النص المفهرس

صفحات 61-80

٠
t
سَاوَتهِ أَوْ تَأَّرَتْ: خُلْفٌ حَكَوْا(١)
وَكَوْنُهَا أَرْجَحَ مِمَّا قَبْل أَوْ
ثُمَّ الَّذِي فِي أَوَّل إِنْ تَذْكُر
وَلاَ ((سَمِعْتُ)) أَبَدَا فِي الْمُنْتَقَى
يُطْلِقُ لاَ التَّحْدِيثُ فِي الأَعْصَارِ(٢)
وَفِي الأَدَاقِيلَ ((قَرأْتُ)) و((قُرِىء))
مُقَبَّد قِرَاءَة لاَ مُطْلَقاً
وَالمزْتَضَى الثَّالِثُ فِي الإِخْبَارِ
(١) القراءة على الشيخ تسمى عندهم ((عرضا)). وهي جائزة في الرواية، سواء في ذلك أكان الراوي يقرأ
من حفظه أم من كتابه أم سمع غيره يقرأ كذلك على الشيخ. بشرط أن يكون الشيخ حافظاً لما يقرأ عليه
أو يقابل على أصله الصحيح، أو يكون الأصل بيد القارىء أو بيد أحد المستمعين الثقات. قال الحافظ
العراقي: ((وكذا إن كان ثقة من السامعين يحفظ ما قرىء وهو مستمع غير غافل فذلك كاف أيضاً) نقله
الناظم في التدريب وأقره، وهو عندي غير متجه، لأنه إذا كان الشيخ غير حافظ لروايته ولا يقابل هو أو
غيره على أصله الصحيح، وكان المرجع إلى الثقة بحفظ أحد السامعين -: كانت الرواية في الحقيقة عن
هذا السامع الحافظ، وليست عن الشيخ المسموع منه. وهذا واضح لا يحتاج إلى برهان. وقال الحافظ
ابن حجر في باقي الصور («ينبغي ترجيح الإمساك - أي إمساك الأصل - في الصور كلها على الحفظ، لأنه
خوّان)).
٠
٠
والرواية عن الشيخ قراءة عليه ((رواية صحيحة بلا خلاف في جميع ذلك، إلا ما حكى عن بعض من لا
يعتدّ به)) كما قال النووي. وممن خالف في ذلك وكيع، قال: ((ما أخذت حديثاً عرضاً قط)» وحكى الناظم
في التدريب (ص ١٣١) القول بصحتها عن كثير من الصحابة والتابعين، ثم قال ((ومن الأئمة - يعني
القائلين بالصحة - ابن جريج والثوري وابن أبي ذئب وشعبة والأئمة الأربعة وابن مهدي وشريك والليث
وأبو عبيد والبخاري، في خلق لا يحصون كثرة، وروى الخطيب عن إبراهيم بن سعد أنه قال: لا تدعون
تنطعكم يا أهل العراق، العرض مثل السماع. واستبدل الحميدي ثم البخاري على ذلك بحديث ضمام بن
ثعلبة لما أتى النبي ◌َّر فقال له: إني سائلك فمشدد عليك، ثم قال: أسألك بربك ورب من قبلك، آلله
أرسلك؟ الحديث، في سؤاله عن شرائع الدين، فلما فرغ قال: آمنت بما جئت به، وأنا رسول من
ورائي، فلما رجع إلى قومه اجتمعوا إليه فأبلغهم فأجازوه، أي قبلوه منه وأسلموا. وأسند البيهقي في
المدخل عن البخاري قال: قال أبو سعيد الحداد: عندي خبر عن النبي ◌َّر في القراءة على العالم، فقيل
له، قال: قصة ضمام: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم)).
وقد عقد البخاري لذلك باباً في صحيحه في كتاب العلم وهو ((باب القراءة والعرض على المحدث)) وقال
الحافظ ابن حجر في الفتح (ج ١ ص ١٣٧ - ١٣٨ طبعة بولاق): ((وقد انقرض الخلاف في كون القراءة
على الشيخ لا تجزىء، وإنما كان يقوله بعض المتشددين من أهل العراق)».
(٢) الراوي إذا قرأ على شيخه وأراد أن يروي عنه فلا يجوز له أبداً - على الصحيح المختار - أن يقول:
((سمعت)) لأنه لم يسمع من شيخه، فيكون غير صادق في قوله هذا، وإنما الأحسن أن يقول: ((قرأت
على فلان وهو يسمع)) إن كان قرأ بنفسه، أو: ((قرىء على فلان وهو يسمع وأنا أسمع)) إن كان القارىء
غيره، أو نحو هذا مما يؤدي هذا المعنى. وله أيضاً أن يقول: ((حدثنا فلان بقراءتي عليه)) أو ((قراءة عليه))
و((أخبرنا)» كذلك. واختلف في جواز الرواية في هذا بقوله: حدثنا. أو ((أخبرنا)) بالإطلاق - من غير أن =
٦١

وَقَارِىءٍ بِنَفْسِهِ ((أَخْبَرَنِي))
وَأَسْتَحْسَنُوا لِمُفْرَدِ ((حَدَّثَنِي))
وَإِنْ سَمِعْتَ قَارِئاً ((أَخْبَرَنَا))
وَإِنْ يُحَدِّثْ جُمْلَةً ((حَدَّثَنَا))
أَوْ مَا يَقُولُ الشَّيْخُ وَحْدْ في الأَسَدّ (١)
وَحَيْثُ شُكّ فِي سَمَاعٍ أَوْ عَدَدْ
مِنْ لَفْظِ شَيْخِ فَارِقٍ أَنْ يُبْدَلاَ
وَلَمْ يُجَوَّزْ مِنْ مُصَنَّفٍ وَلاَ
يَجُوزُ إِنْ سَوَّى، وَقِيلَ: حُظِلاَ(٢)
((أَخْبَرَ)) بِالتَّخدِيثِ أَوْ عَكْسٌ، بَلَى
= يصرح بالقراءة على المروي عنه -: فمنعه بعضهم وأجازه آخرون، بل حكاه القاضي عياض عن
الأکثرین.
والصحيح المختار عند المتأخرين من الحفاظ إجازة قوله ((أخبرنا)) ومنع قوله ((حدثنا)). وممن كان يقول
به النسائي، وهو مروي عن ابن جريح والأوزاعي، وأول من فعله بمصر عبد الله بن وهب. قال ابن
الصلاح (ص ١٤٣ - ١٤٤): ((الفرق بينهما صار هو الشائع الغالب على أهل الحديث، والاحتجاج لذلك
من حيث اللغة عناء وتكلف. وخير ما يقال فيه: إنه اصطلاح منهم، أرادوا به التمييز بين النوعين، ثم
خصص النوع الأول بقول (حدثنا) لقوة إشعاره بالنطق والمشافهة. والله أعلم. ومن أحسن ما يحكى عمن
يذهب هذا المذهب ما حكاه الحافظ أبو بكر البرقاني عن أبي حاتم محمد بن يعقوب الهروي - أحد
رؤساء أهل الحديث بخراسان -: أنه قرأ على بعض الشيوخ عن الفربري صحيح البخاري، وكان يقول له
في كل حديث (حدثكم الفربري)، فلما فرغ من الكتاب سمع الشيخ يذكر أنه سمع الكتاب من الفربري
قراءة عليه، فأعاد أبو حاتم قراءة الكتاب كله، وقال له في جميعه (أخبركم الفربري). والله أعلم)). وهذا
تكلف سدید من أبي حاتم الهروي رحمه الله.
(١) قال الحاكم: ((الذي أختاره في الرواية وعهدت عليه أكثر مشايخي وأئمة عصري -: أن يقول في الذي
يأخذه من المحدث لفظاً وليس معه أحد (حدثني فلان)، وما يأخذه من المحدث لفظاً ومعه غيره (حدثنا
فلان)، وما قرأ على المحدث بنفسه (أخبرني فلان) وما قرىء على المحدث وهو حاضر (أخبرنا
فلان)). نقله ابن الصلاح (ص ١٤٥) ثم قال: ((وقد روينا نحو ما ذكره عن عبد الله بن وهب صاحب
مالك رضي الله عنهما. وهو حسن رائق. فإن شك في شيء عنده أنه من قبيل (حدثنا أو أخبرنا) أو من
قبيل (حدثني أو أخبرني) لتردده أنه كان عند التحمل والسماع وحده أو مع غيره -: فيحتمل أن نقول:
ليقل (حدثني أو أخبرني)، لأن عدم غيره هو الأصل. ولكن ذكر علي بن عبد الله المديني الإمام عن
شيخه يحيى بن سعيد القطان الإمام فيما إذا شك أن الشيخ قال (حدثني فلان) أو قال (حدثنا فلان) -: أنه
يقول (حدثنا). وهذا يقتضي فيما إذا شك في سماع نفسه في مثل ذلك أن يقول (حدثنا)، وهو عندي
يتوجه بأن (حدثني) أكمل مرتبة، و (حدثنا) أنقص مرتبة، فليقتصر - إذا شك - على الناقص، لأن عدم
الزائد هو الأصل. وهذا لطيف ... ثم إن هذا التفصيل من أصله مستحب وليس بواجب، حكاه الخطيب
عن أهل العلم كافة. فجائز إذا سمع وحده أن يقول (حدثنا) أو نحوه، لجواز ذلك للواحد في كلام
العرب. وجائز إذا سمع في جماعة أن يقول (حدثني) لأن المحدث حدثه وحدث غيره)) وبهذا تعرف
معنی هذه الأبيات.
(٢) كتب المتقدمين لا يصح لمن يرويها أن يغير فيها ما يجده من ألفاظ المؤلف أو شيوخه في قولهم =
٦٢
+

لَفْظاً -: كَفَى: وَقِيلَ: لَيْسَ يَنفَعُ
إِذَا قُرِىءٌ وَلَمْ يُقِرَّ الْمُسْمِغْ
بِـ ((قَدْ قَرأْتُ)) أَوْ ((قُرِىء عَلَيْهِ))(١)
ثَالِثُهَا: يَعْمَلُ أَوْ يَزْوِيِهِ
الشَّيْخُ، أَوْ خَصَّصَ غَيْراً، أَوْ رَجَعْ
وَلْيَزْوِ مَا يسْمَعُهُ وَلَوْ مَنَغْ
مِنْ غَيْرِ شَكٌّ، وَالسَّمَاعِ فِي الأَصَحّ
ثَالِثُهَا مِنْ نَاسِخِ يَفْهَمُ -: صَحّ
وَلاَ يَقُلْ ((حُدِّثْتُ)) أَوْ ((أُخْبِرْتُ))(٢)
رَابِعُهَا: يَقُولُ ((قَدْ حَضَرْتُ))
= ((حدثنا)) أو ((أخبرنا)) أو نحو ذلك -: بغيره، وإن كان الراوي يرى التسوية بين هذه الألفاظ، لاحتمال أن
يكون المؤلف أو شيوخه ممن يرون التفرقة بينهما، ولأن التغيير في ذاته ينافي الأمانة في النقل.
وأما إذا روى الراوي حديثاً عن أحد الشيوخ - وهذا في غير الكتب المؤلفة - فإن كان الشيخ ممن يرى
التفرقة بين الإخبار والتحديث فإنه لا يجوز للراوي إبدال أحدهما من الآخر. وإن كان الشيخ ممن يرى
التسوية بينهما جاز للراوي ذلك، لأنه يكون من باب الرواية بالمعنى. هكذا قال بعضهم. وقال آخرون
بمنعه مطلقاً، وهو الحق، لأن هذا العمل ينافي الدقة في الرواية، ولذلك قال أحمد بن حنبل - فيما نقله
عنه ابن الصلاح (ص ١٤٦): «اتبع لفظ الشيخ في قوله حدثنا وحدثني وسمعت وأخبرنا، ولا تعده)).
وقول الناظم ((حظل)) يعني: منع.
(١) إذا قرأ الراوي على الشيخ، وكان الشيخ ساكتاً مصغياً إليه فاهماً ما يقرأ عليه غير منكر له -: فذلك
كاف في صحة الرواية، وللراوي أن يرويه عنه رواية صحيحة، ولا يشترط أن يقول الشيخ بلفظه ما يدل
على أنه يقرّ هذه القراءة، لأن سكوته على هذا الوجه نازل منزلة تصريحه بتصديق القارىء، اكتفاء
بالقرائن الظاهرة، وهو مذهب الجماهير من المحدثين والفقهاء، وهو الصحيح. وذهب بعض أهل الظاهر
وغيرهم إلى أن إقرار الشيخ نطقاً : - شرط في صحة الرواية، وممن قال بهذا أبو إسحق الشيرازي وأبو
نصر بن الصباغ من فقهاء الشافعية، قال أبو نصر: ((ليس له أن يقول (حدثني أو أخبرني) وله أن يعمل بما
قرىء عليه، وإذا أراد روايته عنه قال (قرأت عليه أو قرىء عليه وهو يسمع)). والصحيح القول الأول
كما قلنا. ومن هذا البيان يظهر لك خطأ الناظم في جعله قول أبي نصر الصباغ قولاً ثالثاً، إذ أنه هو نفس
القول باشتراط إقرار الشيخ نطقاً، وإنما بين الصباغ كيف يروي الراوي ما قرأه على الشيخ إذا لم يقرّه
نطقاً .
(٢) كل من سمع من شيخ رواية فله أن يرويها عنه، سواء أقصده الشيخ بالتسميع أم لم يقصده، وكذلك
إذا منعه من الرواية عنه، كأن قال له ((لا تروه عني)) أو ((لا آذن لك في الرواية عني)) أو نحو ذلك،
وكذلك إذا رجع الشيخ عن حديثه، بأن قال له ((رجعت عن إخبارك)) أو ((رجعت عن اعتمادي إياك فلا
ترؤه عني)". لأن العبرة في الرواية بصدق الراوي في حكاية ما سمعه من الشيخ وصحة نقله عنه، فلا
يؤثر في ذلك تخصيص الشيخ بعض الرواة دون بعض، أو نهيه عن روايته عنه، لأنه لا يملك أن يرفع
الواقع من أنه حدث الراوي وأن الراوي سمع منه. وظاهر أن رجوع الشيخ لا يمنع من الرواية إذا كان مع
إقراره بصحة روايته. وأما إذا كان هذا على معنى شكه فيما حدث، أو على معنى ظهور أنه أخطأ فيما
روى -: فهذا يؤثر في روايته، ويجب على الراوي أن يمتنع من رواية ما رجع عنه شيخه، أو يذكر
الرواية ورجوع الشيخ عنها، ليظهر للناظر ما فيها من العلة القادحة.
=
٦٣

(أَوْ أَسْرَعَ الْقَارِىءُ) أَوْ إِنْ هَيْنَمَا
وَأَلْخُلْفُ يَجْرِي حَيْثُمَا تَكَلَّمَا
عَنْ كِلْمَةٍ وَكِلْمَتَيْنِ تَخْفَى
أَوْ بَعُدَ السّامِعُ، لَكِنْ يُعْفَى
حَبْراً لِذَا وَكُلٌ نَقْصٍ يَقَعُ(١)
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُجِيـزَ الْمُسْمِعُ
مَا بَلَّغَ السَّامِعَ مُسْتَمْلِيهِ
وَجَازَ أَنْ يَزْوِيَ عَنْ مُمْلِيهِ
وَأَبْنُ الصَّلاَحِ قَالَ: هَذَا يُحْظَلُ
لِلَّقْدَمِينَ، (وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ)
كِلْمَةً، فَمِنْهُ قَدْ يَسْتَفْهِمُ(٢)
وَأَلْخَلْفُ يَجْرِي فِي أَلَّذِي لاَ يَفْهَمُ
٢
= وإذا كان الراوي - حين السماع - يكتب ما يسمع، أو كان الشيخ مشغولاً بالكتابة أو غيرها حال القراءة،
ففي ذلك أقوال: الأول المنع من الرواية مطلقاً، والثاني الجواز، والثالث - وهو الأصح - الجواز إذا كان
يفهم ما يسمع، أو كان الشيخ المشغول بالكتابة - مثلاً - فاهماً ما يقرأ عليه، لأن العبرة في الرواية بمعرفة
ما يحدث به، فالشيخ يعرف حديثه الذي يقرأ عليه، والراوي يعرف ما يأخذ عن شيخه.
وقد وقع للحافظ الدارقطني: ((أنه حضر في حداثته مجلس إسماعيل الصفار، فجلس ينسخ جزءاً كان
معه، وإسماعيل يملي، فقال له بعض الحاضرين: لا يصح سماعك وأنت تنسخ، فقال: فهمي للإملاء
خلاف فهمك، ثم قال: تحفظ كم أملى الشيخ من حديث إلى الآن؟ فقال: لا، فقال الدار قطني: أملى
ثمانية عشر حديثاً، فعُدَّت الأحاديثُ فوجدت كما قال، ثم قال: الحديث الأول منها عن فلان عن فلان
ومتنه كذا، والحديث الثاني عن فلان عن فلان ومتنه كذا، ولم يزل يذكر أسانيد الأحاديث ومتوبها على
ترتيبها في إملاء حتى أتى على آخرها، فتعجب الناس منه!)).
القول الرابع: أن الراوي يقول: ((حُدّثت أو أخبرت)) ولا يقول ((حدثني)) ولا ((أخبرني)). والثالث هو
الأصح كما تقدم.
(١) وكذلك الخلاف السابق يجري فيما إذا تكلم السامع أو الشيخ، أو أسرع القارىء، أو هينم - يعني
أخفى صوته - أو كان السامع بعيداً ففاته بعض الكلمات. ولكن خفاء كلمة أو كلمتين أو ثلاث يعفى
عنه. قال صالح بن أحمد بن حنبل: ((قلت لأبي: الشيخ يدغم الحرف يعرف أنه كذا وكذا ولا يفهم عنه،
تَرَى أن يروى ذلك عنه؟ قال: أرجو أن لا يضيق هذا)).
والأحوط أن يجيز الشيخ لجميع السامعين رواية الكتاب الذي سمعوه منه، جبراً لما يحصل في السماع
من نقص أو غلط أو غير ذلك. قال الفقيه أبو عبد الله بن عتاب الأندلسي: ((لا غنى في السماع عن
الإجازة، لأنه قد يغلط القارىء ويغفل الشيخ، أو يغلط الشيخ إن كان القارىء ويغفل السامع، فينجبر له
ما فاته بالإجازة)) نقله ابن الصلاح (ص ١٤٩) ثم قال: «هذا الذي ذكرناه تحقیق حسن)).
(٢) كان بعض الشيوخ الكبار من المحدثين بقصدهم الطالبون ويحرصون على الرواية عنهم فيعظم الجمع
في مجالسهم جداً حتى يصعب على الشيخ إسماع كل الحاضرين، فكان لكل واحد من هؤلاء شخص -
أو أكثر - يسمع باقي المجلس، ويسمى هذا ((مستملياً)).
فإذا كان الراوي لم يسمع لفظ الشيخ وسمعه من المستملي وكان الشيخ يسمع ما يمليه مستمليه -: فلا =
٦٤
٠
-

ثَالِثُهَا: إِجَازَةٌ، وَأَخْتُلِفَا:
وَقِيلَ: لاَ يُزْوَى وَلْكِنْ يُعْمَلُ،
مِنَ السَّمَاعَ، وَأُلنَّسَاوِي نُقِلاَ)
(وَأَنَّهَا دُونَ السَّمَاعِ لِلسَّلَفْ
عَيَّنَ مَا أَجَازَ وَالْمُجَازَ لَهْ
فَإِنْ يُعَمِّمْ مُطْلَقاً أَوْ مَنْ وُجِدْ
مَا لمْ يَكُنْ عُمُومُه مَعْ حَصْرٍ
وَأَلْجَهْلُ بِالْمُجَازِ وَالمُجَازِ لَة
وَلاَ يَضُرُ الْجَهْلُ بِالأَعْيَانِ مَغْ
وَإِنْ يَقُلْ فَفِي الأَصَحُّ أَبْطِلٍ (١)
وَصَخَّحُوا ((أَجَزْتُهُ إِنْ شَاءَ» أَوْ
وَالإِذْنُ لِلْمَعْدُومِ فِي الأَقْوَى أَمْتَنَغْ
وَصَحَّحُوا جَوَازَهَا لِطِفَلٍ
وَمَنْعَهَا بِمَا الْمُجِيزُ يَحْمِلهُ
فَقِيلَ: لاَ يُزْوَى بِهَا، وَضُعُّفَا
وَقِيلَ: عَكْسُهُ، (وَقِيلَ: أَفْضَلُ
وَأَلْحقُّ: أَنْ يُزوى بِهَا وَيَعْمَلَاَ
وَأَسْتَوَيَا لَدَى أُنَّاسٍ لِلْخَلَفْ)
أَزْ ذَا وَمَا أَجَازَهُ قَدْ أَجْمَلَةْ
فِي عَصْرِهِ -: صُحِّحَ رَدِّ وَأَعْتُمْذْ
فَصَحِّحَنْ، كَالْعُلَّمَا بِمِصْرٍ
كَلَمْ يُبَيَّنُ ذُو اشْتَرَاكِ : أَبَطِلَةْ
تَسْمِيَةٍ أَوْ لَمْ يُصَفخْ مَا جَمَعْ
((أَجَزْتُ مَنْ شَاءَ وَمَنْ شَاءَ عَلِى))
((أَجَزْت مَنْ شَاءَ)) روَايَةٌ رَأَوْا
ثَالِثُهَا: جَازَ لِمَوْجُودٍ تبغ
وَكَافِرٍ (وَنَحْوِ ذَا)(٢) وَحَمْلٍ
مِنْ بَعْدِهَا، فَإِنْ يَقُلْ لا نُبْطِلُةُ:
= خلاف في جواز الرواية عن الشيخ، لأنه يكون من باب الرواية بالقراءة على الشيخ. وأما إن كان الشيخ
لا يسمع ما يقوله المستملي، فقد اختلف في ذلك: فذهب جماعة من المتقدمين وغيرهم إلى أنه يجوز
للراوي أن يرويه عن الشيخ. وقال غيرهم: لا يجوز ذلك، بل على الراوي أن يبين أنه سمعه من
المستملي. وهذا القول رجحه ابن الصلاح. وقال النووي: إنه الصواب الذي عليه المحققون.
والقول الأول - بالجواز - هو الراجح عندي. ونقل الناظم هنا وفي التدريب أنه هو الذي عليه العمل. لأن
المستملي يسمع الحاضرين لفظ الشيخ الذي يقوله، فيبعد جداً أن يحكي عن شيخه - وهو حاضر في
جمع كبير - غير ما حدث به الشيخ، ولئن فعل ليردّن عليه كثيرون ممن قرب مجلسهم من شيخهم
وسمعوه وسمعوا المستملي يحكي غير ما قاله، وهذا واضح جداً.
وهذا الخلاف أيضاً فيما إذا لم يسمع الراوي بعض الكلمات من شيخه فسأل عنها بعض الحاضرين. قال
الأعمش: ((كنا نجلس إلى إبراهيم فتتسع الحلقة فربما يحدث بالحديث فلا يسمعه من تنحى عنه، فيسأل
بعضهم بعضاً عما قال، ثم يروونه وما سمعوه منه). وعن حماد بن زيد: ((أنه سأله رجل في مثل ذلك.
فقال: يا أبا اسماعيل، كيف قلت؟ فقال: استفهم ممن يليك)).
(١) خ: وَفِي الأَصَحِّ أَبْطَلُوا إِنْ يَقُلِ .
(٢) كالفاسق والمجنون اهـ من هامش الأصل.
ألفية السيوطي في علم الحديث /م٥
٦٥

((أَجَزْتُ مَا صَحَّ وَمَا يَصِخُ لَكْ
فِي مِثْلِ ذَا لا تُدْخِلِ الْمُجَازَا
وَمَنْ رَأَى إِجَازَةَ الْمُجَاز
وَلَفْظُهَا ((أَجَزْتُهُ)) ((أَجَزْتُ لَهْ))
وَلَيْسَ شَرْطاً الْقَبُولُ بَلْ إِذَا
وَأَسْتُحْسِنَتْ مِنْ عَالِمٍ لِمَاهِرِ
مِمَّا سَمِعْتُ أَوْ يَصِحُ مَا سَلَكْ))
أَوْ صَحَّ عِنْدَ غَيْرِ مَنْ أَجَازَا
- وَلَوْ عَلاَ - فَذَاكَ ذُو أَمْتِيَازٍ
فَإِنْ يَخُطَّ نَاوِياً (فَيُهْمِلَهْ
رَدَّ فَعِنْدِي غَيْرُ فَادِحٍ بِذَا)
◌َشَرْطُهُ يُعْزَّى إِلَى أَكَابِرٍ(١)
٠
(١) الإجازة: أن يأذن الشيخ لغيره بأن يروي عنه مروياته أو مؤلفاته، وكأنها تتضمن إخباره بما أذن له
بروايته عنه.
وقد اختلفوا في جواز الرواية والعمل بها، فأبطلها كثير من العلماء المتقدمين، قال بعضهم: ((من قال
لغيره: أجزت لك أن تروي عني ما لم تسمع -: فكأنه قال: أجزت لك أن تكذب عليّ! لأن الشرع لا
یبح روایة ما لم يسمع)).
وهذا يصح لو أنه أذن له في رواية ما لم يسمع مع تصريح الراوي بالسماع، لأنه يكون كذباً حقيقة، أما
إذا كان يرويه عنه على سبيل الإجازة - وهو محل البحث -: فلا. وقال ابن حزم: ((إنها بدعة غير جائزة))
ومنع بعض الظاهرية من العمل بها، وجعلوها كالحديث المرسل. وهذا القول - أعني إبطالها - ضعفه
العلماء وردّوه.
وتغالى بعضهم فزعم أنها أصح من السماع. وجعلها بعضهم مثله.
والذي رجحه العلماء أنها جائزة، يروى بها ويعمل، وأن السماع أقوى منها. قال ابن الصلاح (ص
١٥٢): ((إن الذي استقر عليه العمل وقال به جماهير أهل العلم من أهل الحديث وغيرهم -: القول
بتجويز الإجازة وإباحة الرواية بها. وفي الاحتجاج لذلك غموض، ويتجه أن نقول: إذا أجاز له أن يروي
عنه مروياته وقد أخبره بها جملة -: فهو كما لو أخبره تفصيلاً، وإخباره بها غير متوقف على التصريح
نطقاً، كما في القراءة على الشيخ، كما سبق، وإنما الغرض حصول الإفهام والفهم، وذلك يحصل
بالإجازة المفهمة. والله أعلم)).
أقول: وفي نفسي من قبول الرواية بالإجازة شيء، وقد كانت سبباً لتقاصر الهمم عن سماع الكتب سماعاً
صحيحاً بالإسناد المتصل بالقراءة إلى مؤلفيها، حتى صارت في الأعصر الأخيرة رسماً يرسم، لا علماً
يتلقى ويؤخذ. ولو قلنا بصحة الإجازة إذا كانت بشيء معين من الكتب لشخص معين أو أشخاص
معيتين -: لكان هذا أقرب إلى القبول. ويمكن التوسع في قبول الإجازة لشخص أو أشخاص معينين مع
إبهام الشيء المجاز، كأن يقول له: ((أجزت لك رواية مسموعاتي)) أو ((أجزت رواية ما صح وما يصح
عندك أني أرويه)). أما الإجازات العامة، كأن يقول: ((أجزت لأهل عصري)) أو ((أجزت لمن شاء) أو
((لمن شاء فلان)) أو المعدوم، أو نحو ذلك مما قاله الناظم هنا -: فإني لا أشك في عدم جوازها.
وإذا صحت الرواية بالإجازة فإنه يصح للراوي بها أن يجيز غيره، ويجوز لهذا الغير أن يروي بها، =
٦٦
-

رَابِعُهَا عِنْدَهُمُ: الْمُنَاوَلَةِ أَنْ يُعْطَى الْمُحَدِّثُ اَلْكِتَابَ لَهْ
لِلشَّيْخِ ذِي الْعِلْمِ لِكَيْمَا يَنْظُرَةْ
مِلْكاً، تَلِي إِعَارَةٌ، أَوْ يُحْضِرَةْ
ثُمَّ يَرُدَّهُ إِلَيْهِ، وَأَذِنْ
وَأَخَذُوا بِهَذِهِ إِجْمَاعَا
(وَآخَرُونَ فَضَّلُوهَا) وَالأَصَحّ
وَصَحَّ إِنْ نَاولَ وَأَسْتَرَدَّا
قِيلَ: وَمَا لِذِي مِنَ أَمْتِيَازِ
وَإِنْ يَكُنْ أَحْضَرَهُ مَنْ يُعْتَمَدْ
فَإِنْ يَقُلْ: ((أَجَزْتُهُ إِنْ كَانَا))
(وَإِنْ يُنَاوِلْ لاَ مَعَ الإِذْنِ وَلاَ
وَإِنْ يَقُلْ: ((هذا سَمَاعِي)) ثُمَّ لَمْ
فِي الصُّورَتَيْنِ فِي رِوَايَةٍ، فَدِنْ
بَلْ قِيلَ: ذِي تُعادِلُ السَّمَاعَا
تَلِي، وَسَبِقُهَا إِجَازَةً وَضَخْ
وَمِنْ مُسَاوِي ذَاكَ الأَصْلِ أَّى
عَلَى الَّذِي عُيِّنَ مِنْ مُجَازٍ
وَمَا رَأَى -: صَحَّ، وَإِلا فَلْيُرَدْ
ضَعَّ وَيُزْوَى عَنْهُ حَيْثُ بَانَا
(هُذَا سَمَاعِي)) -: فَوِفَاقاً بَطَلَاً)
يَأْذَنْ -: فَفِي صِحَّتِهَا خُلْفٌ يُضَمّ(١)
= وخالف في ذلك أبو البركات الأنماطي، فذهب إلى أن الرواية بها لا تجوز، لأن الإجازة ضعيفة، فيقوى
الضعف باجتماع إجازتين. قال النووي في التقريب (ص ١٤١ تدريب): ((والصحيح الذي عليه العمل
جوازه، وبه قطع الحفاظ: الدارقطني وابن عقدة وأبو نعيم وأبو الفتح نصر المقدسي، وكان أبو الفتح
يروي بالإجازة عن الإجازة، وربما والى بين ثلاث)).
ولفظ الإجازة قد وضح مما قلناه. والأصل أن يقوله الشيخ لافظاً به، فإن كتبه من غير نطق فقد رجح
الناظم هنا إبطال الإجازة. وهو غير راجح، بل الكتابة والنطق سواء. قال ابن الصلاح (ص ١٦٠):
((ينبغي للمجيز إذا كتب إجازته أن يتلفظ بها، فإن اقتصر على الكتابة كان ذلك إجازة إذا اقترن بقصد
الإجازة، غير أنها أنقص مرتبة من الإجازة الملفوظ بها. وغير مستبعد تصحيح ذلك بمجرد الكتابة في
باب الرواية التي جعلت فيها القراءة على الشيخ - مع أنه لم يلفظ بما قرىء عليه -: إخباراً منه بما قرىء
عليه)). وهذا هو الحق، وبهذا الدليل نرجح أن الكتابة فيها كالتلفظ سواء.
واستحسن العلماء الإجازة من العالم لمن كان أهلاً للرواية ومشتغلا بالعلم، لا للجهال ونحوهم. وذهب
بعضهم إلى أن هذا شرط في صحتها. قال ابن عبد البر: ((إنها لا تجوز إلا لماهر بالصناعة في شيء معين
لا يشكل إسناده)). وهذا قول قد يكون أقرب إلى الصواب من كل الأقوال.
(١) المناولة: أن يعطي الشيخ للطالب أصل سماعه أو فرعا مقابلاً به ويقول له: ((هذا سماعي عن فلان
فاروه عني)) أو ((أجزت لك روايته عني)) ثم يبقيه معه ملكاً له، أو يعيره إياه لينسخه ويقابل به ثم يعيده
للشيخ، أو يعطي الطالب للشيخ الكتاب فينظره الشيخ ويتأمله - وهو عارف متيقظ - ويوقن أنه أصل
صحيح وأنه من روايته، ثم يعيده الشيخ للطالب ويخبره بأنه من روايته ويأذن له بأن يرويه عنه -: فهذه
الصور كلها مناولة مقرونة بالإجازة، وهي أعلى أنواع الإجازة. قال النووي: ((وهذه المناولة كالسماع في
القوة عند الزهري وربيعة ويحيى بن سعيد الأنصاري ومجاهد والشعبي وعلقمة وإبراهيم وأبي العالية وأبي =
٦٧

(أَنْبَأَنِي)) (نَاوَلَنِي)) ((أَجَازَ لِي))
وَمَنْ يناوَلْ أَوْ يُجَزْ فَلْيَقُلِ:
((أَذِنَ)) أَوْ مُشْبِهَ لهُذِي، وَرَأَوْا
((أَطْلَقَ)) أَوْ (أَبَاحَ)) أَوْ ((سَوَّغَ)) أَو
((حَدَّثَنَا)) ((أَخْبَرْنَا)) مُقَّدًا(١)
ثَالِثَهَا مُصَحَّحاً أَنْ يُورَدَا
وَبَعْضُهُمْ يَخُصُّهُ بِخَبَّرًا(٢).
وَقِيلَ: قَيِّدْ فِي مُجَازٍ قَصُرَا
= الزبير وأبي المتوكل ومالك وابن وهب وابن القاسم وجماعات آخرين)).
قال الناظم في التدريب (ص ١٤٣): ((والأصل فيها ما علقه البخاري في العلم: (أن رسول الله وَلغز كتب
لأمير السرية كتاباً وقال: لا تقرأه حتى تبلغ مكان كذا وكذا، فلما بلغ ذلك المكان قرأه على الناس
وأخبرهم بأمر النبي 198َّ) وصله البيهقي والطبراني بسند حسن. قال السهيلي: احتج به البخاري على
صحة المناولة، فكذلك العالم إذا ناول تلميذه كتاباً جاز له أن يروي عنه ما فيه، قال: وهو فقه صحيح.
قال البلقيني: وأحسن ما يستدل به عليها ما استدل به الحاكم من حديث ابن عباس: (أن رسول الله وَية
بعث بكتابه إلى كسرى مع عبد الله بن حذافة، وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين، فدفعه عظيم البحرين
إلی کسری).)).
وقد نقل ابن الأثير في جامع الأصول: ((أن بعض أصحاب الحديث جعلها - أي هذه المناولة - أرفع من
السماع، لأن الثقة بكتاب الشيخ مع إذنه فوق الثقة بالسماع منه وأثبت، لما يدخل من الوهم على السامع
والمستمع)». وهذه مبالغة، قال النووي: ((والصحيح أنها منحطة عن السماع والقراءة».
ومن صور المناولة: أن يناول الشيخ الطالب كتاباً ويأذنه بروايته عنه ثم يأخذه منه من غير أن يقابله
الطالب على نسخته، وهذه أقل درجة من الصور السابقة، بل هي كالإجازة من غير مناولة، وحكمها
حكمها، وتجوز الرواية بها إن روى من أصل صحيح مساو لأصل شيخه في الصحة.
ومنها أن يعرض الطالب على الشيخ الكتاب ويقول له: هذا من روايتك فتاولنيه وأجز لي روايته)) فيجيبه
الشيخ من غير أن يتحقق صحة ما قاله. فإن كان الطالب ممن يوثق بخبره ومعرفته صحت الإجازة
والمناولة، وإن كان لا يوثق به لم تصح. وإن علق الشيخ الإجازة على ظهور أنه من روايته -: جازت
الإجازة إذا تبين أنه من مروياته.
وأما المناولة المجردة عن الإجازة بأن يناوله ويقول له ((هذا سماعي)) ثم لم يأذن له بروايته عنه -: فإنها
موضع خلاف. والذي أراه أنها أرجح من الإجازة من غير مناولة، لأنه كأنه أخبره بسماعه تفصيلاً حين
أخبره به إجمالاً .
وأما إذا ناوله ولم يخبره بسماعه ولم يجزه بروايته -: فهذه مناولة باطلة باتفاق، ولا تجوز الرواية بها
أصلاً. والله أعلم.
(١) هذه الأبيات وما بعدها في الألفاظ التي يجوز لمن روى بالإجازة أن يقولها عندما يحدث بما روى.
وهي واضحة.
(٢) يعني أن بعض العلماء ذهب إلى أن الإجازة التي قصرت على الإجازة فقط من غير مناولة يجب أن =
٦٨

وَبَعْضُهُمْ يَزْوِي بِنَحْوِ (لِي كَتَبْ))
(فِي الاقْتِرَاحِ مُطْلَقاً لاَ يَمْتَنِغْ
وَ (عَنْ)) وَ ((أَنَّ) جَوَّدُوا فِيمَا يُشَكّ
خَسامِسُهَا: كِتَابَةُ الشَّيْخِ لِمَنْ
يُكْتَبَ عَنْهُ، فَمَتَى أَجَازَا
أَوْ لاَ، فَقِيلَ: لاَ تَصِحُ وَالْأَصَحّ
وَيَكْتَفِي الْمَكْتُوبُ(٢) أَنْ يَعْرِفَ خَطّ
ثُمَّ لَيَقُلْ («حَدَّثَنِي، أَخْبَرِنِي
السَّادِسُ: الإِعْلَامُ، نَحْوُ ((لهذَا
(شَافَةَ)) وهْوَ مُوهِمٌ فَلْيُجتَنَبْ
(أَخْبَرَ)) إِنْ إِسْنَادَ جُزءٍ قَدْ سَمِع(١)
سَمَاعُهُ، وَفِي الْمُجَازِ مُشْتَرَكْ
يَغِيبُ أَوْ يَحْضُرُ أَوْ يَأْذَنُ أَنْ
فَهِيَ كَمَنْ نَاوَلَ حَيْثُ أَمْتَازَا
صِحَّتُهَا، بَلْ وَإِجَازةٌ رَجَخْ
كَاتِهِ، وَشَاهِداً بَعْضٌ شَرَط
كِتَابَةً)) وَالْمُطْلِقِينَ وَهِّنِ(٣)
رَوَايَتِي)) مِنْ غَيْرِ إِذْنٍ حَاذِى
= يقيد الراوي بها قوله ((حدثنا)) أو ((أخبرنا)) ببيان أن ذلك بالإجازة. وأما الإجازة مع المناولة فإنهم أجازوا
فيها إطلاق التحديث والإخبار بدون تقييد. وأن بعض العلماء خصّ الإجازة بغير مناولة بقوله: ((خبّرنا))
بدون همزة وخص القراءة على الشيخ بقوله ((أخبرنا)) بالهمزة. قال العراقي: ((ولم يخل من النزاع، لأن
خبّر وأخبر بمعنى واحد لغة واصطلاحاً)) وهو كما قال.
(١) الاقتراح هو: كتاب لابن دقيق العيد في أصول الحديث. نقل عنه المؤلف في التدريب (ص ١٤٥) أنه
اختار فيه: أنه لا يجوز في الإجازة ((أخبرنا)) لا مطلقاً ولا مقيداً، لبعد دلالة لفظ الإجازة على الإخبار،
إذْ معناه في الوضع الاذن في الرواية. قال: ((ولو سمع الإسناد من الشيخ وناوله الكتاب جاز له إطلاق
(أخبرنا) لأنه صدق عليه أنه أخبره بالكتاب، وإن كان إخباراً إجمالياً فلا فرق بينه وبين التفصيلي)).
(٢)أي المكتوب له.
(٣) النوع الخامس من أنواع الرواية: (المكاتبة) بأن يكتب الشيخ بعض حديثه لمن حضر عنده أو لمن
غاب عنه ويرسله إليه، وسواء كتبه بنفسه أو أمر غيره أن يكتبه ويكفي أن يعرف المكتوب له خط الشيخ
أو خط الكاتب عن الشيخ - ويشترط في هذا أن يعلم أن الكاتب ثقة - وشرط بعضهم في الرواية عن
الكتابة أن تثبت بالبينة، وهذا قول غير صحيح، بل الثقة بالكتابة كافية، ولعلها أقوى من الشهود. ولا
يشترط في الكتابة أن تكون مقرونة بالإجازة على الصحيح الراجح المشهور عند أهل الحديث من
المتقدمين والمتأخرين. وكثيراً ما يوجد في مسانيدهم ومصنفاتهم قولهم: ((كتب إليّ فلان قال حدثنا
فلان)» .
والمكاتبة مع الإجازة أرجح من المناولة مع الإجازة، بل أرى أنها أرجح من السماع وأوثق، وأن
المكاتبة بدون إجازة أرجح من المناولة بالإجازة أو بدونها.
٠
والراوي بالمكاتبة يقول ((حدثني)) أو ((أخبرني)) ولكن يقيدهما بالمكاتبة، لأن إطلاقهما يوهم السماع،
فيكون غير صادق في روايته. وإذا شاء قال ((كتب إليّ فلان)) أو نحوه مما يؤدي معناه.
٦٩

وَأَنَّهُ يَزْوِي وَلَوْ قَدْ حَظَلاَ (١).
فَصَخَّحُوا إِلْغَاءَهُ، وَقِيلَ: لاَ،
وَجَادَةٍ، وَالْمَنْعُ فِيهِمَا قُفِي (٢)
وَأَلْخَلْفُ يَجْرِي فِي وَصِيَّةٍ وَفِي
نَرَى وُجُوبَ عَمَلٍ فِي الْمُعْتَمَدْ(٣)
وَفِي الثَّلَاثَةِ - إِذَا صَحَّ السَّنَدْ -:
(١) النوع السادس من أنواع الرواية: (الإعلام) بأن يخبر الشيخ بعض الرواة بأن هذا الحديث أو الكتاب -
مثلاً - من روايته، ولا يصحب هذا الإخبار إجازة له أو إذن بروايته. والذي اختاره الناظم ونقل
تصحيحه -: أن الرواية بهذه الصفة لا تجوز، والقائلون بذلك قاسوه على (الشهادة على الشهادة) فإنها لا
تصح إلا إذا أذن الشاهد الأول للثاني بأن يشهد على شهادته.
وقال كثير من المحدثين والفقهاء والأصوليين بجواز الرواية بالإعلام من غير إجازة، بل أجازوا الرواية به
وإن منع الشيخ الرواية بذلك، فلو قال الشيخ للراوي: ((هذه روايتي ولكن لا تروها عني، أولا أجيزها
لك)) جاز له مع ذلك روايتها عنه. قال القاضي عياض: ((وهذا صحيح لا يقتضي النظر سواه، لأن منعه
أن لا يحدث بما حدثه - لا لعلة ولا لريبة -: لا يؤثر، لأنه قد حدثه، فهو شيء لا يرجع فيه)» وأجابٍ
القاضي عن القياس على الشهادة بأن: ((هذا القياس غير صحيح، لأن الشهادة على الشهادة لا تصح إلاّ
مع الاذن في كل حال، والحديث عن السماع والقراءة لا يحتاج فيه إلى إذن باتفاق. وأيضاً: فالشهادة
تفترق من الرواية في أكثر الوجوه)» .
والذي اختاره عياض هو الراجح الموافق للنظر الصحيح. بل إن الرواية على هذه الصفة أقوى وأرجح
عندي من الرواية بالإجازة المجردة عن المناولة، لأن في هذه شبه مناولة، وفيها تعيين للمروي بالإشارة
إليه، ولفظ الإجازة لن يكون - وحده - أقوى منها ولا مثلها، كما هو واضح.
(٢) هذان نوعان آخران من الرواية. أما ثانيهما وهو (الوجادة) فإنه على التحقيق ليس نوعاً من الرواية،
وسنرجىء الكلام عليه لآخر الباب. وأما الأول وهو (الوصية) فهو: أن يوصي الشيخ عند سفره أو عند
موته لشخص بكتاب يرويه عنه. وقد أجاز ذلك بعض السلف. قال ابن الصلاح (ص ١٦٧): ((وهذا بعيد
جداً، وهو إما زلة عالم، أو متأول على أنه أراد الرواية على سبيل الوجادة التي يأتي شرحها، إن شاء الله
تعالى. وقد احتج بعضهم لذلك فشبهه بقسم الإعلام وقسم المناولة. ولا يصح ذلك، فإن لقول مَنْ جوّز
الرواية بمجرد الإعلام والمناولة مستنداً ذكرناه، لا يتقرر مثله ولا قريب منه هنا)».
وهو يشير بذلك إلى احتجاج القاضي عياض لصحتها بأن في إعطاء الوصية للموصى له نوعاً من الأذن
وشبهاً من العرض والمناولة، وأنه قريب من الإعلام. وهذا النوع من الرواية نادر الوقوع، ولكنا نرى أنه
إن وقع صحت الرواية به، لأنه نوع من الإجازة، إن لم يكن أقوى من الإجازة المجردة، لأنه إجازة من
الموصي للموصى له برواية شيء معين مع إعطائه إياه، ولا نرى وجهاً للتفرقة بينه وبين الإجازة، وهو
في معناها، أو داخل تحت تعريفها. كما يظهر ذلك بأدنى تأمل.
(٣) في كل أنواع الرواية في الحديث - من السماع إلى الإجازة -: يجب على الراوي العمل بما صح
إسناده عنده من روايته من غير خلاف، وإن خالف في ذلك المقلدون المتأخرون، وخلافهم لا عبرة به،
لأنهم يقرون على أنفسهم بالتقليد، وبأنهم تركوا النظر والاستدلال، وتبعوا غيرهم.
٧٠
٠
=

بِخَطِِّهِ)) وَإِنْ تَخَلْ: ((ظَنَنْتُ))
يُقَالُ فِي وِجَادَةٍ: ((وَجَدْتُ
فِي نُسْخَةٍ تَحَرَّ فِيهِ تُصِبٍ
فِي غَيْرِ حَظُّ: ((قَالَ)) مَا لَمْ تَزْتَبِ
بِـ ((عَنْ)) يُدَلِّسْ أَوْ بـ ((أَخْبَرْ)) رُوَّنَا(١)
وَكُلُّهُ مُنْقَطِعٌ. وَمَنْ أَنَّى
وِجَادَةً، فَقُلْ: أَنَّى مِنْ آخَرَا(٢)
(فَإِنْ يَقلْ: فَمُسْلِمٌ فِيهِ تَرى
٠
= وقد اختلف العلماء في الأنواع الأخيرة من الرواية - وهي: الإعلام والوصية والوجادة -: هل يجب العمل
بما صح إسناده من الحديث المروي بها؟ والصحيح أنه واجب كوجوبه في سائر الأنواع. أما الاعلام
والوصية فقد قدّما أنهما لا يقلّن في القوة والثبوت عن الإجازة. وأما الوجادة فسيأتي القول فيها.
(١) (تا)) هنا اسم إشارة.
(٢) الوجادة - بكسر الواو - مصدر ((وجد يجد)) وهو مصدر مولد غير مسموع من العرب. قال ابن الصلاح
(ص ١٦٧). ((روينا عن المعافى بن زكريا النهرواني: أن المولدين فرعوا قولهم (وجادة) فيما أخذ من
العلم من صحيفة من غير سماع ولا إجازة ولا مناولة -: من تفريق العرب بين مصادر (وجد) للتمييز بين
المعاني المختلفة. يعني قولهم: (وجد ضالته وجداناً) ومطلوبه (وجوداً) وفي الغضب (موجدة) وفي
الغنى (وُجدا) وفي الحب (وَجدا))).
٠
والوجادة هي: أن يجد الشخص أحاديث بخط راويها - سواء لقيه أو سمع منه أم لم يلقه أو لم يسمع
منه - أو أن يجد أحاديث في كتب لمؤلفين معروفين -: ففي هذه الأنواع كلها لا يجوز له أن يرويها عن
أصحابها، بل يقول: ((وجدت بخط فلان)) إذا عرف الخط ووثق منه، أو يقول: ((قال فلان)) أو نحو
ذلك.
وفي مسند أحمد أحاديث كثيرة نقلها عنه ابنه عبد الله ويقول فيها: ((وجدت بخط أبي في كتابه)) ثم يسوق
الحديث، ولم يستجز أن يرويها عن أبيه، وهو راوية كتبه وابنه وتلميذه، وخط أبيه معروف له، وكتبه
محفوظة عنده في خزائنه.
وقد تساهل بعض الرواة فروى ما وجده بخط من يعاصره أو بخط شيخه بقوله ((عن فلان)) قال ابن
الصلاح (ص ١٦٨): ((وذلك تدليس قبيح، إذا كان بحيث يوهم سماعه منه)).
وقد جازف بعضهم فنقل بمثل هذه الوجادة بقوله ((حدثنا فلان)) أو ((أخبرنا فلان)) وأنكر ذلك العلماء، ولم
يجزه أحد يعتمد عليه. بل هو من الكذب الصريح، والراوي به يسقط عندنا عن درجة المقبولين، وتردّ
روايته .
وقد اجترأ كثير من الكتاب في عصرنا في مؤلفاتهم وفي الصحف والمجلات -: فذهبوا ينقلون من كتب
السابقين من المؤرخين وغيرهم بلفظ التحديث، فيقول أحدهم ((حدثنا ابن خلدون)) ((حدثنا ابن قتيبة))
((حدثنا الطبري)) وهو أقبح ما رأينا من أنواع النقل، فإن التحديث والإخبار ونحوهما من اصطلاحات
المحدثين الرواة بالسماع، وهي المطابقة للمعنى اللغوي في السماع، فنقلها إلى معنى آخر - هو النقل من
الكتب - إفساد لمصطلحات العلوم، وإيهام لمن لا يعلم بألفاظ ضخمة ليس هؤلاء الكتاب من أهلها . =
*
٧١

٠٠
= ويخشى على من تجرأ على مثل هذه العبارات أن ينتقل منها إلى الكذب البحت، والزور المجرّد. عافانا
الله .
وبعد: فإن الوجادة ليست نوعاً من أنواع الرواية كما ترى، وإنما ذكرها العلماء في هذا الباب إلحاقاً به -
لبيان حكمها وما يتخذه الناقل في سبيلها.
وأما العمل بها: فقد اختلف فيه قديماً: فنقل عن معظم المحدثين والفقهاء المالكيين وغيرهم -: أنه لا
يجوز. وحكي عن الشافعي وطائفة من نظار أصحابه جوازه. وقطع بعض المحققين من الشافعية وغيرهم
بوجوب العمل بها عند حصول الثقة بما يجده القارىء، أي يثق بأن هذا الخبر أو الحديث بخط الشيخ
الذي يعرفه، أو يثق بأن الكتاب الذي ينقل منه ثابت النسبة إلى مؤلفه، ومن البديهي بعد ذلك اشتراط أن
يكون المؤلف ثقة مأموناً وأن يكون إسناد الخبر صحيحاً -: حتى يجب العمل به.
وجزم ابن الصلاح (ص ١٦٩) بأن القول بوجوب العمل بالوجادة ((هو الذي لا يتجه غيره في الأعصار
المتأخرة، فإنه لو توقف العمل فيها على الرواية لانسدّ باب العمل بالمنقول، لتعذر شرط الرواية فيها.
قال الناظم في التدريب (ص ١٤٩ - ١٥٠): ((قال البلقيني: واحتج بعضهم للعمل بالوجادة بحديث (أي
الخلق أعجب إيماناً؟ قالوا: الملائكة، قال: وكيف لا يؤمنون وهم عند ربهم. قالوا: الأنبياء، قال:
وكيف لا يؤمنون وهم يأتيهم الوحي. قالوا: نحن، فقال: وكيف لا تؤمنون وأنا بين أظهركم. قالوا:
فمن يا رسول الله؟ قال: قوم يأتون من بعدكم يجدون صحفاً يؤمنون بما فيها). قال البلقيني: وهذا
استنباط حسن. قلت: المحتج بذلك هو الحافظ عماد الدين بن كثير، ذكر ذلك في أوائل تفسيره،
والحديث رواه الحسن بن عرفة في جزئه من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وله طرق كثيرة،
أوردتها في الأمالي، وفي بعض ألفاظه: (بل قوم من بعدكم يأتيهم كتاب بين لوحين يؤمنون به ويعملون
بما فيه، أولئك أعظم متكم أجراً) أخرجه أحمد والدارمي والحاكم من حديث أبي جمعة الأنصاري. وفي
لفظ للحاكم من حديث عمر: (يجدون الورق المعلق فيعملون بما فيه، فهؤلاء أفضل أهل الإيمان
إيماناً)».
وهذا الاستدلال الذي ذهب إليه ابن كثير في تفسيره (ج ١ ص ٧٤ - ٧٥ طبعة المنار) وارتضاه البلقيني
والناظم -: فيه نظر. ووجوب العمل. بالوجادة لا يتوقف عليه، لأن مناط وجوبه إنما هو البلاغ وثقة
المكلف بأن ما وصل إلى عمله صحت نسبته إلى رسول الله ويطهر. والوجادة الجيدة التي يطمئن إليها قلب
الناظر لا تقل في الثقة عن الإجازة بأنواعها لأن الإجازة - على حقيقتها - إنما هي وجادة معها إذن من
الشيخ بالرواية. ولن تجد في هذه الأزمان من يروي شيئاً من الكتب بالسماع، إنما هي إجازات كلها، إلا
فيما ندر. والكتب الأصول الأمهات في السنة وغيرها -: تواترت روايتها إلى مؤلفيها بالوجادة واختلاف
الأصول العتيقة الخطية الموثوق بها. ولا يتشكك في هذا إلاّ غافل عن دقة المعنى في الرواية والوجادة،
أو متعنت لا تقنعه حجة.
ثم إن الناظم أشار إلى اعتراض بعض العلماء على مسلم بن الحجاج صاحب الصحيح، فقد انتقدوا عليه
بعض أحاديث مروية بالوجادة، والوجادة - كما تقدم حكمها - منقطعة لأنها ليست من الرواية. والذي =
٧٢
.

کتابة الحدیث وضبطه
ثُمَّ الْجَوَازْ بَعْدِ إِجْمَاعاً وَفَا
كِتَابَةُ الْحَدِيثِ فِيهِ اخْتُلِفَا
(مُسْتَنَدُ الْمَنْعِ حَدِيثُ مُسْلِمٍ :
((لاَ تَكْتُبُوا عَنِّي)) فَالْخُلْفُ نُمِي
وَآَخَرُونَ عَلَّلُوا بِالْخوْفِ
فَبَعْضُهُمْ أَعَلَّهُ بِالْوَقْفِ
لِأَمْنِهِ، وَقِيلَ: ذَا لِمَنْ نَسَخْ
مِنَ أخْتِلاَطِ بِالْقُرآنِ فَأَنْتُسَخْ
لاَمِنِ نِسِيَانَهُ، لاَذِي خَلَنَ)(١)
أَلْكُلَّ فِي صَحِيفَةٍ، وَقِيلَ: بَلْ
= ذكره الناظم في التدريب ورأيناه في صحيح مسلم، ثلاثة أحاديث هي: حديث عائشة: ((تزوجني رسول
الله (َ﴿ لست سنين) الخ (صحيح مسلم ج ١ ص ٤٠١) وحديثها أيضاً: ((قالت: قال لي رسول الله وَآليو:
إني لأعلم إذا كنت غير راضية)) (ج ٢ ص ٢٤٤) وحديثها أيضاً: ((إن كان رسول الله وَ ﴾ ليتفقد يقول: أين
أنا اليوم؟ أين أنا غداً؟)) (ج ٢ ص ٢٤٥) وكلها بهذا الإسناد: ((حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: وجدت
في كتابي عن هشام عن أبيه عن عائشة)).
وقد أجاب الناظم هنا عن هذا النقد - تبعاً للرشيد العطار - بأن مسلماً روى الأحاديث الثلاثة من طرق
أخرى موصولة إلى هشام وإلى أبي أسامة. وهذا الجواب صحيح في ذاته، لأن مسلماً رواها كذلك.
وأجاب في التدريب (ص ١٤٩) بجواب آخر وهو ((إن الوجادة المنقطعة أن يجد في كتاب شيخه، لا في
كتابه عن شيخه، فتأمل)) وهذا الجواب هو الصحيح المتعين هنا، لأن الراوي إذا وجد في كتاب نفسه
حديثاً عن شيخه كان على ثقة من أنه أخذه عنه، وقد تخونه ذاكرته فينسى أنه سمعه منه فيحتاط - تورعاً -
ويذكر أنه وجده في كتابه، كما فعل أبو بكر بن أبي شيبة رحمه الله.
(١) اختلف الصحابة قديماً في جواز كتابة الأحاديث، فكرهها بعضهم، لحديث أبي سعيد الخدري أن
رسول الله وَ ل﴿ قال: ((لا تكتبوا عني شيئاً إلّ القرآن، ومن كتب عني شيئاً غير القرآن فليمحه)) رواه مسلم
في صحيحه .. أكثر الصحابة على جواز الكتابة، وهو القول الصحيح. وقد أجاب العلماء عن حديث أبي
سعيد بأجوبة: فبعضهم أعله بأنه موقوف عليه، وهذا غير جيد، فإن الحديث صحيح. وأجاب غيره بأن
المنع إنما هو من كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة خوف اختلاطهما على غير العارف في أول
الإسلام. وأجاب آخرون بأن النهي عن ذلك خاص بمن وثق بحفظه خوف اتكاله على الكتابة، وأن من
لم يثق بحفظه فله أن يكتب.
وكل هذه إجابات ليست قوية. والجواب الصحيح أن النهي منسوخ بأحاديث أخرى دلت على الإباحة،
فقد روى البخاري ومسلم: أن أبا شاهٍ اليمني التمس من رسول الله وَيقر أن يكتب له شيئاً سمعه من خطبته
عام فتح مكة فقال: ((اكتبوا لأبي شاهٍ) وروى أبو داود والحاكم وغيرهما عن عبد الله بن عمرو بن العاص
قال: ((قلت: يا رسول الله، إني أسمع منك الشيء فأكتبه؟ قال: نعم، قال: في الغضب والرضا؟ قال:
نعم، فإني لا أقول فهما إلاّ حقاً». وروى البخاري عن أبي هريرة قال: ((ليس أحد من أصحاب رسول
اللهَ ﴿ أكثر حديثاً مني، إلّ ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب)). وروى الترمذي
عن أبي هريرة قال: ((كان رجل من الأنصار يجلس إلى رسول الله وب لر فيسمع منه الحديث فيعجبه، ولا =
٧٣

لِلِضَّبْطِ بِالنَّقْطِ وَشَكْلِ مَا عَجَمْ(١)
ثُمَّ عَنَى كَاتِهِ صَرْفُ الْهِمَمْ:
وَفِي سُمىّ مَحَلٌّ لَنْسٍ أُكِّدَا(٢)
وَقِيلَ: شَكْلُ كُلِّهِ لِذِي أَبْتِدَا
مُقَطِّعاً حُرُوفَهُ لِلنَّاشِي (٣)
وَلاَ - بِلاَ مَعْذِرَةٍ - تُدَفِّقِ (٥)
وَأَضْبِطْهُ فِي الأَصْلِ وَفِي الْحَوَاشِي
وَالْخَطَّ حَقٌّقْ لاَ تُعَلِّقْ تَمْشُقِ (٤)
= يحفظه، فشكا ذلك إلى رسول الله وَله، فقال: استعن بيمينك، وأومأ بيده إلى الخطيب.
وهذه الأحاديث مع استقرار العمل بين أكثر الصحابة والتابعين ثم اتفاق الأمة بعد ذلك على جوازها -:
كل هذا يدل على أن حديث أبي سعيد منسوخ، وأنه كان في أول الأمر حين خيف اشتغالهم عن القرآن،
وحين خيف اختلاط غير القرآن، وحديث أبي شاهٍ في أواخر حياة النبي وَّر، وكذلك إخبار أبي هريرة -
وهو متأخر الإسلام - أن عبد الله بن عمرو كان يكتب وأنه هو لم يكن يكتب يدل على أن عبد الله كان
يكتب بعد إسلام أبي هريرة، ولو كان حديث أبي سعيد في النهي متأخراً عن هذه الأحاديث في الإذن
والجواز -: لعرف ذلك عند الصحابة يقيناً صريحاً. ثم جاء إجماع الأمة القطعي بعدُ قرينة قاطعة على أن
الاذن هو الأمر الأخير، وهو إجماع ثابت بالتواتر العملي عن كل طوائف الأمة بعد الصدر الأول. رضى
الله عنهم أجمعين.
وقد قال ابن الصلاح (ص ١٧١): ((ثم إنه زال ذلك الخلاف، وأجمع المسلمون على تسويغ ذلك
وإباحته، ولو لا تدوينه في الكتب لدرس في الأعصر الآخرة)) ولقد صدق.
(١) قال ابن الصلاح (ص ١٧١) ((على كتبة الحديث وطلبته صرف الهمة إلى ضبط ما يكتبونه أو يحصلونه
بخط الغير من مروياتهم على الوجه الذي رووه شكلاً ونقطاً يؤمن معهما الالتباس. وكثيراً ما يتهاون
بذلك الواثق بذهنه وتيقظه، وذلك وخيم العاقبة، فإن الإنسان معرض للنسيان، وأول ناس أول الناس.
وإعجام المكتوب يمنع من استعجامه، وشكله يمنع من إشكاله. ثم لا ينبغي أن يعتني بتقييد الواضح
الذي لا يكاد يلتبس، وقد أحسن من قال: (إنما يُشْكَلُ ما يُشْكلُ)). وقد كان الأولون يكتبون بغير نقط
ولا شكل، ثم لما تبين الخطأ في قراءة المكتوب لضعف القوة في معرفة العربية -: كان النقط، ثم كان
الشكل .
(٢) أي ينبغي ضبط الأعلام التي تكون محل لبس، لأنها لا تدرك بالمعنى، ولا يمكن الاستدلال على
صحتها بما قبلها ولا بما بعدها. قال أبو إسحق النجيرمي - بالنون المفتوحة ثم الجيم .. ((أولى الأشياء
بالضبط أسماء الناس، لأنه لا يدخله القياس، ولا قبله ولا بعده شيء يدل عليه)).
(٣) يحسن في الكلمات المشكلة التي يخشى تصحيفها أو الخطأ فيها -: أن يضبطها الكاتب في الأصل ثم
يكتبها في الحاشية مرة أخرى بحروف واضحة، أو يفرق حروفها حرفاً حرفاً ويضبط كلا منها، لأن بعض
الحروف الموصولة يشتبه بغيره. قال ابن دقيق العيد: ((من عادة المتقنين أن يبالغوا في إيضاح المشكل
فيفرقوا حروف الكلمة في الحاشية ويضبطوها حرفاً حرفاً)) وقد رأينا ذلك في كثير من المخطوطات
العتيقة .
(٤) التعليق خلط الحروف التي ينبغي تفرقتها. والمشق - بفتح الميم - سرعة الكتابة.
(٥) كره العلماء الكتابة بالخط الدقيق من غير عذر، لأنه قد تشتبه فيه الحروف، وكثيراً ما تصعب قراءته، =
٧٤
٠
1

وَيَنْبَغِي ضَبْطُ اَلْحُرُوفِ اَلْمُهْمَلَهْ
أَوْ هَمْزَةٍ أَوْ فَوْقَهَا قُلَاَمَهْ
وَالنَّقْطُ تَحْتَ السِّينِ قِيلَ: صَفًّا
=
(وَأَلْكَافُ لَمْ تُبْسَطْ فَكَافُ كُتِبَا
وَالزَّمْزَ بَيِّنْ وَسِوَاهُ أَفْضَلُ
بِدَارَةٍ، وَعِنْدَ عَرْضٍ تُعْجَمُ(٤)
بِنَقْطِهَا أَوْ كَتْبِ حَرْفٍ أَسْفَلَهْ
أَوْ فَتْحَةٌ (أَوْ هَمْزَةٌ عَلَامَةْ)
وَقِيلَ - كَالشِّينِ -: أَثَافِي(١) تُلْفُى(٢)
فِي بَطْنِهَا، وَاَللَّمُ لَماً صَحِبًا)(٣)
وَبَيْنَ كُلِّ أَثَرَيْنِ يُفْصَلُ
وَكَرِهُوا فَضْلَ مُضَافٍ يُؤْهِم(٥)
=قال حنبل بن إسحق - ابن عم الإمام أحمد -: ((رآني أحمد بن حنبل وأنا أكتب خطاً دقيقاً، فقال: لا
تفعل، أحوج ما تكون إليه يخونك)) يعني أن شدة حاجته إليه عندما يدخل في السنّ ويحتاج إلى القراءة
فيه للطلاب أو لنفسه، ثم لا يقوى بصره على تبين الحروف الدقيقة. وهذه حكمة جيدة.
(١) أثافي جمع أثفية، وهي ما يوضع عليه القدر، شبه بها نقط الشين الموضوعة هكذا ... لقرب الشكل.
(٢) ينبغي ضبط الحروف المهملة لبيان إهمالها، كما تعرف المعجمة بالنقط. لأن بعض القراء قد يتصحف
عليه الحرف المهمل فيظنه معجماً وأن الكاتب نسي نقطه. وطرق البيان كثيرة: فمنهم من يضع تحت
الحرف المهمل مثل النقط الذي فوق المعجم المشابه له، كالسين، يضع تحتها ثلاث نقط، إما صفا
واحداً هكذا (٠٠٠ ) وإما مثل نقط الشين المعجمة، ومنهم من يكتب الحرف نفسه بخط صغير تحت
الحرف المهمل، مثل (ح) تحت الحاء، و(سـ) تحت السين، وهكذا. ومنهم من يكتب همزة صغيرة
تحت الحرف أو فوقه. ومنهم من يضع خطاً أفقياً فوق الحرف هكذا (-). ومنهم من يضع فوقه رسماً
أفقياً كقلامة الظفر هكذا (). وتجد هذه العلامات كثيراً في الخطوط القديمة الأثرية.
٠
(٣) الكاف تكتب برسمين: أحدهما هكذا (كـ) وهو واضح، والثاني شبه اللام، فهذه تكتب فيها كاف
صغيرة، وهي المعروفة في أكثر الكتابات الآن (ك)، وقد يظن من لا خبرة له أن ما في بطنها همزة، وهو
وهم، بل هي كاف صغيرة. وأما اللام فإن بعضهم يميزها بكتابة كلمة ((لام)) في وسطها بحرف صغير.
وأرى أنه ينبغي أيضاً كتابة الهمزات في الحروف المهموزة، وأن تكون التي في أول الكلمة فوق الألف
إن كانت مفتوحة، وتحتها إن كانت مكسورة. وأكثر الكاتبين يختارون وضع الهمزة فوق الألف مطلقاً،
مفتوحة أو مكسورة، ولكن الذي اخترناه أولى وأوضح.
(٤) إذا جعل الكاتب لنفسه اصطلاحاً خاصا، أو كان يكتب تبعاً لاصطلاح معروف من قبل، بالرمز إلى
كتب معينة أو أعلام مخصوصة، كالمعروف عند المحدثين، من الرمز للبخاري (خ) ولمسلم (م) الخ -:
فينبغي له أن يبين هذا الرمز في أول كتابه أو في آخره، لئلا يختلط على القارىء. ولو عدل عن الرمز
وأوضح الأسماء كاملة كان أحسن جداً.
ثم إن المتقدمين كانوا يفصلون بين كل حديثين أو أثرين بدائرة هكذا (٥)، وعند عرض النسخة ومقابلتها
على الأصل أو على الشيخ يضع نقطة في الدائرة التي تلي الحديث المقابل ليعرف ما قابله مما بقي
علیه، وهو اصطلاح جيد.
(٥) أي كرهوا فصل المضاف عن المضاف إليه بكتابة الأول في سطر ثم الثاني في السطر الآخر، كما =
٧٥

وَأَكْتُبْ ثَنَاءَ اللَّهِ وَالتَّسْلِيمَا
وَلا تَكُنْ تَزْمِزُهَا أَوْ تُفْرِدٍ
ثُمَّ عَلَيْهِ (حَتْماً) الْمُقَابَلَة
وَخَيْرُهَا مَعْ شَيْخِهِ إِذْ يَسْمَعُ
وَقِيلَ: هُذا وَاجِبٌ، (وَيُكْتَفْسِى
وَنَظَرُ السَّامِعِ مِنْهُ يُنْدَبُ
إِنْ لَمْ يُقَابِلْ جَازٍ أَنْ يَزْوِيَ إِنْ
وَكُلُّ ذَا مُعْتَبَرٌ فِي الأَصْلِ (٢)
مَعَ الصَّلاَةِ (والرِّضَىْ) تَعْظِيمَا
وَلَوْ خَلاَ الأَضْلُ، خِلاَفَ أَحْمَدٍ(١)
بِأَضْلِهِ أَوْ فَزْعِ أَصْلٍ قَابَلَةْ
وَقَالَ فَوْمٌ: مّعَ نَفْسٍ أَنْفَعُ
إِنْ ثِقَةٌ قَابَلُهُ فِي الْمُقْتَفِى)
فِي نُسْخَةٍ، وَأَبْنُ مَعِينٍ: يَجِبُ
يَنْسَخْ مِنْ أَصْلٍ ضَابِطٌ ثُمَّ لْيُنْ
وَسَاقِطاً خَرِّجْ لَهُ بِالْفَضْلِ
= يكتب ((عبد الله)) مثلاً، فإنه إذا كتب لفظ الجلالة في أول السطر الثاني وجاء بعده اسم أو وصف كان
موهماً سوء الأدب. وهذا مرجعه ومرجع أمثاله ـ مما يوهم في القراءة - إلى ذوق الكاتب وحسن تقديره
لما يكتب.
(١) ينبغي أن يكتب أيضاً الثناء على الله تعالى والصلاة على رسوله عليه والترضي والترحم على الصحابة
والعلماء السابقين، ولا يرمز إلى ذلك بل يكتبه كاملاً، فإن بعض الناس يرمز إلى الصلاة مثلا (صلعم) أو
(ص) وبعضهم يرمز إلى الترضي (رض)، وهذا اختصار غير جيد.
وذهب أحمد بن حنبل إلى أن الناسخ يتبع الأصل الذي ينسخ منه، فإن كان فيه ذلك كتبه، وإلاّ لم
يكتبه، وفي كل الأحوال يتلفظ الكاتب بذلك حين الكتابة، فيصلي نطقاً وخطاً إذا كانت في الأصل
صلاة، ونطقاً فقط إذا لم تكن. وهذا هو القول المختار عندي، محافظة على الأصول الصحيحة لكتب
السنة وغيرها، وكذلك أختاره في طبع آثار المتقدمين، وبه أعمل إن شاء الله.
(٢) بعد إتمام نسخ الكتاب تجب مقابلته على الأصل المنقول منه أو على أصل آخر مقابل أو على نسخة
منقولة من الأصل مقابلة. وهذا لتصحيح المنسوخ خشية سقوط شيء منه أو وقوع خطأ في النقل. قال
عروة بن الزبير لابنه هشام: ((كتبتَ؟ قال: نعم، قال: عرضت كتابك؟ قال: لا، قال: لم تكتب)). وقال
الأخفش: ((إذا نسخ الكتاب ولم يعارَض، ثم نسخ ولم يعارض -: خرج أعجمياً).
ويقابل الكاتب نسخته على الأصل مع شيخه الذي يروي عنه الكتاب - إن أمكن، وهو أحسن - أو مع
شخص آخر، أو يقابل بنفسه وحده كلمة كلمة، ورجحه أبو الفضل الجارودي فقال: ((أصدق المعارضة
مع نفسك))، بل ذهب بعضهم إلى وجوبه، فقال: ((لا تصح مع أحد غير نفسه، ولا يقلد غيره)». وأرى
أن هذا يختلف باختلاف الظروف والأشخاص، وكثير من الناس يتقنون المقابلة وحدهم ويطمئنون إليها
أكثر من المقابلة مع غيرهم. وإذا لم يتمكن الكاتب من مقابلة نسخته بالأصل فيكتفي بأن يقابلها غيره
ممن يثق به .
ويستحب لمن يسمع من الشيخ أن يكون بيده نسخة يقابل عليها، فإن لم يكن فينظر مع أحد الحاضرين
في نسخته. وذهب ابن معين إلى اشتراط ذلك، فقد سئل عمن لم ينظر في الكتاب والمحدث يقرأ: هل =
٧٦
٠
٠
٠

يُمْنَى - بِغَيْرٍ طَرْفٍ سَطْرٍ - وَأَعْتَلَى(١)
مُنْعَطِفاً، وَقِيلَ: مَوْصُولاً إِلَى
وَيَعْدَهُ ((صَحَّ)) وَقَيلَ: زِدْ (رَجَعْ))
وَخَرِّجَنْ لِغَيْرِ أَصْلٍ مِنْ وَسَطْ
مَا صَعَّ فِي نَقْلٍ وَمَعْنِى وَهْوَ فِي
وَقِيلَ: كَرِّرْ كِلْمَةَ، لَكِنْ مُنِعْ
وَقِيلَ: ضَبِّبْ خَوْفَ لَبْسِ مَا سَقَطْ(٢)
مَعْرِضٍ شَكِّ ((صَحَّ)) فَوْقَهُ قُفِي
ضَبِّبْ وَمَرِّضْ فَوْقَه صَادٌ تُمَدّ
أَوْ صَحَّ نَقْلاً وَهْوَ فِي الْمَعنَى فَسُدْ
وَبَعْضُهُمْ أَكَّدَ فِي أَتَّصَالِ
كَذَاكَ فِي الْقَطعِ وَفِي الإِزْسَالِ
لِعَطْفِ أَسْمَاءِ بِصَادٍ بَيْنَهُمْ
وَأَخْتَصَرَ النَّصْحِيحَ فِيهَا بَعْضُهُمْ(٣)
= يجوز أن يحدث بذلك؟ فقال: ((أما عندي فلا يجوز، ولكن عامة الشيوخ هكذا سماعهم)). قال النووي:
((والصواب - الذي قاله الجمهور - أنه لا يشترط)).
أما إذا لم يعارض الراوي كتابه بالأصل: فذهب القاضي عياض وغيره إلى أنه لا يجوز له الرواية منه عند
عدم المقابلة. والصواب الجواز إذا كان ناقل الكتاب ضابطاً صحيح النقل قليل السقط، وينبغي أن يبين
حين الرواية أنه لم يقابل على الأصل المنقول منه، كما كان يفعل أبو بكر البرقاني، فإنه روى أحاديث
كثيرة قال فيها: ((أخبرنا فلان ولم أعارض بالأصل)).
ثم إن الشروط التي سبقت في تصحيح نسخة الراوي ومقابلتها بأصلها الخ ـ: تعتبر أيضاً في الأصل
المنقول عنه، لئلا يقابل نسخته على أصل غير موثوق به ولا مقابل على ما نقل منه.
(١) خ: وعلا.
(٢) إذا سقط من الناسِخ بعض الكلمات وأراد أن يكتبها في نسخته فالأصوب أن يضع في موضع السقط
- بين الكلمتين - خطًا رأسياً ثم يعطفه بين السطرين بخط أفقي صغير إلى الجهة التي سيكتب فيها ما سقط
منه، فيكون بشكل زاوية قائمة هكذا ٢ إلى اليمين، أو هكذا ٦ إلى اليسار. واختار بعضهم أن يطيل
الخط الأفقي حتى يصل إلى ما يكتبه، وهو رأي غير جيد، لأن فيه تشويهاً لشكل الكتاب، ويزداد هذا
التشويه إذا كثرت التصحيحات. ثم يكتب ما سقط منه ويكتب بجواره كلمة ((صح) وكلمة ((رجع))
والاكتفاء بالأولى أحسن وأولى. وذهب بعضهم إلى أنه يكتب عقب السقط الكلمة التي تتلوه في صلب
الكتاب، ولكن هذا غير مقبول، لئلا يظن القارىء أن الكلمة المكتوبة في الحاشية وفي الصلب مكررة في
الأصل، وهو إيهام قبيح. وأما إذا أراد أن يكتب شيئاً بحاشية الكتاب على سبيل الشرح أو نحوه - ولا
يكون إتماماً لسقط من الأصل - فيحسن أن يرسم العلامة السابقة في وسط الكلمة التي يكتب عنها فتكون
العلامة فوقها، ليفرق بين التصحيح وبين الحاشية. واختار القاضي عياض أن يضبب فوق الكلمة. وفي
عصورنا هذه نضع الأرقام للحواشي كما ترى في هذا الكتاب.
(٣) من شأن المتقنين في النسخ والكتابة أن يضعوا علامات توضح ما يخشى إبهامه: فإذا وجد كلام
صحيح معنى ورواية وهو عرضة للشك في صحته أو الخلاف فيه -: كتب فوقه ((صح). وإذا وجد ما
صح نقله وكان معناه خطأ وضع فوقه علامة التضبيب - وتسمى أيضاً ((التمريض)) - وهي صاد ممدودة =
٧٧

وَمَا يَزِيدُ فِي الْكِتَابِ فَأُمْحُ أَوْ
وَصْلاً لِهَذَا الخَطُّ بِالْمَضْرُوبِ
مُنْعَطِفاً مِنْ طَرَفَيْهِ أَوْ كُتِبْ
بِنِصْفِ دَارَةٍ فَإِنْ تَكَرَّرَا
وَبَعْضُهُمُ يَكْتُبُ ((لاَ)) (أَوْ ((مِنْ))) عَلَى
وَإِنْ يَكُ الضَّرْبُ عَلَى مُكَرَّرِ
وَفِي الأَخِيرِ: أَوَّلاً أَوْ وُزْعَا
وَحَيْثُ لاَ - وَوَقَعَا فِي الأَثْنَا -:
وَذُو الرِّوَايَاتٍ يَضُمُ الزَّائِدَة
مُلْحِقَ مَا زَادَ بِهَامِشٍ وَمَا
مُسَمِّياً أَوْ رَامِزاً مُبَيِّناً
وَكَتَّبُوا (دَثَنَا)) (ثَنَا)) ((وَنَا))
حُكَّ أَوْ أَضْرِبْ، وَهُوَ أَزْلَى، وَرأَوْا
وَقُيلَ: بَلْ يُفْصَلُ مِنْ مَكْتُوبٍ
صِفْرا بِجَانِيْهِ أَوْ هُمَا أَصِبْ
زِيَادَةُ الأَسْطِرِ سِمْهَا أَوْعَرَا
أَوَّلِهِ (أَوْ ((زَائِداً»» ثُمَّ ((إِلَى))
فَالثَّانِي أَضْرِبْ فِي أَيْتِدَاءِ الأَسْطُرِ
وَأَلْوَصْفَ وَالْمُضَافَ صِلْ لاَ تَقْطَعَا
قَوْلاَنٍ: ثَانٍ، أَوْ: قَلِيلٌ حُسْنَا(١)
مُوصِّلاً كِتَابَهُ بِوَاحِدَةْ
يَنْقُصُ مِنْهَا فَعَلَيْهِ أَعْلَمَا
أَوْ ذَا وَذَا بِحُمْرَةٍ وَبَيَّنَا
وَ ((دَثَنَا)) ثُمَّ ((أَنَا)) ((أَخْبَرَنَا))
= هكذا ((ص) ولكن لا يلصقها بالكلام، لئلا يظن أنه إلغاء له وضرب عليه. وكذلك توضع هذه العلامة
على موضع الإرسال أو القطع في الإسناد، وكذلك فوق أسماء الرواة المعطوفة نحو ((فلان وفلان)) لئلا
يتوهم الناظر أن العطف خطأ وأن الأصل ((فلان عن فلان)). والأحسن في الإرسال والقطع والعطف
ونحوها -: وضع علامة التصحيح، كما هو ظاهر. وفيما كان خطأ في المعنى أن يكتب فوقه أو بجواره
كلمة ((كذا)) وهو المستعمل كثيراً في هذه العصور.
(١) إذا غلط الكاتب فزاد في كتابته شيئاً: فأما أن يمحوه إن كان قابلاً للمحو، أو يكشطه بالسكين
ونحوها، وهذا عمل غير جيد، والأصوب أن يضرب عليه بخط يخطه عليه مختلطاً بأوائل كلماته ولا
يطمسها، وبعضهم يخط فوقه خطاً منعطفاً عليه من جانبيه هكذا | أو يضع الزيادة بين صفرين
مجوفين هكذا ٥٥، أو بين نصفي دائرة، وكل هذا موهم.
وإذا كان الزائد كثيراً فالأحسن أن يكتب فوقه في أوله كلمة ((لا)) أو ((من)) أو ((زائد)» وفي آخره فوقه أيضاً
كلمة ((إلى)) ليعرف القارىء الزيادة بالضبط من غير أن يشتبه فيها. وتجد هذا كثيراً في الكتب المخطوطة
القديمة التي عنى أصحابها بصحتها ومقابلتها.
وإذا كانت الزيادة بتكرار كلمة واحدة مرتين: فقيل: يضرب على الثانية مطلقاً، وقيل بالتفصيل: فيضرب
عليها إن كانتا في أول السطر أو وسطه، ويضرب على الأولى إن كانتا في آخر السطر أو كانت الأولى في
آخره والثانية في أول السطر التالي، مع ملاحظة أن لا يفصل بين الوصف والموصوف ولا بين المضاف
والمضاف إليه، وإن كانتا في وسط السطر أبقى أحسنهما صورة وأوضحهما.
٧٨
٠
٠
٠

٠
وَ ((قَالَ)) ((قَافاً)) (مَغ ((ثَنَا)) أَوْ تُفْرَدُ)
وَكَتَبُوا ((حَا)) عِنْدَ تَكْرِيرٍ سَنَدْ
مِنَ الْحَدِيثِ، أَوْ لِتَحْوِيلِ وَرَدْ
وَكاتِبُ التَّسْمِيعِ فَلْيَُسْمِلِ
ثُمَّ يَسُوقُ (سَنَداً وَمَتْنَا
وَيَكْتُبُ التَّأُرِيخَ مَعْ مَنْ سَمِعُوا
وَلْيَكُ مَوْثُوقاً، وَلَوْ بِخَطِّهِ
أَزْ ثِقَةٍ، وَالشَّيْخُ لَمْ يُحْتَجْ إِلَى
وَمَنْ سَمَاعُ الْغَيْرِ فِي كِتَابِهِ
نُلْزِمُهُ بِأَنْ يُعِيرَهُ، وَمَنْ
وَلْيُسْرِعِ الْمُعَارُ ثُمَّ يَنْقُلُ
أَوْ (أَرْنَا)) أَوْ (أَبْنَا)) (أَوْ ((أَخَنَا)) ((حَدَّثَنِي)) قِسْهَا عَلَى ((حَدَّثَنَا)))
وَحَذْفُهَا فِي الْخطُّ أَضْلاً أَجْوَدُ
فَقِيلَ: مَنْ ((صَحَّ)) وَقِيلَ: ذَا انْفَرَدْ
أَوْ حَائِلٍ، وَقَوْلُهَا لَفْظاً أَسَدّ (١)
وَيَذْكُرِ أُسْمَ الشَّيْخِ (نَاسِباً جَلِي)
لِآَخِرٍ، وَلْيَتَجَانَبْ وَهْنَا)
فِي مَوْضِعِ مَا، وَأَبْتِدَاءٌ أَنَفَعُ
لِنَفْسِهِ، وَعَدُّهُمْ بِضَبْطِهِ
تَصْحِيحِهِ، وَحَذْفُ بَعْضٍ حُظِلاً
بِخَطِّهِ (أَوْ خط بِالرِّضَى بِهِ)
غَيْرِ خَطّ أَوْ رِضَاهُ فَلْيُسَنّ
سَمَاعَهُ مِنْ بَعْدِ عَرْضٍ يحصُلُ(٢)
(١) من روى الكتاب بروايات مختلفة جعل نسخته على رواية منها واعتبرها أصلاً، ثم يكتب ما زاد في
الروايات الأخرى بالهامش، ويبين ما نقص في الروايات الأخرى عنها بعلامة يرمز بها إليها أو يسميها،
أو يكتب بمداد آخر ويبين اصطلاحه في أول النسخة أو في آخرها. وتجد هذه الطرق كثيرة في الكتب
المخطوطة الصحيحة. وتجد بيان اختلاف الروايات على أدقه في النسخة اليونينية من البخاري، وهي التي
طبعت في بولاق بمصر بأمر المرحوم السلطان عبد الحميد ثم طبعت بمصر مراراً على غرارها. ثم إن
الناظم ذكر بعض الاختصارات التي يلجأ إليها المحدثون في نسخ الكتب، وهي ظاهرة.
(٢) بعد سماع الكتاب على الشيخ ينبغي كتابة ذلك على النسخة التي سمع فيها، ويبدأ بالتسمية لفظاً
وخطاً، ثم يكتب اسم شيخه ونسبه بإيضاح، ثم يسوق إسناد الشيخ إلى مؤلف الكتاب، وإذا كان يروي
أحاديث عن شيخه ـ في غير كتاب مؤلف - فيذكر متن كل حديث عقيب إسناده، ويكتب تاريخ السماع
وأسماء الحاضرين الذين سمعوا معه. والأحسن أن يكتب كل هذا في أول الكتاب، ولو كتبه في آخره فلا
بأس به. وينبغي أن يكون كاتب السماع موثوقاً به، ولا بأس أن يكتب الشخص سماعه لنفسه بخطه.
-
وإذا كتب الشيخ على السماع بخطه أن هذا صحيح كان جيداً، كما نجده كثيراً على النسخ العتيقة
للمتقدمين، وإن لم يكتب فلا بأس إذا كان كاتب التسميع ثقة. نقل ابن الصلاح (ص ١٨٣): أن الحافظ
ابن منده قرأ ببغداد جزءاً على أبي أحمد الفرضي وسأله خطه ليكون حجة له، فقال له أبو أحمد: ((يا
بني عليك بالصدق، فإنك إذا عرفت به لا يكذبك أحد وتصدق فيما تقول وتنقل، وإذا كان غير ذلك فلو
قيل لك: ما هذا خط أبي أحمد الفرضي، ماذا تقول لهم؟!)).
٧٩
=

صفة رواية الحديث
حِفْظاً أَوِ السَّمَاعَ لَمَّا يَذْكُرِ
وَمَنْ رَوَى مِنْ كُتُبٍ وَقَدْ عَرِي
أَوْ غَابَ أَضْلٌ إِنْ يَكُ التَّغْيِيرُ
يَضْبُطْهُمَا مُعْتَمَدٌ مَشْهُـورُ
يَنْدُرُ أَوْ أُمْيُّ أَوْ ضَرِيرُ
-: فَكُلَّ لهُذَا جَوَّزَ الْجَمْهُورُ
يَسْمَعَ فِيهَا الشَّيْخُ أَوْ يُسْمِعُ -: لَنْ
وَمَنْ رَوَى مِنْ غَيْرِ أَصْلِهِ بِأَنْ
جَوَازَهُ (وَفَصَّلَ الْخَطِيبُ:
يُجَوِّزُوهُ، وَرَأَى أَيُوبُ
فَإِنْ يُجِزْهُ يُيَحِ الْمَجْمُوعُ(١)
إِنِ أَطْمَأَنَّ أَنَّهَا المَسْمُوعُ)
= ولا يجوز لكاتب السماع أن يسقط أسماء بعض الحاضرين لغرض فاسد، فإن هذا ينافي الثقة والأمانة.
1
ويجب عليه أن يعير نسخته لمن يطلبها ممن كتب اسمه في السماع لينقل منها إذا كان اسمه كتب بخط
صاحب النسخة أو برضاه، وأما إن كتب بغير رضاه وعلمه، فله الخيار في ذلك، وإعادتها إياه أفضل.
وينبغي للمستعير أن يسرع بالنقل والمقابلة ثم يعيد الكتاب إلى صاحبه.
نقل ابن الصلاح (ص ١٨٤) عن الزهري قال: ((إياك وغلول الكتب قيل له: وما غلول الكتب؟ قال:
حبسها عن أصحابها)). ونقل: ((أن رجلاً ادعى على رجل بالكوفة سماعاً منعه إياه، فتحاكما إلى قاضيها
حفص بن غياث، فقال لصاحب الكتاب: أخرج إلينا كتبك، فما كان من سماع هذا الرجل بخط يدك
ألزمناك، وما كان بخطه أعفيناك)) ونقل نحو ذلك عن إسماعيل بن إسحق القاضي. قال أبو عبد الله
الزبيري: ((لا يجيء في هذا الباب حكم أحسن من هذا، لأن خط صاحب الكتاب دال على رضاه
باستماع صاحبه معه».
(١) تشدد قوم من علماء الحديث فأفرطوا، فمنهم من ذهب إلى أنه لا يجوز للراوي أن يروي إلّ ما كان
حافظاً له ولا يعتمد على كتابه، وتساهل آخرون فاستجازوا رواية ما سمعوه ولم يحفظوه من نسخ لم
تقابل على أصولها. وهذان طرفا إفراط وتفريط. والصواب التوسط - وهو ما ذهب إليه الجمهور - فتجوز
الرواية لمن سمع الحديث أو الكتاب من أصله الذي سمع فيه، وإن لم يكن حافظاً لما يرويه، ويروى
أيضاً إذا كان سماعه مكتوباً على كتابه ولكنه لا يتذكر أنه سمع الكتاب، وكذلك إذا كان أصله قد غاب
عنه ثم عاد إليه إذا كان الغالب على ظنه سلامته من التغيير غالباً. وكذلك الأعمى والأمي إذا استعان
أحدهما بشخص ثقة في ضبط سماعه وحفظ كتابه.
وإذا روى من نسخة ليس فيها سماعه أو ليست مقابلة على أصله الذي فيه سماعه ولكن سمعت على
شيخه الذي يروي عنه، أو كان فيها سماع شيخه على من يحدثهم عنه، أو كتبت عن شيخه واطمأنت
نفسه إلى صحتها -: لم تجز له الرواية منها عند أكثر المحدثين. ورخص في ذلك أيوب السختياني
ومحمد بن بكر البرساني. وهو الصواب عندي، لأن العبرة في الرواية بالثقة واطمئنان النفس إلى صحة
ما يروى. وذهب الخطيب إلى أنه متى عرف أن هذه الأحاديث هي التي سمعها من الشيخ جاز له أن ح
٨٠
:
-