النص المفهرس
صفحات 61-80
الباب الأول: فيما يتعلق بالفن الشريف والعلم المنيف وثمرته، والحديث بدون الفقه ليس إلا الشجر بدون الثمر، وسيأتي في آداب طالب الحديث عن البخاري أن ثواب الفقيه ليس بأقل من ثواب المحدث. وقال النبي ◌َّ: ((مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء، فينفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلا، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلّم)) ... الحديث، متفق عليه(١). وقال النبي ◌َّ: ((من يُرِدِ الله به خيراً يفقهه في الدين وإنما أنا قاسم والله يعطي))(٢). وقال النبي ◌ّله: ((إن الناس لكم تبع، وإن رجالاً يأتونكم من أقطار الأرض، يتفقهون في الدين، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيراً)) (٣). وقال النبي بَلجر: ((فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد))(٤). وقال النبي وَثَر: ((خصلتان لا يجتمعان في منافق: حسن سمت، ولا فقه في الدين))(٥). وقال النبي ◌َّ: ((نعم الرجل الفقيه في الدين إن احتيج إليه نفع، وإن استغني عنه أغنى نفسه))(٦). وسُئِل النبي ◌َ﴾: ما حَدُّ العلم الذي إذا بلغه الرجل كان فقيهاً؟ فقال ◌َّر: ((من حفظ على أمتي أربعين حديثاً في أمر دينها بعثه الله فقيهاً، وكنت له يوم القيامة شفيعاً وشهيداً))(٧) . ومن مارس كتب الفقه للأئمة الأربعة لا يمكن أن ينكر من أن كلها (١) أخرجه البخاري في كتاب العلم باب (٣٠)، ومسلم في الفضائل ح (٣٣٨٣). (٢) أخرجه البخاري في كتاب العلم باب (١٣). (٣) أخرجه الترمذي (الحديث: ٣٦٥٠، ٣٦٥١). (٤) أخرجه الترمذي (الحديث: ٣٦٨١). (٥) أخرجه الترمذي (الحديث: ٣٦٨٤). (٦) أخرجه البيهقي نحوه في ((شعب الإيمان)) (الحديث: ١٥٩١). (٧) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (الحديث: ١٥٩٦، ١٥٩٧). ٦١ الباب الأول: فيما يتعلق بالفن الشريف والعلم المنيف مأخوذة من الحديث، وأقاويل الصحابة والعلل المستنبطة منها، والفقه الذي استنبط أبو حنيفة على ما قاله ابن عابدين وغيره: (زرعه ابن مسعود) - رضي الله عنه - يعني أول من تكلم باستنباط فروعه، هو عبد الله بن مسعود الصحابي الجليل، أحد السابقين والبدريين، وكان إسلامه قديماً كما في (الاستيعاب))(١)، قال النبي ◌َّل: ((استقرؤوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم مولى حذيفة ... ))، الحديث، متفق عليه. وقال حذيفة: إن أشبه الناس دلّا وسمتاً وهدياً برسول الله وَ ﴿ لَابنُ أم عبد ... الحديث، رواه البخاري. وقال له النبي ◌َّ: «إذنك أن ترفع الحجاب، وأن تسمع سوادي حتى أنهاك)). وقال النبي صل#: ((تمسكوا بعهد ابن أم عبد»، وفي رواية ((ما حدَّث ابن مسعود، فصدقوا)). وقال النبي ◌َّ: ((لو كنت مؤمِّراً من غير مشورة لأَمَّرْتُ عليهم ابن أم عبد»، قالوا: يا رسول الله، لو استخلفت؟ قال: ((إن استخلفت عليكم فعصيتموه عذبتم، ولكن ما حدثكم حذيفة فصدقوا، وما أقرأكم عبد الله فاقرؤوه)). وعن مسروق قال: انتهى علم الصحابة إلى ستة: عمر وعلي وأُبيّ وزيد وأبي الدرداء وابن مسعود - رضي الله عنهم - ثم انتهى علم الستة إلى علي وابن مسعود - رضي الله عنهما - وقال شيخنا العلامة الدهلوي في ((الإنصاف))(٢): ومذهبُ عبد الله بن مسعود وأصحابه وقضايا علي وشريح والشعبي وفتاوى إبراهيم أحقُّ بالأخذ عند أهل الكوفة من غيره. وهو قول علقمة حين مال مسروق إلى قول زيد بن ثابت في التشريك قال: هل أحد منهم أثبت من عبد الله؟ قال: لا، ولكن رأيت زيد بن ثابت وأهل المدينة يُشَرِّكون، انتهى. وسيأتي شيء من ذلك في مشايخ الإمام مالك، رحمة الله عليه. (وسقاه علقمة) يعني أيده، ووضحه علقمة بن قيس بن عبد الله النخعي الفقيه الكبير، ولد في حياة النبي ◌َلّره، وأخذ القرآن والعلم عن ابن مسعود (١) (٢٠/٧). (٢) (ص١١). ٦٢ الباب الأول: فيما يتعلق بالفن الشريف والعلم المنيف وعلي وعمر وأبي الدرداء وعائشة - رضي الله عنهم - من رُواة الصحاح الستة، قال عثمان: علقمة أعلم بعبد الله. وقال ابن المديني: أعلم الناس بعبد الله علقمة والأسود وعبيدة والحارث، وقال أبو المثنى: إذا رأيت علقمة فلا يضرك أن لا ترى عبد الله، أشبه الناس به سمتاً وهدياً. وقال شعبة: كان علقمة أنظر القوم به، وقيل لإبراهيم: علقمة كان أفضل أو الأسود؟ فقال: علقمة، وقد شهد صفين. وعن مرة الهمداني: كان علقمة من الربانيين. وقال عبد الله: ما أقرأ شيئاً ولا أعلمه إلا علقمة يقرؤه ويعلمه. وقال قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه: أدركت ناساً من أصحاب النبي وَّر، يسألون علقمة ويستفتونه. كذا في ((تهذيب الحافظ)). (وحصده إبراهيم النخعي) يعني جمع ما تفرق من فوائد نوادره، وهيأه للانتفاع به إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي الإمام المشهور من رواة الستة أيضاً، رأى عائشة - رضي الله عنها - رؤية. قال الشعبي: ما ترك أحداً أعلم منه. قال أبو المثنى: إذا رأيت إبراهيم فلا يضرك أن لا ترى علقمة. وقال شيخ مشايخنا العلامة الدهلوي في ((الإنصاف)): وكان إبراهيم وأصحابه يرون أن ابن مسعود وأصحابه أثبت الناس في الفقه، كما قال علقمة لمسروق: هل أحد منه أثبت من عبد الله؟ وقول أبي حنيفة للأوزاعي: إبراهيم أفقه من سالم، ولولا فضل الصحابة لقلت: إن علقمة أفقه من عبد الله بن عمر، وعبد الله هو عبد الله. وأصل مذهبه فتاوى ابن مسعود، وقضايا علي وفتاواه وقضايا شريح وغيره من قضاة الكوفة، فصنع في آثارهم كما صنع أهل المدينة في آثار أهل المدينة وخَرَّج كما خَرَّجوا. وقال أيضاً في موضع آخر: وكان أبو حنيفة - رضي الله عنه - ألزمهم بمذهب إبراهيم وأقرانه لا يجاوزه إلا ما شاء الله، وكان عظيم الشأن في التخريج على مذهبه، دقيق النظر في وجوه التخريجات، مُقبلاً على الفروع أتم إقبالٍ، وإن شئت أن تعلم حقيقة ما قلناه فلخّص أقوال إبراهيم من ((كتاب الآثار)) لمحمد، و((جامع عبد الرزاق))، و(مصنف بن أبي شيبة))، ثم قايسه ٦٣ الباب الأول: فيما يتعلق بالفن الشريف والعلم المنيف بمذهبه تجده لا يفارق تلك المحجّة إلا في مواضع يسيرة، وهو في تلك اليسيرة أيضاً مما لا يخرج عما ذهب إليه فقهاء الكوفة، انتهى. وقال الحافظ في (التهذيب))(١)، في ترجمة الزهري عن النسائي: أحسن الأسانيد أربعة منها منصور عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود، انتهى. (وداسه حماد) أي: اجتهد في تنقيحه وتوضيحه حماد بن أبي سليمان الكوفي شيخ الإمام أبي حنيفة وبه تخرج، ثم أخذ حماد بعد ذلك عن الإمام، قال الإمام: ما صليتُ صلاة إلا استغفرت له مع والدي. روى عنه البخاري في ((الأدب المفرد)) واستشهد به تعليقاً في (صحيحه) وروى عنه مسلم في (صحيحه) والأربعة في سننهم، قال مغيرة: قلت لإبراهيم: إن حماداً قعد يفتي. فقال: وما يمنعه أن يفتي وقد سألني هو وحده عما لم تسألوني كلكم عن عُشرِهِ، وقال ابن شبرمة: ما أحد أمنّ عَليّ بعلم من حماد. وقال معمر: ما رأيت أفقه من هؤلاء: الزهري وحماد وقتادة. وقال العجلي: كوفي ثقة، وكان أفقه أصحاب إبراهيم، وفي ((المغني)): كان أعلمهم برأي النخعي، وقال العجلي: كوفي ثقة، أفقه أصحاب إبراهيم، قلت: وما أورد عليه أهل الحديث رده في ((التنسيق))(٢) لا يسعه هذا المختصر. (وطحنه أبو حنيفة) يعني: أكثر أصوله وفَرَّع فروعه، وأوضح سبله إمام الأئمة، وسراج الأمة أبو حنيفة النعمان، فإنه أول من دوَّن الفقه، ورتبه أبواباً وكتباً على نحو ما عليه اليوم، وتبعه إمام دار الهجرة، ثاني الأئمة، أعلم فقهاء الأمة في وقته مالك بن أنس - رضي الله عنه - في ((موطئه))، ومن كان قبلهما إنما كانوا يعتمدون على حفظ الأحاديث. (وعجنه أبو يوسف) أي: دَقّق النظر في قواعد الإمام وأصوله، واجتهد في زيادة استنباط الفروع منها تلميذ الإمام الأعظم القاضي أبو يوسف قاضي القضاة، كما رواه الخطيب في ((تاريخه)). (١) ((تهذيب التهذيب)) (٤٤٨/٩). (٢) انظر: ((تنسيق النظام)) (ص ٥٠). ٦٤ الباب الأول: فيما يتعلق بالفن الشريف والعلم المنيف (وخبزه محمد) يعني زاد في استنباط الفروع وتنقيحها، وتهذيبها وتحريرها بحيث لم يحتج إلى شيء آخر إلا الإدام الإمام محمد بن الحسن الشيباني تلميذ الإمام الأعظم، وهذه الثلاثة أئمة الحنفية أسماؤها مُغْنِيةٌ عن عداد أوصافها، وقد نظم بعضهم فقال: حَضَّادُهُ، ثُمَّ إبراهيم دَوَّاسُ الفقه زرع ابنِ مسعودٍ، وعلقمةُ محمدٌ خابزٌ والآكلُ الناسُ نعمانُ طاحنُه يعقوبُ عاجنُه هذا باعتبار الطريق المشهور عند الحنفية، وإلا فأخصر طرقهم على ما نقله الشعراني في ((ميزانه)): أبو حنيفة عن عطاء بن يسار عن ابن عباس - رضي الله عنهما -، كما أن أخصر طرق المالكية على نقل الشعراني أيضاً: مالك عن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنهما -، وسيأتي نبذٌ منه في بيان مشايخ الإمام، وذكرنا ذلك ليعرف أن فقه الحنفية ليس إلا تفريع الآثار بهذه السلسلة . الفائدة الرابعة في بدء كتابة الحديث وكيفية تدوينه قال الحافظ في ((مقدمة الفتح))(١): اعلم - علمني الله وإياك - أن آثار النبي ◌َّ لم تكن في عصر النبي ◌َّ، وعصر أصحابه، وكبار تابعيهم مدونة في الجوامع، ولا مرتبة لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهوا عن ذلك، كما ثبت في ((صحيح مسلم)) خشية أن يختلط بعض ذلك بالقرآن العظيم. والثاني: لسعة حفظهم وسيلان أذهانهم، ولأن أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة، ثم حدث في أواخر عصر التابعين تدوين الآثار وتبويب الأخبار، لما انتشر العلماء في الأمصار، وكثُر الابتداع من الروافض، والخوارج، ومنكري الأقدار، انتهى. (١) (ص٦). ٦٥ الباب الأول: فيما يتعلق بالفن الشريف والعلم المنيف قلت: ليس غرض الحافظ أن كتابة الحديث لم تبدأ إلا في أواخر عصر التابعين، بل غرضه أن الكتابة بصورة الكتب والرسائل لم تشرع إلى ذاك الوقت، وإلا فمجرد الكتابة كان من زمن النبي وَّ، وقد بوَّب البخاري في ((صحيحه) (١) كتابة العلم، وأخرج بسنده عن أبي جحيفة، قال: قلت لعلي: هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلا كتاب الله، أو فهمٌ أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة، قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر. وأخرج عن أبي هريرة: أن خزاعة قتلوا رجلا من بني ليث، عام فتح مكة، بقتيل منهم قتلوه، فأخبر بذلك النبي وَّل، فركب راحلته فخطب .. الحديث .. وفي آخره: فجاء رجل من أهل اليمن فقال: اكتب لي يا رسول الله، فقال: اكتبوا لأبي فلان. قلت: والرجل هذا أبو شاه، والمعنى اكتبوا لأبي شاه، يعني هذه الخطبة التي خطبها رسول الله وَّ، كما ورد مصرحاً في الروايات. وأخرج البخاري أيضاً عن أبي هريرة يقول: ما من أصحاب النبي وَسَهم صَلى الله أحد أكثر حديثاً مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو؛ فإنه كان يكتب ولا أكتب . - -- قلت: ومع ذلك كان عند أبي هريرة كتبٌ من حديث النبي ◌َّ، ويمكن أن يكون بغير خطه كما اختاره الحافظ في ((الفتح)). وأخرج عن ابن عباس، - رضي الله عنهما - قال: لما اشتد بالنبي ◌ّ وجعه قال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً .. الحديث. فهذه الروايات وأمثالها كثيرة صريحة في كتابة الحديث في زمنه وَ لَه، ولأجل ذلك استقر الإجماع على جواز كتابة الحديث، وإلا فالمسألة كانت مختلفة عند السلف، قال عبد الهادي في توضيح ((مقدمة القسطلاني)): وقع الخلاف في كتابة الحديث فقد كرهها طائفة منهم، لما رواه مسلم عن أبي (١) (٣٦/١) و((فتح الباري)) (٢٥٧/١). ٦٦ الباب الأول: فيما يتعلق بالفن الشريف والعلم المنيف سعيد الخدري: أن النبي ◌َ﴾ قال: ((لا تكتبوا عنّي شيئاً إلا القرآن، ومن كتب عنّي شيئاً غير القرآن فليمحُه)). وأباحها آخرون لحديث ابن عمر(١) - رضي الله عنهما -، قال: قلت: يا رسول الله أسمع منك الشيء أفأكتبه؟ قال: نعم، قال: في الغضب والرضى، قال: نعم، فإني لا أقول فيهما إلا حقاً. وحديث رافع بن خديج قال: قلت: يا رسول الله إنا نسمع منك أشياء أفنكتبها؟ قال: اكتبوا ذلك ولا حرج. وأسند الديلمي عن علي مرفوعاً: ((إذا کتبتم الحدیث فاکتبوه بسنده)) . ثم أجمعوا بعد ذلك على جوازها، وزال الخلاف، وجمعوا بين هذه الأحاديث بأن الإذن لمن خاف نسيانه، والنهي لمن أمن، ووثق بحفظه، أو النهي خاص بوقت نزول القرآن خشية التباسه، والإذن في غيره. وقال الحافظ في (الفتح))(٢): السلف اختلفوا في ذلك عملاً وتركاً، وإن كان الأمر استقر، والإِجماع انعقد على جواز كتابة العلم، بل على استحبابها، بل لا يبعد وجوبها على من خشي بها النسيان ممن يتعين عليه تبليغ العلم. وذكر السيوطي أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أراد أن يكتب السنن، واستشار فيه أصحاب رسول الله صل#، فأشار عليه عامتهم بذلك، فلبث عمر - رضي الله عنه - شهراً يستخير الله في ذلك شاكاً فيه، ثم أصبح يوماً وقد عزم الله تعالى له، فقال: إني كنت ذكرت لكم من كتابة السنن ما قد علمتم، ثم تذكرت، فإذا أناسٌ من أهل الكتاب قبلكم قد كتبوا مع كتاب الله كتباً فأكبُّوا عليها، وتركوا كتاب الله، وإني والله لا ألبس كتاب الله بشيء، فترك كتاب السنن. قال السيوطي: اختلف السلف من الصحابة والتابعين في كتابة الحديث (١) كذا في الأصل والصواب ابن عمرو بالواو (ش). (٢) (٢٠٤/١). ٦٧ الباب الأول: فيما يتعلق بالفن الشريف والعلم المنيف فكرهها طائفة، منهم ابن عمر وابن مسعود وزيد بن ثابت وأبو موسى وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة وابن عباس وآخرون، وأباحها طائفة وفعلوها؛ منهم عمر وعلي وابنه الحسن وابن عمروٍ وأنس وجابر وابن عباس وابن عمر أيضاً - رضي الله عنهم - والحسن وعطاء وسعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز، وحكاه عياض عن أكثر الصحابة والتابعين، قال أبو المليح: يعيبون علينا أن نكتب العلم؛ وقد قال الله عزّ وجلّ: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِ فِ كِتَبٍ لَا يَضِلُّ رَبِّ وَلَا يَسَى﴾(١) قال البلقيني(٢): وفي المسألة مذهب ثالث، وهو الكتابة والمحو بعد الحفظ، ثم أجمعوا على كتابته، وفي الإباحة والنهي حدیثان، انتهى. قلت: وتقدم بيان الحديثين، وبالجملة أن كتابة الحديث مع اختلاف السلف في جوازها بُدئت في زمان النبي ◌ُّر، ثم شاعت في عصر التابعين، وبدأ تدوينه في صور الكتب والرسائل في أواخر عصرهم، واختلفوا في أول من دوّن الحديث، قال الحافظ في ((مقدمة الفتح)): فأول من جمع ذلك، الربيع بن صبيح وسعيد بن أبي عروبة وغيرهما، فكانوا يصنفون كل باب على حدة إلى أن قام كبار أهل الطبقة الثالثة في منتصف القرن الثاني، فدونوا الأحكام، فصنف الإمام مالك ((الموطأ)» وتوخّى فيه القوي من حديث أهل الحجاز، ومزجه بأقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وصنف ابن جريج بمكة، والأوزاعي بالشام، والثوري بالكوفة، وحماد بن سلمة بالبصرة، وهشيم بواسط، ومعمر باليمن، وابن المبارك بخراسان، وجرير بن عبد الحميد بالري. وكان هؤلاء في عصر واحد فلا يُدرى أيّهم سبق، ثم تلاهم كثير من أهل عصرهم في النسج على منوالهم إلى أن رأى بعض الأئمة منهم أن يفرد (١) سورة طه: الآية ٥٢. (٢) وانظر: ((محاسن الاصطلاح)) للبلقيني (٣٦٨، ٣٦٩). ٦٨ الباب الأول: فيما يتعلق بالفن الشريف والعلم المنيف حديث النبي ◌َّ خاصة؛ وذلك على رأس المائتين، فصنفوا المسانيد، فصنف عبيد الله بن موسى العبسي مسنداً، ثم صنف نعيم بن حماد الخزاعي، نزيل مصر، مسنداً، ثم اقتفى الأئمة أثرهم في ذلك، فَقلَّ إمام من الحفاظ إلا وصنَّفَ حديثه في المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم، ومنهم من صَنَّفَ على الأبواب والمسانيد معاً، كأبي بكر بن أبي شيبة، فلما رأى البخاري هذه التصانيف ووجدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشملها التضعيف، فحرك همته لجمع الحديث الصحيح. فجعل الحافظ (ابن حجر) أول المدونين ثلاثة أنواع: مدوني الأبواب والأحكام، ومدوني المسانيد، والمقتصر على الصحيح فقط، ولم يتعرض في كلامه هذا إلى أول الجامع مطلقاً، وهو الزهري على ما هو المشهور على الألسن، أو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم كما يؤدي إليه النظر الدقيق، ومال إليه الحافظ في ((الفتح)) (١) في شرح قول البخاري: وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم: ((انظر ما كان من حديث رسول الله ﴾﴾ فاکتبه؛ فإني خفتُ دروس العلم وذهاب العلماء)). قال الحافظ: هو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، نسب لجد أبيه، ويستفاد منه ابتداء تدوين الحديث النبوي، وكانوا قبل ذلك يعتمدون على الحفظ. فلما خاف عمر بن عبد العزيز - وكان على رأس المائة الأولى - ذهاب العلم بموت العلماء، رأى أن في تدوينه ضبطاً له وإبقاءً، وكذا قال العيني في ((شرحه))، وبمزج هذا النوع صارت طبقات أول المدونين أربعة أنواع، وذكر الثلاثة منها السيوطي في ((ألفيته)) فقال: أَوَّلُ جامع الحديثِ والأثرْ ابنُ شهابِ آمرٌ لهُ عمرْ (١) (١/ ١٩٤). ٦٩ الباب الأول: فيما يتعلق بالفن الشريف والعلم المنيف جماعةٌ في العصر ذو اقتراب وأولُّ الجامع للأبوابِ ومعمرٌ وولد المبارك كابنِ جُرَيجِ وهشيم ومالكْ على الصحيح فقط البخاري وأولُ الجامعِ باقتصارٍ وعلم من ذلك أن إطلاق أئمة الحديث على جماعة من المحدثين أنهم أول من صنّف إما باعتبار نوع خاص من أنواع التأليف، أو باعتبار بلده، كما تقدم من كلام الحافظ، وعلم أيضاً أن أول هذه الطبقات وهي طبقة أول المدونين مطلقاً الزهري على رأي السيوطي، وهو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري المتوفى سنة ١٢٥هـ، كما في ((تقريب الحافظ)) واختار هذا القول جماعة من المحققين. وبه جزم الحافظ في ((الفتح)) (١) في كتابة العلم، فقال: وأول من دوّن الحديث ابن شهاب الزهري على رأس المائة بأمر عمر بن عبد العزيز، ثم كثُر التدوين ثم التصنيف، وحصل بذلك خير كثير، فلله الحمد، انتهى. وبه جزم السيوطي في ((ألفيته)) كما تقدم، وكذا في ((تدريبه)). وفي (لُقَط الدرر)): وواضعه ابن شهاب الزهري في خلافة عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - بأمره بعد موت النبي وم بمائة عام؛ لأنه المجدد لهذه الأمة، أمر بتدوينها في المائة الثانية. وقد وُلد عمر بن عبد العزيز سنة ٦١ هـ أو سنة ٦٣هـ وبويع له بالخلافة في صفر سنة ٩٩هـ، وتوفي في رجب سنة ١٠١ هـ. وفي ((نيل الأماني)): لعل ابن شهاب أول من جمع على الإطلاق، وتبعه هؤلاء. فهؤلاء المشايخ كلهم مالوا إلى أن أول المدونين مطلقاً الزهري، وتقدم عن البخاري تعليقاً الإشارة إلى أن أولهم أبو بكر بن حزم، وهو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم المتوفى سنة ١٢٠ هـ على ما اختاره الحافظ في ((التقريب))، وقيل في موته غير ذلك، واختار هذا القول العلامة القسطلاني في (١) ((فتح الباري)) (٢٠٨/١). ٧٠ الباب الأول: فيما يتعلق بالفن الشريف والعلم المنيف ((شرح البخاري))، وقال مالك في ((الموطأ)) برواية محمد بن الحسن بسنده إلى عمر بن عبد العزيز: ((إنه كتب إلى أبي بكر بن حزم أن انظر ما كان من حديث رسول الله وَل# أو سنته)) الحديث، واختاره الهروي وغيره. والجملة أن الجمهور اختلفوا في واضع الحديث وأول مدونه على القولين، وعصرهما واحد، فالترجيح بينهما عسير. وأما الطبقة الثانية؛ وهم جماعة في العصر ذو اقتراب، وهم الربيع بن صبيح المتوفى سنة ١٦٠هـ، وسعيد بن أبي عروبة المتوفى سنة ١٥٦هـ، وقيل: بعدها، وإمام دار الهجرة مالك بن أنس المتوفى سنة ١٧٩هـ، وابن جريج عبد الملك بن عبد العزيز المتوفى سنة ١٥٠هـ وقيل: بعدها، والأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو المتوفى سنة ١٥٧ هـ، وسفيان بن سعيد الثوري المتوفى سنة ١٦١ هـ، وحماد بن سلمة المتوفى سنة ١٦٧ هـ، وهشيم بن بشير المتوفى سنة ١٨٣ هـ، ومعمر بن راشد نزيل اليمن المتوفى سنة ١٥٤هـ، وعبد الله بن المبارك المتوفى سنة ١٨١هـ، وجرير بن عبد الحميد قاضي الري المتوفى سنة ١٨٨ هـ. هذا، وقد اعتمدنا في بيان الوفيات على كلام الحافظ في ((التقريب)) فهؤلاء كلهم أُطلِقَ عليهم اسم أول المدونين، وعصرهم كما رأيت بعد مائة وخمسين إلى المائتين، وكان عصر الزهري وأبي بكر بن حزم مقدماً عليهم، فإطلاق ابتداء التدوين على هؤلاء النفر تَجَوُّزٌ باعتبار البلدان أو الأبواب أو غير ذلك . قال السيوطي: قال أبو طالب المكي في ((قوت القلوب)): هذه المصنفات من الكتب حادثة بعد سنة عشرين أو ثلاثين ومائة، ويقال: إن أول ما صنف في الإسلام كتاب ابن جريج في الآثار وحروف من التفسير بمكة، ثم كتاب معمر بن راشد الصنعاني باليمن، جمع فيه سنناً منثورة مبوبة، ثم ((كتاب الموطأ)) بالمدينة المالك، ثم جمع ابن عيينة كتاب الجامع والتفسير وجامع الثوري صنفه أيضاً في هذه المدة، وقيل: إنها صنفت سنة ستين ومائة. ٧١ الباب الأول: فيما يتعلق بالفن الشريف والعلم المنيف ثم حدث بعد ذلك عصر مدوني المسانيد، وهي على رأس المائتين كما تقدم من كلام الحافظ فصنف عبيد الله بن موسى العبسي مسنداً، وولد بعد العشرين ومائة وتوفي سنة ٢١٣هـ، وصنف نعيم بن حماد الخزاعي. قال الذهبي في ((التذكرة)): يقال: إنه أول من جمع المسند توفي سنة ٢٢٨هـ. والإمام أحمد بن حنبل أحد الأئمة المجتهدين المتوفى سنة ٢٤١هـ. وإسحاق بن إبراهيم بن مخلد المشهور بابن راهويه المتوفى سنة ٢٣٨هـ، وعثمان بن أبي شيبة المتوفى سنة ٢٣٩هـ. ثم حدث بعد ذلك التأليف على الكتب والأبواب بتجريد الصحاح والحِسان، وأولهم الإمام البخاري(١) محمد بن إسماعيل المتوفى سنة ٢٥٦هـ، ألّف ((صحيحه)) في بضع عشرة سنة، ثم اقتفى الأئمة المشهورون آثاره، وأول من صنف في السنن - على ما قاله الخطابي - هو إمام المحدثين سليمان بن الأشعث أبو داود السجستاني (٢) المتوفى سنة ٢٧٥هـ، فهذا ترتيب تدوين كتب الحديث . الفائدة الخامسة في الأشتات ومنها: استمداد العلم، وهو من أفعاله ◌َالر، وأقواله، وتقريره، على ما فُعِلَ بحضرته وبغيبته عند بلوغه إياه، كذا في ((لُقط الدرر)) ومنها: مبادئه، وهي ما تتوقف عليه المباحث، وهي أحوال الحديث وصفاته، ويحتاج إلى ما يحتاج إليه علم التفسير وغيره من اللغة والنحو والتصريف والمعاني والبيان والبديع، ويحتاج إلى نقله التاريخ، كذا في ((كشاف اصطلاحات الفنون)) ويأتي نبذٌ منه في آداب طالب الحديث. (١) انظر ترجمته في كتاب ((الإمام البخاري)) للمحقق. (٢) انظر ترجمته في كتاب ((الإمام أبو داود)) للمحقق. ٧٢ الباب الثاني: في بيان الكتاب ومؤلفه الباب الثاني في بيان الكتاب ومؤلفه وفيه فصلان: الأول: في بيان المصنّف. والثاني: في بيان المصنَّف. الفصل الأول في تذكرة المؤلف، وفيه فوائد الفائدة الأولى في ترجمته وهو أحد الأئمة الأعلام، ركن من أركان الإسلام، فقيه الأمة إمام دار الهجرة أبو عبد الله مالك(١) بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن غيمان - بغين معجمة وياء تحتية - ويقال: عثمان - بعين مهملة وثاء مثلثة - واختار ابن فرحون الأول. وقال: ذَكَرهُ غير واحد، وهكذا ضبطه ابن ماكولا : غيمان بن جثيل - بجيم وثاء مثلثة وياءٍ ساكنة فلام - كما جزم به ابن خلكان، قال ابن فرحون: وهكذا قاله الدارقطني. وحكاه عن الزبير، وقيل: خثيل - بخاء معجمة - على ما ضبطه الحافظ في ((الإصابة))، قال ابن فرحون: كذا قيده الأمير أبو نصر، وحكاه عن محمد بن سعيد عن أبي بكر بن أبي أويس، قال: وأما من قال: عثمان بن جميل أو ابن حنبل فقد صحّف، (١) انظر ترجمته في ((سير أعلام النبلاء)): (٤٨/٨) و((ترتيب المدارك)) (١٠٢/١ - ٢٥٤) و ((فيات الأعيان)): (١٣٥/٤، ١٣٩) و((تهذيب التهذيب)): (٥/١٠)، و((طبقات الحفاظ)) (ص٨٩)، ومقدمة ((التعليق الممجد)) (ص ٧٠) وليس في الإمكان حصر الكتب التي ألّفت في سيرته، أو ترجمت له، ولي كتاب ((الإمام مالك ومكانة كتابه الموطأ)) مطبوع. ٧٣ الباب الثاني: في بيان الكتاب ومؤلفه ابن عمرو بن ذي أصبح الحارث الأصبحي المدني نسبة إلى أَصْبَحَ - بالفتح - قبيلة من يعرب بن يشحب بن قحطان، من أكرم قبائل اليمن جاهلية وإسلاماً، كان جده الأعلى الحارث من الأصبح وهو بطن من حمير، ولذا لقب بذي أصبح. قال ابن فرحون: وأما ذو أصبح فقد اخْتُلِفَ في نسبه اختلافاً كثيراً، ولا خلاف في أنه من ولد قحطان، وأول من أسلم من آبائه أبو عامر، واختلف أهل الرجال في صحبته، ذكره الذهبي في ((تجريد الصحابة))، وقال: لم أر أحداً ذكره في الصحابة، وكان في زمن النبي ◌ّ، وذكره الحافظ في القسم الثالث من ((الإصابة)) وحكى قول الذهبي، ولم يزد على ذلك. والقسم الثالث من ((الإصابة)) هو في ذكر الصحابة الذين أدركوا الجاهلية والإسلام، ولم يرد في خبر قط أنهم اجتمعوا مع النبي ◌َّل. وحكى القاضي العياض عن القاضي أبي بكر بن العلاء القشيري: هو صحابي جليل شهد المغازي كلها خلا بدراً، وبه جزم السيوطي في ((التنوير))(١). وجدُّ الإمام - وهو مالك بن أبي عامر - تابعيّ بلا خلاف، نعم من كبار التابعين ورواة الجميع، مات سنة أربع وسبعين على الصحيح، قاله الزرقاني(٢). وكان ممن تولى دفن عثمان رضي الله عنه، مختفياً في الليل. قال الزرقاني: وهو من الأربعة الذين حملوا عثمان ليلاً إلى قبره وغسلوه ودفنوه، وقد فرض له عثمان - رضي الله عنه - وأغزاه إفريقية، ففتحها . قال الحافظ: وقد صح سماعه من عمر - رضي الله عنه - وكان لمالك بن أبي عامر ثلاثة بنين: أنس: وهو والد الإمام، وسيأتي بيانه، وعمّ الإمام أبو سهيل نافع: وقد أكثر الإمام مالك الأخذ عنه في ((الموطأ)) روى عن ابن عمر - رضي الله عنهما -، وغيره من الصحابة، من رواة الست (١) ((تنوير الحوالك)) (ص٣). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٢/١). ٧٤ الباب الثاني: في بيان الكتاب ومؤلفه أيضاً، توفي في إمارة أبي العباس، وعمه الآخر: الربيع، ليس له رواية في الكتب الستة ولا الموطّأين، لكن ذكره الحافظ في الرواة عن أبيه مالك بن أبي عامر، وكذا عدّه فيهم الزرقاني. وكذلك أنس والد الإمام ليس من رواة الستة وغيرها من الكتب المتداولة، لكن ذكره الحافظ وغيره في الرواة عن والده مالك بن أبي عامر، وذكر له الزرقاني برواية مالك عن أبيه عن جده عن عمر بن الخطاب مرفوعاً: ((ثلاث يفرح لهن الجسد فيربو عليهن: الطيب، والثوب اللين، وشرب العسل)) قال: أخرجه الخطيب من رواية يونس بن هارون الشامي عن مالك وضعّفه، وأخرجه ابن حبان في الضعفاء وقال: هذا لم يأت به عن مالك غير يونس، وقد أتى بعجائب لا تحل الرواية عنه، وأخرجه الدارقطني، وقال: لا يصح عن مالك، ويونس ضعيف. وأم الإمام هي: العالية بنت شريك بن عبد الرحمن الأزدية، وقيل طلحة مولاة عبيد الله بن معمر. ثم ولادته: فمختلف عند أهل النقل، وذكر اليافعي في ((طبقات الفقهاء)) أنه ولد سنة أربع وتسعين، وذكر ابن خلكان وغيره أنه ولد سنة خمس وتسعين، قيل: سنة تسعين، قال الذهبي في ((التذكرة)): أما يحيى بن بكير، فقال: سمعته يقول: ولدت سنة ثلاث وتسعين، فهذا أصح الأقوال، انتهى. واختاره السمعاني في ((الأنساب))، وقال: هذا متصل بالسند إلى يحيى بن بكير تلميذ الإمام، واختاره ابن فرحون فقال: هو الأشهر. واختلف أيضاً في مدة حمله، والمشهور عند أهل التاريخ أنه - رضي الله عنه - حُمِل في بطن أمه ثلاث سنين، قاله ابن نافع والواقدي ومعن ومحمد بن الضحاك، وقال نحوه بكار بن عبد الله، وقال: بصحته، وقال ابن المنذر: هو المعروف، وأشكل عليه من جهة الطب، وقيل: سنتين، وروي عن الواقدي أيضاً، وقاله عطاف بن خالد. وأما وفاته: فقال الحافظان السيوطي والزرقاني: مرض مالك يوم ٧٥ الباب الثاني: في بيان الكتاب ومؤلفه الأحد، فأقام مريضاً اثنين وعشرين يوماً، ومات يوم الأحد لعشرٍ خلون، وقيل: لأربع عشرة خلت من ربيع الأول سنة تسع وسبعين ومائة، وقال سحنون عن عبد الله بن نافع: توفي مالك وهو ابن سبع وثمانين سنة، وقال الواقدي: بلغ تسعين سنةٍ، وفي ((التذكرة)): قال أبو مصعب: لعشر مضت الربيع الأول، وكذلك قال ابن وهب، وقال ابن سحنون: في حادي عشر ربيع الأول. وقال ابن أبي أويس: في بكرة أربع عشرة منه، وقال مصعب الزبيري: في صفر، وكلهم قالوا: في سنة تسع وسبعين ومائة، انتهى. وقال ابن فرحون: اختُلِفَ في تاريخ وفاته، والصحيح أنها كانت يوم الأحد، لتمام اثنين وعشرين يوماً من مرضه في ربيع الأول سنة تسع وسبعين ومائة، فقيل: لعشر مضت، وقيل: لأربع عشرة، ولثلاث عشرة، ولإحدى عشرة، وقيل: لثنتي عشرة من رجب، وقال حبيب كاتبه: سنة ثمانين، وحكي عن ابن سحنون ثمان وتسعين وهو وهم، ودفن بالبقيع، وقبره يزار، ويعرف. وأما حليته: فقال المطرف بن عبد الله وغيره: كان الإمام طويلاً جسيماً، عظيم الهامة، أصلع، أبيض الرأس واللحية، شديد البياض إلى الصفرة، وقال مصعب الزبيري: كان من أحسن الناس وجهاً، وأحلاهم عيناً، وأنقاهم بياضاً، وأتمهم طولاً في جودة بدن، وقيل: كان ربعة، والمشهور الأول، وكان أشمَّ عظيم اللحية تامَّها تبلغ صدره ذات سعة، ويأخذ أطراف شاربه، ولا يحلقه، ويرى حلقه من المثلة، ويترك له سبلتين طويلتين، وكان في أذنيه كبر كأنهما كَفَّ إنسانٍ أو دون ذلك، وقال الحكم بن عبد الله: رأيته وله شعرة يفرقها، وقال أحمد بن إبراهيم: رأيته مضموم الشعر، ولم يكن يخضب، وروى ابن وهب أنه رآه يخضب بالحثَّاء، والمشهور الأول، وروى ابن وهب الخضاب، ولم يقل: بالحناء، وقال الواقدي: عاش مالك تسعين سنة لم يخضب شيبه، ولا دخل الحمام، وفي رواية: ولا حلق قفاه، قاله الزرقاني وابن فرحون. وأما لباسه: فقال الذهبي في ((التذكرة)): كان إذا اعتمَّ جعل منها تحت ٧٦ الباب الثاني: في بيان الكتاب ومؤلفه ذقنه ويسدل طرفها بين كتفه، وكان يلبس الثياب العدنية الجياد، وحكى ابن فرحون عن ابن وهب أنه قال: رأيت على مالك ريطة عدنية مصبوغة بمشق خفيف، وقال لنا: هو صبغ أحبه. ولكن أهلي أكثروا زعفرانها فتركته، قال الزبيري: كان مالك يلبس الثياب العدنية والجياد الخراسانية والمصرية المترفعة البيض، ويتطيّب بطيبٍ، ويقول: ما أحِبُّ لأحدٍ أنعم الله عليه إلا أن يرى أثر نعمته عليه، وكان يقول: أحب للقارئ أن يكون أبيض الثياب، قال بشر: دخلت على مالك، فرأيت عليه طيلساناً يساوي خمسمائة أشبه شيء بالملوك . وأما أولاده : - رضي الله عنه - فكان له ابنان: يحيى ومحمد، وابنة، اسمها فاطمة زوجها ابن أخته وابن عمه إسماعيل بن أبي أويس، وقال أبو عمر: له أربعة بنين: يحيى ومحمد وحماد وأم البنين، قاله ابن فرحون. الفائدة الثانية في فضله وثناء الناس عليه ومناقبه(١) - رضي الله عنه - كثيرة جداً لا يحتمل هذا المختصر استيعابها، بل ولا تحتملها الأسفار الكبار، وإنما أذكر نبذاً منها راجياً للبركة بذکر فضائله. فهو - رضي الله عنه وأرضاه - صدر الصدور، وبدر البدور، أكمل العلماء، وأعقل الفضلاء، قد ورث حديث الرسول وَل﴾، ونشر في أمته الفروع والأصول، وما أفتى حتى شهد له سبعون إماماً أنه أهلٌ لذلك، قال الزرقاني: جلس للدرس وهو ابن سبعة عشر عاماً، وكتب بيده الشريفة مائة ألف حديث، ولما دفن أخرج من بيته صناديق من الأحاديث فيها سبعة من حديث ابن شهاب ظهورها وبطونها ملأى، وصارت حلقته أكبر من حلقة مشايخه في حياتهم، وكان الناس يزدحمون على بابه لأخذ الحديث والفقه (١) انظر: ((سير أعلام النبلاء)) (٤٨/٧ - ١٣٥). ٧٧ الباب الثاني: في بيان الكتاب ومؤلفه كازدحامهم على باب السلطان، وله حاجبٌ يأذن أولاً للخاصة، فإذا فرغوا أَذِنَ للعامة. وكان - رضي الله عنه - كثير الصمت، قليل الكلام، متحفظاً بلسانه. قال ابن فرحون: كان كالسلطان، له حاجب يأذن عليه، فإذا اجتمع الناس على بابه، أمر آذِنَهُ فدعاهم، فحضر أولاً أصحابه، فإذا فرغ من يحضر أذن للعامة، هذا هو المشهور من سماع أصحاب مالك، وأنهم كانوا يقرؤون عليه إلا يحيى بن بكير، ذكر أنه سمع الموطأ من مالك أربع عشرة مرة، وزعم أن أكثرها بقراءة مالك وبعضها بالقراءة عليه، وعوتب مالك في تقديمه أصحابه، فقال: أصحابي جيران رسول الله وَ له. فإذا جلس للفقه جلس كيف كان، وإذا أراد الجلوس للحديث اغتسل. وتطيّب ولبس ثياباً جدداً، وتعمَّم وقَعَدَ بخشوعِ وخضوع ووقارٍ، ويُبخّر المجلس بالعود من أوله فلا يزال يتبخر إلى فراغه تعظيماً للحديث. قال مطرف: كان مالك إذا أتاه الناس خرجت إليهم الجارية فتقول لهم: يقول لكم الشيخ تريدون الحديث أو المسائل؟ فإن قالوا: المسائل، خرج إليهم وأفتاهم، وإن قالوا: الحديث، قال لهم: اجلسوا، ودخل مغتسله فاغتسل، وتطيّب ولبس ثياباً جدداً، وتعمم، ووضع على رأسه قلنسوةً طويلةً، وكان لا يدخل الخلاء إلا كل ثلاثة أيام مرة، ويقول: والله لقد استحييت من كثرة ترددي للخلاء، ويرخي الطيلسان على رأسه، حتى لا يرى ولا يُرَى، وكان - رضي الله عنه - لا يأكل ولا يشرب حيث يراه الناس، وقيل له: كيف أصبحت؟ فقال: في عمرٍ ينقص وذنوبٍ تزيد. وكان داره التي ينزلها بالمدينة دار عبد الله بن مسعود، ولم يكن له منزل، فكان يسكن بكراءٍ إلى أن مات - رضي الله عنه - ومكانه من المسجد مكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وهو المكان الذي كان يوضع عليه فراشه - ◌َلر - إذا اعتكف. وقال ابن مهدي: سفيان الثوري إمامٌ في الحديث، وليس بإمام في السنة، والأوزاعي إمام في السنة، وليس بإمام في الحديث، ومالك - رضي الله ٧٨ الباب الثاني: في بيان الكتاب ومؤلفه عنه - إمام فيهما، وسئل ابن الصلاح عن معنى هذا الكلام، فقال: السنة ههنا ضد البدعة، فقد يكون الإنسان عالماً بالحديث، ولا يكون عالماً بالسنة . قلت: ولشيخ مشايخنا العلامة المحدث الشيخ ولي الله الدهلوي كلام في شرح هذا القول لطيف جداً أوضح من كلام ابن الصلاح، يأتي مختصراً في دأب المصنف في ((الموطأ)) وحاصله: أن للسلف في استنباط المسائل طريقين: أحدهما: أن يحفظوا الآيات، والروايات، والآثار، ويستنبطوا المسائل من ذلك. وهذا طريق المحدثين. والثاني: أن ينقِّحوا الأصول والقواعد الكلية من كلام الأئمة. ويُخرجوا المسائل من ذلك. وهذا طريق الفقهاء. فمعنى قول عبد الرحمن: أن الثوري إمام في نقل ألفاظ الحديث، وآثار الصحابة بأسانيد صحيحة. والأوزاعي إمام في معرفة الأصول والقواعد. ومالك إمام فيهما معاً. ولذا نراه يقول في ((الموطأ)) في أكثر الأبواب: ((السنّة التي لا اختلاف فيها عندنا كذا وكذا)). وأخرج ابن عبد البر عن مالك قال: قَدِمَ علينا الزهري، فأتيناه، ومعنا ربيعة، فحدثنا بنيفٍ وأربعين حديثاً، ثم أتيناه من الغد، فقال: انظروا كتاباً حتى أحدثكم منه، أرأيتم ما حدثتكم أمس، أي شيء في أيديكم منه؟ فقال له ربيعة: هاهنا من يورد عليك ما حدثت به أمس، قال: ومن هو؟ قال: ابن أبي عامر. قال: هات. فحدثته بأربعين حديثاً منها. فقال الزهري: ما كنت أظن أنه بقي أحد يحفظ هذا غيري. وسيأتي في مشايخ الإمام عجيبة في قوة حفظه، وقال القطان وابن معين: مالك أمير المؤمنين في الحديث. زاد ابن معين: كان مالك من حجج الله على خلقه، إمام من أئمة المسلمين، مجمع على فضله، وقال الشافعي - رضي الله عنه -: إذا جاء الأثر فمالكٌ النجم وذكر العلماء فمالكٌ النجم الثاقب. وقال سفيان بن عيينة في حديث: ((يُوشك أن يضرب الناسُ أكبادَ الإبلِ يطلبون العلم، فلا يجدون عالماً أعلم من عالم المدينة)) أخرجه مالك ٧٩ الباب الثاني: في بيان الكتاب ومؤلفه والترمذي(١) وحسّنه، والنسائي والحاكم وصححه عن أبي هريرة مرفوعاً: نرى أنه مالك بن أنس، وفي رواية كانوا يرونه، قال ابن مهدي: يعني سفيان بقوله: (كانوا) التابعين، وقال غيره: هو إخباره عن غيره من نظرائه، أو ممن هو فوقه، وكذا قال عبد الرزاق في هذا الحديث: كنا نرى أنه مالك - رضي الله عنه - وروى أبو نعيم عن المثنى بن سعيد، سمعت مالكاً يقول: ما بتُّ ليلةً إلا رأيت فيها رسول الله وَه . وأخرج ابن عبد البر وغيره عن مصعب الزبيري عن أبيه قال: كنت جالساً بمسجد رسول الله وقدر مع مالك، فجاء رجل فقال: أيكم أبو عبد الله مالك؟ فقالوا: هذا، فجاء فسلم عليه فاعتنقه، وقبّله بين عينيه، وضمه إلى صدره، وقال: والله لقد رأيت البارحة رسول الله وهم جالساً في هذا الموضع، فقال: هاتوا مالكاً، فأُتي بك ترعُدُ فرائصُك، فقال: ليس عليك بأس يا أبا عبد الله، وكنّاك، وقال: اجلس، فجلست، فقال: افتح حجرك، ففتحت فملأه مسكاً منثوراً، وقال: ضمه إليك، وبثه في أمتي. فبكى مالك طويلاً، وقال: الرؤيا تسر ولا تُغُرُّ، وإن صَدَقَتْ رؤياكَ، فهو العلم الذي أودعني الله. (ملتقط من الزرقاني)(٢). قال السيوطي: قال بعض العلماء: إن البخاري إذا وجد حديثاً يُؤْثَرُ عن مالك، لا يكاد يعدل به إلى غيره حتى إنه يروي في ((الصحيح)) عن عبد الله بن محمد بن أسماء عن عمه جويرية عن مالك، وفي ((التذكرة)) للذهبي، قال أبو مصعب: سمعت مالكاً يقول: ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهلٌ لذلك. قال أحمد بن الخليل: سمعت إسحاق بن إبراهيم يقول: إذا اجتمع الثوري ومالك والأوزاعي على أمر فهو سُنَّةٌ، وإن لم يكن فيه نص، وقال (١) أخرجه الترمذي (٢٦٨٢) وابن حبان (٢٣٠٨) والحاكم (٩٢/١). (٢) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٣/١، ٤). ٨٠