)) (٣٤٠/٣)، ((فهرس
الفهارس)) (١/ ٣٧٧)، ((أبجد العلوم)) (١٦٦/٣).
١٦٢

الباب الثالث: في بيان هذا التعليق، وفيه فوائد
الشهيرة، جمعت في رسالة مفردة، سميت ((بمقاليد الأسانيد)).
كان أستاذ جمهور أهل الحرمين، قال السيد حسن باعمر في حقه: من
أراد أن ينظر إلى شخص لا شك في ولايته، فلينظر إلى هذا. كان كثير
المواظبة للجماعة وسرد الصيام، ولازم المشايخ الشاذلية، ألف لأبي حنيفة
- رضي الله عنه - مسنداً عنعن فيه اتصالاً راداً على من زعم أنه لم يبق
الاتصال في ذاك الزمان، توفي - رضي الله عنه - سنة ثمانين وألف كما في
((إنسان العين)) وغيره، ودفن بالمعلاة كما في ((البغية)).
وأما الشيخ سلطان بن أحمد بن سلامة بن إسماعيل فهو أبو العزائم
المزّاحي، نسبه إلى مَزَّاحة - بفتح الميم وتشديد الزاي المعجمة وإهمال
الحاء - قرية من قرى مصر، الأزهري، شيخ القراء والفقهاء، ولد سنة ٩٨٥ هـ
في ليلة الأربعاء سابع عشرة من جمادى الآخرة، وأجاز له الشيخ أحمد بن
خليل السبكي بجميع مروياته كما في ((الأمم)). توفي سنة خمس وسبعين
وألف، كذا في ((اليانع)) و((خلاصة الأثر))(١).
كان من فقهاء الشافعية، له مؤلفات عديدة، منها حاشية على ((شرح
المنهج)) لشيخ الإِسلام في فقه الشافعي، ومؤلف في القراءات الأربع الزائدة
على القراءات من طريق القبابي، وغير ذلك من المؤلفات، كذا في ((البغية))،
وكان شيخ القراء بالأزهر، كذا في ((الأمم))، وقال: وولد قبل الألف بأكثر
من سنتين، فعلى هذا له سبع وسبعون سنة.
وأما الشيخ أحمد خليل بن إبراهيم بن ناصر الدين السبكي، نسبة إلى
سبكة - بضم السين المهملة والموحدة - قرية من قرى مصر، فهو من أجلٌ
مشايخ الشيخ سلطان المزاحي، لُقِّب بشهاب الدين المصري الشافعي، نزيل
المدرسة الباسطية بمصر، أخذ عنه الشيخ سلطان ((الموطأ)) و((مسلماً))
و((البخاري)) وغيرها سنة ١٠٦١ هـ. روى عن الشيخ محمد المقدسي، والنجم
(١) ((خلاصة الأثر)) (٢١٠/٢).
١٦٣

الباب الثالث: في بيان هذا التعليق، وفيه فوائد
الغيطي، كما في ((الإِمداد))، وله رواية في ((المسلسلات)) بإجابة الدعاء عند
الملتزم برواية البابلي عنه، ويروي عنه البابلي ((الفتوحات المكية)) مع سائر
مصنفات ابن عربي، كما في ((الإِمداد))، وكذا ((شرح المواقف))، وذكر فيه
أيضاً: قال الشيخ سلطان: وقرأت على الشيخ أحمد بن خليل ((الموطأ))
((والأربعين النووية))، ((ومنهاج العابدين)) للغزالي، وقطعة من ((صحيح مسلم))،
ومن كل من باقي الكتب الستة مع الإِجازة بجميع مروياته.
وكان - رحمه الله - صاحب التصانيف، وله من المؤلفات حاشية على
((الشفاء)) للقاضي عياض، وشرح على ((منظومة السيوطي)) وشروح على رسائل
أُخر ومناسك حج كبيرة وأخرى صغيرة، توفي في الثالث والعشرين من
جمادى الآخرى سنة اثنتين وثلاثين وألف، عن ثلاث وتسعين، ودفن بفسقية،
كذا في ((خلاصة الأثر))(١).
وأما الشيخ النجم الغيطي(٢) فهو خاتمة الحفّاظ العلامة نجم الدين،
محمد بن أحمد بن علي الغيطي، نسبة إلى غيطة - بفتح الغين المعجمة
وإسكان المثناة التحتية، وإهمال الطاء - قرية من قرى مصر، ويقال: إن
الغيط بلغتهم في معنى البستان، الإِسكندري الأصل، القاهري المولد، روى
عن الشيخ أبي الكمال محمد بن حمزة الحسيني ((مسند الدارمي))، والقاضي
زكريا الأنصاري ((الأربعين النووية))، وغيره، كما في ((الإِمداد)»، وأخذ عنه
سالم بن محمد السنهوري ((صحيح البخاري))، ومحمد الحجازي الواعظ
((مسند الدارمي)) وغيرهم، توفي سنة إحدى وثمانين وتسع مائة.
وأما الشرف عبد الحق بن محمد السنباطي(٣) فلقبه في ((العجالة)) بشرف
(١) (ج ١ ص ١٨٥).
(٢) انظر: ((شذرات الذهب)) (٤٠٦/٨)، و((فهرس الفهارس)) (٢٥٥/٢) و((الكواكب السائرة))
(٥١/٣).
(٣) انظر: ((الكواكب السائرة)) (٢٢١/١)، و((النور السافر)) (١٥٤)، و((شذرات الذهب)) (٨/
١٧٩)، و((فهرس الفهارس)) (٣٤٣/٢)، و((عجالة نافعة)) (ص١٩).
١٦٤
---------

الباب الثالث: في بيان هذا التعليق، وفيه فوائد
الدين، نسبة إلى سنباط - بضم السين المهملة وإسكان النون، وبالموحدة،
آخر الحروف طاء مهملة - بلد بمصر من أعمال المحلة، روى عن شمس
الدين محمد بن مرهم الدين الشرواني، وتقي الدين الحصني، كما في
((الإِمداد)) و((النور)) وأبي الحسن علي بن أحمد، والحافظ ابن حجر، روى
عنه الشهاب أحمد بن حجر المكي، والبرهان العلقمي.
وأما البدر الحسن بن أيوب الحسني النسّابة - بفتح النون وتشديد السين
المهملة، والباء الموحدة بعد الألف وفي آخرها الهاء - نسبة إلى النسب وإلى
من يكون ماهراً في معرفة الأنساب، قاله السمعاني. واضطرب ناقلوا
الأسانيد في ذكر هذا الراوي وعمه، ولم أجد ترجمتهما بعد في كتب
التواريخ، وجملة ما وقفت عليه من ألفاظ ذاك السند هكذا: ففي ((اليانع
الجني)) عن الشرف عبد الحق بسماعه لجميعه على البدر الحسن بن أيوب
الحسني النسابة بسماعه على أبي عبد الله محمد بن جابر ... إلخ.
وفي ((العجالة)): (از شرف الدين عبد الحق از شيخ أبو محمد الحسن بن
محمد بن أيوب الحسني النسابة، وإيشان از عم خود حسن بن أيوب النسابة
وإيشان از أبو عبد الله محمد بن جابر).
وفي ((البغية)): الشرف عبد الحق بسماعه لجميعه على البدر الحسن بن
أيوب الحسني النسابة بسماعه لجميعه على عمه أبي محمد الحسن بن
محمد بن أيوب النسابة بسماعه على أبي عبد الله، وفيه أيضاً في موضع آخر،
شرف الدين عبد الحق، قال: أخبرنا به أبو محمد الحسن بن محمد أيوب
النسابة سماعاً لجميعه، قال: أخبرني عمي الحسن بن أيوب النسابة سماعاً
لجميعه، وسمعه ابن أيوب جميعه على أبي عبد الله محمد بن جابر.
وفي ((الإِمداد)): عن الشرف عبد الحق، عن البدر الحسن بن محمد بن
أيوب الحسني النسابة، عن أبي محمد الحسن النسابة، عن أبي عبد الله.
وفي ((قطف الثمر)): عن الشرف بسماعه لجميعه على البدر حسن بن
محمد بن أيوب الحسني النسابة، بسماعه لجميعه على عمه أبي محمد الحسن
النسابة، بسماعه لجميعه على أبي عبد الله.
١٦٥

الباب الثالث: في بيان هذا التعليق، وفيه فوائد
فجمعنا ألفاظ تلك الأسانيد كلها لكثرة ما وقع فيه من التخليط،
والصواب عندي بملاحظة ألفاظهم: عن الشرف عن البدر الحسن(١) بن
محمد بن أيوب، عن أبي محمد الحسن بن أيوب(٢) عن أبي عبد الله.
وأما ابن جابر الوادياشي المالكي(٣)، فهو أبو عبد الله محمد بن معين
الدين جابر بن محمد، بن قاسم، بن محمد بن أحمد، بن إبراهيم، بن
حسان القيسي، الوادياشي الأصل، التونسي الاستيطان، ولد بتونس، يلقب
بشمس الدين، ويكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن جابر، كذا في ((الديباج)).
ذكر في ((اليانع الجني)): الوادياشي نسبة إلى الوادياش - بالواو وإهمال
الدال وكسرها وبالمثناة التحتية آخرها شين معجمة - بلدة بالمغرب، ويقال فيه
أيضاً: الوادي آش ـ بإسكان الياء ومد الألف -، انتهى.
وُلد، ونشأ بتونس، وجال في البلاد المشرقية والمغربية، واستكثر من
الرواية، كان محدثاً مقرئاً مجوِّداً، وله معرفةٌ بالنحو واللغة والحديث ورجاله.
أخذ عنه نحوٌ من مائة وثمانين من أهل المشرق والمغرب، له مؤلفات
حديثية، جملة منها أربعون حديثاً، وله أسانيد كتب المالكية يرويها إلى
مؤلفيها، والترجمة العياضية، ولد سنة ثلاث وسبعين وستمائة هجرية، وتوفي
في الطاعون سنة تسع وأربعين وسبعمائة هجرية، وفي ((نفح الطيب)) توفي سنة
٧٧٩هـ.
(١) هو الإِمام العلامة الإِخباري، صاحب الكتب الكثيرة ك ((الجوهر المكنون في القبائل
والبطون)) و((نفائس الدرر في فضائل خير البشر (َ﴾))، وغير ذلك، توفي سنة (٨٦٦هـ) وله
مائة سنة، انظر مصادر ترجمته في ((معجم المؤلفين)) (٢٧٦/٣) وانظر ((شذرات الذهب))
(٣٠٥/٧) و((الضوء اللامع)) (١٢١/٣).
(٢) انظر ترجمته في ((الضوء اللامع)) (١٢٣/٣).
(٣) انظر ترجمته في ((الدرر الكامنة)) (٤١٤/٣)، و((الديباج المذهب)) (٣١٣)، و((فهرس
الفهارس)» (٢٣٤/٢)، و((نفح الطيب)) (١٠٨/٣).
١٦٦
----
------
--------------
- .. ..
----- -

الباب الثالث: في بيان هذا التعليق، وفيه فوائد
وأما عبد الله بن محمد بن هارون بن محمد بن عبد العزيز(١)، فهو
الطائي القرطبي نسبة إلى قرطبة - بضم القاف والطاء المهملة - مدينة في
الأندلس، يكنى أبا محمد، إمامٌ فاضلٌ من فقهاء المالكية، الأديب الكاتب
المسند المعمر، أخذ عنه الناس كثيراً، ولد سنة ثلاث وستمائة هجرية،
وتوفي سنة اثنتين وسبعمائة هجرية ودفن بالزلاج بتونس، كذا في ((الديباج)).
وأما القاضي أبو القاسم: فهو أحمد بن يزيد(٢)، بن عبد الرحمن، بن
أحمد، بن محمد، بن أحمد، بن مخلد، بن بقي، بن مخلد القرطبي، يكنى
أبا القاسم، الفقيه الكاتب، المحدث الفاضل الحسيب، العَلَم الأوحد قاضي
الجماعة، روى عن أبيه وجده، وجماعة كثيرة، ولد يوم السبت ثاني عشر
ذي القعدة عام سبعة وثلاثين وخمسمائة هـ، وتوفي بقرطبة عام خمسة
وعشرين وستمائة هـ في رمضان، كذا في ((الوشي في طبقات المالكية)).
وأما محمد بن عبد الرحمن بن عبد الحق(٣) أبو عبد الله الخزرجي
القرطبي وقد ينسب إلى جده، فهو آخر من حدث عن محمد بن فرج، كما
في أحد سندي ((اليانع الجني))، وغيره من فقهاء المالكية، روى عنه شيخنا
الدهلوي بسنده في المسلسل بالفقهاء المالكية، والمسلسل بالمغاربة.
وأما أبو عبد الله محمد بن فرج مولى ابن الطلاَّع (٤)، فهو شيخ الفقهاء
في عصره، وأسنُّ من بقي في وقته، كان قوَّالاً بالحق، شديداً على أهل
البدع، غير هيوب للأمراء، سمع منه عالمٌ عظيمٌ، ورحل إليه الناس من كل
(١) انظر ترجمته في: ((الديباج)) (ص١٤٣)، و((الدرر الكامنة)) (٢٠٣/٢)، و((فهرس
الفهارس)) (٤٢٥/٢)، و((شجرة النور الزكية)) (١٩٩/١).
(٢) انظر ترجمته في ((التكملة لكتاب الصلة)) (١١٥/١) و((شجرة النور الزكية)) (١٧٨/١)
و((معجم المؤلفين)) (٢٦/٢).
(٣) ذكره ابن الآبار، وقال: لم أقف على تاريخ وفاته، ((التكملة)) (٤٩٦/٢).
(٤) انظر ترجمته في ((العبر)) (٣٤٩/٣)، و((الديباج)) (ص٢٧٥)، و((كتاب الصلة)) (٢/
٥٣٤) .
١٦٧

الباب الثالث: في بيان هذا التعليق، وفيه فوائد
قطر لسماع ((الموطأ)) و((المدوَّنة))، لعلوه في ذلك، وألف (كتاب أقضية
النبي (َ ﴾))، وفي ((الديباج)): (كتاب أحكام النبي (وَل))، ((وكتاب الشروط))،
وأخرج زوائد أبي محمد في ((المختصر))، وألف مختصر أبي محمد في
الولاء، توفي سنة سبع وتسعين وأربعمائة هـ.
وأما أبو الوليد يونس بن عبد الله بن محمد بن مغيث(١) فهو يعرف بابن
الصفّار، قرطبي، كان يتولى أولاً بني أمية، فلما انقرضت دولتهم انتمى في
الأمصار، كان من أكابر أصحاب ابن زرب، وكان يميل إلى التصوف في
العبادة، وكان سريع الدمع، ولم يكن البارع في الفقه، وُلِّي قضاء في مواضع
كثيرة، وولي الرد (٢) بقرطبة، ثم ولاه المعتز قضاء قرطبة، مؤلف كتاب
(الموعب)) في تفسير ((الموطأ))، تقدم ذكره في شروح ((الموطأ)).
وله تآليف أخرى منها: ((جمع ابن زرب))، وكتاب ((الابتهاج لمحبة الله))،
وكتاب (المنقطعين))، وكتاب ((التهجد))، وكتاب ((فضائل الأنصار))، وكتاب
((التسلي على الدنيا))، وكتاب ((العُبَّاد))، و((الموجز الكافي))، و((دعاء
الصالحين))، وكتاب ((طب القلوب الشافي من ألم الذنوب))، وكتاب ((أنس
الوحيد))، وكتاب ((المواقف))، وكتاب ((المعمرين))، وكتاب ((الحكايات))،
وكتاب ((المستبصرين))، توفي في رجب سنة تسع عشرة وأربعمائة هـ، قاله ابن
فرحون .
وأما أبو عيسى فهو يحيى(٣) بن عبد الله، بن يحيى، بن يحيى، بن
يحيى - ثلاثاً - بن كثير، بن وسلاس المصمودي، وقيل في نسبه: الليثي، لأن
جده يحيى بن كثير أسلم على يزيد بن عامر الليثي، كما تقدم في محله،
(١) انظر: ((الديباج المذهب)) (ص٣٦٠) ((وشذرات الذهب)) (٢٤٤/٣) و ((سير أعلام النبلاء))
(٥٦٩/١٧).
(٢) هكذا في الأصل.
(٣) كان جليل القدر عالي الدرجة في الحديث، انظر ترجمته في ((الديباج)) (ص٣٥٣)،
و((شذرات الذهب)) (٦٥/٣)، و((تاريخ علماء الأندلس)) (ص١٩١).
١٦٨

الباب الثالث: في بيان هذا التعليق، وفيه فوائد
وكان أبو عيسى هذا جليل القدر، عالي الدرجة في الحديث، ولي القضاء في
مواضع عديدة، وكان لا يرى القنوت في الصلاة، ولا يقنت في مسجده
البتة، روى عن أبي الحسن النحاس، وسمع ((الموطأ)) من حديث الليث،
ومن عم أبيه عبيد الله بن يحيى، مولده سنة سبع وثمانين ومائتين هـ، وتوفي
سنة سبع وستين وثلاثمائة هـ، قاله ابن فرحون في ((الديباج)) إلا أنه ذكر في
نسبه يحيى بن يحيى مرتين، وذكر شيخه ابن عم أبيه، لكن أهل الأسانيد من
(اليانع)) و(الإِمداد)) و((القطف)) و(البغية)) وغيرهم ذكروه ثلاث مرات، وجعلوا
شيخه عبيد الله عم أبيه فاعتمدت على قولهم.
وأما عم والده فهو أبو مروان، عبيد الله بن الإِمام يحيى بن يحيى الليثي
المصمودي(١)، فقيه قرطبة، ومسند الأندلس، كان ذا حرمة عظيمة وجلالة،
روى عن والده ((الموطأ))، وحمل عنه بشر كثير، توفي سنة ثمان وتسعين
ومائتين هـ، قاله ابن فرحون، وما في الزرقاني من ثمان وسبعين وهم من
الناسخ، وتقدم ترجمة يحيى بن يحيى وإمام دار الهجرة في بيان هذه النسخة.
وأما زياد بن عبد الرحمن، فهو أبو عبد الله القرطبي(٢)، يلقب بشبطون،
قيل: إنه من ولد حاطب بن أبي بلتعة، سمع عن الإِمام مالك ((الموطأ))، وله
في الفتاوى كتاب سماع معروف بسماع زياد، وكان أول من أدخل الأندلس
((موطأ مالك))، ثم تلاه يحيى بن يحيى، وكان أهل المدينة يسمونه فقيه
الأندلس، وكانت له إلى الإِمام مالك رحلتان، توفي سنة ثلاث، وقيل أربع،
وقيل: تسع وتسعين ومائة. كذا في ((الديباج))، وبسط ترجمته شيخنا الدهلوي
في ((البستان))، وهذا القدر يكفي لهذا المختصر.
ولما انتهت تراجم الأساتذة ومشايخ الإِسناد لم يبق بُدُّ من ذكر شيء
من ترجمة الإِمام الأعظم لما أن المؤلف - عفا الله عنه - مقلَّدٌ لأقواله، وهو
(١) ((ترتيب المدارك)) (٤٢١/٤) و((شذرات الذهب)) (٢٣١/٢) و((الديباج)) (ص١٤٦).
(٢) انظر ترجمته في: ((الديباج المذهب)) (ص١١٨)، و((جذوة المقتبس)) (ص٢١٨)، و((بغية
الملتمس» (ص٢٩٤).
١٦٩

الباب الثالث: في بيان هذا التعليق، وفيه فوائد
منتهى أسانيده في الفقه، ومغترفٌ من بحوره في محامل الحديث مع الاعتراف
بأن هذا المختصر لا يتحمل من فضائله إلا بقدر ذرة من ذرات العالم،
واهتماماً بشأنه أفردنا ذكره في باب مفرد، سيأتي بيانه.
الفائدة الرابعة
فيما أهتم به في هذا التعليق
وهو عدّةُ أمور: منها: أن أكثر مباحثها منقول من أكابر المشايخ، ولم
أخترع من عندي، وما لنفسي أن تجترئ في مثل ذلك، واعترافاً بقلة باعي
في العلوم سيما العلوم النقلية التي مدارها على النقل إلا ما كان من توجيه
الروايات وتطبيق بعضها بعضاً، فقد يكون خاطري أبا عُذْرة.
ومنها: أن ما أخذتُ من كلام أحدٍ من المشايخ عزوتُه إلى قائله غالباً،
إلا ما أخذته عن ((الزرقاني)) و((بذل المجهود)) فإني تركت الانتساب إليهما
غالباً لكثرة ما أخذت عنهما، فكان هذا التعليق ملخصهما، وكذلك ما ذكرته
من الكلام على رجال السند أخذته من ((تهذيب الحافظ)) و(تقريبه)) و((تعجيله))،
ورجال ((جامع الأصول)) فلم أعزه إليها غالباً روماً للاختصار، وإذا خرجت
منها إلى غيرها عزوتُه إلى قائله.
ومنها: أني اكتفيت بذكر ترجمة كل راوٍ في أول ما جاء من السند،
وذكرت في آخر الكتاب فهرساً يبين محله، فصار ذلك - بحمد الله - كأنه
رسالة مفردة، في رجال ((الموطأ)).
ومنها: أن ما ذكره المصنف من المراسيل والتعاليق بيّنت اتصاله فيما
و جدته .
ومنها: أني اكتفيت في بيان المذاهب على مذاهب الأئمة الأربعة، ولم
أذكر غيرها لقلة الجدوى في ذلك، وقد صرح في شرحي الإِمامين الخطاب
والمواق على مختصر أبي الضياء، السيد خليل المالكي، بأنه قال إمام
الحرمين: أجمع المحققون على أن العوام ليس لهم أن يتعلقوا بمذاهب
١٧٠

الباب الثالث: في بيان هذا التعليق، وفيه فوائد
الصحابة - رضي الله عنهم -، بل عليهم أن يتبعوا مذاهب الأئمة الذين
سبروا، ونظروا، وبوّبوا، لأن الصحابة - رضي الله عنهم - لم يعتنوا بتهذيب
المسائل والاجتهاد، أو إيضاح طرق النظر بخلاف من بعدهم.
ثم قال القرافي: ورأيت للشيخ تقي الدين بن الصلاح ما معناه: إن
التقليد يتعين لهؤلاء الأئمة الأربعة دون غيرهم، لأن مذاهبهم انتشرت،
وانبسطت حتى ظهر فيها تقييد مطلقها، وتخصيص عامها، وشروطها
وفروعها، فإذا أطلقوا الحكم في موضع وجد مكملاً في موضع آخر، وأما
غيرهم فنقل عنه الفتاوى مجرداً، فلعل لها مكملاً ومقيداً أو مخصصاً إلى آخر
ما بسطه، وكذا صرح غير واحد من المشايخ انحصار التقليد في الأئمة.
ومنها: أني اعتمدت في بيان المذاهب غالباً على كتب الفروع من
الأئمة الأربعة، وما اكتفيت على حكاية الشُّرَّاح لاختلاف بعضهم بعضاً،
وغلط النقل أحياناً.
ومنها: أني لم آلُ جهداً في مراجعة الكتب المالكية لكون أصل الكتاب
على مسلكهم، وبينتُ تأييد ما جاء في ذلك من أقوال الإِمام مالك عن
((المدوّنة)) وغيره.
ومنها: أني ذكرت دلائل الحنفية إجمالاً في أكثر المواضع لشدة احتياج
طلبة ديارنا إلى ذلك، فإن أكثرهم أحناف، وصرفت العنان عن دلائل الأئمة
الأُخر روماً للاختصار، واعترافاً بقلة معرفتي عن مآخذهم.
ومنها: أني اجتنبت بحمد الله من إساءة الأدب في شأن الأئمة
والمشايخ - شكر الله سعيهم - مع أني أترك ترجيح بعضهم على بعض، حيث
ما أدى فكري القاصر، فإنهم - رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم - اجتهدوا في
تنقيح الروايات، وتحقيق المسائل، واختلافهم رحمة للأمة، ولكل منهم قدوة
من الصحابة الذين هم نجوم الهداية، وكلهم - إن شاء الله - مُثابٌ على
ذلك.
١٧١

الباب الثالث: في بيان هذا التعليق، وفيه فوائد
ولا شك فى أن تجهيلهم، وإساءة الأدب بشأن الأكابر من قبائح
الرفض - حفظنا الله عن ذلك - ومع ذلك فهذا ما أدى إليه نظري القاصر.
ولا أبيح لمن نظر فيه أن يعتقد بصحته إذا وجده مخالفاً لكلام المشايخ،
فإنما المسلك ما سلك فيه أهل الفن، وما أقول في ذلك إلا ما قال الباجي
في مفتتح كتابه، وتقدم مبسوطاً. ﴿وَمَآ أُبَرُِّ نَفْسِىَّ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّ مَا
رَحِمَ رَبِيِّ إِنَّ رَبِ غَفُورُ نَّحِيمٌ﴾(١)
الفائدة الخامسة
في بيان الكتب التي آخذ منها في هذا الجزء الأول من ((أوجز المسالك))
أقيدها بالكتابة ليسهل المراجعة إليها عند الحاجة، فاعلم أن الكتب
المعدودة في مقدمة ((بذل المجهود)) التي كانت موجودة عند ذاك الضعيف
نترك أسماءها اختصاراً ونحيل عليها، فإن شئت تفاصيلها ارجع إلى المقدمة
المذكورة.
وأما غيرها فمن كتب الحديث وشروحه ((بذل المجهود لحل أبي داود))
الشهير في الأمصار المومأ إليه قبل ذلك، من تصنيف شيخي وأستاذي أبي
إبراهيم خليل أحمد المتوفى سنة ١٣٤٦هـ وخمسة من شروح ((الموطأ))، وهي
((تنوير الحوالك)) للسيوطي، و((الفتح الرحماني)) لبيرى زاده، و((المنتقى))
للباجي، و((الاستذكار)) لابن عبد البر، و((المسوّى)) لشيخنا العلامة الشاه
ولي الله الدهلوي، تقدم بيان هذه الخمسة في ذكر شروح ((الموطأ))، و((شرح
أبي داود)) لشهاب بن رسلان و((جمع الفوائد من جامع الأصول ومجمع
الزوائد» للإمام محمد بن محمد بن سليمان الروداني المغربي المالكي، نزيل
مكة المكرمة المتوفى سنة ١٠٩٤هـ، و((كتاب علل الحديث)) لابن أبي حاتم
و((كتاب الأذكار)) للإمام النووي.
وأما من كتب التفسير فكتاب ((أحكام القرآن)) لأبي بكر أحمد بن علي
(١) سورة يوسف: الآية ٥٣.
١٧٢

الباب الثالث: في بيان هذا التعليق، وفيه فوائد
الرازي الحنفي، المعروف بالجصاص المتوفى سنة ٣٧٠هـ، و((تفسير الخازن))
معروف، و((معالم التنزيل)) للبغوي الشافعي المتوفى سنة ٥١٦هـ.
وأما من أسماء الرجال ((فكتاب التلقيح)) لأبي الفرج عبد الرحمن بن
الجوزي، المتوفى سنة ٥٥٧هـ، و((قرة العين في ضبط أسماء رجال
الصحيحين))، لعبد الغني بن أحمد البحراني الشافعي.
ومن أصول الحديث: ((الألفية)) للسيوطي، وشرحه ((منهج ذوي النظر))،
و ((لُقَط الدرر)» شرح الشرح لنخبة الفكر، لعبد الله بن حسين العدوي المالكي،
وحاشية الأجهوري على شرح الزرقاني على ((البيقونية)»، ورسالة العبد
الضعيف في أصول الحديث على أصول الحنفية.
ومن كتب الفقه للأئمة الأربعة، ((رسائل الأركان)) للعلامة بحر العلوم
الحنفي، و((الجواهر المنيفة في أدلة أبي حنيفة)) للسيد محمد مرتضى
الحسيني، و((البرهان شرح مواهب الرحمن)) لإبراهيم الطرابلسي الحنفي،
و((الدسوقي على الشرح الكبير)) للدردير، من فروع المالكية، و((المغني))
للموفق بن قدامة الحنبلي، و((الشرح الكبير))، و(نيل المآرب)) لعبد القادر بن
عمر الشيباني، و((الروض المربع في شرح المستنقح)) للشيخ منصور بن يونس
البهوتي، الأربعة من فروع الحنابلة، و((الأنوار الساطعة في المذاهب الأربعة))
لأحمد بن أحمد بن سالم بن أحمد النشوقي السدسي، و((بداية المجتهد))
للعلامة ابن رشد المالكي، ومن علوم شتى - كاللغة والتاريخ وغيرها -
(تهذيب الأسماء واللغات)) للنووي، و((حجة الله البالغة)) لشيخ مشايخنا الشاه
ولي الله الدهلوي.
وآخذ في هذه المقدمة خاصة من هذه الكتب أيضاً:
((مجموعة المسلسلات)) لمولانا الشاه ولي الله الدهلوي - نور الله مرقده -
و((اليانع الجني في أسانيد الشاه عبد الغني)) الذي جمعها أحد تلامذته الشيخ
محمد بن يحيى المدعو بالمحسن التيمي، و(كتاب الإِمداد بمعرفة علو
الإِسناد)) في بيان أسانيد الشيخ عبد الله بن سالم البصري المكي المتوفى سنة
١٧٣

الباب الثالث: في بيان هذا التعليق، وفيه فوائد
١١٣٤ هـ، جمعه ولده سالم بن عبد الله، و((قطف الثمر)) للشيخ صالح بن
محمد بن نوح العمري الفلأني المغربي، ثم المدني، المتوفى سنة ١٢١٨هـ،
جمع فيه أسانيده، و((بغية الطالبين في بيان المشايخ المحققين المعتمدين))
للشيخ أحمد النخلي المكي، جمع فيه أسانيده، و((كتاب الأمم لإيقاظ الهمم))
للشيخ إبراهيم بن حسن بن شهاب الدين الكردي، المتوفى سنة ١١٠٢هـ،
جمع فيه أسانيده، و((العجالة النافعة)) لمولانا الشيخ العلامة الشاه عبد العزيز
الدهلوي ذكر فيه أسانيده أيضاً، و((الكمالات العزيزية))، و((الرسائل الخمس))
لحجة الإِسلام مولانا الشاه ولي الله الدهلوي، و((الإِرشاد إلى مهمات
الإِسناد)) له، جمع فيه أسانيده، و((أنفاس العارفين)) له، و(كشف الظنون عن
أسامي الكتب والفنون)) لمصطفى بن عبد الله، الشهير بملا كاتب جلبي،
المتوفى سنة ١٠٦٧هـ إلاأنه يوجد فيها أسامي الكتب التي بعد هذه السنة
أيضاً، كما في هامش ((الفوائد البهية))، فتأمل.
و((كشاف اصطلاحات الفنون)) لمولانا الشيخ محمد أعلى التهانوي،
و ((تذكرة أمير المؤمنين في الحديث مولانا الشيخ رشيد أحمد الگنگوهي» - قُدّس
سره - الذي ألفه أمير التحرير مولانا عاشق إلهي الميرتهى، و((تذكرة حجة
الإِسلام رأس المتكلمين مولانا الشيخ محمد قاسم النانوتوي)) - قدس الله سره -،
المتوفى سنة ١٢٩٧ هـ، الذي ألفه رئيس أهل التُّقى البحر الكامل مولانا محمد
يعقوب النانوتوي - قدس سره -. و((حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة))
للعلامة السيوطي، و((بغية الوعاة في طبقات النحاة)) له، و((الديباج المذهب في
أعيان المذهب)) لإبراهيم بن علي بن محمد بن فرحون اليعمري المالكي،
المتوفى سنة ٧٩٩هـ، و((نيل الابتهاج بتطريز الديباج)) لأحمد بن أحمد بن أحمد بن
عمرو، المعروف ببابا تنبكتي، المتوفى سنة ١٣٣٠هـ، كلاهما في طبقات
المالكية، و((أبجد العلوم))، للأمير صديق حسن خان المتوفى سنة ١٣٠٧ هـ،
و((نيل الأماني على مقدمة القسطلاني)) لعبد الهادي بن رضوان المشهور بنجا
الأبياري، وشرحا الإِمامين: الحطاب، والمواق على ((مختصر الخليل)) في فروع
المالكية، وأسأله تبارك وتعالى حسن الخاتمة.
١٧٤

الباب الرابع: في ذكر الإمام الأعظم أبي حنيفة - رضي الله عنه -
الباب الرابع
في ذكر الإمام الأعظم أبي حنيفة - رضي الله عنه -
الذي هو مرجع أسانيد المؤلف في الفقه ودراية الحديث، وفيه فوائد:
الفائدة الأولى
في ترجمته
اختلف في نسب الإِمام على أقوالٍ، فقيل: عربي، وقيل: عجمي،
والصواب الثاني، فمن قال: إنه عربي نسبه هكذا: نعمان بن ثابت بن
زوطى بن يحيى بن زيد بن أسد بن راشد الأنصاري، وقال أحمد بن حجر
المكي: اختلفوا في نسبه فقال أكثرهم - وصححه المحققون -: إنه من
العجم، ابن ثابت بن زُوطى - بالضم كموسى، أو بالفتح كسلمى - بن ماه،
من أهل كابل، هكذا نسبه عمر بن حماد ولد الإِمام، وقال أخوه إسماعيل بن
حماد: هو ابن ثابت بن النعمان بن المرزبان - بفتحِ فسكونٍ فضمٍ زايٍ. وقد
يفتح، معرب - الرئيس من أبناء فارس الأحرار، والله ما وقع لنا رِقُّ قَطَّ.
وجمع بين القولين بأن زوطى اسم جاهلي، ونعمان اسم إسلامي، وكذا
جمع بين ماه ومرزبان بأن كليهما في معنى الرئيس ألقاب، وبسط في
((الجواهر المضيئة))(١) نسبه، وبلغ إلى آدم عليه الصلاة والسلام، فارجع إليه
لو شئت .
ولد ثابت - والد الإِمام رضي الله عنه - بالكوفة، وذهب به أبوه إلى
(١) انظر: ((الجواهر المضيئة)) (٢٦/١ - ٣٢) و((البداية والنهاية)) (١٠٧/١٠) و((عِبَر الذهبي))
(٢١٤/١) و((وفيات الأعيان)) (٤٠٥/٥) و((شذرات الذهب)) (٢٢٧/١) و((تاريخ بغداد))
(١٣/ ٣٢٣).
١٧٥

الباب الرابع: في ذكر الإمام الأعظم أبي حنيفة - رضي الله عنه -
علي - كرّم الله وجهه - صغيراً فدعا له بالبركة فيه وفي ذريته، وولد الإِمام
- رضي الله عنه - سنة ثمانين بالكوفة في خلافة عبد الملك بن مروان، وقيل:
سنة إحدى وستين، كما في ((الخيرات)). وفيه أيضاً: اتفقوا على أن اسمه
النعمان، وفيه سِرٌّ لطيفٌ، إذ أصل النعمان الدم الذي به قوام البدن، ومن ثم
ذهب بعضهم إلى أنه الروح، فأبو حنيفة - رضي الله عنه - به قوام الفقه، أو
نبت أحمر طيب الريح الشقيق أو الأرجوان، فأبو حنيفة طابت خلاله، وبلغ
الغاية كماله، أو فعلان من النعمة، فأبو حنيفة نعمة الله على الخلق.
واتفقوا على أن كنيته أبو حنيفة مؤنثُ حنيفٍ. وهو الناسك أو المسلم.
والأوجه في تكنيته أنه رأس الفروع والشرائع في الملة الحنيفية البيضاء.
وقيل: سبب تكنيته بذلك ملازمته للدواة المسماة حنيفة، بلغة العراق. وقيل:
كانت له بنت تسمى بذلك. ورُدَّ بأنه لا يعلم له ولد ذكر ولا أنثى غير
حماد، انتهى مختصراً .
وأما حليته: فقال أبو يوسف - رضي الله عنه -: كان رَبْعَةً، من أحسن
الناس صورة وأبلغهم نطقاً، وأكملهم إيراداً، وأحلاهم نغمة، وأبينهم حجة.
وقال حماد ولده: كان طويلاً يعلوه سمرة، جميلاً حسن الوجه، هيوباً لا
يتكلم إلا جواباً. ولا يخوض فيما لا يعنيه. ولا تنافي بين كونه ربعة وبين
كونه طويلاً؛ لأنه قد يكون مع الربعة أقرب إلى الطول، كما بسطه شُرَّاح
((شمائل الترمذي))، وقال ابن المبارك: كان حسن الوجه، حسن الثياب.
وكان - رضي الله عنه - حسن الهيئة، كثير التعطر، يعرف بالريح الطيبة
قبل أن يُرَى، كان يتعهد شسعه لا يُرَى منقطع الشسع، وكان يلبس قلنسوة
طويلة سوداء، وكان له لباسُ جبة فنك. وجبة سنجاب ثعلب، يصلي فيها،
ورداء عليه علم، وسبع قلانس إحداهن سوداء، وقال شريك: كان - رضي الله
عنه - طويل الصمت، كثير العقل، قليل المجادلة للناس، قليل المحادثة لهم،
وقال ضميرة: لم يختلف الناس أنه - رضي الله عنه - كان مستقيم اللسان، لا
يذكر أحداً بسوء، وقال بكير بن معروف: ما رأيت رجلاً أحسن سيرة في أمة
محمد - ملح - من أبي حنيفة.
١٧٦

الباب الرابع: في ذكر الإمام الأعظم أبي حنيفة - رضي الله عنه -
وحكى السيوطي عن جعفر بن الربيع قال: أقمت عنده خمس سنين،
فما رأيت أطول صمتاً منه، فإذا سئل عن الفقه نفح وسال كالوادي، وسمعت
له دوياً وجهارة بالكلام، وأراد - رضي الله عنه - التجرد والانقطاع عن
الناس، فمُنِعَ عن ذلك في المنام من حضرة الرسالة، وأُمِر بتبليغ الشرائع،
ورؤياه في ذلك شهيرة، وحكى الموفق عن النضر بن محمد: ما رأيت أشدَّ
ورعاً منه، ما كان يحسن الهزل، ولا يتكلم به، ولا رأيته مستجمعاً ضحكاً،
ولکنه کان یتبسم.
وأما وفاته - رضي الله عنه - وسبب وفاته، فقال ابن حجر: إن
المنصور طلبه للقضاء، وأن يكون قضاة بلاد الإِسلام من تحت أمره،
فامتنع، فحلف وغَلَّظ إن لم يفعل ليحبسنَّه، وليشدِّدن عليه، فامتنع، فحبسه،
وكان يرسل له، إن أحببت الخلاص فاقبل، فيمتنع، ولما شدّد الامتناع أمر
أن يخرج كل يوم فيضرب عشرة أسواط، ويُنادَى عليه في الأسواق، فأخرج
وضرب ضرباً مُؤْجعاً حتى سال عنه الدم على عقبيه، ثم أعيد إلى الحبس
وضُيِّق عليه تضييقاً شديداً، حتى في مأكله ومشربه، ثم فعل به كذلك في
الثاني. والثالث، ثم هكذا إلى عشرة أيام فبكى، وأكد الدعاء فتوفي بعد
خمسة أيام.
وروى جماعة أنه رفع إليه قدح فيه سُمّ ليشرب فامتنع، وقال: إني
لأعلم ما فيه ولا أَعِين على قتل نفسي، فطرح ثم صُبَّ في فيه قهراً فمات،
وقيل: كان ذلك بحضرة المنصور، وصح أنه لما أحس بالموت سجد،
فخرجت نفسه وهو ساجد، وقيل: بالامتناع عن القضاء لا يوجب للمنصور
أن يقتله هذه القتلة الشنيعة، وإنما السبب في ذلك أن بعض أعداء أبي حنيفة
دَسَّ إلى المنصور أن أبا حنيفة هو الذي أثار عليه إبراهيم بن عبد الله بن
الحسين بن علي - رضي الله عنه - الخارج عليه بالبصرة، ثم اتفقوا على أنه
- رضي الله عنه - توفي سنة مائة وخمسين عن سبعين سنة في رجب على
المشهور، وقيل: شعبان، وقيل: نصف شوال، ولم يخلف غير حماد.
١٧٧

الباب الرابع: في ذكر الإمام الأعظم أبي حنيفة - رضي الله عنه .
الفائدة الثانية
في فضله وثناء الناس عليه
وأنت خبير بأن فضائل الأئمة - رضي الله عنهم - أكثر من أن تحصيها
الدفاتر، فضلاً عن هذه الأوراق، سيَّما الإمام الأعظم - رضي الله عنه - فقد
ألف المشايخ في شدة اجتهاده في العبادة، وفي خوفه ومراقبته لربه - سبحانه
وتقدس - وفي حفظ لسانه عما لا يعنيه، وفي كرمه وزهده، وورعه وأمانته
ووفور عقله وفراسته، وعظيم ذكائه، وأجوبته المسكتة عن الأسئلة المبهتة،
وحلمه، ونحو ذلك، وفي أكله من كسبه، ورده للجوائز، وفي حكمه وآدابه.
وفي محنته لما أرادوا توليته الوظائف الجليلة وغير ذلك، أبواباً طويلة،
وأجزاء مفردة لا يسعها هذا الموجز(١)، نتركها للاختصار، ونذكر شيئاً من
ثناء الناس عليه لنتبرك بمناقبه.
قال ابن المبارك: دخل أبو حنيفة على مالك فرفعه، ثم قال بعد
خروجه: أتدرون من هذا؟ قالوا: لا، قال: هذا أبو حنيفة النعمان، لو قال:
هذه الأسطوانة من ذهب لخرجت كما قال، لقد وفق له الفقه حتى ما عليه
فيه كثير مؤنة، ثم دخل الثوري، فأجلسه دون مجلس أبي حنيفة، فلما خرج
ذکر من فقهه وورعه.
وقال الشافعي - رضي الله عنه - : من أراد أن يتبخّر في الفقه فهو
عيال أبي حنيفة، إنه ممن وفق له الفقه، وعنه أيضاً: من لم ينظر في كتبه لم
يتبحر في العلم ولا يتفقه، وقال ابن عيينة: ما رأت عيني مثله، وعنه: من
أراد المغازي فالمدينة، أو المناسك فمكة، أو الفقه فالكوفة، ويلزم أصحاب
أبي حنيفة .
وقال ابن المبارك: إن احتيج للرأي فرأي مالك وسفيان وأبي حنيفة،
(١) انظر: ((مناقب الإمام الأعظم)) للمكي، و((مناقب أبي حنيفة)) للذهبي، و((الانتقاء)) لابن
عبد البر وغيرها .
١٧٨
ـم

الباب الرابع: في ذكر الإمام الأعظم أبي حنيفة - رضي الله عنه -
وهو أفقههم وأحسنهم وأدقهم فطنة، وعنه: قوله عندنا - إذا لم نجد أثراً -
كالأثر عن رسول الله وَّ، وعنه: ليس أحد أحق أن يقتدى به من أبي
حنيفة؛ لأنه كان إماماً، تقياً، ورعاً، عالماً، فقيهاً، كشف العلم كشفاً لم
يكشفه أحد ببصر وفهم وفطنة وتقى، وقال الثوري لمن قال له: جئت من
عند أبي حنيفة؟: لقد جئت من عند أفقه أهل الأرض، ولما حجا كان يقدمه
ويمشي خلفه، ولا يجيب إذا سئلا حتى يكون أبو حنيفة هو الذي يجيب.
وقال الأوزاعي لابن المبارك: من هذا المبتدع الذي خرج بالكوفة يكنى
أبا حنيفة؟ فأراه مسائل عويصة من مسائله، فلما رآها منسوبة للنعمان بن ثابت
قال: من هذا؟ قلت: شيخ لقيته بالعراق، قال: هذا نبيل من المشايخ،
اذهب فاستكثر منه، قلت: هذا أبو حنيفة الذي نهيت عنه. ثم لما اجتمع
بأبي حنيفة بمكة جاراه في تلك المسائل، فكشفها أبو حنيفة له بأكثر ما كتبها
ابن المبارك عنه، فلما افترقا قال الأوزاعي لابن المبارك: غبطتُ الرجل
بكثرة علمه ووفور عقله، وأستغفر الله تعالى لقد كنت في غلط ظاهر، الْزَم
الرجل فإنه بخلاف ما بلغني عنه.
وقال أحمد بن حنبل في حقه: إنه من أهل الورع والزهد، وإيثار
الآخرة بمحل لا يدركه أحد. وقال النضر بن شُميل: كان الناس نياماً عن
الفقه حتى أيقظهم أبو حنيفة؛ بما فتقه وبيّنه ولخّصه. وحكى الخطيب عن
بعض أئمة الزهد: من أراد أن يخرج من ذُل العمى والجهل ويجد حلاوة
الفقه فلينظر في كتبه. وقال الحافظ عبد العزيز بن أبي روّاد: من أحب أبا
حنيفة فهو سُنِّيٌّ، ومن أبغضه فهو مبتدع. وفي رواية: بيننا وبين الناس أبو
حنيفة، فمن أحبه وتولاه علمنا أنه من أهل السنة، ومن أبغضه علمنا أنه من
أهل البدعة .
وقال إبراهيم بن معاوية الضرير: من تمام السُّنة حُبّ أبي حنيفة.
وحكى ابن حجر: ما اشتغل بدعوة الناس إلى مذهبه إلا بالإِشارة النبوية في
المنام، فيدعوهم إلى مذهبه بعد ما قصد الانزواء والاستخفاء عنهم، تواضعاً
١٧٩

الباب الرابع: في ذكر الإِمام الأعظم أبي حنيفة - رضي الله عنه -
واحتقاراً لنفسه، فلما جاءه الإِذن ممن فوضت إليه قسمة خزائن الله على
مستحقها علم أن ذلك أمر حتم لا بد منه، فدعا الناس إليه حتى ظهر مذهبه
وانتشر، وكثُرت أتباعه وخذلت حُسَّاده، ونفع الله به شرقاً وغرباً وعجماً
وعرباً .
ومن عظم مناقبه وورعه تركه لحم شاة سبع سنين لفقد شاة بالكوفة،
وتصدقه بجميع مال أتى به وكيله، لبيعه ثوباً معيباً مخفياً عيبه، وما أورد عليه
بعض المؤرخين من أنه مستبعد، فصدر من قلة معرفتهم بمصادر التقوى، ولا
يتعجب من ذلك من عالج المتقين، فإن التقوى أشدُّ من الفتوى.
ومن أشهر مناقبه - رضي الله عنه - أنه - رضي الله عنه - صلى الفجر
بوضوء العشاء أربعين سنة، فقيل له: ما الذي قَوّاك على هذا؟ قال: إني
دعوت الله بأسمائه على حروف المعجم، وهي مجموعة في كل من آيتين،
الأولى ﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ ... ﴾ إلى آخر سورة الفتح، والثانية ﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم
مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ ... ﴾ الآية في سورة آل عمران، وأنه كان يختم برمضان ستين
ختمة: ختمةً بالليل وختمةً بالنهار، قاله الغزالي في ((الإِحياء)).
وقال ابن حجر: لما حج الأعمش أرسل إليه ليكتب له المناسك. وكان
يقول: اكتبوا المناسك عنه، فإني لا أعلم أحداً أعلم بفرضها ونفلها منه،
فانظر هذه الشهادة له من مثل الأعمش، وقال رجل عند وكيع: أخطأ أبو
حنيفة، فزجره وكيع، وقال: من يقول هذا كالأنعام، بل هم أضلُّ سبيلاً،
كيف يخطئ وعنده أئمة الفقه، كأبي يوسف ومحمد، وأئمة الحديث،
وعَدَّدَهم، وأئمة اللغة العربية، وعَدَّدَهم، وأئمة الزهد والورع كالفُضيل وداود
الطائي، ومن كان أصحابه هؤلاء لم يكن ليُخْطِئ؛ لأنه إن أخطأ رَدُّوه للحق.
وروى ابن عبد البر في ((كتاب العلم)) بسنده عن محمد بن بكر بن داسة:
سمعت أبا داود السجستاني يقول: رحم الله مالكاً، كان إماماً، رحم الله الشافعي
كان إماماً، رحم الله أبا حنيفة كان إماماً، وحكى الموفق عن أبي يحيى
الحِمَّاني: ما رأيت رجلاً قط خيراً من أبي حنيفة، وعن ابن عيينة يقول: ما
١٨٠
٠٠
------