النص المفهرس
صفحات 101-120
الفصل الثاني: في المُؤْلَّفِ، وفيه فوائد ((المدونة)) كان زاهداً فقيهاً متورعاً، كان يختم القرآن كل يوم ختمتين، من رواة (خ مدس) توفي بمصر سنة ١٩١هـ. والرابعة: نسخة معن بن عيسى(١)، وهو معن (بالفتح) بن عيسى بن دينار أبو يحيى المدني القزاز، ويقال: تبنّاه الإِمام، ويقال له: عصا مالك، لأنه - رضي الله عنه - كان يتكئ عليه حين خروجه إلى المسجد بعد ما كبر وأسنَّ، وهو الذي قرأ على مالك ((الموطأ)) للرشيد وابنيه، مات بالمدينة في شوال سنة ١٩٨ هـ، من رواة الستة. والخامسة: نسخة القعنبي، وهو أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسلمة بن قعنب، القعنبي(٢) - بفتح القاف وسكون العين -، نسبة إلى جده، مدني الأصل، سكن البصرة كثير الفضائل، عُدَّ من الأبدال، ولد بعد سنة ١٣٠هـ، وتوفي بمكة في شوال سنة ٢٢١هـ، وقيل: لست خلون من المحرم يوم السبت، من رُواة الستة إلا ابن ماجه، كان ابن معين وابن المديني لا يقدمان عليه في ((الموطأ)) أحداً. وروي عنه أنه قال: لزمت مالكاً عشرين سنة حتى قرأت عليه ((الموطأ))، قال أبو زرعة: ما رأيت أخشع منه. السادسة: نسخة عبد الله بن يوسف أبي محمد (٣)، الدمشقي الأصل، التنيسي المسكن، بلدة من بلاد المغرب، وذكر السمعاني أنها من بلاد مصر، من رواة (خ د ت س) أكثر البخاري عنه في كتبه، قال الحافظ في ((التقريب)): من أثبت الناس في ((الموطأ))، وفي (تهذيبه)): سمع ((الموطأ)) سنة ١٦٦ هـ ومات سنة ٢١٧هـ. والسابعة: نسخة يحيى بن عبد الله بن بكير(٤)، وقد يُنسب إلى جده، (١) له ترجمة في ((الانتقاء)) لابن عبد البر (ص٦١)، و(تهذيب التهذيب)). (٢٥٢/١٠)، و((الديباج)) (ص٣٤٧). (٢) له ترجمة في: ((تذكرة الحفاظ)) (٣٨٣/١) و((الديباج)) (١٣١) و(«العبر)) (٣٨٢/١). (٣) له ترجمة في: ((تهذيب التهذيب)) (٨٨/٦)، و((تقريب التهذيب)) (٤٦٣/١). (٤) له ترجمة في: ((تذكرة الحفاظ)) (٤٢٠/٢)، و((حسن المحاضرة)) (٤٣٧/١)، و((شذرات الذهب)» (٧١/٢). ١٠١ الفصل الثاني: في المُؤلَّفِ، وفيه فوائد فيقال: نسخة يحيى بن بكير المعروف بابن بكير، وهو يحيى بن عبد الله بن بكير القرشي المخزومي مولاهم أبو زكريا المصري من رواة (خ م ق)، ولد سنة ١٥٤ هـ، ومات في النصف من صفر سنة ٢٣١هـ، ذكر في ((البستان)) روي عن يحيى بن بكير: أني عرضت ((الموطأ)) على الإِمام مالك - رضي الله عنه - أربع عشرة مرة، وقال الحافظ في - ((تهذيبه)): قال ابن معين: سمع يحيى بن بكير ((الموطأ)) بعرض حبيب كاتب الليث، وقال مسلمة: تكلم فيه؛ لأن سماعه عن مالك إنما كان بعرض حبيب. وفي (التذكرة)) للذهبي: هو صاحب مالك، والليث، أكثر عنهما، قال بقي بن مخلد: سمع يحيى بن بكير ((الموطأ)) من مالك سبع عشرة مرة، وكذا نقله الزرقاني عن ((الديباج))، وفي العيني على البخاري، قال الباجي: قد تكلم أهل الحديث في سماعه ((الموطأ)» عن مالك، مع أن جماعة قالوا: هو أحد من روى ((الموطأ)» عن مالك. الثامنة: نسخة سعيد بن عفير، وهو سعيد بن كثير بن عفير (١)، (بالمهملة والفاء مصغراً) ابن مسلم الأنصاري من رواة (خ م قد س)، ولد سنة ١٤٦هـ، وتوفي في رمضان سنة ٢٢٦هـ كان من أعلم الناس بالأنساب والأخبار الماضية، وأيام العرب مآثرها ووقائعها، والمناقب والمثالب، وكان أديباً فصيح اللسان يقال: إن مصر لم تُخْرِج أجمعَ للعلوم منه. التاسعة: نسخة (٢) أبي مصعب الزهري(٣)، وهو أحمد بن أبي بكر القاسم بن الحارث الزهري من قضاة أهل المدينة من رواة الستة يقال: موطأه آخر الموطآت، ولد سنة ١٥٠هـ، ومات في رمضان سنة ٢٤٢هـ، قال صاحب (١) له ترجمة في: ((تذكرة الحفاظ)) (٤٢٧/٢)، و((تهذيب التهذيب)) (٧٤/٤)، و((ميزان الاعتدال)) (١٥٥/٢). (٢) طبع ((الموطأ)) برواية أبي مصعب الزهري في مؤسسة الرسالة سنة ١٤١٢ هـ = ١٩٩٢م. (٣) له ترجمة في: ((شذرات الذهب)) (١٠٠/٢)، و((الانتقاء)) (ص٦٢)، و((ترتيب المدارك)) (٣٤٧/٣). ١٠٢ الفصل الثاني: في المُؤْلَّفِ، وفيه فوائد (الإتحاف)): يقال: في نسخته زيادة على سائر الموطآت بنحو من مائة حديث . العاشرة: نسخة مصعب بن عبد الله الزبيري(١)، هو مصعب بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي، أبو عبد الله الزبيري المدني، سكن بغداد، من رواة (س ق) ومسلم خارج الصحيح، وأبي داود خارج السنن، ولد سنة ١٥٦ هـ، وتوفي لليلتين خلتا من شوال سنة ٢٣٦ هـ. الحادية عشرة: نسخة محمد بن المبارك الصوري(٢)، وهو محمد بن المبارك بن يعلى القرشي الصوري، سكن دمشق من رواة الستة، ولد سنة ١٥٣ هـ ومات سنة ٢١٥هـ. كان من العبّاد، كان شيخ الشام بعد أبي مسهر. الثانية عشرة: نسخة سليمان بن برد (٣)، لم أقف على ترجمته، اختلف أهل النقل في اسمه، فقيل: هكذا، وقيل: سلمان بن برد، وقيل: سلمة بن برد، وعلى هذه ثنتي عشرة نسخة، بنى الغافقي ((مسنده)) كما تقدم، وتقدم أيضاً ما قاله السيوطي: إِني وقفت على النسختين الأخريين غيرها . الثالثة عشرة: نسخة أبي حذافة السهمي(٤)، وهو أحمد بن إسماعيل بن محمد السهمي أبو حذافة المدني نزيل بغداد من رواة ابن ماجه فقط، يقال: هو آخر من روى عن مالك ((الموطأ))، متكلم فيه عند المحدثين، قال صاحب ((الإتحاف)): يقال: أدخل في ((الموطأ)) ما ليس منه، قال الذهبي: سماعه للموطأ صحيح في الجملة، عمّر نحواً من مائة سنة، توفي يوم عيد الفطر سنة ٢٥٩هـ، وقال ابن قانع: سنة ٢٥٨هـ. (١) له ترجمة في: «ترتيب المدارك)) (١٧٠/٣ - ١٧٢)، و((طبقات ابن سعد)) (٤٣٩/٥). (٢) له ترجمة في: ((تهذيب التهذيب)) (٤٢٤/٩) و((تقريب التهذيب)) (٢٠٤/١). (٣) له ترجمة في: ((المدارك)) (٤٦٠/٢). (٤) انظر ترجمته في: ((تهذيب التهذيب)) (١٦/١)، و((ميزان الاعتدال)) (٨٣/١). ١٠٣ الفصل الثاني: في المُؤلَّفِ، وفيه فوائد الرابعة عشرة: نسخة سويد بن سعيد (١)، وهو سويد بن سعيد بن سهل الهروي أبو محمد الحدثاني نسبة إلى الحدثية بلد على الفرات، الأنباري (بنون فموحدة) من رواة مسلم وابن ماجه، متكلّم فيه أيضاً عند المحدثين، قال البخاري: مات سنة ٢٤٠هـ أول شوال بالحدثيَّة، وفيها أرَّخه البغوي، وقال: كان قد بلغ مائة سنة، ومما نقم عليه حديث: ((من عشق وكتم وعفَّ ومات مات شهيداً))، قيل لمسلم: كيف استجزتَ الرواية عنه في الصحيح؟ قال: ومن أين كنت آتي بنسخة حفص بن ميسرة. الخامسة عشرة: نسخة سراج مذهب الحنفية محمد بن الحسن الشيباني(٢)، صاحب أبي حنيفة - رضي الله عنه - اسمه مُغْنٍ عن ذكر مفاخره، أصله من دمشق من قرية يقال لها: حرستا، كان أبوه من جند الشام، فقدم واسطاً، فولد بها محمد سنة ١٣٢هـ، وتوفي بالري سنة ١٨٩هـ، ولما ذكر الإِمام محمد في ((موطئه)) الآثار والروايات والفروع من غير طريق مالك - رضي الله عنه - نسب إليه عرفاً، فيقال له: ((موطأ محمد))، وهاتان النسختان هما اللتان زادهما السيوطي. السادسة عشرة: نسخة يحيى بن يحيى التميمي، وهو يحيى بن يحيى بن بكر بن عبد الرحمن التميمي الحنظلي، أبو زكريا النيسابوري من رواة (خ م ت س) ولد سنة ١٤٢ هـ وتوفي ليلة الأربعاء غُرَّة ربيع الأول، قال الحاكم: كل من خالف هذا القول يخطئ، وقال الحافظ في ((التقريب)): مات سنة ٢٢٦ هـ على الصحيح، وفي ((التذكرة)): مات في صفر سنة ٢٢٦هـ قلت: وهذه النسخة هي التي خرجها مسلم في ((صحيحه))، كما تقدم في بيان تلامذة الإِمام، قال السيوطي في ((التنوير)): ويحيى بن يحيى هذا ليس هو صاحب الرواية المشهورة الآن. (١) انظر ترجمته في ((تهذيب التهذيب)) (٢٧٢/٤). (٢) انظر ترجمته في ((وفيات الأعيان)) (٥٧٤/١)، و((الفوائد البهية)) (ص١٦٣) ومقدمة ((التعليق الممجد)) (١١٤/١). ١٠٤ الفصل الثاني: في المُؤلَّفِ، وفيه فوائد قلت: هذه النسخ التي ذكرها شيخ مشايخنا العلامة الدهلوي في ((البستان)). وقال السيوطي عن القاضي عياض: والذي اشتهر من نسخ (الموطأ)) مما رويته أو وقفت عليه نحو عشرين نسخة، وذكر بعضهم أنه ثلاثون نسخة، وقد رأيت ((الموطأ)) برواية محمد بن حميد بن عبد الرحيم بن شروس الصنعاني عن مالك وهو غريب، ولم يقع لأصحاب اختلاف الموطآت، فلذا لم يذكروا منها شيئاً . قال السيوطي: وذكر الخطيب ممن روى ((الموطأ)) عن مالك إسحاق بن موسى الموصلي مولى بني مخزوم، وحكى السيوطي عن القاضي أسماء جمع من المحدثين رووا ((الموطأ)) غير المذكورين، فارجع إليه، وكذا بسطهم الزرقاني وغيره، وذكر ابن فرحون: عبد الأعلى أبا مسهر بن مسهر أيضاً فيمن روى ((الموطأ)) عن مالك. ثم اختلفوا في أرجح الروايات منها: قال الإِمام أحمد: سمعت ((الموطأ)) من بضعة عشر رجلاً من حُفَّاظ أصحاب مالك، فأعدته على الشافعي - رضي الله عنه - لأني وجدته أقومهم، ويروى عن ابن معين أنه يقول: أثبت الناس في ((الموطأ)) القعنبي، وعبد الله بن يوسف التّيِّيسي بعده، قال الحافظ: هكذا أطلق ابن المديني، والنسائي أن القعنبي أثبتهم، وقال ابن معين: أثبتهم معن بن عيسى، وفي ((الديباج)): قال النسائي: لم يَرْوِ أحد عن مالك ((الموطأ)) أثبت من ابن القاسم، وقال محمد بن عبد الحكم: أثبتهم في مالك ابن وهب. قال السيوطي في ((التنوير)): للموطأ روايات كثيرة وأكبرها رواية القعنبي، قال العلائي: وروى ((الموطأ)) عن مالك جماعات كثيرة، وبين رواياتهم اختلاف من تقديم وتأخير، وزيادة ونقص. ومن أكبرها وأكثرها زيادات رواية أبي مصعب. قال ابن حزم: في ((موطأ أبي مصعب)) هذا زيادة على سائر الموطآت نحو مائة حديث، انتهى. ١٠٥ الفصل الثاني: في المُؤْلَّفِ، وفيه فوائد الفائدة السادسة في بيان هذه النسخة التي بأيدينا هي الشهيرة في ديارنا بموطأ مالك على الإطلاق، شرح عليها السيوطي والزرقاني والباجي، وشيخنا الدهلوي وغيرهم، وهي نسخة يحيى بن يحيى الأندلسي(١)، وهو أبو محمد الفقيه يحيى بن أبي عيسى يحيى بن كثير بن وسلاس - بفتح الواو وسكون السين المهملة الأولى - كما في ((البستان)) وغيره، وفي ((الديباج المذهب)) - بكسر الواو وسينين مهملتين، الأولى ساكنة - ابن شملل - بفتح الشين المعجمة وسكون الميم وفتح اللام الأولى - كذا في ((البستان))، و ((التعليق الممجد))، وفي ((تهذيب الحافظ)): شملال، بزيادة الألف بين اللامين، ابن منقايا - بفتح الميم وسكون النون بعدها قاف معقودة، وبعد الألف مثناة تحتية، المصمودي - بالفتح - نسبة إلى مصمودة، قبيلة من البربر. قال السمعاني: المصمودي - بفتح الميم وسكون الصاد المهملة وضم الميم، وفي آخرها الدال المهملة - نسبة إلى مصمودة قبيلة من البربر، ويقال له: الصادي أيضاً، نسبة إلى الصاد قبيلة من المصمودة. أول من أسلم من آبائه منقايا، أسلم على يد يزيد بن عامر الليثي، فنسب إلى الليث ليث كنانة ولاءً، وفي (البستان)): فنسبته بولاء الإِسلام ليثي، وقيل: أول من أسلم منهم وسلاس، وأسلم أيضاً على يد يزيد بن عامر، وأول من سكن الأندلس منهم جده کثیر، وقيل: يحيى بن وسلاس. أخذ يحيى ((الموطأ)» أولاً بقرطبة لأول نشأته من زياد بن عبد الرحمن بن زياد اللخمي، المعروف بشبطون - وستأتي ترجمته في الأسانيد - وكان زياد أول من أدخل مذهب مالك - رضي الله عنه - في الأندلس، وكانوا قبل ذلك على مسلك الأوزاعي، وقعت ليحيى رحلتان من وطنه، الأولى في السنة التي توفي فيها الإِمام مالك - رضي الله عنه - يعني سنة تسع وسبعين بعد المائة، (١) انظر ترجمته في ((الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء)) (ص٥٨ - ٦٠)، و((شذرات الذهب)» (٨٣/٢)، و((سير أعلام النبلاء)) (٥١٩/١٠). ١٠٦ الفصل الثاني: في المُؤْلَّفِ، وفيه فوائد وكان حاضراً في تجهيزه وتكفينه، قال في ((البستان))(١): وكان إذ ذاك ابن عشرين سنة قلت: والظاهر ابن ثمان وعشرين، كما يأتي عن ((الديباج))، لأن مولده سنة إحدى أو اثنتين وخمسين ومائة، فتأمل. وسمع في تلك الرحلة ((الموطأ)) من الإِمام إلا ثلاثة أبواب من كتاب الاعتكاف، وفي الرحلة الثانية أخذ العلم والفقه من ابن القاسم صاحب ((المدونة)) من أعيان أصحاب مالك، وبعد ما صار جامعاً بين الرواية والدراية عاد إلى وطنه؛ وأقام بالأندلس يدرِّس، ويُفتي على مذهب مالك، قال في ((الديباج المذهب)): سمع في الرحلة الأولى من مالك والليث وابن وهب، واقتصر في الأخرى على ابن القاسم، وبه تفقه، وسمع يحيى لأول نشأته من زياد («موطأ مالك)). وسمع من يحيى بن مضر ثم رحل وهو ابن ثمان وعشرين سنة، فسمع من مالك ((الموطأ)) غير أبواب في كتاب الاعتكاف شكَّ فيها، فحدَّث بها عن زياد، وسمع من ابن وهب ((موطأه)) و((جامعه))، ومن ابن القاسم مسائل، وحمل عنه عشرة كتب، وكتب سماعه، وعادت فتيا الأندلس بعد عيسى بن دينار إلى رأيه. وبيحيى وعيسى انتشر مذهب مالك، وكان مالك يُعجبه سمتُ يحيى وعقله، وسماه العاقل لقصة الفيل الشهيرة بين الناس، وهي أن يحيى كان عند مالك، فجاء الفيل في المدينة، ولا يكون في العرب، ولذا يفتخرون برؤيته في الأشعار والدواوين، قال بعض الشعراء: فبارك الله لي في رؤية الفيل يا قوم إني رأيت الفيل بعدكم فكدت أصنع شيئاً في السراويل رأيته وله شيء يحركه وقال بعضهم بمقابلة القرآن: ((الفيل ما الفيل، وما أدراك ما الفيل، له ذنب طويل، وخرطوم وبيْلٌ)) فخرجوا لرؤيته ولم يخرج يحيى، فقال له الإِمام: مالَكَ لم تخرج؟ فقال: لم أرحل لأنظر الفيل، وإنما رحلت لأشاهدك وأتعلم من علمك وهديك. فأعجبه ذلك، وسماه عاقل الأندلس، (١) (ص٢٣). ١٠٧ الفصل الثاني: في المُؤْلَّفِ، وفيه فوائد وإليه انتهت رئاسة الفقه بها، وانتشر به مذهب الإمام مالك في الأندلس، وعُرِضَ للقضاء فامتنع، فعلَتْ رُتبته على القضاة عند السلطان، فلا يولي قاضياً في أقطاره إلا بمشورته واختياره، ولا يشير إلا بأصحابه، فأقبل الناس عليه لبلوغ أغراضهم. وهذا سبب شهرة ((الموطأ)) بالمغرب من روايته دون غيره، قاله الزرقاني، وكان يشبه سمت مالك، ويلبس بزي لباسه، وكان مجاب الدعوة، وكان شديد الاتباع في رأي مالك، ولا يرضى بخلافه، وخالف الإِمام في أربع مسائل: فأخذ برأي الليث بن سعد المصري، الأولى: لا يرى القنوت في الصبح، الثانية: لا يرى القضاء بيمين وشاهد، والثالثة: لا يرى تحكيم الحكمين في شقاق الزوجين، والرابعة: لا يرى كراء الأرض. وقال ابن عبد البر في ((التمهيد)): لعمري لقد حصلت نقله - يعني نقل يحيى عن مالك - فألفيته من أحسن أصحابه لفظاً، ومن أشدِّهم تحقيقاً في المواضع التي اختلفت فيها رُواة ((الموطأ))، إلا أن له وهماً وتصحيفاً في مواضع كثيرة، ولم يكن له بَصَرٌ بالحديث. قلت: وليس من رواة الستة، ذكره الحافظ في ((تهذيبه)) للتمييز، توفي في رجب سنة ٢٣٤هـ، وقيل: في ذي الحجة، وقيل: سنة ٢٣٣هـ، وكانت سنّهُ إِذ ذاك ٨٢ سنة، كذا في ((الديباج))، فيكون مولده سنة اثنتين وخمسين ومائة أو إحدى وخمسين. روى عنه ((الموطأ)) محمد بن وضاح الحافظ الأندلسي، وابنه عبيد الله - مصغراً - ابن يحيى الليثي فقيه قرطبة، ومسند الأندلس، وهو المذكور في إسنادنا كما سيأتي في محله في بيان الإِسناد، وكثر الاعتماد على هذه النسخة من نسخ ((الموطأ))، حتى إنه المتبادر بالموطأ عند الإِطلاق. ومن خصائص هذه النسخة أنها آخر ما نُقِلَ عن الإِمام مالك - رضي الله عنه - فإنه تقدم أن يحيى بن يحيى سمع عن الإِمام في السنة التي توفي فيها الإِمام؛ ومعلوم أن آخر السماع أرجح. ومنها: أنها تشتمل على كثير من المسائل الفرعية المناسبة للروايات الواردة في الباب، إلا أن ١٠٨ الفصل الثاني: في المُؤْلَّفِ، وفيه فوائد رواية يحيى ليست في كتب الستة لما فيها من كثرة الأوهام، كما في ((البستان)) وغيره. الفائدة السابعة في عدد روايات الموطأ قال الشيخ في ((المصفَّى)): كان الإِمام مالك - رضي الله عنه - جمع في (الموطأ)) قريباً من عشرة آلاف حديث، فما زال ينقيه حتى بقي فيه ما بقي، وذكر ابن الهياب: أن مالكاً روى مائة ألف حديث جمع منها في ((الموطأ)» عشرة آلاف، ثم لم يزل يعرضها على الكتاب والسنة، ويختبرها بالآثار والأخبار حتى رجعت إلى خمسمائة. وقال الكياالهراسي في تعليقه في الأصول: إن في ((موطأ مالك)) كان تسعة آلاف حديث، ثم لم يزل ينتقي حتى رجع إلى سبعمائة، وفي ((المدارك)) عن سليمان بن بلال: ألف مالك ((الموطأ)) وفيه أربعة آلاف حديث، أو أكثر، ومات وهي ألف حديث ونيّف، يخلصها عاماً بعد عام بقدر ما يرى أنه أصلح للمسلمين وأمثل في الدين، وقال أبو بكر الأبهري: جملة ما في (الموطأ)) من الآثار عن النبي ◌َل﴾ل وعن الصحابة والتابعين ألف وسبعمائة وعشرون حديثاً، المسند منها ستمائة، وسيأتي تمامه في بيان المرسل، وقال الغافقي: مسند ((الموطأ)) ستمائة حديث، وستة وستون حديثاً، وسيأتي أيضاً في بيان المرسل. وأخرج ابن عبد البر عن عمر بن عبد الواحد صاحب الأوزاعي قال: عرضنا على مالك ((الموطأ)) في أربعين يوماً، فقال: كتاب ألفته في أربعين سنة أخذتموه في أربعين يوماً، ما أقل ما تفقهون فيه! وأخرج أبو نعيم في ((الحلية)) عن أبي خليد قال: أقمت على مالك، فقرأت ((الموطأ)) في أربعة أيام، فقال مالك: علمٌ جمعه شيخ في ستين سنة أخذتموه في أربعة أيام، لافَقِهِتُمْ أبداً . ١٠٩ الفصل الثاني: في المُؤْلَّفِ، وفيه فوائد الفائدة الثامنة في توجيه ما اختلف فيه أقوال المشايخ من أن أول الصحيح الموطأ أو البخاري؟ قال النووي في ((التقريب)): أول مصنَّفٍ في الصحيح المجرد ((صحيح البخاري)). قال السيوطي(١): قوله ((المجرد)) احترز به عما اعترض عليه من أن مالكاً أول من صنف الصحيح، وتلاه أحمد بن حنبل، وتلاه الدارمي. قال العراقي: الجواب أن مالكاً لم يفرد الصحيح، بل أدخل فيه المرسل والمنقطع، والبلاغات، ومن بلاغاته أحاديث لا تعرف، كما ذكره ابن عبد البر، فلم يفرد الصحيح إذن. وقال مغلطاي: لا يحسن هذا جواباً لوجود مثل ذلك في البخاري. وقال شيخ الإِسلام: كتاب مالك صحيح عنده وعند من يقلِّده، على ما اقتضاه نظره من الاحتجاج بالمرسل والمنقطع وغيرهما، لا على الشرط الذي تقدم التعريف به، قال: والفرق بين ما فيه من المنقطع وبين ما في البخاري أن الذي في ((الموطأ)» هو كذلك مسموع لمالك غالباً، وهو حجة عنده، والذي في البخاري قد حذف إسناده عمداً لقصد التخفيف أو التنويع، وإنما يذكر ما يذكر من ذلك تنبيهاً واستشهاداً واستئناساً وغير ذلك، فظهر بهذا أن الذي في البخاري لا يخرج عن كونه جرد فيه الصحيح، بخلاف ((الموطأ))، انتهى. وعلم بذلك أيضاً أن كلا الإطلاقين صحيح بالاعتبارين، وإليه أشار السيوطي في ((ألفيته)) كما تقدم في بيان تدوين الحديث في منظومة السيوطي. قال مغلطاي: أول من صنف الصحيح مالك، وقول الحافظ: هو صحيح عنده وعند من يقلده على ما اقتضاه نظره من الاحتجاج بالمرسل والمنقطع وغيرهما، لا على الشرط الذي استقر عليه العمل في حد الصحة، تعقبه السيوطي: بأن ما فيه من المراسيل مع كونها حجة عنده بلا شرط وعند من (١) ((تدريب الراوي)) (١ / ٩٧). ١١٠ ------- الفصل الثاني: في المُؤلَّفِ، وفيه فوائد وافقه من الأئمة، وهي حجة عندنا أيضاً، لأن المرسل حجة عندنا إذا اعتضد، وما من مرسل في ((الموطأ)) إلا وله عاضد أو عواضد، فالصواب إطلاق أن ((الموطأ)) صحيح، لا يُستثنى منه شيء، قاله الزرقاني. الفائدة التاسعة في بيان ما في الموطأ من المرسل والبلاغ وصنف ابن عبد البر كتاباً في وصل ما في ((الموطأ)) من المرسل والمنقطع والمعضل، وقال: جميع ما فيه من قوله: ((بلغني)) ومن قوله: ((عن الثقة عندي)) مما لم يسنده أحد وستون حديثاً كلها مسندة من غير طريق مالك، إلا أربعة أحاديث لا تعرف، أحدها: (إِني لا أَنْسَى ولكن أُنَسَّى(١) لأَسُنَّ)، والثاني: (إِن النبي ◌َّ أُرِيَ أعمار الناس قبله. أو ما شاء الله من ذلك، فكأنه تقاصرت أعمار أمته فأعطِي ليلة القدر)، والثالث: قول معاذ: آخر ما أوصاني به رسول الله وَلّر، وقد وضعت رجلي في الغرز أن قال: (حسِّن خلقك للناس)، والرابع: (إذا أنشأت بحرية ثم تشاءمت فتلك عين غُدَيقة)، وسيأتي الكلام على هذه المواضع الأربعة في مواضعها - إن شاء الله - مفصلاً . والمراد من قوله: أحد وستون حديثاً، المرفوع إلى النبي ◌َّ، وقد بسطها في كتابه ((التقصي))، المطبوع بمصر، وما ذكر من الحصر في الأربعة مشكل؛ فإِنه صرح بنفسه في حديث ابن المغيرة في الغلول أنه لم يسند بوجه من الوجوه، وقال أبو بكر الأبهري: جملة ما في ((الموطأ)) من الآثار عن النبي ◌َّ وعن الصحابة والتابعين ألف وسبعمائة وعشرون حديثاً، المسند منها ستمائة حديث، والمرسل مائتان واثنان وعشرون حديثاً، والموقوف ستمائة وثلاثة عشر، ومن قول التابعين: مائتان وخمسة وثمانون. (١) وفي رواية أخرى: ((إنّي أنسى أو أُنسَّى لأسُنَّ))، أخرجه الإمام مالك في كتاب السهو، حديث (٢) (١٠٠/١). ١١١ الفصل الثاني: في المُؤْلَّفِ، وفيه فوائد وقال ابن حزم في كتاب ((مراتب الديانة)): أحصيتُ ما في ((موطأ مالك))، فوجدت فيه من المسند خمسمائة ونيفاً، وفيه ثلاثمائة ونيف مرسلا، وفيه نيف وسبعون حديثاً، قد ترك مالك نفسه العمل بها، وفيه أحاديث ضعيفة ومَّاها الجمهور. وقال العلامة الشيخ ولي الله الدهلوي في ((المسوَّى)): إن ((مسند الدارمي)) إنما صُنِّفَ لإسناد أحاديث ((الموطأ))، وفيه الكفاية لمن اكتفى، وقال أيضاً في ((المصفَّى)): إن الإِمام - رضي الله عنه - نظر كتب القوم، ويعبِّر عنها بمالك بلغه أن النبي ◌ّ﴾ فعل كذا، وفي ((البستان: أن الغافقي رتب مسنداً عن اثنتي عشرة نسخة من ((الموطأ))، كما تقدم في بيان النسخ، وقال في آخره: جملة ما في هذا المسند ستمائة وستة وستون حديثاً، منها سبعة وتسعون حديثاً اختلف فيها النسخ في ذكر بعضها دون بعض، والباقي اتفقت عليه النسخ، والمرسل منها سبعة وعشرون حديثاً، وخمسة عشر موقوف، وجملة ما في هذا المسند من شيوخ الإِمام خمسة مواضع بلفظ ((بلغني)) بدون ذكر أحد، وتقدم في بيان دأب المصنف في ((الموطأ)» المراد بقول الإِمام، الثقة عن فلان، والثقة عن فلان، فراجعه. وأما حكم البلاغ عن الإِمام، فقال القاري عن سفيان: إذا قال مالك: بلغني، فهو إسناد قوي، وتقدم قريباً ما قاله ابن عبد البر: إن بلاغات الإِمام كلها مسندة، وحكى ابن فرحون عن أبي داود أنه قال: مراسيل مالك أصح من مراسيل سعيد بن المسيِّب، ومن مراسيل الحسن، ومالك أصح الناس مرسلاً . قال السيوطي(١): قيل: إن قول الراوي ((بلغني)) كقول مالك في ((الموطأ)): بلغني عن أبي هريرة أن رسول الله وَ ل قال: ((للمملوك طعامه وكسوته))، الحديث، يسمى معضلاً عند أهل الحديث. قال العراقي: (١) ((تدريب الراوي)) (٣١٦/١). ١١٢ الفصل الثاني: في المُؤلَّفِ، وفيه فوائد واستشكل لجواز أن يكون الساقط واحداً، فقد سمع مالك عن جماعة من أصحاب أبي هريرة، وأجيب بأن مالكاً رواه خارج ((الموطأ)) عن محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة، فعلم أن الساقط اثنان، انتهى. الفائدة العاشرة فيما يتعلق بشروح الموطأ وحواشيه قال القاضي عياض في ((المدارك)): لم يُعتنَ بكتاب من كتب الحديث والعلم اعتناء الناس بـ((الموطأ)). وقال ابن فرحون: أما من اعتنى بالكلام على حديثه ورجاله والتصانيف في ذلك فعدد كثير من المالكيين وغيرهم، وعدَّ القاضي منهم نحواً من تسعين رجلاً. قلت: أما الذين ظفرت عليهم بعد فممن شرحه: أبو محمد عبد الله بن محمد بن السيد - بكسر السين - البَطَلْيُوسي(١) - بفتح الباء والطاء المهملة وسكون اللام، وضم التحتية والواو - نسبة إلى بطليوس، بلدة بالأندلس، كذا في ((البغية)) وغيره، المالكي النحوي المولود سنة ٤٤٤هـ، المتوفى في رجب سنة ٥٢١هـ وقيل: سنة ٥١١هـ، كان له يد طولى في النحو واللغة، من مشاهير قرطبة، وخرج منها هارباً؛ لأنه كان لابن الحجاج صاحب قرطبة ثلاثة من الأولاد من أجمل الناس: رحمون وعزون وحسون، فأولع بهم، وقال فيهم: وهِمت في حب عزون فعزوني أخفيتُ سُقْمي حتى كاد يخفيني نفسي إلى ريق حسون فحسوني ثم ارحموني برحمون فإن ظمئت ثم خاف على نفسه فخرج منها، سمى شرحه بـ((المقتبس))، له تصانيف أُخر، منها ((سبب اختلاف الفقهاء))، وغير ذلك. ومنهم: ابن رشيق (٢) - بفتح الراء وكسر الشين المعجمة - القيرواني المالكي (١) انظر: كتاب ((الانساب)) (٢٤١/٢). (٢) انظر ترجمته في: ((وفيات الأعيان)) (٨٥/٢) و((شذرات الذهب)) (٢٩٧/٣). ١١٣ الفصل الثاني: في المؤلّفِ، وفيه فوائد الشاعر، المتوفى بالقيروان في ذي القعدة سنة ٤٥٦هـ، وهو أبو علي الحسن بن رشيق - على وزن كريم - صاحب ((الشذوذ)) في اللغة، و ((العمدة في صناعة الشعر))، كثير التآليف، ولد سنة ٣٩٠هـ، والقيروان - بفتح القاف وسكون الياء المثناة التحتية - بلدة بالمغرب في إفريقية، كان يغضب على من لم يُسمِّه بملك النحاة، له من المؤلفات ((شرح الموطأ))، ويقال: إنه اختصار من ((التمهيد)). ومنهم: أبو مروان عبد الملك بن حبيب بن سليمان القرطبي المالكي(١)، مات سنة ٢٣٨هـ، ذكره الزبيدي في الطبقة الثانية من نحاة الأندلس، إمام في النحو واللغة والفقه، كان يعصر الأدهان ويستخرجها، أصله من طليطلة، وانتقل جده إلى قرطبة، كان فقيهاً نحوياً، لغوياً، أخبارياً نَّابة شاعراً، طبيباً خطيباً، صاحب التصانيف الكثيرة، ذكر بعض مؤلفاته ابن فرحون، سمي شرحه ((تفسير الموطأ)»(٢) ويقال: إنه صنف كتاباً في عشرة أجزاء الجزء الأول منه في تفسير ((الموطأ)). ومنهم: الحافظ أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر الأندلسي القرطبي المالكي الإِمام المشهور، صاحب التصانيف الكثيرة مولده سنة ٣٦٨هـ في الربيع الآخر، وقيل: في جمادى الأولى، وطلب العلم بعد سنة ٣٩٠هـ كان أولاً ظاهرياً، ثم تحول مالكياً مع الميل إلى فقه الشافعي في مسائل، ولا ينكر له ذلك، فإنه ممن بلغ قريباً من رتبة الاجتهاد، مات ليلة الجمعة سلخ الربيع الآخر سنة ٤٦٣ هـ. قال الغساني: ألف أبو عمر في ((الموطأ)) كتباً مفيدة، منها: ((كتاب التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد))(٣)، فرتبه على أسماء شيوخ مالك على حروف المعجم، وهو سبعون جزءاً ضخماً، ثم وضع (كتاب (١) انظر ترجمته في ((تاريخ علماء الأندلس)) (٢٦٩/١)، و((الديباج المذهب)) (٨/٢). (٢) طبع الكتاب في مجلدين من الرياض بمكتبة العبيد كان. (٣) طبع الكتاب في ستة وعشرين مجلداً بوزارة الأوقاف في المغرب. ١١٤ الفصل الثاني: في المُؤلَّفِ، وفيه فوائد الاستذكار لمذهب علماء الأمصار لما تضمنه الموطأ من المعاني والآثار))(١)، هو مختصر ((التمهيد)) شرح فيه ((الموطأ)) على وجهه. قلت: زرت بعض الأجزاء منهما في البلدة الطاهرة الطيبة - على صاحبها ألف ألف صلاة وتحية - والقرطبي - بضم القاف وسكون الراء - نسبة إلى قرطبة: بلدة من بلاد المغرب بالأندلس، وله كتاب آخر وهو: (التقصي)) في اختصار ((الموطأ)) في بيان مسند ((الموطأ)) ومرسله، وفي ((البستان)): جمع فيه المؤلف الأحاديث من النسخ المختلفة للموطأ. قلت: وبَيَّن فيه إسناد مراسيله وبلاغاته؛ وسماه في ((كشف الظنون)) وغيره: ((التغطا بحديث الموطأ))؛ وقد طبع بمصر باسمين: ((تجريد التمهيد))، و(التقصي))؛ وله مؤلفات أخر مفيدة: منها ((كتاب الكافي في مذهب مالك))(٢)؛ خمسة عشر مجدداً(٣)؛ و((كتاب الانتقاء لمذاهب العلماء)): مالك وأبي حنيفة والشافعي؛ و((كتاب الكنى والمغازي))؛ وغير ذلك. ومنهم: أحمد بن نصر الداودي الأسدي أبو جعفر، من الأئمة المالكية بالمغرب، كان بطرابلس، وبها أصل كتابه في شرح ((الموطأ))، ثم انتقل إلى تلمسان، كان فقيهاً فاضلاً ألف كتابه ((النامي في شرح الموطأ))، توفي سنة ٤٠٢هـ، قاله ابن فرحون. ومنهم أحمد بن عمرو بن عبد الله بن السرح، يكنى أبا الطاهر، خرج له مسلم، شرح ((موطأ ابن وهب))، توفي سنة ٢٥٠هـ، قاله ابن فرحون(٤). ومنهم: أحمد بن محمد بن أحمد الشيخ شهاب الدين الحافظ، حَفِظَ ((العمدة)) في ستة أيام، و((الألفية)) في أسبوع. (١) طبع في ثلاثين مجلداً بدار الوعي، القاهرة. (٢) طبع في الرياض في مجلدين. (٣) هكذا في الأصل والظاهر جزءاً. (٤) ((الديباج المذهب)) (١٦٦/١)، و((سير أعلام النبلاء)) (١٢ /٦٢). ١١٥ الفصل الثاني: في المُؤْلَّفِ، وفيه فوائد ومنهم: العلامة الباجي (١) الإِمام الشهير، وهو القاضي أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعيد بن أيوب بن وارث التُجِيبي - بضم التاء وكسر الجيم - نسبة إلى قبيلة من كندة، الأندلسي القرطبي من أعيان الطبقة العاشرة من العلماء المالكية المولود سنة ٤٠٣هـ المتوفى سنة ٤٩٤هـ، وُليَّ القضاء بمواضع من الأندلس، يقال: ليس لأصحاب المالكية بعد القاضي عبد الوهاب مثل الباجي، قال ابن فرحون: أصلهم من بطليوس، ثم انتقلوا إلى باجة، أعني باجة الأندلس، وثم باجة أخرى بمدينة إفريقية، وباجة أخرى ببلاد أصبهان بالعجم، صاحب التصانيف الكثيرة، عد بعضها في ((التعليق الممجد)) و ((الديباج))، منها: ((كتاب اختلاف الموطآت))، سمى الباجي شرحه بـ ((المنتقى في شرح الموطأ)) طبع في المرة الأولى سنة ١٣٣١هـ بمطبعة السعادة بمصر. قال في ((كشف الظنون)): هو مختصر ((تمهيد ابن عبد البر)). قلت: وله شرحان آخران، ((الإيماء))، ((والاستيفاء))، قاله السيوطي، وعَدَّ بعضُهم ((الإِيماء)) في الفقه، وقال ابن فرحون: له تآليف مشهورة، منها ((الاستيفاء في شرح الموطأ)) كتاب حفيلٌ كثير العلم، لا يدرك ما فيه إلا من بلغ رتبة أبي الوليد، وكتاب (المنتقى)) اختصار ((الاستيفاء))، ثم اختصر ((المنتقى)) في كتاب سماه (الإِيماء)) قدر ربع ((المنتقى))، وله أيضاً ((كتاب المقتبس من علم مالك بن أنس)). وقال الباحي في مقدمة ((المنتقى)) بعد الخطبة: أما بعد فإنك ذكرت أن الكتاب الذي ألَّفتُ في شرح ((الموطأ)) المترجم بكتاب ((الاستيفاء)) يتعذَّر على أكثر الناس جمعُه، ويبعُدُ عنهم درسه، لا سيما لمن لم يتقدم له في هذا العلم نظر، ولا تَبِيَّن له فيه بعْدُ أثرٌ، فإن نظره فيه يُبَلَّهُ خاطره ويُحيِّره، ولكثرة مسائله ومعانيه يمنع تحفظه وفهمه، وإنما هو لمن رسخ في العلم. وتحقق بالفهم، ورغبتُ أن أقتصر فيه على الكلام في معاني ما يتضمنه ذلك الكتاب (١) له ترجمة في ((سير أعلام النبلاء)) (٢٠/ ١٩٧). ١١٦ الفصل الثاني: في المُؤْلَّفِ، وفيه فوائد من الأحاديث والفقه. وأَصِلَ ذلك من المسائل بما يتعلق بها في أصل كتاب ((الموطأ)) ليكون شرحاً له وتنبيهاً على ما يستخرج من المسائل منه، ويشير إلى الاستدلال على تلك المسائل والمعاني التي يجمعها وينصُها ما يخفُّ ويُقَرِّبُ، ليكون ذلك حظّ من ابتدأ بالنظر في هذه الطريقة من كتاب ((الاستيفاء))، إن أراد الاقتصار عليه، وعوناً له إن طمحت همته إليه. فأجبتُك إلى ذلك وانتقيتُه من الكتاب المذكور على حسب ما رغبته وشرطته، وأعرضت فيه عن ذكر الأسانيد، واستيعاب المسائل والدلالة، وما احتجّ به المخالف، وسلكتُ فيه السبيل الذي سلكتُ في ((كتاب الاستيفاء)) من إيراد الحديث والمسألة من الأصل، ثم أتبعتُ ذلك ما يليق به من الفرع، وأثبته شيوخنا المتقدمون - رضي الله عنهم - من المسائل، وسِد (١) من الوجوه والدلائل. وبالله التوفيق، وبه أستعين، وعليه أتوكل، وهو حسبي، ونعم الوكيل . وقد قدمت في الكتاب المذكور ما لا أخلي هذا الكتاب من حرف من ذكره، وذلك أن فتوى المفتي في المسائل وكلامه عليها، وشرحه لها إنما هو بحسب ما يوفقه الله تعالى إليه ويعينه عليه، وقد يرى الصواب في قول من الأقوال في وقت، ويراه خطأ في وقت آخر، ولذلك يختلف قول العالم الواحد في المسألة الواحدة. فلا يعتقد الناظر في كتابي أن ما أوردتُه من الشرح والتأويل والقياس والتنظير طريقة القطع عندي حتى أعيب من خالفها وأذُمُّ من رأى غيره، وإنما هو مبلغ اجتهادي، وما أدّى إليه نظري، وأما فائدة إثباتي له فتبيّن منهج النظر والاستدلال والإِرشاد إلى طريق الاختبار والاعتبار، فمن كان من أهل هذا الشأن فله أن ينظر في ذلك، ويعمل بحسب ما يؤدي إليه اجتهاده، من وفاق ما قلته أو خلافه، ومن لم يكن نال هذه الدرجة فليجعل ما ضمنته كتابي هذا سُلَّماً إليها، وعوناً عليها. والله ولي التوفيق، والهادي إلى سبيل الرشاد، حسبي الله ونعم الوكيل، انتهى بلفظه. (١) كذا في الأصل، ((المنتقى)) (٣/١). ١١٧ الفصل الثاني: في المؤلّفِ، وفيه فوائد وإنما أوردت هذا الكلام بعينه لما فيه من فرائد الفوائد مما لا يخفى. ومنهم: الحافظ محمد بن عبد الله بن أحمد، المشهور بالقاضي أبي بكر بن العربي المالكي المعافري الأندلسي، ولد ليلة الخميس لثمان بقين من شعبان سنة ٤٦٨ هـ، وتوفي بمدينة فاس في الربيع الآخر سنة ٥٤٣هـ، وقيل: سنة ٥٤٦هـ، وله مؤلفات كثيرة، منها ((عارضة الأحوذي على جامع الترمذي)) وقد أخذت منه في هذا الشرح في مواضع، وسمى شرحه ((بالقبس))(١) في شرح موطأ مالك بن أنس، وله شرح آخر سمّاه «بالمسالك في شرح الموطأ لمالك» قاله ابن فرحون. ولا يذهب عليك فإن ابن عربي اشتهر به اثنان، أحدهما: هذا، والثاني: رئيس أهل الولاية، محي الدين ابن عربي، صاحب ((الفتوحات المكية))، و ((فصوص الحكم)) وفرق بينهما: بأن القاضي هذا يقال له: ابن العربي، بلام التعريف، وصاحب الفصوص: ابن عربي بدون اللام. ومنهم: الحافظ أبو سليمان الخطابي(٢) الشافعي صاحب ((المعالم))، شارح أبي داود والبخاري، المتوفى في الربيع الأول سنة ٣٨٨هـ، وهو حمد بن محمد بن إبراهيم البُستي - بالضم - نسبة إلى بُست، بلدة من بلاد كابل، بين هراة وغزنة، قيل: إنه من ذرية عمر بن الخطاب، روي أنه قال: اسمي الذي سُمِّيتُ به حمد، ولكن الناس كتبوا أحمد فتركته عليه، وهو ممن انتخب ((الموطأ))، ولخّصه أيضاً. ومنهم: محمد بن سحنون، الفقيه المشهور في علماء المالكية، اسمه مُغنٍ عن توصيفه، كثير التأليف، له نحو من مائتي كتاب، منها: ((شرح الموطأ)» في أربعة أجزاء، ولد سنة ٢٠٢هـ، وتوفي بالساحل سنة ٢٥٦هـ، قاله ابن فرحون. (١) قد طبع هذا الشرح في ثلاث مجلدات بتحقيق الدكتور محمد عبد الله ولد كريم في بيروت سنة (١٩٩٢م). (٢) له ترجمة في ((وفيات الأعيان)) (٢١٤/٢)، ومعجم المؤلفين (٤٥٠/١). ١١٨ الفصل الثاني: في المُؤْلَّفِ، وفيه فوائد ومنهم: العلامة القرافي، وهو محمد بن يحيى بن عمر بن أحمد بن يونس المصري عرف بالقرافي، القاضي بدر الدين تولى قضاء المالكية بمصر، عَدَّ بابا التنبكتي في ((نيل الابتهاج)) من مؤلفاته ((شرح الموطأ)). ومنهم: عبد الله بن نافع، المعروف بالصائغ، كنيته أبو محمد، المتوفى سنة ١٨٦ هـ، له تفسير في ((الموطأ))، قاله ابن فرحون. ومنهم: العلامة أبو الوليد بن القصَّار، وهو يونس القاضي أبو الوليد بن محمد بن مغيث، يُعرف بابن القصار، قرطبي، كان يميل إلى التصوف في العبادة، وكان سريع الدمعة، ولم يكن بالبارع في الفقه، وُليَّ القضاء في مواضع كثيرة، ألف تفسير ((الموطأ))، وسماه ((الموعب))، قاله ابن فرحون وغيره، ويأتي شيءٌ من البسط على ترجمته في سند ((الموطأ)). ومنهم: العلامة القاضي محمد بن سليمان بن خليفة يكنى أبا عبد الله، ألف شرح ((الموطأ))، وسماه ((كتاب المحلَّى))، وعرض على الفقيه أبي المطرف الشعبي، فأمر أن يجعل على الحاء نقطة من فوق، ولم ينفق هذا الكتاب عند الناس، ولا وقع منهم باستحسان، قاله ابن فرحون. ومنهم: محمد بن سعيد بن أحمد بن سعيد، يعرف بابن زرقون، وهو لقب جد أبيه سعيد، صاحب التصانيف ألف كتاباً جمع فيه بين ((المنتقَى)) و((الاستذكار))، قاله ابن فرحون، ولد سنة ٥٠٢هـ وتوفي سنة ٥٨٦هـ. ومنهم: العلامة أبو بكر بن سابق الصقلي، قاله السيوطي، وهو - بفتح الصاد المهملة والقاف - جزيرة من جزائر بحر المغرب، انتهى. قال السيوطي وغيره: سماه ((المسالك)). ومنهم: ابن أبي صُفرة، قاله السيوطي في (التنوير)). وقال ابن فرحون: محمد بن أحمد بن أسيد بن أبي صفرة أخو المهلَّب بن أبي صفرة، له شرح في اختصار ملخص ابن القابسي، توفي قبل سنة ٤٢٠هـ، انتهى. وسيأتي ذكر ملخص ابن القابسي في محله. ١١٩ الفصل الثاني: في المُؤلِّفِ، وفيه فوائد ومنهم: القاضي أبو عبد الله بن الحجّاج. ومنهم: أبو الوليد بن العَوَّاد، وقيل: أبو الوليد بن عود. ومنهم: أبو القاسم بن أمجد الكاتب. ومنهم: أبو الحسن الإشبيلي، قاله السيوطي في ((التنوير))، قال السمعاني: هو بكسر الألف وسكون الشين المعجمة وكسر الباء الموحدة وسكون الياء، نسبة إلى بلدة من بلاد الأندلس بالمغرب، ويقال: إشبيلية من أمهات البلدان بالأندلس. قلت: والظاهر أنه علي بن محمد بن محمد المتوفى حوالي سنة ٦١٠ هـ، له كتاب ((المدارك)) في مقطوع حديث مالك كما في حاشية ((الديباج))، وأخذ السيوطي في ((التنوير)) عن أبي الحسن بن الحضار، عن كتابه ((تقريب المدارك على موطأ مالك)). ومنهم: ابن شراحيل. ومنهم: أبو عبد الله محمد بن خلف بن موسى الأوسي(١) من أهل البيرة المتوفى سنة ٥٣٧هـ، شرح مشكل ما وقع في ((الموطأ)) و((صحيح البخاري))، قاله ابن فرحون. ومنهم: عبد الله أبو محمد بن محمد بن أبي القاسم الفرحون اليعمري التونسي(٢)، المتوفى سنة ٧٦٣هـ (٣) صاحب التآليف الكثيرة، منها كتاب ((الدر المخَلّص من التقصي والملخص)) جمع فيه أحاديث الكتابين المذكورين، وشرحه بشرح عظيم في أربعة مجلدات. سماه ((كشف الغطاء في شرح مختصر الموطأ)). (١) انظر ترجمته في ((الديباج المذهب)) (٣٠٢/٢) و((تاريخ الإسلام)) للذهبي (٤٥١. و((الوافي بالوفيات)) (٨٦/٣). (٢) انظر ترجمته في ((الدر الكامنه)) (٤٠٧/٢) و ((الديباج المذهب)) (١ /٤٥٧). (٣) هكذا في الأصل. وفي ((الدر الكامنة)) مات في رجب ٧٦٩هـ. ١٢٠