النص المفهرس

صفحات 41-60

تقديم الكتاب وتعريف بالمؤلف
الشهر، وكلهم ضيوفه، فأثر كل ذلك في صحته، وفي بصره، وهو صابر
محتسب، دائب مستمر، لا يتوانى ولا يكل، ولا يسأم ولا يمل، وسافر
للحج للمرة الثالثة بطلب من ابن عمه الحبيب، الشيخ محمد يوسف، وإلحاح
منه سنة ١٣٨٣ هـ، وللمرة الرابعة مع الشيخ إنعام الحسن أمير جماعة التبليغ
وختنه العزيز سنة ١٣٨٦هـ، وكان إقبال الناس عليه عظيماً في كلتا الرحلتين،
خصوصاً في باكستان، فكان الناس يفدون لزيارته من أنحاء بعيدة، وينتهزون
فرصة مروره بهذه البلاد فينتفعون بصحبته ودعائه.
وسافر على جناح الشوق والحنين المرة الخامسة إلى الحجاز في صفر
١٣٨٩ هـ وكأنه مدفوع إلى ذلك لا يملك صبراً ولا قراراً، وقد نذر صوم
شهرين متتابعين شكراً على هذه النعمة. وملازمة للوضوء إلا للاضطرار، وقد
أسعد الله كاتب هذه السطور بمرافقته في هذه الرحلة، فرأى من علو همته
وقوة إرادته، وشدة أدبه مع الرسول وَ﴾، وشدة حبه له، وشوقه إليه، ومن
علو استعداده ومداركه، وما أكرمه الله به في هذه المدة من القرب
والاختصاص، ما جدد ذكرى الأقدمين، وصدق ما جاء في كتب أخبار
السلف الصالحين .
فكان يجلس تجاه أقدام أفضل الرسل ساعات متواليات، مشغولاً
مراقباً، رغم ضعفه وكبر سنّه وعلله الكثيرة، لا يفتر ولا يشبع من ذلك،
وكان يتمنى البقاء في هذه البقعة المباركة، وفي هذا الجوار الكريم حتى
يفارق الدنيا ويلحق بربه، ويعز عليه حديث العودة، إلا أن دعوات المسلمين
وما يعانونه في هذه البلاد من مشاكل ومسائل، تطلب بقاءه بجوارهم، وما
تعانيه المدارس الدينية من أزمات ومعضلات، وما تحتاج إليه في الهند
جماعة التبليغ من إرشاد وتوجيه، وإشراف ومراقبة، اضطرته إلى العودة، فعاد
بسلامة الله في شهر ذي القعدة ١٣٨٩هـ، ومَرَّ في طريقه من باكستان، فتهافت
عليه الناس تهافت الفَراش على النور، والتقُّوا حوله في كل مكان كان ينزل
فيه. وظهر من إقبال الناس عليه وحبهم له، ما لم يسمع من زمن بعيد.
٤١

تقديم الكتاب وتعريف بالمؤلف
بارك الله في حياته ونفع بعلومه وأنفاسه، ومتّع به الإِسلام والمسلمين
وأبقاه ذخراً للعلم والدين(١).
وهذه مقدمة ((أوجز المسالك)) نتشرف بتقديمها، ونقدم هذه المقدمة إلى
القُرّاء، ونُتْحف العلماء وطلبة هذا الفن، بما جاء فيها من علم جمٍّ، ومادة
غزيرة، ومعلومات مفيدة قد تشتت في بطون الأسفار، وكتب التاريخ
والأخبار. حتى أصبحت بذلك موسوعة صغيرة فيما يتصل بكتاب ((الموطأ))
ومؤلفه العظيم، هذا إلى ما جاء فيها مما يختص بالهند، وأخبار كبار
الأساتذة والمحدثين فيها، وشيوخ المؤلف، وما جاء فيها من أصول وقواعد،
ودرر وفرائد. ونسأل الله أن ينفعنا والمسلمين بها .
أَبُواْلِحَسَن عَلِىٌّ الحَسَنِيِّ النَّدْوِيِّ
دَارُ الْعُلُؤْمِ نَذْوَةُ الْعُلَمَاءِ لكُهُنُؤْر الهِنَّد)
يَوم الجمعَة ٢٢ شوال ١٣٨٩ هـ .
(١) وقد تشرف عدة مرات بالحج والزيارة. وأخيراً غلبت عليه جاذبية الحجاز والشوق إلى
الإِقامة بالمدينة المنورة فآثر الإقامة بها، وانتقل إلى جوار رحمة الله تعالى يوم الاثنين
غرة شعبان المعظم (١٤٠٢ هـ)، الموافق (١٩٨٢/٥/٢٤م)، ودفن بالبقيع بجوار
رسول الله ◌َّ، وبلغ عدد مؤلفاته أكثر من مائة وخمسين مؤلفاً، منها المطبوع، ومنها
المخطوط، انظر ترجمته: في كتاب ((تذكرة حياته)) لسماحة الشيخ أبي الحسن الندوي،
والعدد الخاص لمجلة الفرقان والمجلة الأحمدية العدد السابع - ٢٠٠١م الصادرة من
دبي بعنوان («الإمام المحدث محمد زكريا الكاندهلوي وآثاره في علم الحديث)) لولدي
العزيز الدكتور ولي الدين الندوي والله الموفق.
٤٢

صور المخطوطات
قَالِ الشََّى اللّهُ صَلَُّ
الاأخبركم عن الاحود الاجود الله وانا الجود والدادم واجوهم من بعد د حل على طمّاً
فنشر على يبعثامت وحلّ- ومتثلا الحديث المذكور أراد شائه الشديد العلمية
مظاهر علوم بها رنفور نشر الاحاديث وشروحها د من جملتها
دـ
أوعجز الشام
عـ
مُوطَالِكْا
من تأليف: محمد العلوم الحافظابن يحيى العلامة الحليج مولاما محمدكها
رشيز الحديث، بالمدرسة العاليفي الشهيرة بمظاهر العلوم (متها نغوم
وقد اعتو بطبعه العبد الضعيف الراجى رحمةربه القرى المنين (المدى) يُصَيْرُ الدُّ
نَظُ
AyEn
صورة الغلاف من الصفحة الهندية
٤٣

صور المخطوطات
مقد متهاوي المسَالك
بسم الله الرحمن الرحيم
تغمرك يا من شرحت مد ورنا كشف أقوالهات الخلائق على تسميمه بليمن. ونشكرك إمن أبديت أقلامنا
بإيضات او فى السائين وسيلة وتزيره نقل بدعم على امام الم وطيحر مك الأكلة للقرى والمصار. والقائمة على ٨٠ ١)
من الاماكن فى الدور والاعتماد: من أفع الكالا قاليم الدينو فكان قاب قوسين اوادنى: وضربت الاسرادقات معدنية
على أكبادالإبل من صعيد المشارق وآناتى المغرب الآمى الم معالم البدى فاستضاء بمدونة اللمسة والفقهاء الكرام:
دالى أن كاب مجز من تحت أديم السماء من حفاظ السفن وأصحابالآمالى العظام :: على آله وصحبه رواة أثاره
والاخباره وشرات بدية: بداه التشييد فالاشذكاء: بما المجتهدين تم أعلى الدين عن الشريا المضنية العلماءي وعلى
أيسم إلى يوم القيامة الحلين بقلوب مصفاة بين السادة العلماء.
وبعد فيقول المجروح بسام البعد والجران. الغرتي فى جاء العجز والعصيان ، عليل بالمسلكات من الأدوار الباطنة-
والمقيم الموبقات من الاختلاف والعوائد الفاضحة الفقير إلى رحمة ربايمى العميل: عبده ذكر ابن يحي بن العميل = المالح
على بعض إخوانى وخلص خلافى ان القى ل على مؤطاء الهام بالك بن الشيء إلا فى شى الله تعالى عنه وارضاء الخنصر
يشفى العليل ويروى خليل فان مع كثرة مزاولة فى الاقطار وشيوت مارسة فى القرى والمصار شريالانتها إلى مل
مغلقات وكشف عضلاته. لان اتصل بن شرة صبعن مقاساة التعب الشديدا مامهجة مخل أو مطرب حمل. وحيث
الى لم اكن من فرسان بها الميدان ولا من باقى الغايات فى مجارى العسلوم والبيان طويت المشغ عن الخومن فى
إذا أبحر الزقاء. ومرت اوافق عيسى لعمل آناء الميل واللاف التاءفكانما اخرى لى فى جماعة من الاجابة المزدجم
اعتذارى الالى الاسراء والاعتساف فاختلت اليم بإسماء ذ ليجود فى شرح سنن الامام إلى داؤد نسكتوا نبذة
من الزيان. واسترتت من اسراريم إلى الن قرب فقتمامه ومان وفاك فى ادائل سنة خمس اليبين بعد الف وثمان
من بجرة اكل ولد عدنان عليه على آله وصحية تصل سلوات الملك الديان. فلما رانيت الى لن احمد بدا من اسوان أمرهم
والحرام وكريست النالمنزل عن خدمة كلام سيدالأنام التّزت الشر تعالى فى ذلك رأيت أنه بو المرضى والمرادالست
الن السعادة الطبية تجذني إلى خدمة كلام خير العباد. وكانت تلك فيتى من تقديم الايام وسالف لزبان نشمرت عن ساعد
الجدد شرعت فى ذلك وماء ان تكون الاوقات المشرفة في كفارة البقية الساعات التي يغنى أكثر إلى اكتتاب المعامى
صورة الصفحة الأولى من مقدمة الطبعة الهندية
٤٤

صور المخطوطات
أوجز المسالك
الى
موظًّ امَا مَبالك
بِسمِ اللهِ الرِّنِّ الرّحيم
بأب وقوت الصَّلَوة
بسم الله الرحمن الرحيم بدأ المصنف من كتاب بالتسمية مقتصرا ليبا كما بوعادة أكثر المحدثين بدون كتابة الحمد والشهادة من وراء
الروايات في المازليس لهامد نها التقيد بالكتابة مع الى الرديات من المقال على قواعد المحدثين وعلى أمتار نزول القرآن العادل ، نزل
الزاد مايا كتب النبى صلى اله عليه ولم إلى الملوك الركنته على الشه عليه وسلم فى القفايا دمن العلوم الن كتفي الحديث كلها بجميع لقضا ياه
سل الشه عليه سلم فى العبادات والمعاطات وغيرها وكن الاختقارئ إن برا تأليف لم كين مو المصنف لهامرذى بال كمامج
شؤعند شائخ العدى فى امثال فذ المحل باب وقوتت الصلوة الوقوت بنى كثرة لوقت كبد وبدور والكذافى أكثر الروايات وفى
ومات ين بكيراوقات العملرة بن القلة ويح ذوالزيارة إلى اساءة خمسة فى النسبة كمع الغلة ووجه الاولى بابها لتكري بوكل يوم زات
بمنزلة المشيراءلا نها بإعتبار ال الفرضية والج فسون او بإن كل وقت ئيل ثان - أوقات وخفته الحجاب جهاز وتفعله الايقالل نشاراسمال
المداومين كل أفراديقال عن الفرق بين العين فى الغاية رون المبدأ من بعض فقين والصلوة ميقها فى قولك الهوانالبنى المتعة
ولذا سميت بها صلاة الجنازة تع انه ليس فيهاركوع والسجود ويل من السكون، وبماعرقان فى الراف يخيان فى الصلاة على ذلك من المجرد
وغيره. قال الباقى وقدم بذالها ب على سائر الابالكتاب ان السطوة ام العبادات والوقت اسل فى وجوب الحلوة غازلوخل الوقت ويت
الصلوة يجيب الن سور وغيرهم الاختلاف فيم فى النسيب الوجه بايع الوقت كما قال به أكثر المالكية عادل كما قال الشافعية × آخر!
مسائل السول فارجع التي تم نى لا ان تقدم شيئً من اختلاف العلماء فى تحديدمو البيت الصلوة ليفي بصيرة على الرايات الآتية
فى البهاراتقول وبالله التوفيق ان العلماء الفقوا على ان ابتداء وقت الظهر من الزوال ولاخلاف فى ذلكلمن يقدر قال الزرقانى
خال ستفرض الإجماع الكان فيه خلاف قديم من بين الصحابة أنه جوزالخبرات الزوال أسهل تحدد اخت مثله فى الجمعة أبىاء كذا نقل عل الا جماع
ابن بطالجرا ما من المغنى والم ضاروتت النظبر تقال الك طائفتان يدخل وقت العصر بعد فلاشى ملك الخزرج وقت الظهران الرابقى
بعد ذلك تداريع وكمات صالح منظر العمر الحلوة على سلام فى اليوم التأنى بين مساء على كل شئ مثله وتدسل مصر فى اليوم الاول
فى ذلك الوقت وقال الجهول أشتراك ولا فاصلة فنادقالك فن الشافعية واد وبالفاصلة فيها ولى فى سلة دروبراية سلم مرف عادات
صورة بداية الكتاب
٤٥

.

المقدمة
المُقَدِّمَةُ
مقدمةٌ علميةٌ ضافيةٌ في عُلومِ الحَديثِ وتاريخ الجَمْعِ والتذْوِين، وما
يَتَّصِلُ بالكتابِ ومؤَلِّفِهِ من مَعْلُومَاتٍ وفَوائِدَ، وما تهَمُّ معرِفَتُه مِن أَخْوالِهِما
وأَخْبارِهِما، واعْتِنَاء الأمةِ بِهِمَا، ومعلوماتٍ قَيَّمَةٍ عن اعْتِنَاءِ عُلَماءِ الهِنْدِ بهذا
الفنّ الشّريفِ والكِتَابِ الجَلِيلِ وأَسَانيدِ الحَدِيثِ في الهِنْدِ وشيوخِهَا الكِبَار.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
نحمدك يا من شرحت صدورنا بكشف ما تواطأت الخلائق على
تصحيحه وتسليمه، ونشكرك يا من أجريت أقلامنا بإيضاح ما وطئ للمسلمين
بتسهيله وتنويره. ونصلّي ونسلّم على إمام أئمة دار هجرتك، الآكلة للقرى
والأمصار، والفائقة على ما سواها من الأماكن في الدهور والأعصار، من
أصبح مالكاً لأقاليم الدنو، فكان قاب قوسين أو أدنى، وضربت إلى
سرادقات مدينة علمه أكباد الإبل، من صعيد المشارق وآفاق المغرب
الأقصى، أثار معالم الهدى، فاستضاء بمدونته الأئمة والفقهاء الكرام، وأتى
بأصح كتاب عجز من تحت أديم السماء من حفاظ السنن وأصحاب الآراء
العظام، وعلى آله وصحبه رواة آثاره والأخبار، وشراح هديه وهداه بالتمهيد
فالاستذكار، سيما المجتهدين منهم نائلي الدين عن الثريا المضيئة العليا،
وعلى تابعيهم إلى يوم القيامة المُحَلّيْن بقلوب مصفاة بين السادة العلماء.
وبعد، فيقول المجروح بسهام البعد والهجران، الغريق في بحار العجز
والعصيان، العليل بالمهلكات من الأدواء الباطنة، والسقيم بالموبقات من
الأخلاق والعوائد الفاضحة، الفقير إلى رحمة ربه المحيي الجليل، عبده
زكريا بن يحيى بن إسماعيل: إنه طالما ألحّ عليَّ بعض إخواني وخُلَّصُ
٤٧

المقدمة
خُلَّني أن أُعلق له على موطأ الإمام مالك بن أنس الأصبحي رضي الله تعالى
عنه وأرضاه، بمختصر يشفي العليل ويروي الغليل؛ فإنه مع كثرة مزاولته في
الأقطار، وشيوع مدارسته في القرى والأمصار، شديد الافتقار إلى حل
مغلقاته وكشف معضلاته؛ لأن ما يتحصل من شروحه بعد مقاساة التعب
الشديد، إما موجز مخل أو مطنب ممل.
وحيث إنّي لم أكن من فرسان هذا الميدان ولا من سباق الغايات في
مجاري العلوم والبيان، طويت الكشح عن الخوض في هذا البحر الزخّار،
وصرتُ أدافعه بعسى ولعل آناء الليل وأطراف النهار، فكأنما أغري بي في
جماعة من الأحباب، ولم يزدهم اعتذاري إلا في الإصرار والاعتساف،
فاحتلت إليهم باستملاء ((بذل المجهود في شرح سنن الإمام أبي داود)»،
فسكتوا نُبْذةً من الزمان، واسترحت من إصرارهم إلى أن قَرُبَ اختتامه وحان،
وذاك في أوائل سنة خمس وأربعين بعد ألف وثلاثمائة من هجرة أكمل ولد
عدنان، عليه وعلى آله وصحبه أفضل صلوات الملك الديّان.
فلما رأيت أني لن أجد بدّاً من إسعاف مأمولهم والمرام، وكرهت أن
أعتزل عن خدمة كلام سيد الأنام، استخرت الله تعالى في ذلك، ورأيت أنه
هو المرضي والمراد، وعلمت أن السعادة الإلهية تجذبني إلى خدمة كلام خير
العباد. وكانت تلك بغيتي من قديم الأيام وسالف الزمان، فشمّرتُ عن ساعد
الجد، وشرعت في ذلك، رجاء أن تكون الأوقات المصروفة فيه كفارة لبقية
الساعات التي يفنى أكثرها في اكتساب المعاصي والسيئات.
فبدأت بتسويده راجياً لبركات الزمان والمكان، أعني أول الربيعين من
السنة المذكورة بالمدينة المنورة - زادها الله شرفاً وفضلاً - فحيث ما كنت
أتفرغ من تسطير ((بذل المجهود)) أشتغل بتلك الأوراق، إلى أن وفق الله تعالى
الاختتام ((البذل)) في الحادي والعشرين من شعبان المعظم في السنة المذكورة،
فصرفت جهدي إلى هذا التسويد. فبفضل الله تعالى وبركة المقام المنيف - يا
لها من البركات الظاهرة والباطنة - وصلت إلى باب جامع الصلاة في
٤٨

المقدمة
الخامس عشر من ذي القعدة في أقل من ثلاثة أشهر، فجذبتني جاذبة الهند
إليها، حتى أتيت الوطن في أول السنة السادسة والأربعين. فبلغ المكتوب من
سيدي ومولاي ومرشدي العلامة الأوحد الأمجد، حضرة الشيخ خليل أحمد،
المتضمن بأمر التحرير على ((جامع الترمذي)). فالله يعلم أني ارتعدت بهذا
الأمر الفخيم. فكتبت الاعتذار إلى حضرة الشيخ مراراً، وألححت عليه
باستقالة الأمر، لكنه - رحمه الله - لم يقبل لي عذراً وحكم عليّ بالامتثال
جبراً. ووعدني بالإعانة فيما أحتاج إليه في ذلك. فاستدعيت منه صرف الأمر
إلى التحرير على ((شرح معاني الآثار)) للطحاوي فإنه أحوج عندي من ((جامع
الترمذي)»(١) إلى توضيح المشكلات وكشف المغلقات، ولا يوجد له شرح ولا
حاشية في أقطار العالم، حتى توهم أنه لم يشتغل بخدمته أحد من أهل
العلم .
وكثيراً ما كان يختلج في قلبي من أوان طلب العلم أن أوجه إليه أحداً
من أهل الفضل، فدعوت إلى ذلك كثيراً ممن لقيته من أهل الكمال(٢)، ولكن
قلة الفراغ عاقتهم عن الالتفات إلى بغيتي، فاستأذنت حضرة الشيخ المومأ إليه
بالخوض في لحج هذا البحر العميق، فلم يسعفني بالمرام، وأمر بتقديم
الترمذي؛ لكثرة مزاولته في الأقطار، وشيوعه في نصاب جميع الأمصار. فلم
يبق لي مجال عن الامتثال. وكدت أن أقتحم في تحريره معتمداً على إمداده
وتدبيره، إذ جاءنا النعي بوصاله، وأظلم علينا العالم بوفاته. فإنا لله وإنا إليه
راجعون، رضي الله عنه وأرضاه.
(١) وقد طبع ((الكوكب الدري على جامع الترمذي)) في أربع مجلدات، وهو من أمالي الإمام
الرباني المحدث الكبير الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي وعليها تعليقات بسيطة بديعة
لشيخنا العلامة محمد زكريا الكاندهلوي.
(٢) أخيراً توجه إلى شرح هذا الكتاب الداعية الشيخ محمد يوسف الكاندهلوي المتوفى سنة
(١٣٨٤ هـ)، لكنه انتقل إلى رحمة الله قبل إتمام هذا الشرح، وطبع منه في أربع مجلدات
كبار طباعة حجرية في الهند، وأسماه ((أماني الأحبار في شرح معاني الآثار)).
٤٩

المقدمة
فاستخرت الله تعالى برهة من الزمان، في أن أقدِّم امتثال الأمر
السامي، أو أتمم ما شرعته من قبله. واستشرت في ذلك مشايخي الكرام،
سيما الشيخ الأجل خليفة حضرة المرشد المومأ إليه، عمي وصنو أبي (١)، دام
مجده وعلا، آمين، فأشار عليّ بتقديم هذا التسويد. فاشتغلت في إتمامه مع
زيادات لطيفة فيما أسلفته، وأستغفر الله تعالى عن التقصير في امتثال أمر
وليه، وأدعوه، سبحانه وتقدس، أن يوفقني لإتمام مأموره حتى لا أتخجل يوم
القيامة عن القيام بحضوره.
هذا، وقد انقضى عامان في هذه اللُّتَيًّا والَّتي، وازدادت أشواق أناس
اطلعوا على بدايته، فلم يمهلوني إلى تكميله، وأصرُّوا علي بإحضار ما استتب
منه، ظناً منهم أن اشتغالي في التدريس ((بمظاهر العلوم)) في سهارنفور يعوقني
عن التعجيل في تكميله. ولا يسعني الإنكار منه فإنه مشاهد؛ لأن جملة ما
سوّدته في ثلاثة أشهر لم أقدر على تبييضه سنتين. وقالوا أيضاً: إن الطلبة
أُولُو فقر مدقع، وذوو احتياج مفظع، يصعب عليهم شراء مجلداتهم جملة
واحدة، ويتيسر تحصيل أجزائها متفرقة، فقصدت تفريق هذا التعليق الوجيز
في عدة أجزاءٍ صغارٍ .
هذا ﴿وَمَّ أُبَرُِّ نَفْسِىَّ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوْءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِيْ إِنَّ رَبِ غَفُورٌ
زَّحِيمٌ﴾(٢) ومولاي ومعبودي ودود كريم. وقدمت على المقصود مقدمة متضمنة
على إفادات عديدة، لا بد من النظر عليها لطلبة الحديث، تحتوي على سبعة
أبواب :
أولها: فيما يتعلق بالعلم الشريف.
والثاني: فيما يختص بالكتاب المنيف.
(١) هو الداعي إلى الله الشيخ محمد إلياس الكانوهلوي مؤسس ((جماعة التبليغ)) المتوفى سنة
١٣٦٣ هـ.
(٢) سورة يوسف: الآية ٥٣.
٥٠

المقدمة
والثالث: في هذا التعليق الوجيز.
والرابع: في ذكر سراج الأمة الإمام الأعظم، رضي الله عنه وأرضاه.
والخامس: في توضيح ألفاظٍ كثر استعمالها .
والسادس: في فوائد متفرقة.
والسابع: في عدة أصول مفيدة.
وتحت كل باب فوائد كثيرة. وأسأل الله، تبارك وتعالى، توفيق العمل
على مرضياته، والتجنب عن منهياته، فإنه على كل شيء قدير، وبالإجابة
جدير. وهو حسبي وربي، نعم الوكيل.
٥١

الباب الأول: فيما يتعلق بالفن الشريف والعلم المنيف
الباب الأول
فيما يتعلق بالفن الشريف والعلم المنيف
وكان هذا الباب بمنزلة مقدمة العلم، وهو موزَّع على عدة فوائد
الفائدة الأولى
في تعريف العلم
اعلم أن علم الحديث لما كان في قديم الزمان حاوياً لرواية الحديث
ودرايته، مع التنقيح في رُواته ودرجاته، اختلط كلام المشايخ في حدِّه، فحدَّه
بعضهم بما يصدق على أصول الحديث، وعرّفه بعضهم بما يصدق على
درايته، حتى حدَّه الزرقاني في ((شرح البيقونية)): إن علم الحديث علمٌ
بقوانين، أي: قواعد يعرف بها أحوالُ السند والمتن، من صحة وحسن، إلى
آخر ما قاله، وأنت خبيرٌ بأنه تعريف لمصطلح الحديث المسمَّى بأصول
الحديث، وكذلك ما قاله السيوطي في ((ألفيته)) (١):
علمُ الحديثِ ذُو قَوانينَ تُحَدُّ يُدْرَى بِهَا أحوالٌ متنٍ وَسَنَدِ
وغير ذلك من حدود المشايخ كلها حدٌّ لنوع خاص من علم الحديث.
فعلم الحديث بإطلاقه عام كلي يتضمن جملة من الأنواع، والذي نحن
في صدده يسمَّى بعلم رواية الحديث، وحدّه على ما قاله العيني في ((شرح
البخاري))(٢): علم يعرف به أقوال رسول الله وَلهر وأفعاله وأحواله. وفي ((فتح
الباقي شرح ألفية العراقي))(٣): الحديث - ويرادفه الخبر على الصحيح - ما
(١) ((ألفية السيوطي)) (ص٤).
(٢) ((عمدة القاري)) (١١/١/١).
(٣) ((فتح الباقي)) (٧/١).
٥٣

الباب الأول: فيما يتعلق بالفن الشريف والعلم المنيف
أضيف إلى النبي وَالز، قيل: أو إلى صحابي أو إلى من دونه قولاً أو فعلاً أو
تقريراً أو صفةً، ويُعبّر عن هذا بعلم الحديث، ويحد بأنه علم يشتمل على
نقل ذلك، وقال الأجهوري في حاشيته على ((شرح البيقونية)): وعلم الحديث
أي رواية، قال شيخ الإسلام: والحديث - ويرادفه الخبر على الصحيح - ما
أضيف إلى النبي ◌َلّر قيل: أو إلى صحابي أو إلى من دونه قولاً أو فعلاً أو
تقريراً أو صفة، ويُعبَّر عن هذا بعلم الحديث رواية، ويُحدُّ بأنه علمٌ يشتمل
على نقل ذلك.
وقال مولانا الشيخ محمد أعلى التهانوي في ((كشاف اصطلاحات
الفنون)»: ومنها علم الحديث، ويسمى بعلم الرواية والأخبار والآثار أيضاً
على ما في ((مجمع السلوك)) حيث قال: ويسمى جملة علم الرواية والأخبار
والآثار علم الحديث، فعلى هذا علم الحديث يشمل علم الآثار أيضاً،
بخلاف ما قيل: إنه لا يشمله، والظاهر أن هذا مبني على عدم إطلاق
الحديث على أقوال الصحابة وأفعالهم على ما عرف، وعلم الحديث علم
تعرف به أقوال رسول الله و # أو أفعاله، ثم بسط الكلام على شرح الأقوال
والأفعال.
وفي ((التدريب))(١): قال ابن الأكفاني في كتاب ((إرشاد القاصد)) الذي
تكلم فيه على أنواع العلوم: علم الحديث الخاص بالرواية علم يشتمل على
أقوال النبي وَ ◌ّر وأفعاله وروايتها وضبطها وتحرير ألفاظها. وقال الكرماني في
(شرح البخاري)): إن حدَّه هو علم يعرف به أقوال رسول الله وَّل وأفعاله
وأحواله، قال السيوطي: هذا الحدُّ مع شموله لعلم الاستنباط غير محرر،
انتھی .
قلت: والأوجه عندي في حد علم رواية الحديث، علم يبحث فيه عن
أقوال النبي وَّر وأفعاله وأحواله من حيث كيفية السند اتصالاً وانقطاعاً وغير
ذلك .
(١) ((تدريب الراوي)) (٤٠/١).
٥٤

الباب الأول: فيما يتعلق بالفن الشريف والعلم المنيف
وَلَه قولاً وفعلاً
ثم ظهر لي أن الأوجه في حده: علمٌ يعرف به أحواله
وتقريراً وصفة.
ولا يُشْكَلُ أنه يخرج من الحد الآثار؛ لأنها داخلة في أحواله بَلّ تبعاً،
وللتبعية يتعرض لها .
الفائدة الثانية
في موضوعه
قال الكرماني: وموضوعه ذات الرسول 18 من حيث إنه رسول الله.
وقال السيوطي: ولم يزل شيخنا العلامة محيي الدين الكافيجي يتعجب من
قوله: إن موضوع علم الحديث ذات الرسول، ويقول: هذا موضوع الطب لا
موضوع الحديث، وأنا أتعجب من الكافيجي كيف التبس عليه ذلك بالطب،
فإن ذاته ولو من حيث إنه نبي أو رسول الله لا مدخل للطب في ذلك، نعم
لو تعجب من أن هذا موضوع لمطلق علم الحديث الجامع لأنواعه كان
وجيهاً، أما المخصوص بعلم الرواية، فيكون موضوعه أيضاً مخصوصاً،
فقيل: موضوعه ذات النبي وَلّ من حيث أقواله وأفعاله وتقريراته وأوصافه،
كذا في ((لُقَط الدُّرَر)).
والأوجه عندي أن موضوعه المرويات والروايات من حيث الاتصال
والانقطاع، وأما ذاته الشريفة 18 فموضوع لمطلق علم الحديث دون النوع
الخاصِّ منه، وهو علم رواية الحديث.
الفائدة الثالثة
في شرافة ذاك العلم وأهله والثناء عليهما
ويتضمن غرض الخوض في ذاك العلم وغايته، وهو أكثر من أن
يحصى، فكفى لشرافته كرامةً قائلُه فإنه صاحب لولاك، الباعثُ لخلق
الموجودات، إحصاءُ مدائحه خارجٌ عن الطاقة البشرية، وإظهارُ محامده تعجز
عنه القدرة الإنسية، ولو أوتي بلاغة قُدامة.
٥٥

الباب الأول: فيما يتعلق بالفن الشريف والعلم المنيف
قال سفيان الثوري: لا أعلم علماً أفضل من علم الحديث لمن أراد به
وجه الله تعالى، إن الناس يحتاجون إليه حتى في طعامهم وشرابهم، فهو
أفضل من التطوع بالصلاة والصيام، وعن ابن مسعود(١) - رضي الله عنه -
قال: قال رسول الله وَله: ((نضَّر الله امرءاً سمع مقالتي فحفظها ووعاها
وأدّاها، فرب حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه))، وعن أبي سعيد الخدري(٢)
- رضي الله عنه - عن النبي ◌ّل أنه قال في حجة الوداع: ((نضّر الله امرءاً
سمع مقالتي فوعاها، فرب حامل فقه ليس بفقيه))، وروي ذلك عن جماعة من
الصحابة كما بسط في محله.
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله ◌َّل: ((اللّهم
ارحم خلفائي، قلنا: ومن خلفاؤك يا رسول الله؟ قال: الذين يروون أحاديثي
ويُعلِّمونها الناس))، كذا في ((القسطلاني))(٣). ولا ريب أن أداء السنن إلى
المسلمين نصيحة لهم من وظائف الأنبياء - صلوات الله عليهم أجمعين - فمن
قام بذلك كأنه خليفة لمن يبلّغ عنه، وكما لا يليق بالأنبياء عليهم السلام أن
يهملوا أعاديهم ولا ينصحوهم كذلك لا يحسن لطالب الحديث وناقل السنن
أن يمنحها صديقه ويمنعها عدوّه، فعلى العالم بالسنة أن يجعل أكبر همه نشر
الحديث، فقد أمر النبي ◌َّه بالتبليغ عنه ولو آيةً.
وقال إمام دار الهجرة مالك بن أنس صاحب الكتاب: بلغني أن العلماء
يُسألون يوم القيامة عن تبليغهم العلم كما تُسأل الأنبياء عليهم الصلاة
والسلام، وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله وَل: ((إن
أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة»، قال ابن حبان في
((صحيحه) (٤): في هذا الحديث بيان صحيح على أن أولى الناس برسول الله وَله
(١) أخرجه الترمذي في كتاب العلم (٢٦٥٦).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٣٠٥٥).
(٣) انظر: ((إرشاد الساري)) (١٢/١).
(٤) (١٩٢/٣ الحديث ٩١١).
٥٦

الباب الأول: فيما يتعلق بالفن الشريف والعلم المنيف
أصحاب الحديث؛ إذ ليس في هذه الأمة قوم أكثر صلاة عليه منهم، وقال
أبو نعيم: هذه منقبة شريفة يختص بها رواة الآثار ونقلتها؛ لأنه لا يُعرف
لعصابة من العلماء من الصلاة على رسول الله # أكثر ما يُعرف لهذه
العصابة نسخاً وذكراً.
وقال أبو اليمن بن عساكر: لِيَهْنِ أهل الحديث - كثَّرهم الله تعالى -
هذه البشرى، فقد أتم الله تعالى نعمه عليهم بهذه الفضيلة الكبرى، وقال
النبي ◌َّ﴾: ((ألا أخبركم عن الأجود؟ الأجود الله، وأنا أجود ولد آدم،
وأجودهم من بعدي رجل عَلِمَ علماً فنشر علمه يبعث أمة وحده)) رواه الترمذي
وأبو يعلى والطبراني، وقال ◌َله: ((إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته
بعد موته علماً ينشره)) الحديث(١)، رواه ابن ماجه مطولاً، قال السيوطي في
((التدريب)): وكيف لا يكون علم الحديث شريفاً؛ وهو الوصلة إلى
رسول الله وَّل﴾، والباحث عن تصحيح أقواله وأفعاله، والذابُ عن أن ينسب
إليه ما لم يقله، وسائر العلوم الشرعية محتاجة إليه، أما الفقه فواضحٌ، وأما
التفسير فلأن أولى ما فسّر به كلامه، تبارك وتعالى، ما ثبت عن نبيه :
صَلى الله
وأصحابه - رضي الله عنهم -.
ولقد أجاد أبو بكر حميد القرطبي في قصيدته (٢) التي أنشأها في ثناء
الحديث وأهله فقال:
واحْدُ الرِّكابَ له نحو الرضا النَّدُس (٤)
نور الحديث مبيّن فَادْنُ واقتَرِبْ(٣)
أعلامُه برُباها يا ابنَ أَندَلْسٍ
واطلبه بالصين فَهْوَ العلم إنْ رُفِعَتْ
عمراً يفوتُك بين اللحظ والنفسٍ
فلا تُضِع في سوى تقييد شارده
(١) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١٣/٩)، وأورده ابن حجر في ((المطالب العالية))
(٣٠٧٧).
(٢) انظر: ((إرشاد الساري)) (١٤/١، ١٥).
(٣) في نسخة اقتبس.
(٤) قال في ((المعجم الوسيط)): النَّدُسُ: الذي يخالط الناس دون أن يثقل عليهم.
٥٧

الباب الأول: فيما يتعلق بالفن الشريف والعلم المنيف
وخَلِّ سمعَك عن بلوى أخي جَدَل
ما(١) إن سَمَت(٢) بأبي بكر ولا عمرٍ
إلا هَوَىّ وخصوماتٌ ملفَّقة
فلا يغُرَّنْك من أربابها نَدَرٌّ(٣)
أعِرْهُمُ (٤) أُذُناً صُمّاً إذا نطقوا
ما العلم إلا كتابُ الله أو أثرٌ
نورٌ لمقتبسٍ خيرٌ لملتمس
فاعكُفْ ببابهما على طِلابِهما
ورِدْ(٧) بقلبك عذباً من حياضهما
واقْفُ النبيَّ وأتباعَ النبيِّ وكُنْ
والزم مجالسَهُمْ واحفظ مُجَالِسَهُم
واسلُكْ طريقَهُمُ واتبع فريقهمُ
تلك السعادةُ، إن تُلْمِمْ بساحتها
شغل اللبيب بها ضربٌ من الهوسِ
ولا أتت عن أبي هِرٍّ ولا أَنَسٍ
ليست برطْبٍ إذا عُدَّت ولا يَبَسٍ
أجدى - وَجدِّك منها - نَغْمَةُ الجَرَسِ
وكن إذا سألوا تُعْزَى(٥) إلى خَرَسٍ
يجلو بنور هداه كُلَّ مُلْتَمَسٍ
حِمىٍ لمحترسٍ نُعْمَى لمُبْتَئِسٍ(٦)
تمحو العمى بهما عن كل ملتمِسٍ
تَغْسِلْ بماء الهَدْي ما فيه من دَنَسٍ
من هديهمْ أبداً تدنو إلى قَبَسٍ
واندُبْ مدارسهم بالأربُعِ الدُّرُسِ
تكن رفيقهمُ في حضرة القُدُسِ
فحُظَّ رَحْلك قد عوفيتِ من تَعَسٍ
ولا يذهب عليك أن بعض من لا خبرة له بالعلم احترزوا بأمثال هذا
الكلام عن الفقه وغيره، وهذا من قلة علومهم وقصر عقولهم، فوالله ليس
الفقه إلا هو ثمرة الحديث ودراية الحديث وليس بأنف، وقد قال النبي ◌َلآر:
((نضَّر الله عبداً سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأدَّاها، فرب حامل فقه غير
(١) نافية.
(٢) عَلَتْ.
(٣) في نسخة هذر.
(٤) أمر من العارية.
(٥) تنسب .
(٦) فقير.
(٧). بالكسر أمر من الورود.
٥٨

الباب الأول: فيما يتعلق بالفن الشريف والعلم المنيف
فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)) الحديث(١)، فجعل صاحب
الشريعة، عليه ألف ألف تحية، حامل الحديث حامل فقه.
وقال الحافظ في ((الفتح))(٢): قوله عز وجل: ﴿رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾، المراد
به العلم الشرعي، الذي يفيد معرفة ما يجب على المكلف من أمر دينه في
عباداته ومعاملاته والعلم بالله وصفاته، وما يجب له من القيام بأمره وتنزيهه
عن النقائص، ومدار ذلك على التفسير والحديث والفقه.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنه - أن رسول الله وَل
قال: ((العلم ثلاثة: آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة، وما سوى
ذلك فهو فضل))(٣).
قال القسطلاني(٤): التعريف في ((العلم)) للعهد وهو ما علم من الشارع،
وهو العلم النافع في الدين، وحينئذ العلم مطلق، فينبغي تقييده بما يفهم منه
المقصود، فيقال: علم الشريعة معرفة ثلاثة أشياء، والتقسيم حاصر وبيانه أن
قوله: ((آية محكمة)) يشتمل على معرفة كتاب الله، وما يُتوقف عليه معرفته من
العلوم كالنحو واللغة والبيان؛ لأن المحكمة هي التي أحكمت عبارتها بأن
حفظت من الاحتمال والاشتباه فكانت أم الكتاب، فتحمل المتشابهات عليها
وترد إليها، ولا يتم ذلك إلا للماهر الحاذق في علم التفسير والتأويل،
الحاوي لمقدمات يفتقر إليها من الأصلين وأقسام العربية.
وقوله: ((سنة قائمة)) معنى قيامها ثباتها ودوامها بالمحافظة عليها، إما
بحفظ أسانيدها من معرفة أسماء الرجال والجرح والتعديل، ومعرفة الأقسام
من الصحيح والحسن والضعيف المتشعب منه أنواع كثيرة، وما يتصل بها من
(١) انظر: ((جامع بيان العلم)) (ص٤٧) و((مجمع الزوائد)) (١٣٨/١) ..
(٢) ((فتح الباري)) (١/ ١٤١).
(٣) أخرجه ابن ماجه (٥٤) وأبو داود في كتاب الفرائض (٢٨٨٥).
(٤) ((إرشاد الساري)) (١/ ١٤).
٥٩

الباب الأول: فيما يتعلق بالفن الشريف والعلم المنيف
المتممات مما يسمى علم الاصطلاح، وإما أن يكون بحفظ متونها من التغيير
والتبديل بالإتقان وتفهم معانيها واستنباط العلوم منها .
قال السيوطي في ((التدريب)): المُسْنِد - بكسر النون - من يروي الحديث
بإسناده سواء كان عنده علم به أو ليس له إلا مجرد رواية، وأما المحدِّث
فهو أرفع منه، قال الرافعي وغيره: إذا أوصى للعلماء لم يدخل الذين
يسمعون الحديث، ولا علم لهم بطرقه ولا بأسماء الرواة والمتون؛ لأن
السماع المجرد ليس بعلم، وقال التاج بن يونس في ((شرح التعجيز)): إذا
أوصى للمحدّث تناول من علم طرق إثبات الحديث وعدالة رجاله، لأن من
اقتصر على السماع فقط ليس بعالم، وكذا قال السبكي في ((شرح المنهاج)).
قال الزركشي: أما الفقهاء فاسم المحدّث عندهم لا يطلق إلا على من
حفظ سند الحديث، وعلم عدالة رجاله وجرحها دون المقتصر على السماع.
وعن أبي نصر حسين بن عبد الواحد الشيرازي قال: العالم الذي يعرف المتن
والإسناد جميعاً، والفقيه الذي عرف المتن ولا يعرف الإسناد، والحافظ الذي
يعرف الإسناد ولا يعرف المتن. والراوي الذي لا يعرف المتن ولا الإسناد.
وقال الإمام الحافظ أبو شامة: علوم الحديث الآن ثلاثة: أشرفها حفظ متونه
ومعرفة غريبها وفقهها. والثاني: حفظ أسانيده ومعرفة رجالها وتمييز صحيحها
من سقيمها، والثالث: جمعه وكتابته وسماعه.
وقال الأعمش: الحديث الذي يتداوله الفقهاء خير من الحديث الذي
يتداوله الشيوخ. وروي عن الإمام مالك - رضي الله عنه -: لا يؤخذ العلم عن
أربعة: عن مبتدع، ولا عن سفيه، ولا عمن يكذب في أحاديث الناس، وإن كان
يصدق في أحاديث النبي ◌َّر، ولا عمن لا يعرف هذا الشأن، قال القاضي عبد
الوهاب: مراده إذا لم يكن ممن يعرف الرجال من الرواة ولا يعرف هل زِيْدَ في
الحديث شيّ أو نقص. ولام إنسان أحمدَ - رضي الله عنه - في حضور مجلس
الشافعي وتركِه مجلس سفيان بن عيينة، فقال له أحمد: اسكت، فإن فاتك حديث
بعلو تجده بنزول ولا يضرك، وإن فاتك عقلُ هذا الفتى أخاف أن لا تجده.
هذا، والنصوص في هذا كثيرة شهيرة في أن الفقه هو زرع الحديث
٦٠