النص المفهرس

صفحات 1-20

أفْ جَن المَالِك
إِلى
موظا مالك
الجُزْءُ الْأَوَلُ
تَأْلِيفُ
الإِمَامِ المُحدِّثُ
محمد ركريًّا الكان هلوي المدني
المتوفى سنة ١٤٠٢ هـ
اعتَنَى بِهِ وَعَلَّقَعَلَيْهِ
الأستاذ الدكتور في الذين الدّوليّ
دار القلم
دمشق

- 1
أوْ بَرُ السَالِك
إلى
موظأ مالك

الطَّبْعَةُ الأوْلِى
مُحَقْقَةٌ وَمُنَقّحَةٌ
١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م
حُقُوقُ اْلْطَبْعِ مُحَفُوظَةٌ لِلْمُحَقِّقِ
مركز الشيخ أبي الحسن الندوي
للبحوث والدراسات الإسلامية
مظفرفور - أعظم جراه يوبي (الهند).
SHEIKH ABUL HASAN NADWI CENTER
For Research & Islamic Studies.
MOZAFFAR PUR, AZAMGARH, U.P. (INDIA).
Tel: 0091 54622 70104
0091 54622 70317
Fax: 0091 54622 70786

مقدمة الطبعة الجديدة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
مُقَدِّمَةُ الطَّبْعَةِ الْجَدِيْدَةِ
سَاحَةِ الشَّيْخِ الْعَلَّامَةِ أَبِي الحَسَنِ عَلَى الْحَسَنِي النَّدْوِيٌّ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد،
وآله، وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان، ودعا بدعوتهم إلى يوم الدين
وبعد :
فإن كتاب (أوجز المسالك إلى موطأ الإمام مالك)) الشيخ المحدثين في
العصر الحديث، وبقية السلف، العلامة الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي
المدني المتوفى في المدينة المنورة، من الكتب المستفيضة في شرح ((الموطأ))
الذي يجدر بأن يعتبر موسوعة في علم الحديث، ومذهب الإمام مالك
- رحمه الله -، ومؤلَفه القيم هذا قد نال اعتراف المشتغلين بعلم الحديث،
والمنخرطين بمسلك المذهب المالكي، وصدرت له عدة طبعات، وهذه هي
الطبعة الجديدة التي تصدر بعد مراجعة من أحد أبرز تلاميذ المؤلف الدكتور
الشيخ تقي الدين الندوي المظاهري أستاذ الحديث في جامعة العين سابقاً .
وقد كانت له مساهمة في تصحيح مؤلفات الشيخ محمد زكريا
الكاندهلوي وشيخه الشيخ خليل أحمد السهار نفوري صاحب «بذل المجهود
في شرح سنن أبي داود)) وقضى فترة طويلة في تربيته، وساعده في طبع
وتصحيح كتب الحديث النبوي الشريف، وكان موضع ثقة لديه، وقد صدرت
بقلمه عدة كتب في علم الحديث وتراجم المحدثين، ونالت قبولاً عاماً،
وشرح كتب الحديث، ونالت كتبه التقدير في أوساط علماء الحديث.
وقد بذل الدكتور الشيخ تقي الدين الندوي جهداً مُضْنياً في تصحيح

مقدمة الطبعة الجديدة
كتاب ((أوجز المسالك)). وقام بالمقارنة بين النسخة الأصلية القديمة والنسخ
الأخرى التي طبعت في مصر وبيروت، وراجع الأصول والمراجع لشرح
الكتاب، وأضاف إلى الكتاب فهارس وهوامش مفيدة، فأصبح الكتاب أنفع
وأسهل لطالبي علم الحديث.
وأسأل الله التوفيق والسداد والقبول، وهو ولي التوفيق.
أَبُوالحَسَن عَلِيِّ الحَسَنِيِّ النَّدْوِيِّ
رَسَيْسُ دَارِالْعُلُومِ - نَدْوَةِ الْعُلَماءِ- لكهنو- الهِنْد
١٩ جمَادَى الْآخِرَة ١٤١٧هـ الموافق ٣٠ أكتوبر ١٩٩٦م
٦

مقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
مقدّمَة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين
محمد وآله وأصحابه أجمعين أما بعد:
فإن كتاب ((أوجز المسالك إلى موطأ مالك)) تأليف أستاذنا الإمام الحافظ
شيخ الحديث والمحدثين العلامة محمد زكريا الكاندهلوي - رحمه الله تعالى -
المتوفى سنة ١٤٠٢ هـ بالمدينة المنورة - على صاحبها ألف ألف صلاة وسلام - هو
شرح جامع للنفائس العلمية والمباحث اللطيفة، والتحقيقات العجيبة لكتاب موطأ
إمام دار الهجرة مالك بن أنس - رحمه الله - فإنه يغني عن مئات الشروح
والحواشي، فكأنه موسوعة ضخمة في علم الحديث النبوي - على صاحبه أفضل
الصلاة والسلام - وعليه مقدمة ضافية فيما يتصل بكتاب ((الموطأ)) ومؤلفه العظيم.
والكتاب يعلن بدون غموض عن سعة علم المؤلف، وصفاء ذهنه،
ورحابة صدره في ذكر الدلائل، والحُجَج، وتحريه للصحة، والدقة في نقل
المذاهب وفهمه العميق، وهو يستوفي شرح أسماء الرجال، وبيان المذاهب
الأربعة، وما عداها من المسائل الخلافية من كتب موثوقة عند أهلها .
وقد طبع هذا الكتاب الجليل أولاً بالهند في ستة مجلدات كبار طباعة
حجرية، ثم أعيدت طباعته في القاهرة، وبيروت في خمسة عشر مجدداً
بالمساهمة الكريمة من حضرة صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان
- حفظه الله تعالى - رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة باهتمام سماحة
الشيخ أحمد عبد العزيز آل مبارك (١) - رحمه الله تعالى - رئيس القضاء
الشرعي بأبوظبي، ثم تكررت طبعاته بالأوفست (تصويراً)، وكان آخر طبعاته
(١) انتقل إلى رحمة الله تعالى يوم الأربعاء ٢ ربيع الأول سنة ١٤٠٩ هـ الموافق ١٩٨٨ م.
٧

مقدمة
طبعة تولّت دار الكتب العلمية - في بيروت - إخراجها سنة ١٤٢٠ هـ ١٩٩٩ م
ووقعت فيها أخطاء وتحريفات زادت على الطبعة السابقة في مصر وبيروت.
ولا بأس بالإشارة إلى بعض الأخطاء والتحريفات والأسقاط في الطبعة
المشهورة في مصر وبيروت، فقد بلغ عددها في المجلد الأول (١٢٥٥)
غلطة، بل هي أكثر من ذلك.
وكذلك طبعة الهند القديمة أيضاً لم تخلُ من التحريفات والأغلاط
المطبعية، ولا شك أنها قليلة جداً نظراً لضخامة الكتاب، فقوّمتها وأتممتها
بقدر الإمكان من المصادر والمراجع، ولا بأس بسرد بعض الأخطاء مما
صححته دون أن أشير إليه في هوامش الكتاب.
فيما يلي نماذج بعض الأخطاء الواقعة في طبعة مصر وبيروت مقارنة مع
طبعة الهند القديمة المعتمدة.
الخطأ (طبعة مصر وبيروت)
ص
س
الصواب (طبعة الهند)
ص
س
اتصالا وانقطاعا
٦
٢٠
اتصالاً أو انقطاعاً
٣
٢٢
في سنتهم
٦
من
بعد
٢١
ثم ظهر لي أن الأوجه في حده
علم يعرف به أحواله ول﴾ قولاً
وفعلاً وتقريراً وصفة، ولا
يشكل أنه يخرج من الحد الآثار
صَلىالله
وعملية
٣
من بعد
٢٢
لأنها داخلة في أحواله
تبعاً، وللتبعية يتعرض لها
لا أكتب وأخرج
١٣
٢٠
٩
١ - ٣
لا أكتب، قلت: ومع ذلك كان
عند أبي هريرة كتب من حديث
النبي ◌َّة، ويمكن أن يكون
بغير خطه كما اختاره الحافظ
في ((الفتح)) وأخرج ...
كانت مختلفاً فيها عنه
السلف
١٣
٢٣
كانت مختلفةً عند السلف
٩
٤
٨
٣
١٢
١٠
في سننهم
وقد سقطت العبارة
كاملة من آخر الباب
الأول
٨

مقدمة
الخطأ (طبعة مصر وبيروت)
ص
س
الصواب (طبعة الهند)
ص
س
في المائة الثانية وفي
((نيل الأماني))
في المائة الثانية انتهى، وقد وُلِد
عمر بن عبد العزيز سنة ٦١ أو
سنة ٦٣هـ وبويع له بالخلافة فى
صفر سنة ٩٩هـ وتوفي في رجب
سنة ١٠١ هـ وفي ((نيل الأماني))
ويحتاج إليه
١٧
٩
ويحتاج إلى ما يحتاج إليه
١١
١٥
ركن أركان الإسلام
١٧
١٨
ركن من أركان الإسلام
١١
٢٠
زاد معين
٢٢
١
زاد ابن معين
١٤
١٦
مات سنة ١٣٥ هـ
١٢٥٧
١٣
مات سنة ١٤٥ هـ
٨٤
٢٥
مات سنة ٦٢
٢٥٩
٢٥
مات سنة ٦٤
٨٦
١٦
فصلى رضي الله عنه
١٢٥٩
٤
فصلى عمر رضي الله عنه
٨٧
٢
وفيما يلي نماذج من التصويبات التي قمنا بها في طبعتنا مقارنة مع طبعة
الهند القديمة.
الطبعة الجديدة التي نقدمها إلى القُرَّاء الكرام
طبعة الهند
فكان قوب قوسين
١
٣
فكان قاب قوسين
٤٧
١١
اتقق الله
٤
٢٠
اتق الله
٢٦٥
٢٣
العتيق
٤١
٨
العقيق
٣٥٥
١٥
السور
٥٠
٢٤
السنور
٣٧٧
١٥
حليف بن عدي
٥٨
١٤
حليف بني عدي
٣٩٥
١٤
تصرخ بضم التاء
١٠٦
٢٠
تصرخ بضم الراء
٥١٢
١٧
إسكان الشين
١٢٠
٢٦
بكسر الشين
٥٤٥
٦
رواة «الموطأ)»
١٢٧ ٧
رواية ((الموطأ)»
٥٥٨
٩
١٦
٢
١٠
١٧_١٨
جثليل بجيم وثاء مثلثة
ولام وياء ساكنة فلام
١٧
٢١
جثيل بجيم وثاء مثلثة وياء
ساكنة فلام
١١
٢٢
٩

----
مقدمة
الخطأ
ص
س
الصواب
ص
س
استجمر
٩/١٤٦
استحجر الطين
٦٠٣
٢٠
وفتح الحاء
١٥٣
٦
فتح الهاء
٦٢١
٢٠
على مثالهم
٣٢٤
٥
على منازلهم
٣٦٥/٢
١٨
فلما اطلع سماحة الشيخ أحمد بن عبد العزيز آل مبارك - رحمه الله
تعالى - على بعض أخطاء الكتاب، تأسف جداً، وكلَّفني خدمة هذا الكتاب
وتصحيح الأخطاء الواقعة في طباعته وإخراجه في حلة قشيبة، تُقرّبه إلى
الباحثين وطلبة العلم، وتكشف عن خزائنه ودرره الدفينة، وأكد على ذلك
سماحة الشيخ العلامة أبي الحسن الندوي(١) - رحمه الله تعالى - ولكني كنت
مرتبطاً بالتدريس في الجامعة، فلم أجد فراغاً لهذا العمل الجليل، فلما
تفرغت لخدمة السنة وكتبها، يمّمتُ وجهي إلى خدمة هذا الكتاب.
وقد أعددته للطباعة، وعرضت مشروع طباعته على صاحب السمو الشيخ
سلطان بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء بدولة الإمارات العربية
المتحدة - حفظه الله تعالى - فأمر بطبع هذا الكتاب في حلّة قشيبة مساهمة من
سموه في نشر علم النبوة، جزاه الله تعالى خير الجزاء في الدنيا والآخرة.
عملي في الكتاب:
١ - صحّحت الكتاب من الأغلاط والتحريفات بالرجوع إلى النسخة
المطبوعة بالهند، وهي تابعة لأصل المؤلف في كل شيء من دون تنبيه عليها .
٢ - إذا وجدت خطأ أو تحريفاً في النسخة المطبوعة بالهند رجعت إلى
المصادر والمراجع التي نقل منها شيخنا، ولكني لم ألتزم التنبيه على ذلك دائماً .
(١) قد انتقل - رحمه الله تعالى - إلى جوار رحمة الله تعالى يوم الجمعة ٢٢ من شهر رمضان
١٤٢٠ هـ في الهند، و٢٣ منه في الجزيرة العربية، الموافق ٣١ من شهر ديسمبر ١٩٩٩ م،
فإنا لله وإنا إليه راجعون.
١٠
------

مقدمة
٣ - وقمت بتخريج النصوص من مصادرها التي نقل منها المؤلف فيما
استطعت إلى ذلك سبيلاً، ولكني لم ألتزم ذلك في جميع الكتاب خوفاً من
الإطالة، ولأن أكثر هذه النصوص موجودة في الكتب المشهورة من شروح
((الموطأ)» وغيرها .
٤ - وعَلَّقْتُ على بعض مواضع الكتاب إذا اقتضى المقام بذلك.
٥ - وضعت في المتن نسخة الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي - رحمه الله
تعالى - أما في الشرح فقد حرصت على إثبات جميع ما نقله شيخنا من
اختلافات المتون والروايات، وبذلك ازدادت فوائد الكتاب.
٦ - صنعت للكتاب فهارس تفصيلية تُعين على الاستفادة من الكتاب
بأيسر نظرة.
وأرجو من الله عز وجل أن يتقبل منا ومن جميع من ساهم في إخراج
هذا الكتاب، وأخص بالذكر منهم ولدي العزيز الدكتور ولي الدين الندوي
وبعض المدرسين في الجامعة الإسلامية - مظفر بور - أعظم كره بالهند
فجزاهم الله أحسن الجزاء، وأسأل الله أن يوفقنا لخدمة السنة المطهرة
وعلومها، وأن يحسن ختامنا، ويرحم والدينا، ومشايخنا، وسائر المسلمين،
إنه ولينا ومولانا ونعم النصير.
تَقِّ الَّدِّيْنِ النَّدْوِيّ
مَدِيْنَةُ العَيْن
يَوْمُ الجمعَة ١٢ رَبِيع الأوَّل ١٤٢٢ هـ
الموافق ٢٤ مَايُو ٢٠٠٢ م
١١

.
-- ------

تصدير
بِسْمِ اللهِ الرََّنِ الرَّحِيَةِ
تَصَّدِيْرُ الْكِتَابِ
بِقَمِ: فَضِيلَةِ الشَّيْخِ الْعَلَامَةِ محَدِ يُوسفْ البنَّوْرِيْ رَحِمَةُ الَّه ◌َالى
الحمد لله الذي جعل القرآن العظيم للدين أساساً، والحديث النبوي
الكريم له مصباحاً ونبراساً، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين،
الذي جعل سنته للناس منهاجاً ومقياساً، وعلى آله وصحبه الذين جاهدوا
في الله حق جهاده، وداسوا الكفر تحت أرجلهم دياساً، وعلى علماء أمته
الذين درسوا الفقه في الدين دراساً، وأوضحوا معالم الهداية للناس، فآنسوا
بها إيناساً .
أما بعد، فما من شكٍ أن التنزيل العزيز هو روح الإسلام، وبها حياة
القلوب الميتة، والسنة النبوية الكريمة بمنزلة جسد تترقرق فيه هذه الروح،
فكما لا تتصور حياة للجسد من غير روح، فكذلك لا يمكن أن تتجلّى أو
تتشكَّلَ هذه الروح من غير أن تكتسي ثوب الجسد، أو بتعبير آخر: أن الله
- سبحانه وتعالى - كما جعل القرآن الكريم قلباً لجسد الشريعة الإسلامية جعل
الحديث النبوي كدم يسري في العروق والشرايين بواسطة ذلك القلب، فالقرآن
والحديث روح وجسد لا يفترقان في حياة الملة الإسلامية المحمدية. وكل
من حاول فصل الحديث عن القرآن خاب، وخسِر في مسعاه، فالتنزيل بَيَّنَ أن
السنة النبوية الكريمة بيانٌ للقرآن، يُفَصِّل مجمله، ويوضِّح مشكله، ويفسِّر
مبهمه، ويُعيِّن محتمله.
ثم هذا البيان علمي وعملي بيّنه بَلّ بقوله علمياً، وبفعله عملياً، فكان
خُلقه القرآن. فإذن الحديث النبوي الكريم كتاب جامع من دين الإسلام،
١٣

تصدير
حبره ومداده، بياضه وسواده، حروفه وأسطره، صفحاته وعباراته، هوامشه
وتعليقاته، من حياة حافلة مباركة للرسول - عليه صلوات الله وسلامه - من
شؤونه - ٤ - من عبادة ودعاء، وصلاة وصيام، وهداية وإرشاد، وأدب وعشرة،
وحكمة ومثال، وخُلْقٍ عظيم، وهدي كريم، وشمائل قدسية، وأنفاس طيبة من
نصح وتعليم، وتربية وتزكية، وغزوة وجهاد، وإرسال سرايا وبعوث، وصلح
وقتال، وأسفار عمرة وحج، وخطبة ونكاح، وما إلى ذلك من أحكام وآداب،
وتذكير وموعظة، وترغيب وترهيب، كل ذرة من حياة الرسول المقدسة حديث
نبوي، وكل نفحة من نفحات أنفاسه سنة، يراه صحابي، فينعكس في مرآة قلبه،
فينطبع انطباعاً لا يطمسه رشحة من ماء أو قطرة من مزنةٍ وطفاءٍ.
فهذه الحياة الكريمة النبوية العلمية والعملية صادفت آذاناً صاغيةً، وقلوباً
واعيةً، وأرواحاً صادية، تضلَّعت منها علّاً بعد نهل، دُوِّنَتْ هذه الحياةُ في
القلوب قبل تدوينها في بطون الأوراق، وتجلّت مظاهرها في الحياة العملية
قبل كتابتها في صفحات الكراريس، والقلوب كانت مُغْرمة بحب الرسول -
عليه صلوات الله وسلامه - كانت تتمثَّل فيها آثارها وأنوارها بطبيعتها من غير
أن يتجشّم لها بعزم جديد، وقصد مستقل.
ثم جاء عهد الكتابة كمذكّرات خاصة، ومن أشهرها ((الصادقة)) التي
كتبها الصحابي الجليل عبد الله بن عمرو بن العاص بإذنه وصل*، كما رواه
الدارمي في ((مسنده)) وابن سعد في ((طبقاته)) وابن عبد البر في ((جامع بيان
العلم)) وغيرهم، وكانت أرغب شيء في حياته، وهي أول صحيفة حديثية
ظهرت تحت أديم السماء على بسيط الأرض.
ثم جاء عهد التدوين في آخر المائة الأولى في عهد خلافة الخليفة
الأموي العُمَر الثاني - رضي الله عنه - حين كانت القلوب متدفّقة بذلك النَّمير
السائغ، والزُلال الصافي، فانتقلت لأول مرة من سُوَيدات القلوب إلى تسويد
الأوراق، وسواد الصفحات، في جميع بلاد الإسلام شرقاً وغرباً، عجماً
وعرباً، إلى أن جاء عهد التدوين من منتصف القرن الثاني، فجدُّوا واجتهدوا
١٤

تصدیر
في تحصيله، وجابوا المهَامِه(١) الفسيحة بنَضِيٍّ(٢) وطليح، وهان عليهم كل
صعب وذلول، ولم يُحجموا عن أية تضحيةٍ بكل مرتخصٍ وغالٍ.
ومن أشهرها ما دُوِّن في هذا العهد بالمدينة كتابُ ((الموطأ)) لإمام دار
الهجرة النبوية - على صاحبها الصلوات والتسليمات - الإمام أبي عبد الله
مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي الحميري القحطاني، أحد
أعلام الإسلام، وأحد أعيان الأمة، وأحد أركان الملة، وأحد الأئمة
المتبوعين، وأحد من وُضع له القبول في الأرض، وأحد من سَلَّمت له الأمةُ
الإمامةَ في الحديث والفقه جميعاً، ومن أطبقت على ثقته الأمة جمعاء.
وكتاب الإمام أبي عبد الله البخاري الجعفي ((الجامع الصحيح المسند
من أحاديث رسول الله وسننه وأيامه)) وإن كان أصبح أصح كتاب بعد كتاب الله
عند جمهرة الأمة المحمدية، لما له من مزايا في التزام أمور وشروط، وآداب
وعادات في تخريجه الحديث، وانتقائه ما لم يساهمه أحد من معاصريه ولا
من سبقه، ولا ريب أنها مزية لا تبارى ولا تجارى، بيد أن موطأ الإمام
مالك أصبح قدوة وأسوة للبخاري ولمن جاء بعده، فهو الذي انتهج هذا
المنهج، وسلك مسلك الانتقاء والاصطفاء، وفتح هذا الباب من الجمع بين
الحديث والفقه، وآثار الصحابة وأقوال التابعين، فللإمام مالك ولكتابه مِنّةٌ
على رقاب الأمة جميعاً: فقهائها ومحدثيها بسلوك هذه الجادة القويمة،
وتوطئة هذه المسالك الوعرة، وجعلها وطيئة دمِثة، هان عليها السير لكل
راحل في الطريق، على أن هناك من يجعل قول الإمام ابن إدريس الشافعي:
((ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مالك)) مطلقاً من غير تخصيصه بما قبل
عهد البخاري كالحافظ مغلطاي الحنفي، وتبعه محمد بن أحمد بن المرزوقي
الحفيد التلمساني فيقول ابن المرزوقي في نظمه:
(١) قوله: المهَامِه جمع المَهْمه: المفازة البعيدة.
(٢) النِّضْؤُ: المهزول من الحيوان، ومثله: النَّضِيّ: بفتح النون وكسر الضاد وياء مشددة.
والطليح: المهزول والمجهود. وانظر ((المعجم الوسيط)) (نضوء، طلح).
١٥

تصدير
بعد كتاب الله من تحت السما
وقول شافعينا أصح ما
لأنه قبلهما قد جعلا
موطأ لمالك قد أوّلا
إذ مالك لجمعهم(١) على التمام
قلت: بل الصواب إطلاق الإمام
من المسائل وفقه يقتنى
إلا إذا اعتبر ما تَضَمّنَا
كما ذكره شيخنا بالإجازة الشيخ حبيب الله بن مايَأْبَى الجكني الشنقيطي
في ((إضاءة الحالك شرح دليل السالك)) ولفظ الشافعي على ما يحكيه ابن عبد
البر في التمهيد (٢): ((ما كتاب أكثر صواباً بعد كتاب الله من كتاب مالك،
يعني الموطأ)»، اهـ.
وهناك من يدّعي عدم الفرق بين ((الموطأ)) و(صحيح البخاري))، ولكن
أول من صنف في الصحيح هو مالك كما يقوله الحفاظ: ابن عبد البر، وابن
العربي، ومغلطاي، والسيوطي، وابن ليون، والتجيبي، وغيرهم، كما في
((الإضاءة))، وإليه جنح الحافظ ابن حجر العسقلاني في نكته ((الإفصاح على
مقدمة ابن الصلاح»، وكذلك حققه المحدث الشيخ صالح الفلاني العمري في
حواشيه على ((ألفية الأثر)) للسيوطي، كما حكاه الشيخ الشنقيطي.
وقد تهافت على رواية ((الموطأ)) وسماعه عن المؤلف الإمام محدثون
وأئمة فقهاء والعلماء والملوك والأمراء ما لم يتفق لأحد من الأمة ذلك، وقد
أفرد له القاضي عياض باباً في ((المدارك))(٣) فمن الأئمة الفقهاء: كالإمام
محمد بن الحسن الشيباني، ومحمد بن إدريس الشافعي، والإمام أبي يوسف
القاضي بواسطة رجل عنه، وعبد الله بن وهب، وابن القاسم، وأسد بن
الفرات، وغيرهم، ومن المحدثين البارعين: كيحيى بن سعيد القطان، وعبد
الرحمن بن المهدي، وعبد الرزاق، وأبي مصعب الزهري، ويحيى بن بكير،
(١) في ((إضاءة الحالك)) (ص١٧) نجمهمُ.
(٢) (٧٦/١).
(٣) (٢٠٢/١).
١٦

تصدير
وعبد الله القعنبي، ومصعب بن عبد الله الزبيري، وغيرهم، ومن الملوك
والأمراء، فهارون الرشيد الخليفة العباسي، وبنوه: الأمين والمأمون
والمؤتمن، وكذا المهدي والهادي، كما في ((مدارك القاضي عياض)) ما لم
تتفق هذه المزية لأحد، ورواه عنه أساطين الأمة وسلاطينها كل منهم أمة
وحده .
ولم يُعْتن بكتاب من كتب الحديث والفقه والعلم اعتناء الناس بالموطأ،
فمن شارحيه مثل ابن عبد البر في ((التمهيد)) و((الاستذكار))، وأبي الوليد
الصفار في ((الموعب))، والقاضي محمد بن سليمان، وأبي بكر الصقلي، وابن
أبي صفرة، وأبي الوليد بن العواد، وأبي محمد البطليوسي صاحب
(المقتبس))، والقاضي ابن العربي صاحب ((القبس))، ويحيى بن مزين صاحب
((المستقصية))، ومحمد بن أبي زَمَنِيْن صاحب ((المُقَرَّب))، وأبي الوليد الباجي
صاحب ((المنتقى))، و(الإيماء)) و((الاستيفاء)) ثلاثة شروح، وغيرهم ممن لا
يحصى، كما استوفى بيانه القاضي عياض في ((المدارك))(١) إلى عهده.
ولست أريد أن أخوض في غضار مناقب مالك، ولا في مزايا كتابه،
ولا في تفصيل شارحيه؛ فإنه بحر لا ينزف، على أن صاحب ((الأوجز))(٢) قد
قام باستيفاء من شَرَحَه قديماً وحديثاً من أقدم عهد إلى عهده في الفائدة
العاشرة من الفصل الثاني، فكفى وشفى، وكان كما قيل:
كفى وشفى ما في الصدور ولم يدع لذي إربة في القول جداً ولا هزلاً
وبالجملة أصبح ((موطأ مالك)) مداراً للأمة قاطبة للعناية بشرحه من أقدم
العصور إلى اليوم. وللهند غير المنقسمة حظّ غير ضئيل من خدمة هذا
الكتاب، كالشيخ سلام الله الحنفي الدهلوي صاحب ((المحلَّى)) المتوفى
سنة ١٢٢٩ هـ، والشاه ولي الله الدهلوي صاحب ((المصفّى)) بالفارسية
(١) الجزء الأول من (١٩٨) إلى (٢٠١).
(٢) هو هذا الكتاب الذي بين أيدينا ((أوجز المسالك إلى موطأ مالك)).
١٧

تصدير
و ((المسوَّى)) بالعربية المتوفى سنة ١١٧٦ هـ، والشيخ اللكنوي صاحب ((التعليق
الممجد)) المتوفى سنة ١٣٠٤هـ، وممن قام بشرح جامع بتأليف بارع هو الشيخ
المحدث الأستاذ الكبير الورع الصالح الزاهد الشيخ محمد زكريا بن الشيخ
محمد يحيى بن الشيخ محمد إسماعيل الكاندلوي(١).
(١) الكاندلوي نسبة إلى قرية ((كاندهله)) والهاء بين الدال واللام، هاء هندية تقرأ خفياً بلحن
هندي كما في ((لكهنؤ)) و ((السنده)) فتسقط في اللحن العربي فيقال ((اللكنو)) و((السند))
و ((الكاندله)) وهي قرية في مديرية مظفرنكر بقرب ((دهلي)) من جهة الغرب الشمالي، نشأ
منها رجال أفذاذ في علوم النبوة من الحديث والقرآن والفقه والصلاح والتقوى.
١٨

كلمة عن المؤلف
كَلِمَةٌ عَنِ المؤَلِّفِِ
وَشِئٌّ مِنْ حَيَاتِهِ
هو مولانا الشيخ محمد زكريا بن مولانا الشيخ محمد يحيى بن الشيخ
إسماعيل الكاندلوي، ولد يوم الخميس أحد عشر من رمضان سنة
١٣١٥ هجرية - ٢ فبراير ١٨٩٨ ميلادية - فتح عينيه في بيت عريق في العلم
والصلاح والتقوى منذ عهدٍ بعيدٍ في تربية والده الذي كان وحيد العصر في
مزاياه العلمية، والعملية الباهرة، ومفاخره السائرة، وقد تلقى علماً جماً
غزيراً من فقيه هذه الأمة في عصره ومحدِّثها وعارفها وحكيمها وزعيمها
مولانا الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي - رحمه الله - المتوفى سنة ١٣٢٣هـ،
فارتوى وتضلَّع من منابع علمه الصافية فقهاً وحديثاً، كما ارتوى من أكابر
مشايخ عصره في بقية العلوم روايتها ودرايتها، منقولها ومعقولها، فتلقى
المبادئ وحفظ القرآن على والده، ورعاه رعاية دقيقة. حتى كان يأمره أن
يقرأ كل ما يحفظه من القرآن الكريم مائة مرة، وتلقى مبادئ أخرى على
عمّه الجليل مولانا الشيخ محمد إلياس بن الشيخ إسماعيل، الذي كان من
رأسه إلى القدم إخلاصاً ودعوة إلى الحق، حتى أصبح داعية وإماماً في
الحث على التبليغ والدعوة الإسلامية وإصلاح الأمة. وقد أثمرت نهضته
المباركة فشرّقت وغرّبت، وسارت بها الرُّكبان إلى أقطار الأرض، وملأت
بركتها الآفاق.
ثم قرأ بقية العلوم والفنون وعدة من كتب الحديث بعضها على والده
وبعضها على مشايخ مدرسة ((مظاهر العلوم)) في سهارنفور، الذي كان معهداً
كبيراً من أكبر المعاهد العلمية بعد ((دار العلوم الديوبندية)) وقرأ كتب الصحاح
الستة مرة على والده، ومرة أخرى ((الصحيحين)) مع ((سنن أبي داود)) و((سنن
١٩

كلمة عن المؤلف
الترمذي)) مع ((الموطأ)) لمالك، و((الموطأ)) لمحمد بن الحسن، و((شرح معاني
الآثار)) على مولانا الشيخ خليل أحمد الأيوبي الأنصاري، وهو الذي كان
جمع بين علوم الفقهاء، والمحدثين، وعلوم الأولياء، والعارفين، وجمع بين
مآثره الظاهرة، ومفاخره الباطنة، صاحب مكاشفات وكرامات، وكان حجة
قاطعة لرقاب أهل البدع وأهل الهوى، وأصبح مداراً لاتباع السنة ورَدِّ البدع،
فهؤلاء الجهابذة غرر هذا العصر، وصفوة هذا الدهر، نشأ نشأة صالحة في
ظل هؤلاء العلماء الربانيين من الفقهاء والمحدثين وأرباب القلوب، فترعرع
شاباً صالحاً تقياً نقياً، تلمع في جبينه المتهلل آثار نجابة وسعادة، تنمُّ عن
مستقبل ساطع لامع.
أدرك الإمام الرباني الشيخ الكنكوهي، فنال بركات من دعواته وعنايته،
وقد توفي الشيخ، وهو ابن ثمان سنين، وكانت المشيئة الأزلية أرادت أن
يحيا من طفولته إلى كهولته في غاشية من رحمة إلهية كَسَته أنفاساً قدسية من
هؤلاء أرباب القلوب، فوهبته نفساً مطمئنة، وروحاً نقية طاهرة خفيفة، وذوقاً
ووجداناً وتوفيقاً عظيماً إلى كل خير، من عبادة وتقوى، وتدريس وتأليف،
وشمائل كريمة من طلاقة وجه، وحسن لقاء، وكرم نفس وجود، وإكرام
ضيف، ورقة في الطبيعة، وبِشْر دائم متهلل.
ومن أعظم مفاخره المغتبطة أن حياته كلها بعد ما أدرك شعوره لم
تَنْقَض منها ساعة ضائعة فيما أرى، فحياته مليئة بالاستفادة والإفادة، والعبادة
والذكر، والتدريس والتأليف، وإصلاح نفوس، وهداية وإرشاد. ومن أغبط
مفاخره أنه عالم وحيد في أهل عصره، لم يكتسب بعلمه وتدريسه الحديث
راتباً، وإنما دَرَّسَ متبرعاً متطوعاً محتسباً لله غير راتب زهيد في أول عهده
بالتدريس، وعاش عيشة زهيدة من مكتبته التجارية المتواضعة، ومن أبرع
مزاياه أنه حاول واجتهد أن تزول تلك المنافرة بين أرباب المراكز العلمية،
فحاول بقلمه ولسانه وصحبته أن تعفو تلك المنافرة العصرية التي كانت في
طبقات أهل العلم بين سهارنفور، وديوبند، وتهانه بهون، وأهل الندوة،
٢٠
-- --