النص المفهرس
صفحات 81-100
الباب الثاني: في بيان الكتاب ومؤلفه حسين بن عروة: قَدِمَ المهدي فبعث إلى مالك بألفي دينار، أو قال: بثلاثة آلاف دينار، ثم أتاه الربيعُ، فقال: إن أمير المؤمنين يحبّ أن عادله(١) مدينة السلام. فقال مالك: قال النبي ◌َّ: ((المدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعلمُون))(٢) والمال عندي على حاله. وقال ابن سعد عن محمد بن عمر: كان مالك يأتي المسجد ليشهد الصلوات، والجنائز، ويعودَ المرضى، ويقضي الحقوق، ويجلس في المسجد، ثم ترك الجلوس فيه، فكان يصلي وينصرف، وترك شهود الجنائز، فكان يأتي أصحابه فيعزّيهم، ثم ترك ذلك كله، والصلاة في المسجد والجمعة، واحتمل الناس ذلك، فكانوا أرغب ما كانوا فيه وأشد له تعظيماً، وكان ربما كُلِّمَ في ذلك، فيقول: ليس كل الناس يقدر أن يتكلم بعذره. قلت: والأوجه عندي في عذره، أن الصلاة خلف الفاسق باطلة عنده، كما بسط في فروعه. وقال أبو مصعب: لم يشهد مالك الجماعة خمساً وعشرين سنة، فقيل له: ما يمنعك؟ قال: مخافة أن أرى منكراً فاحتاج أن أُغيِّره، وكان يجلس في مجلسه على ضجاع له، ونمارق مطروحة يمنة ويسرة لمن يأتيه، وكان مجلسه مجلس وقار، وحلم وعلم، وكان رجلاً مهيباً نبيلاً، ليس في مجلسه شيء من المراء واللغط، ولا رفع صوت، إذا سئل عن شيء فأجاب سائله، لم يقل له: من أين رأيت هذا؟ وكان له كاتب، وقد نسخ كتبه، يقال له: حبيب، يقرأ للجماعة فليس أحد ممن حضر يدنو منه، ولا ينظر في كتابه ولا يستفهمه هيبة وإجلالاً، وكان حبيب إذا أخطأ فتح عليه مالك، وكان لا يُوَسَّع لأحد في حلقته ولا يرفعه يدعه يجلس حيث انتهى به المجلس، ويقول إذا جلس للحديث: لِيَليني منكم أولو الأحلام والنُّهى. قال عبد الله بن المبارك: كنت عند مالك، وهو يحدثنا، فلدغته عقرب (١) في ((سير أعلام النبلاء)) (٨/ ٦٢) أن تُعادِله - أي تكون له عديلاً في المحمل وتصاحبه في سفره إلى بغداد. (٢) أخرجه مالك (٨٨٧/٢، ٨٨٨) والبخاري (٧٨/٤، ٨٠) ومسلم (١٣٨٨). ٨١ الباب الثاني: في بيان الكتاب ومؤلفه ست عشرة مرة ومالك يتغير لونه، ولا يقطع الحديث، فلما تفرق الناس، قال: إنما صبرت إجلالاً للحديث، (رزقنا الله اتباعه). وكان مالك - رضي الله عنه - يقول: المراء والجدال في العلم يذهب بنور العلم من قلب العبد، وقيل له: الرجل له علم بالسنة أيجادل عنها؟ قال: لا. ولكن ليخبر بالسنة، فإن قبل منه وإلا سكت. وسأل هارون الرشيد مالكاً - رضي الله عنه - أن يأتيه، فأبى، فأتى هارون مالكاً، وهو في منزله، ومعه بنوه، فسأله أن يقرأ عليهم، فقال: ما قرأت على أحد منذ زمان، وإنما يُقرأ عليّ، فقال هارون: أخرِجِ الناس حتى أقرأ أنا عليك، فقال: إذا مُنِعَ العام لبعض الخاص لم ينتفع الخاص، وأمرَ معنَ بن عيسى فقرأ. قال ابن خلكان: وسُعِي به إلى جعفر بن سليمان في البيعة، فغضب جعفر ودعا به، وجَرَّدَه، وضربه بالسياط، ومُدَّتْ يداه حتى انخلعت كتفه، وارتكب منه أمراً عظيماً، فلم يزل بعد ذلك الضرب في علو ورِفعةٍ، وكأنما كانت تلك السياط حلياً حُلِّي به. وقال ابن فرحون: اختلف فيمن ضرب مالكاً، وفي السبب في ضربه، وفي خلافة من ضُرِبَ، فالأشهر أن جعفر بن سليمان هو الذي ضربه في ولايته الأولى بالمدينة، نهاه عن الحديث ((ليس على المستكره طلاق)) ثم دَسَّ إليه من يسأله، فحدث به على رؤوس الناس، وقيل: سُعِيَ به إلى جعفر أنه لا يرى أيمان بيعتكم بشيء، فإنه يأخذ بحديث ثابت بن الأحنف في طلاق المكره أنه لا يجوز، وقال ابن بكير: ما ضُرِب إلا في تقديمه عثمان على علي - رضي الله عنهما - واختلف في مقدار الضرب من ثلاثين إلى مائة، ومُدَّت يداه حتى انخلعت كتفاه، وبقي بعد ذلك مطابق اليدين، لا يستطيع أن يرفعهما، ولا أن يسوِّي رداءه. قال الباجي: لما حج المنصور أقاد مالكاً من جعفر بن سليمان، فأرسله إليه ليقتص منه، فقال: أعوذ بالله، والله ما ارتفع سوط من جسمي إلا ٨٢ الباب الثاني: في بيان الكتاب ومؤلفه وأنا أجعله في حِلِّ من ذلك الوقت، لقرابته من رسول الله وَلَه، وقال الدراوردي: سمعته يقول - حين ضُرِبَ -: اللّهم اغفر لهم فإنهم لا يعلمون. قيل: لما ضُرِبَ حُمِلَ مغشياً عليه، فدخل الناس فأفاق، وقال: أشهدكم أني قد جعلت ضاربي في حلِّ، قال مصعب: كان ضربه سنة ست وأربعين ومائة. وقال ابن لهيعة: قدم علينا أبو الأسود سنة ست وثلاثين ومائة، فقلنا له: من بالمدينة يُفتي؟ قال: ماثَمَّ مثلُ فتىَ من ذي أصبح يقال له: مالك، وقال الفضيل بن زيادة: سألت أحمد بن حنبل عن ضرب مالك؟ قال: ضَرَبَهُ بعض الولاة في طلاق المكره، وكان لا يُجيزه. وقال ابن حبان في ((الثقات)): كان مالك أول من انتقى الرجال من الفقهاء بالمدينة، وأعرض عمن ليس بثقة في الحديث، ولم يكن يروي إلا ما صح، ولا يحدّث إلا عن ثقةٍ مع الفقه، والدين، والفضل، والنسك، وبه تخرَّج الشافعي، وروى ابن خزيمة في ((صحيحه)) عن ابن عيينة، قال: إنما كنا نتبع آثار مالك، وننظر إلى الشيخ إن كتب عنه وإلا تركنا، وذكر ابن خلكان: كان مالك - رضي الله عنه - لا يركب في المدينة مع ضعفه وكبر سنة، ويقول: لا أركب في مدينة فيها جثة رسول الله وَ ل مدفونة، وقال ابن حنبل - رضي الله عنه -: إذا رأيتَ الرجل يُبغض مالكاً، فاعلم أنه مبتدع. وقد أفرد الناس من السلف والخلف في فضائله، وبيان أحواله بالتصانيف، قال ابن عبد البر: ألَّفَ الناس في فضائله كتباً كثيرة، وصنف الذهبي رسالة في ترجمة الإمام، وكذلك الحافظ ابن حجر، وأبو بكر بن أحمد بن مروان المالكي المتوفى سنة ٣١٠هـ، وأبو الروح عيسى بن مسعود الشافعي المتوفى سنة ٧٧٤هـ، والسيوطي رسالة سماها بـ ((تزيين الأرائك بمناقب الإمام مالك)) ومحمد أبو عبد الله بن أحمد التستري المالكي شديد التعصب له، ألّفَ في مناقبه عشرين جزءاً، توفي سنة ٣٤٥هـ، ومحمد أبو إسحاق بن القاسم بن شعبان المتوفى سنة ٣٥٥هـ، ومحمد أبو بكر بن ٨٣ الباب الثاني: في بيان الكتاب ومؤلفه اللباد بن محمد المتوفى سنة ٣٣٣هـ وغيرهم كثير يصعُبُ إحصاؤهم (١). الفائدة الثالثة في مشايخ الإمام وهم أكثر من أن يحصر، قال الزرقاني: أَخَذَ عن تسعمائة شيخ فأكثر، وقد تقدم أن الإمام أخذ عن أبيه وعَمَّيْه أيضاً، فكان بيته بيت علم وفضل، وقال الإمام مالك: كنت آتي نافعاً وأنا غلام حديث السن، ومعي غلام فينزل فيحدثني، وعُلِمَ منه تلمذةُ الإمام في الصغر، والخصيصة بنافع - رضي الله عنه - وأكثر الإمام - رضي الله عنه - أيضاً عنه في ((الموطأ)) وغيره. والمشهور عند أهل الفن أن من أصحّ الأسانيد. مالك عن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنهما - حتى قيل له: سلسلة الذهب، وروي عنه، قلت لأمي: أذهب، فأكتب العلم؟ فقالت: تعال، فالبس ثياب العلم، فألبستني ثياباً مشمرة، ووضعت القلنسوة على رأسي، وعممتني فوقها، ثم قالت: اذهب، فاكتب الآن، وكانت تقول: اذهب إلى ربيعة، فتعلم من أدبه قبل علمه، وقال - رضي الله عنه -: ساء حفظ الناس، لقد كنت آتي سعيد بن المسيب، وعروة، والقاسم، وأبا سلمة، وحميداً، وسالماً - وعَدَّ جماعة - فأدور عليهم أسمع من كل واحد من الخمسين حديثاً إلى المائة، ثم أنصرف، وقد حفظته كله من غير أن أخلط حديث هذا بحديث هذا. قال الغافقي: عدة شيوخه الذين سماهم خمسة وتسعون رجلاً، وعدة صحابته خمسة وثمانون رجلاً، ومن نسائهم ثلاث وعشرون امرأة، ومن التابعين ثمانية وأربعون رجلاً، كلهم مدنيون إلا ستة: أبو الزبير المكي، وحميد الطويل، وأيوب البصريان، وعطاء الخراساني، وعبد الكريم الجزري، وإبراهيم بن أبي عبلة الشامي. (١) انظر: ((سير أعلام النبلاء)) (٤٨/٨) و((الإمام مالك وكتابه الموطأ)) للمحقق. ٨٤ الباب الثاني: في بيان الكتاب ومؤلفه وأخرج الخطيب عن أحمد بن سعيد قال: لما صنّف مالك كتبه كان إذا مرّ بحديث زيد بن أسلم قال: أخّروا هذا الشذر، حتى نجعله في موضعه، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لما وضع مالك ((الموطأ)) جعل أحاديث زيد بن أسلم في آخر الأبواب، فقلت له في ذلك؟ فقال: إنها كالسراج تضيء لما قبلها، أخرجه ابن عبد البر في ((التمهيد))، وسيأتي قول الرشيد المالك: لم نر في كتابك ذكراً لعلي وابن عباس؟ فقال: لم يكونا ببلدي، ولم ألق رجالهما . وبسط شيخنا العلامة الدهلوي في مقدمة ((المصفَّى)) الكلام الطويل على أسانيد الإمام مالك الشهيرة التي أكثر الأخذ عنها في ((الموطأ)) لا يسعها المقام . قال ابن فرحون: كان مالك - رضي الله عنه - يذهب إلى قول سليمان بن يسار، وكان سليمان يذهب إلى قول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -. وفي (تهذيب الحافظ)) عن ابن معين: كل من روى عنه مالك فهو ثقة إلا عبد الكريم(١)، وأكثر فقه الإمام مالك - رضي الله عنه - كما حكاه الشعراني في ((ميزانه)): الإمام مالك عن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنهما - وموطأ الإِمام يؤيد ذلك، وسيأتي البسط في بناء فقه مالك في بيان دأب المصنف في ((الموطأ)). وفي ((إعلام الموقعين)): الدين، والفقه، والعلم، انتشر في الأمة من أصحاب ابن مسعود - رضي الله عنه - وأصحاب زيد بن ثابت - رضي الله عنه - وأصحاب عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - وأصحاب ابن عباس، فعِلْمُ الناس عامة من أصحاب هؤلاء الأربعة، فأما أهل المدينة فعِلْمُهُم من أصحاب زيد بن ثابت وعبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - وأما أهل مكة (١) انظر: ((التعليق الممجد)) (١٠/٢). ٨٥ الباب الثاني: في بيان الكتاب ومؤلفه فعلمهم من أصحاب ابن عباس - رضي الله عنهما -، وأما أهل العراق فِعِلْمُهُم من أصحاب ابن مسعود - رضي الله عنه -. وقال شيخ مشايخنا العلامة الشاه ولي الله الدهلوي - رحمه الله - في ((الإنصاف))(١) بعد بيان اختلاف الأحاديث: وبالجملة فاختلفت مذاهب أصحاب النبي ◌َّ ر، وأخذ عنهم التابعون كذلك كل واحد ما تيسر له، فحفظ ما سمع من حديث رسول الله ﴿ فحفظها، وعقلها، ورجح بعضها على بعض، فانتصب في كل بلد إمام مثل سعيد بن المسيب، وسالم بن عبد الله بن عمر في المدينة، وبعدهما الزهري، والقاضي يحيى بن سعيد، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وعطاء بن أبي رباح بمكة، وإبراهيم النخعي والشعبي بكوفة، والحسن البصري بالبصرة، وطاوس باليمن، ومكحول بالشام، فأظمأ الله أكباداً إلى علومهم، فرغبوا فيها، وأخذوا عنهم الحديث وفتاوى الصحابة، وكان سعيد بن المسيب وأصحابه يذهبون إلى أن أهل الحرمين أثبت الناس في الفقه، وأصل مذهبهم فتاوى عمر وعثمان وقضاياهما، وفتاوى ابن عمر وعائشة وابن عباس، وقضاة المدينة، فجمعوا من ذلك ما تيسر لهم، ثم نظروا فيها نظر اعتبار وتفتيش، فما كان مجمعاً عليه بين علماء المدينة، فإنهم يأخذون عليهم بالنواجذ، وما كان فيه اختلاف عندهم، فإنهم يأخذون بأقواها، وأرجحها، وإذا لم يجدوا فيما حفظوا منهم خرجوا من كلامهم وقال أيضاً: وكان سعيد بن المسيب لسان فقهاء المدينة، وكان أحفظهم لقضايا عمر - رضي الله عنه - ولحديث أبي هريرة، وإبراهيم لسان فقهاء أهل الكوفة، فإذا تكلما بشيء، ولم ينسب إلى أحدٍ فإنه في الأكثر منسوب إلى أحدٍ من السلف صريحاً أو إيماءً ونحو ذلك، فاجتمع عليهما فقهاء بلدهما، وأخذوا عنهما، وخرجوا عليه، انتهى مختصراً. وقال أيضاً: إذا اختلفت مذاهب الصحابة فالمختار عند كل عالم مذهب أهل بلده وشيوخه؛ لأنه أعرف بالصحيح من أقاويلهم من السقيم، وأوعى (١) (ص١١ - ١٢). ٨٦ الباب الثاني: في بيان الكتاب ومؤلفه للأصول، فمذهب عمر وعثمان وعائشة وابن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت وأصحابهم مثل سعيد بن المسيب أحق بالأخذ من غيره عند أهل المدينة، ولذا ترى مالكاً يلازم محجتهم، وقد اشتهر عن مالك أنه يتمسك بإجماع أهل المدينة، فإن اتفق أهل البلد على شيء أخذوا عليه بالنواجذ، وهو الذي يقول مالك في مثله: ((السنة التي لا اختلاف فيها عندنا كذا وكذا))، وإن اختلفوا أخذوا بأقواها وأرجحها، إما لكثرة القائلين به، أو لموافقته بقياس قوي، أو تخريج من الكتاب والسنة، وهو الذي يقول في مثله مالك: ((هذا أحسن ما سمعت)). الفائدة الرابعة في تلامذة الإمام - رضي الله عنه - قال الذهبي: حدّث عنه أمم لا يكادون يحصون، قال الزرقاني: والرواة عنه فيهم كثرة جداً بحيث لا يعرف لأحد من الأئمة رواة كرواته، وقد ألّف الخطيب كتاباً في الرواة عنه، أورد فيه ألف رجل إلا سبعة، وذكر عياض أنه ألّف فيهم كتاباً، ذكر فيه نيفاً على ألف وثلاثمائة، وعد في ((مداركه)) نيفاً على ألف، ثم قال: إنما ذكرنا المشاهير، وتركنا كثيراً. وممن روى عنه من شيوخه الزهري، وأبو الأسود، وأيوب السختياني، وربيعة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وموسى بن عقبة، وهشام بن عروة، ونافع القارئ، ومحمد بن عجلان، وأبو النضر سالم، ومحمد بن أبي ذئب، وابن جريج، والأعمش، قال الدارقطني: لا أعلم أحداً، ممن تقدم أو تأخر، اجتمع له ما اجتمع لمالك، روى عنه رجلان حديثاً واحداً، بين وفاتيهما نحو من مائة وثلاثين سنة، الزهري شيخه توفي سنة خمس وعشرين ومائة، وأبو حذافة السهمي توفي بعد الخمسين ومائتين، ورَوَيا عنه حديث الفريعة بنت مالك في سكنى المعتدة. قلت: وقد رَوَى عن مالكِ ((الموطأ)) خاصة جماعات من المحدثين، سيأتي بيانها في موضعه. ٨٧ الباب الثاني: في بيان الكتاب ومؤلفه وقال السيوطي: قال أبو حاتم: أثبت أصحاب مالك وأوثقهم معن بن عيسى، وقال بعض الفضلاء: اختار أحمد بن حنبل في ((مسنده)) رواية عبد الرحمن بن مهدي، والبخاري رواية عبد الله بن يوسف التّيِّيسي، ومسلم رواية يحيى بن يحيى التميمي النيسابوري، وأبو داود رواية القعنبي والنسائي رواية قتيبة بن سعيد. الفائدة الخامسة في مؤلفاته غير الموطأ وللإمام - رضي الله عنه - مؤلفات كثيرة غير ((الموطأ))، مروية عنه أكثرها بأسانيد صحيحة في غير فن من العلم، لكنها لم يشتهر لما أنه لم يواظب على إسماعها وروايتها غير ((الموطأ)»، فمن أشهرها رسالته المعروفة إلى هارون الرشيد في الآداب والمواعظ، حدَّث بها في الأندلس أولاً ابن حبيب عن رجاله عن مالك، وحدث بها آخراً أبو جعفر بن عون الله، والقاضي أبو عبد الله بن مفرج عن أحمد بن زيدونة الدمشقي، وقد أنكرها غير واحد، منهم أصبغ بن الفرج، وحلف: ما هي من وضع مالك، (قاله ابن الفرحون) قلت: والظاهر أن من أنكرها، لما فيها من بعض المناكير، وقد طبعت هذه الرسالة عدة مرات. ومنها: رسالته إلى ابن مطرف غسان بن محمد بن المطرف، وقال في شرحي الإِمامين الحطاب والمورق: ومنها: رسالته إلى أبي غسان في الفتاوى، وهي مشهورة. ومنها: رسالته إلى الليث في إجماع أهل المدينة، وفي شرحي الإمامين، ونسب إليه كتاب السر، وأنكر. ومنها: رسالته إلى ابن وهب عبد الله أبي محمد بن وهب بن مسلم القرشي مولاهم، صحب مالكاً عشرين سنة، يسمى ديوان العلم، وسماها بعضهم برسالته في القدر، والرد على القدرية، قال ابن فرحون: هو من ٨٨ - - الباب الثاني: في بيان الكتاب ومؤلفه أشهرها في الباب، ومن خيار الكتب الدالة على سعة علمه، وكذا مدحه القاضي، وقال: هو من خيار الكتب في هذا الباب، الدال على سعة علمه بهذا الشأن. ومنها: ((كتاب الأقضية))، كتب بها إلى بعض القضاة، عشرة أجزاء، رواه عبد الله بن جليل. ومنها: كتابه في النجوم، وحساب مدار الزمان، ومنازل القمر، وهو كتاب جيد مفيد جداً، قد اعتمد عليه الناس في هذا الباب، وجعلوه أصلاً . ومنها: ((كتاب المناسك))، قال أبو جعفر الزهري: هو من أكبر مؤلفات الإمام، ذكر فيه أحكام المناسك. ومنها: ((كتاب المجالسات عن مالك)) جمع فيه ابن وهب المذكور ما يذكر الإمام مالك في مجالسه من الفوائد والعلوم من الآثار والأخلاق. ومنها: ((كتاب المجالسات عن مالك)) أيضاً، جمعه محمد بن إبراهيم بن عبدوس بن بشير، فألف في مجالس مالك أربعة أجزاء، كان كثير العبادة، صلى الصبح بوضوء العتمة ثلاثين سنة، خمس عشرة سنة في دراسة، وخمس عشرة في عبادة. ولد سنة ٢٠٢هـ، وتوفي سنة ٢٦١ هـ وقيل: بعدها . ومنها: كتابه في التفسير لغريب القرآن، الذي يرويه عنه خالد بن عبد الرحمن المخزومي. ومنها: ((أحكام القرآن)) ليس من مؤلفات الإمام بنفسه، بل من مؤلفات أبي محمد مكي بن أبي طالب الأندلسي، المتوفى في صدر محرم سنة ٤٣٧ هـ وجمع فيه الأحكام المأثورة عن الإمام مالك - رضي الله عنه - في الآيات القرآنية، وسماه ((كتاب المأثور عن الإمام مالك في أحكام القرآن)) كذا ذكره ابن الفرحون، وفي (كشف الظنون)): ((مختصر أحكام القرآن)) لأبي محمد ٨٩ الباب الثاني: في بيان الكتاب ومؤلفه مكي بن أبي طالب القيسي المتوفى سنة ٤٣٧هـ، ولد المكي هذا في شعبان سنة ٣٥٥هـ وله مؤلفات كثيرة في القراءات، وله تفسير في خمسة عشر مجدداً . ومنها: ((المدونة الكبرى)»، وهو كتاب ضخم شهير في فقه الموالك، وليس أيضاً من مؤلفات الإمام، لكنه ينسب إليه، ومؤلِفُه عبد الرحمن بن القاسم المتوفى سنة ١٩١ هـ ركن من أركان مذهب المالكية، جمع فيه الأقوال الفقهية المأثورة عن الإمام، من أجلّ الكتب في مذهبهم، شرحه وهذّبه جمعٌ من المشايخ، كما بسط في محله. ومنها: ((تفسير القرآن عن الإمام مالك)»، هكذا ذكره من ضَبَطَ مؤلفاتِهِ، ولا يُبْعدُ أن يكون هذا هو كتابه في التفسير لغريب القرآن. ومنها: ((كتاب المسائل)). وألّف محمد أبو الطيب بن محمد أبي بكر بن أحمد بن أبي يوسف، المعروف بابن الخلاَّل المتوفى سنة ٣٢٢هـ أربعين جزءاً من منتقى قول مالك، وألّف محمد أبو إسحاق بن القاسم بن شعبان المتوفى ٣٥٥هـ كتاباً في غرائب مالك، وألّف أحمد بن عبد الملك الأشبيلي، المعروف بابن المكوي المتوفى سنة ٤٠١ هـ كتاباً في رأي مالك - رضي الله عنه - سماه ((الاستيعاب)) (قاله ابن فرحون) وألّف أبو محمد عبد الله بن حنين الكلابي المتوفى سنة ٣١٨هـ (كتاب الاستيعاب لأقوال مالك)) مجردة دون أقوال أصحابه، ذكره ابن فرحون أيضاً . وهذا ما ظفرنا بأسمائه، وله مؤلفات غير ذلك، ذكر الخطيب أبو بكر في ((تاريخه الكبير)) عن أبي العباس السراج النيسابوري أنه قال: هذه سبعون ألف مسألة لمالك، وأشار إلى كتب منضدة عنده كتبها، ذكره ابن الفرحون . ٩٠ الفصل الثاني: في المُؤْلَّفِ، وفيه فوائد الفصل الثاني في المُؤلِّفِ، وفيه فوائد الفائدة الأولى في فضله وثناء الناس عليه وهو أيضاً كثير، كالثناء على مؤلفه، يصعب استيعابها، قال أبو بكر ابن العربي في ((شرح الترمذي)) (١): ((الموطأ)) هو الأصل الأول واللباب، وكتاب البخاري هو الأصل الثاني في هذا الباب، وعليهما بنى الجميع كمسلم، والترمذي. وقال شيخ المشايخ العلامة الشاه ولي الله الدهلوي في ((المسؤَّىَ))(٢): من تتبع المذاهب، ورزق الإنصاف، عَلِمَ لا محالة أن ((الموطأ)) عُدَّةُ مذهب مالك وأساسه، وعمدة مذهب الشافعي وأحمد ورأسه، ومصباح مذهب أبي حنيفة وصاحبيه، ونبراسه، وهذه المذاهب بالنسبة إلى ((الموطأ)) كالشروح للمتون، وعُلِمَ أيضاً أن الكتب في السنن كـ((صحيح مسلم))، و((سنن أبي داود))، و((النسائي)) وما يتعلق بالفقه من ((صحيح البخاري))، و((جامع الترمذي)) مستخرجات على ((الموطأ)) تحوم حومه وتروم رومه، مطمح نظرهم فيها وصل ما أرسله، ورفع ما أوقفه، واستدراك ما فاته، وذكر المتابعات والشواهد لما أسنده . وقال أيضاً في ((المصفَّى)): ومن اليقين أنه ليس بيد أحدٍ اليوم كتابٌ من كتب الفقه أقوى من ((الموطأ))؛ لأن فضل الكتاب إما يكون باعتبار المؤلف أو من جهة التزام الصحة، أو باعتبار الشهرة، أو من جهة القبول، أو باعتبار حسن الترتيب واستيعاب المقاصد، ونحو ذلك، وكل ذلك يوجد في ((الموطأ)). (١) (٥/١). (٢) (٦٣/١). ٩١ الفصل الثاني: في المُؤلَّفِ، وفيه فوائد قال أبو نعيم في ((الحلية))(١) عن مالك: قال: شاورني هارون الرشيد في أن يعلِّق ((الموطأ)) على الكعبة، ويَحمِلَ الناس على ما فيه، فقلت: لا تفعل، فإن أصحاب رسول الله وَّ اختلفوا في الفروع، وتفرقوا في البلدان، وكلٌّ مصيبٌ، فقال: وفّقَكَ الله يا أبا عبد الله، وروى ابن سعد في ((الطبقات)) عن مالك أنه لما حج المنصور قال لي: عزمتُ على أن آمر بكتبك هذه التي وضعتَها، فتُنْسخ، ثم أبعث إلى كل مصرٍ من أمصار المسلمين منها نسخة، وآمرهم أن يعملوا بما فيها، ولا يتعدوا إلى غيرها، فقلت: لا تفعل هذا، فإن الناس قد سبقت إليهم الأقاويل وسمعوا أحاديث، ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم، ودانوا به، فدع الناس وما اختار أهل كل بلد منهم لأنفسهم. قال الزرقاني: لما ألّف الإِمام ((الموطأ))، اتهم نفسه بالإخلاص فيه، فألقاه في الماء، وقال: إن ابتلَّ فلا حاجة لي به، فلم يبتل منه شيء، قيل: لما صنف الإِمام مالك ((الموطأ))، عمل من كان بالمدينة يومئذ من العلماء الموطآت، فقيل لمالك: شغلت نفسك بعمل هذا الكتاب، وقد شركك فيه الناس، وعملوا أمثاله؟ فقال: ائتوني بما عملوا، فأُتي بذلك، فنظر فيه، وقال: لتعلمُنَّ أنه لا يرتفع إلا ما أُريد به وجهُ الله، قال: فكأنما ألقيت تلك الكتب في الآبار، وما سُمِعَ بشيء منها بعد ذلك بذكرٍ (٢). وروى أبو مصعب أن أبا جعفر المنصور قال لمالك: ضَعْ للناس كتاباً أحملهم عليه، فكلمه مالك في ذلك، فقال: ضعه، فما أحد اليوم أعلم منك، فوضع ((الموطأ))، فما فرغ منه حتى مات أبو جعفر، وفي رواية: أن المنصور قال: ضع هذا العلم، ودَوِّن كتاباً، وجَنِّب فيه شدائد ابن عمر، ورُخَص ابن عباس، وشواذّ ابن مسعود - رضي الله عنهم - واقصد أوسط الأمور، وما أجمع عليه الصحابة والأئمة. (١) (٣٣٢/٤) . (٢) انظر: ((التمهيد)) (٨٦/١). ٩٢ الفصل الثاني: في المُؤْلَّفِ، وفيه فوائد قال ابن عبد البر: بلغني عن مطرف، قال: قال لي مالك: ما يقول الناس في موطئي؟ فقلت له: الناس رجلان محبّ مُطْرٍ، وحاسدٌ مُفْتِرٍ، فقال: إن مدَّ بك عمرٌ، فترى ما يريد الله به، وروى الخطيب قال: قال الرشيد المالك: لَمْ نَرَ في كتابك ذكراً لعلي وابن عباس؟ فقال: يا أمير المؤمنين، لم يكونا ببلدي، ولم ألقَ رجالهما، فإن صحّ هذا فكأنه أراد ذكراً كثيراً، وإلا ففي ((الموطأ)) أحاديث عنهما، (قاله الزرقاني). قلت: والأوجه عندي: أنه ذكر رواياتهما بعد ذلك، فإنه - رضي الله عنه - كان ينَقّيه ويختبره عاماً فعاماً، ولذا ترى الاختلاف في النسخ من الزيادة والنقصان. وروى ابن شاكر في كتاب ((مناقب الشافعي))، قال: ذكر الشافعي ((الموطأ))، فقال: ما علمنا أن أحداً من المتقدمين ألّف كتاباً أحسن من ((موطأ مالك))، وما ذكر فيه من الأخبار، ولم يذكر مرغوباً عنه الرواية كما ذكره غيره في كتبه، وما علمت ذكر حديثاً فيه ذكر أحد من الصحابة إلا ما في حديث: ((ليذادنّ(١) رجال عن حوضي)) الحديث، فلقد أخبرني من سمع مالكاً ذكر هذا الحديث، وأنه ودّ أنه لم يخرجه في ((الموطأ)). وأخرج ابن فهر عن الشافعي - رضي الله عنه - ((ما على ظهر الأرض كتاب بعد كتاب الله أصح من كتاب مالك))، وفي لفظ: ((ما على الأرض كتاب هو أقرب إلى القرآن من كتاب مالك))، وفي لفظ: ((ما بعد كتاب الله أكثر صواباً من موطأ مالك»، وفي آخر: ((ما بعد كتاب الله أنفع من الموطأ)»، وأطلق عليه جماعة اسم الصحيح. وأخبرتني بنت قطب الإرشاد المحدث الكَنكوهي - قُدِّس سره - أن وضعه عند رأس المرأة وقت الولادة ميسرٌ لوضع الحمل، وهو مجرَّبٌ. (١) أخرجه مالك في ((الموطأ)) (٢٨) في كتاب الطهارة، قوله: ليذادنّ، رواه أكثر رواة ((الموطأ)) وفي نسخة يحيى ((فلا يذادنّ)) انظر: ((الأوجز)) (٣٠٥/١). ٩٣ الفصل الثاني: في المُؤْلَّفِ، وفيه فوائد الفائدة الثانية في درجة الموطأ من بين كتب الحديث اعلم أن الجمهور عدُّوا ((الموطأ)) في الطبقة الأولى من طبقات كتب الحديث، واختاره شيخ مشايخنا العلامة عبد العزيز الدهلوي - نوّر الله مرقده - في ((ما يجب حفظه للناظر))، وجعل كتب الحديث خمس طبقات، جعل في الأولى منها الصحيحين والموطأ وغيرها، وسبقه في ذلك والده الشيخ ولي الله الدهلوي - بَرَّدَ اللهُ مضجعه - في ((حجة الله البالغة)). وصاحب ((مفتاح السعادة)) عَدَّ ترتيب كتب الحديث هكذا: البخاري، ثم مسلم، ثم أبو داود، ثم الترمذي، ثم النسائي، ثم قال: واعلم أن الإمام النووي عد كتب الأصول خمسة، وهي التي ذكرتها إلا أن الجمهور جعلها ستة، وعد منها موطأ الإمام مالك، وجعلوه بعد الترمذي وقبل النسائي، والحق أنه بعد مسلم في الرتبة. وفي ((سير أعلام النبلاء)) (١) للذهبي في ترجمة ابن حزم الأندلسي الظاهري: رأيته ذكر قول من يقول: أجلّ المصنفات الموطأ، فقال: بل أولى الكتب بالتعظيم صحيحا البخاري ومسلم وصحيح ابن السكن وغيرها، ثم بعدها كتاب أبي داود والنسائي، ومصنف القاسم بن أصبغ، ومصنف أبي جعفر الطحاوي، ولم يذكر ابن ماجه ولا جامع الترمذي، لأنه ما رآهما، ولا أُدْخِلَا في الأندلس إلا بعد موته، قال: ومسند البزار ومسند ابن أبي شيبة ومسند أحمد بن حنبل، وما جرى هذه الكتب التي أفردت بكلام رسول الله اليه صِرْفاً، ثم الكتب التي فيها كلامه وكلام غيره، مثل مصنف عبد الرزاق، ومصنف ابن أبي شيبة، وغيرها، ثم مصنف حماد بن سلمة وموطأ مالك بن أنس، وموطأ ابن أبي ذئب، وموطأ ابن وهب وغيرها . وأورد على ابن حزم الشيخ عبد الحي في حاشيته على (الموطأ))(٢): (١) (١٨/ ٢٠٢). (٢) انظر: ((التعليق الممجد)) (٧٦/١). ٩٤ الفصل الثاني: في المُؤْلَّفِ، وفيه فوائد وأنت خبير بأن اختلافهم في ذلك مبني على اختلاف اعتبارات، فمن نظر إلى اختلاط الأحاديث بالفروع جعله مؤخراً، ومن نظر إلى صحة أسانيد الروايات في الكتاب جعله مقدماً. وحكى السيوطي في ((تدريب الراوي)) قول ابن حزم بلفظ أوضح من ذلك، فقال: وأما ابن حزم فإنه قال: أولى الكتب الصحيحان، ثم صحيح سعيد بن السكن، و(المنتقى)) لابن الجارود، و((المنتقى)) لقاسم بن أصبغ، ثم بعد هذه الكتب كتاب أبي داود، وكتاب النسائي، ومصنف قاسم بن أصبغ، ومصنف الطحاوي، ومسانيد أحمد، والبزار، وابني أبي شيبة، أبي بكر، وعثمان، وابن راهويه، والطيالسي والحسن بن سفيان، والمستدرك، وابن سنجر، ويعقوب بن شيبة، وعلي بن المديني، وابن أبي عزرة، وما جرى مجراها، التي أفردت لكلام رسول الله وَلَّه صِرْفاً. ثم بعدها الكتب التي فيها كلامه وكلام غيره، ثم ما كان فيه الصحيح فهو أجلُّ، مثل مصنف عبد الرزاق، ومصنف ابن أبي شيبة، ومصنف بقي بن مخلد، وكتاب محمد بن نصر المروزي، وكتاب ابن المنذر، ثم مصنف حماد بن سلمة ومصنف سعيد بن منصور، ومصنف وكيع، ومصنف الفريابي، وموطأ مالك، وموطأ ابن أبي ذئب، وموطأ ابن وهب، ومسائل ابن حنبل، وفقه أبي عبيد، وفقه أبي ثور وما كان من هذا النمط مشهوراً كحديث شعبة وسفيان، والليث والأوزاعي، والحميدي وابن مهدي ومسدد، وما جرى مجراها، فهذه طبقة موطأ مالك، بعضها أجمع للصحيح منه، وبعضها مثله، وبعضها دونه. ولقد أحصيت ما في حديث شعبة من الصحيح، فوجدته ثمانمائة حديث ونيفاً مسندة، ومرسلاً يزيد على المائتين، وأحصيت ما في موطأ مالك، وما في حديث سفيان بن عيينة، فوجدت في كل واحد منهما من المسند خمسمائة ونيفاً مسنداً وثلاثمائة مرسلاً ونيفاً، وفيه نيف وسبعون حديثاً قد ترك مالك نفسه العمل بها، وفيها أحاديث ضعيفة وهَّاها جمهور العلماء، (ملخصاً من كتابه مراتب الديانة). ٩٥ الفصل الثاني: فِي المُؤلِّفِ، وفيه فوائد الفائدة الثالثة في وجه التسمية بالموطأ قيل لأبي حاتم الرازي: موطأ مالك لِمَ سُمِّي ((الموطأ))؟ فقال: شيءٌ صنعه ووَطَّأه للناس، حتى قيل: موطأ مالك، كما قيل: جامع سفيان، وروى أبو الحسن بن فهر عن أبيه عن علي الخلنجي: سمعت بعض المشايخ يقول: قال مالك: عرضت كتابي هذا على سبعين فقيهاً من فقهاء المدينة، فكلهم واطأني عليه، فسميته ((الموطأ)). قلت: فهذه التسمية أوجه لنقله عن صاحب التسمية، قال ابن فهر: لم يسبق مالكاً أحد إلى هذه التسمية، فإن من ألف في زمانه بعضهم سمى بالجامع، وبعضهم سمى بالمؤلف، وبعضهم بالمصنف، ولفظة الموطأ بمعنى الممهد المنقح. وأخرج ابن عبد البر عن المفضل بن محمد بن حرب المدني قال: أول من عمله كتاباً بالمدينة على معنى الموطأ، من ذكر ما اجتمع عليه أهل المدينة، عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، وعمل ذلك كلاماً لغير حديث، فأتى به مالكاً، فنظر فيه فقال: ما أحسن ما عمل، ولو كنت أنا الذي عملت، ابتدأت بالآثار، ثم شدَّدت ذلك بالكلام. ثم عزم مالك على تصنيفه فصنفه. قال المجد في ((القاموس)): وطِئَه - بالكسر - يطؤه: داسه كوظًأه، ووطَأَه: هيَّأه ودمَّثه وسهَّله، كوَاظَاه في الكل، وواطأه على الأمر: وافقه كتواطأه. ورجل موظّأ الأكناف كمعظم: سهلٌ، وموطأ العقب: سلطان يتبع، اهـ. وهذه المعاني كلها تصلح في هذا الاسم عن طريق الاستعارة. الفائدة الرابعة في دأب المصنف في الموطأ قال الشيخ ولي الله في شرح قول ابن مهدي: إن الثوري إمام في الحديث دون السنة، والأوزاعي إمام في السنة دون الحديث، ومالك إمام فيهما . ٩٦ الفصل الثاني: في المُؤلَّفِ، وفيه فوائد قال الشيخ في ((المصفى)): اعلم أن شرحه يحتاج إلى البسط في الكلام، وهو أن للسلف في استنباط المسائل طريقين، أحدهما: أن يحفظوا الآيات والروايات والآثار، ويستنبطوا المسائل من ذلك، وهو طريق المحدثين، والثاني: أن ينقّحوا الأصول والقواعد الكلية من كلام الأئمة بدون اعتبار مآخذها، ويستنبطوا الأحكام من تلك الأصول، وهو طريق الفقهاء، ولذلك يقال: حماد بن أبي سليمان أعلم الناس بمسائل إبراهيم، ويعبّر الإمام مالكٌ - رضي الله عنه - في موظّئه عن هذا الطريق بقوله: ((السنة التي لا اختلاف فيها عندنا كذا وكذا)). وقال أيضاً في موضع آخر: إِن الإِمام مالكاً - رضي الله عنه - جعل بناء مذهبه على الروايات المرفوعة إلى النبي ◌َّ﴾ موصولةً أو مرسلةً، وبعدها على قضايا عمر ثم على فتاوى ابن عمر - رضي الله عنهما - وبعد ذلك على أقوال فقهاء المدينة، كابن المسيِّب وعروة وقاسم، وسالم وسليمان بن يسار، وأبي سلمة وأبي بكر بن عمرو بن حزم، وعمر بن عبد العزيز وغيرهم، وقال أيضاً: إن الإِمام - رضي الله عنه - يعبِّر عن أقوال الفقهاء السبعة وفقهاء المدينة بقوله: ((السنة عندنا كذا وكذا))، قال الإِمام الشافعي: وهذا ليس بإجماع، بل هو مختار الإِمام مالك - رضي الله عنه - ومشايخه. قلت: وتقدم في مشايخ الإِمام مالك دأبه في قوله: ((السنة التي لا اختلاف فيها عندنا كذا وكذا))، ودأبه في قوله: «هذا أحبُّ ما سمعت إليَّ))(١)، ومنه أيضاً ما قال ابن رشد في ((مقدماته)): روي عن مالك أنه قال: إذا جاء حديثان مختلفان عن النبي صل*، وبلغنا أن أبا بكر وعمر عملا بأحدهما، وتركا الآخر كان في ذلك دلالة على أن الحق فيما عملا به. ومن خصائصه أيضاً أنه كثيراً ما يذكر في الباب المسائل الفقهية المناسبة للباب، واجتهادات الإمام مالك من دون إيراد خبر أو أثر. ومنه (١) انظر: ((حجة الله البالغة)) (٤١٧/١). ٩٧ الفصل الثاني: فِي المُؤلَّفِ، وفيه فوائد أيضاً ما سيأتي في بيان المرسل: أن الإِمام - رضي الله عنه - نظر في كتب القوم فيعبِّر عما أخذ عنها بالبلاغ. ومما يجب التنبيه عليه ما أفاده بعض علماء المالكية في المدينة المنورة أن القول المشهور في كتبنا يطلق على ثلاثة معانٍ: الأول: ما يكون قوياً من حيث الدليل وإن لم يقل به الأكثر، والثاني: ما يكون قائله جماعة من المشايخ، وإن لم يكن قوياً من حيث الدليل، والثالث: قول ابن القاسم في (المدوَّنة))، وقوله في الكتب الأخر يقال له غير المشهور، وهذا الإِطلاق الثالث أكثر من الأولَيْن، انتهى. ومنه ما في ((التدريب))(١): قال ابن عبد البر: إذا قال مالك عن الثقة عن بكير بن عبد الله الأشج فالثقة مخرمة بن بكير، وقال النسائي: الذي يقول مالك في كتابه ((الثقة عن بكير)) يشبه أن يكون عمرو بن الحارث، وقال ابن عبد البر: إذا قال ((عن الثقة عن عمرو بن شعيب)) فهو عبد الله بن وهب، وقيل: الزهري، وقال ابن وهب: كل ما في كتاب مالك ((أخبرني من لا أتّهم من أهل العلم)) فهو الليث بن سعد، وقال شيخ الإسلام ابن حجر: إذا قال ((عن الثقة عن عمرو بن شعيب)) فقيل: هو عمرو بن الحارث أو ابن لهيعة، و ((عن الثقة عن بكير)) قيل: هو مخرمة بن بكير، و((عن الثقة عن ابن عمر)) هو نافع .. الفائدة الخامسة في رواة الموطأ، وعدد نسخه قال شيخنا الدهلوي في ((البستان)): أخذ ((الموطأ)» عن الإِمام مالك قريبٌ من ألف رجل، وقال الحافظ صلاح الدين العلائي: روى ((الموطأ)» عن الإِمام مالك جماعات كثيرة، وبين رواياتهم اختلاف من تقديم وتأخير، وزيادة ونقص، وأكبرها رواية القعنبي، ومن أكبرها وأكثرها زيادات رواية أبي (١) انظر: ((تدريب الراوي)) (٣١٢/١). ٩٨ الفصل الثاني: في المُؤْلَّفِ، وفيه فوائد مصعب، فقد قال ابن حزم: في ((موطأ أبي مصعب)) زيادة على سائر الموطآت نحو مائة حديث، وقال الغافقي في ((مسند الموطأ)): اشتمل كتابنا هذا على ستمائة حديث، وستة وستين حديثاً، وهو الذي انتهى إلينا من مسند موطأ مالك، وذلك إن نظرت ((الموطأ)) من ثنتي عشرة رواية رويت عن مالك، وهي رواية عبد الله بن وهب، وعبد الرحمن بن القاسم، والقعنبي، وعبد الله بن يوسف التِنِيِّسي، ومعن بن عيسى، وسعيد بن عُفير، ويحيى بن عبد الله بن بكير، وأبي مصعب أحمد بن أبي بكر، ومصعب الزبيري، ومحمد بن المبارك الصوري، وسليمان بن برد، ويحيى بن يحيى الأندلسي، فأخذت الأكثر من رواياتهم. قال السيوطي: وقد وقفت على ((الموطأ)) من روايتين أُخريين سوى ما ذكر الغافقي؛ إحداهما: رواية سويد بن سعيد، والأخرى: رواية محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، وفيها أحاديث يسيرة زيادة على سائر الموطآت. قلت: وللموطأ نسخٌ أُخر كما سيأتي بيانها. وقال شيخ مشايخنا العلامة الدهلوي في ((المصفَّى)): إن نسخه أكثر من ثلاثين، وبنى ابن عبد البر شرحيه: (التمهيد)) و((الاستذكار))، على ثنتي عشرة رواية، وفي تقديم الأبواب وتأخيرها اختلاف في النسخ كثير جداً، ولا بد منه لما تقدم أن الإِمام - رضي الله عنه - لم يزل ينقيه في كل سنة ويختبره، والرواة قد أخذوا عنه في السنين المختلفة. واختلف المشايخ في تعديد نسخه أيضاً كما ترى. وذلك، لأن الرواة عنه كثير جداً، فكلٌّ أخبر بما ظفر عليه، وقال أبو القاسم محمد بن حسين الشافعي: الموطآت المعروفة عن مالك أحد عشر معناها متقارب، والمستعمل منها أربعة، وذكر السيوطي في ((التنوير)) أربع عشرة نسخة، وذكر شيخنا في ((البستان)): ست عشرة نسخة، وها أنا ذا أذكر لك ما وقفت عليه من كتب المشايخ مع ذكر صاحب النسخة مختصراً. الأولى: هي هذه النسخة التي بأيدينا؛ المروَّجة ببلادنا، وهي نسخة ٩٩ الفصل الثاني: في المُؤْلَّفِ، وفيه فوائد يحيى بن يحيى المصمودي الأندلسي(١) المتوفى سنة ٢٠٤هـ وسيأتي البسط في ذلك في الفائدة الآتية. الثانية: نسخة ابن وهب(٢)، وهو أبو محمد عبد الله بن وهب بن سلمة، على ما في ((البستان)) وغيره. وفي كتب الرجال من ((التهذيب)) و ((التقريب)) و((الخلاصة)) و((الجمع بين رجال الصحيحين)) و((الديباج))، بدله مسلم(٣)، وهو الصواب، لإِطباق أهل الرجال من رواة الستة، وُلد في ذي القعدة سنة ١٢٥ هـ، ذكر الذهبي وغيره أنه وجد في تصانيفه مائة ألف حديث وعشرون ألفاً من رواياته، ومع ذلك لا يوجد فيه منكر فضلاً عن ساقطِ. روي عنه أنه قال: ولدت سنة ١٢٥ هـ وأخذت العلم وأنا ابن سبعة عشر سنة. قال أبو الطاهر: سمع من مالك من سنة ١٤٨ هـ إلى أن مات مالك، قال أبو مصعب: مسائل ابن وهب عن مالك صحيحة، وقال محمد بن عبد الله: كان ابن وهب أفقه من مالك، وكان من أصحاب مالك - رضي الله عنه - بسط الكلام على ترجمته في ((الديباج المذهب))، توفي يوم الأحد لخمس بقين من شعبان سنة سبع وتسعين ومائة، وصنف ((الموطأ الكبير)) و ((الموطأ الصغير))، وسبب موته أنه قُرئ عليه ((كتاب أهوال القيامة)) من مصنفاته فأخذه الغشي، فحُمل إلى داره فلم يزل كذلك إلى أن قضي. والثالثة: نسخة ابن القاسم(٤)، وهو أبو عبد الله عبد الرحمن بن القاسم بن خالد المصري ولد سنة ١٣٢هـ وهو أول من دوَّن مذهب مالك في (١) ستأتي ترجمته في ((الفائدة السادسة في بيان هذه النسخة التي بأيدينا)). (٢) انظر ترجمته ((في ترتيب المدارك)) (٤٢١/٢)، و((تهذيب التهذيب)) (٧٣/٦)، و((الديباج المذهب)) (ص١٣٣)، و((طبقات الحفاظ)) (ص١٢٦). (٣) (بدله)) أي بدل ((سلمة)): مسلم. (٤) انظر ترجمته في ((وفيات الأعيان)) (٢٧٦/١)، و((الديباج المذهب)) (ص١٤٦)، و((حسن المحاضرة)) (٣٠٣/١)، و((طبقات السيوطي)) (ص١٤٨). ١٠٠