النص المفهرس
صفحات 41-60
الموضوع وَذِكْرَهُ لِعَالِمٍ بِهِ أَخْظُرٍ الْخَبَرُ الْمَوْضُوعُ شَرُ الْخَبَرِ لِوَضْعِهِ، وَالْوَضْعُ فِيهِ عُرِفَا فِي أَيِّ مَعْنَى كَانَ، إِلاَّ واصِفًا وَرِئَّةٍ، (وَبِدَلِيلِ فِيهِ إِمَّا بِالإِقْرَارِ، وَمَا يَحْكِيهِ تأْوِيلَهُ، وَأَنْ يَكُونَ مَا نُقِلْ وَأَنْ يُنَاوِي(١) قَاطِعًا وَمَا قَبِلْ وَحَيْثُ لاَ يُوجَدُ عِنْد أَهْلِهِ(٢) حَيْثُ الدَّوَاعِي الْتَلَفَتْ بِنَقْلِهِ عَلَى حَقِيرٍ وَصَغِيرَةٍ شَدِيدُ(٣) وَمَا بِهِ وَعْدٌ عَظِيمٌ أَوْ وَعِيدُ : مثاله: حديث رواه ابن ماجه عن إسماعيل بن محمد الطلحي عن ثابت بن موسى العابد الزاهد عن شريك عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر مرفوعاً: ((من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنار)). قال الحاكم: ((دخل ثابت على شريك وهو يملي ويقول: حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: قال رسول الله وَّله، وسكت ليكتب المستملي، فلما نظر إلى ثابت قال: من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار، وقصد بذلك ثابتاً لزهده وورعه، فظن ثابت أنه متن ذلك الإسناد، فكان يحدث به)) وقال ابن حبان: ((إنما هو قول شريك، قاله عقب حديث الأعمش عن أبي سفيان عن جابر مرفوعاً: يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم. فأدرجه ثابت في الخبر، ثم سرقه منه جماعة من الضعفاء وحدثوا به عن شریك». وهذا القسم ذكره ابن الصلاح في نوع ((الموضوع)) وجعله شبه وضع من غير تعمد، وتبعه على ذلك النووي والناظم فيما سيأتي، وذكره في المدرج أولى، وهو به أشبه، كما صنع الحافظ ابن حجر. فصل: في حكم الإدراج. أما الإدراج لتفسير شيء من معنى الحديث ففيه بعض التسامح، والأولى أن ینص الراوي علی بیانه. وأما ما وقع من الراوي خطأ من غير عمد، فلا حرج على المخطىء، إلا إن كثر خطؤه فيكون جرحا في ضبطه وإتقانه . وأما ما كان من الراوي عن عمد فإنه حرام كله على اختلاف أنواعه، باتفاق أهل الحديث والفقه والأصول وغيرهم، لما يتضمن من التلبيس والتدليس، ومن عزو القول إلى غير قائله. قال السمعاني: ((من تعمد الإدراج فهو ساقط العدالة، وممن يحرف الكلم عن مواضعه، وهو ملحق بالكذابين)). (١) أي يخالف. (٢) أي أهل الحديث. (٣) الخبر الموضوع: هو المختلق المصنوع، وهو الذي نسبه الكذابون المفترون إلى رسول الله وَالت، وهو شر أنواع الرواية. ومن علم أن حديثاً من الأحاديث موضوعاً فلا يحلّ له أن يرويه منسوباً إلى رسول الله ◌َلَّ، إلا مقروناً ببيان وضعه، وهذا الحظر عام في جميع المعاني، سواء الأحكام والقصص والترغيب . والترهيب وغيرها لحديث سمرة بن جندب والمغيرة بن شعبة قالا: قال رسول الله ◌َ يقول: ((من حدث عني = - - ٤١ 1 م = بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين)) رواه مسلم في صحيحه، ورواه أحمد وابن ماجه عن سمرة، وقوله ((يرى)) فيه روايتان: بضم الياء وبفتحها، أي بالبناء للمجهول وبالبناء للمعلوم، وقوله ((الكاذبين)) فيه روايتان أيضاً: بكسر الباء وبفتحها، أي بلفظ الجمع وبلفظ المثنى. والمعنى على الروايتين في اللفظين صحيح. فسواء أعلم الشخص أن الحديث الذي يرويه مكذوب، بأن كان من أهل العلم بهذه الصناعة الشريفة، أم لم يعلم، إن كان من غير أهلها، وأخبره العالم بها الثقة -: فإنه يحرم عليه أن يحدث بحديث مفترى على رسول الله ◌َ ، وأما مع بيان حاله فلا بأس، لأن البيان يزيل من ذهن السامع أو القارىء ما يخشى من اعتقاد نسبته إلى الرسول عليه الصلاة والسلام. ويعرف وضع الحديث بأمور كثيرة، يعرفها الجهابذة النقاد من أئمة هذا العلم: منها: إقرار واضعه بذلك، كما روى البخاري في التاريخ الأوسط عن عمر بن صبح بن عمران التميمي أنه قال: أنا وضعت خطبة النبي ◌َّة. وكما أقر ميسرة بن عبد ربه الفارسي أنه وضع أحاديث في فضائل القرآن، وأنه وضع في فضل عليّ سبعين حديثاً. وكما أقر أبو عصمة نوح بن أبي مريم - الملقب بنوح الجامع - أنه وضع على ابن عباس أحاديث في فضائل القرآن سورة سورة. ومنها: ما ينزل منزلة إقراره. كأن يحدث عن شيخ بحديث لا يعرف إلا عنده، ثم يسأل عن مولده فيذكر تاريخاً معيناً، ثم يتبين من مقارنة تاريخ ولادة الراوي بتاريخ وفاة الشيخ المروي عنه أن الراوي ولد بعد وفاة شيخه، أو أن الشيخ توفي والراوي طفل لا يدرك الرواية، أو غير ذلك. كما ادعى مأمون بن أحمد الهروي أنه سمع من هشام بن عمار فسأله الحافظ ابن حبان: متى دخلت الشأم؟ قال: سنة خمسين ومائتين، فقال له: فإن هشاماً الذي تروي عنه مات سنة ٢٤٥، فقال: هذا هشام بن عمار آخر !! وقد يعرف الوضع أيضاً بقرائن في الراوي أو المروي أو فيهما معاً. فمن أمثلة ذلك: ما أسنده الحاكم عن سيف بن عمر التميمي قال: ((كنت عند سعد بن طريف فجاء ابنه من الكتاب يبكي، فقال: ما لك؟ قال: ضربني المعلم، قال: لأخزينهم اليوم، حدثني عكرمة عن ابن عباس مرفوعاً: معلموا صبيانكم شراركم، أقلهم رحمة لليتيم وأغلظهم على المسكين !! )) وسعد بن طريف هذا قال فيه ابن معين: ((لا يحل لأحد أن يروي عنه)) وقال ابن حبان: ((كان يضع الحديث)) وراوي القصة عنه - سيف بن عمر - قال فيه الحاكم: ((اتهم بالزندقة، وهو في الرواية ساقط)). وقيل لمأمون بن أحمد الهروي: ((ألا ترى إلى الشافعي ومن تبعه بخراسان؟! فقال: حدثنا أحمد بن عبد الله - كذا في لسان الميزان (ج ٥ ص ٧ - ٨) وفي التدريب (ص ١٠٠) أحمد بن عبد البر - حدثنا عبد الله بن معدان الأزدي عن أنس مرفوعاً: يكون في أمتي رجل يقال له محمد بن إدريس، أضرّ على أمتي من إبليس، ويكون في أمتي رجل يقال له أبو حنيفة، هو سراج أمتي !! )). وكما فعل محمد بن عكاشة الكرماني الكذاب، قال الحاكم: ((بلغني أنه كان ممن يضع الحديث حسبة. فقيل له: إن قوماً يرفعون أيديهم في الركوع وعند الرفع منه؟ فقال: حدثنا المسيب بن واضح حدثنا عبد الله بن المبارك عن يونس بن يزيد عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: قال رسول الله ◌َّ﴾. من رفع يديه في الركوع فلا صلاة له. فهذا مع كونه كذباً من أبخس الكذب فإن الرواية عن الزهري بهذا السند بالغة مبلغ القطع بإثبات الرفع عند الركوع وعند الاعتدال، وهي في الموطأ وسائر = ٤٢ ۔ - . ٠٠ = كتب الحديث)) اهـ من لسان الميزان (ج ٥ ص ٢٨٨ - ٢٨٩) ونقل المؤلف هذه الحكاية في التدريب (ص ١٠٠) ولكن جعل الإسناد ((عن الزهري عن أنس مرفوعاً)) وأظنه أخطأ في النقل. ومن القرائن في المرويّ أن يكون ركيكاً لا يعقل أن يصدر عن النبي ◌َّه، فقد وضعت أحاديث طويلة يشهد لوضعها ركاكة لفظها ومعانيها. قال الحافظ ابن حجر: ((المدار في الركة على ركة المعنى، فحيثما وجدت دلت على الوضع، وإن لم ينضم إليها ركة اللفظ، لأن هذا الدين كله محاسن، والركة ترجع إلى الرداءة. أما ركاكة اللفظ فقط فلا تدلّ على ذلك، لاحتمال أن يكون رواه بالمعنى فغير ألفاظه بغير فصيح، نعم، إن صرح بأنه من لفظ النبي ﴾﴾﴿ فكاذب)). وقال الربيع بن خيثم: ((إن للحديث ضوءاً كضوء النهار تعرفه، وظلمة كظلمة الليل تنكره)). وقال ابن الجوزي: ((الحديث المنكر يقشعر له جلد الطالب للعلم، وينفر منه قلبه في الغالب)). قال البلقيني: «وشاهد هذا أن إنساناً لو خدم إنساناً سنين، وعرف ما يحب وما يكره، فادعى إنسان أنه كان یکره شيئاً یعلم ذلك أنه يحبه، فبمجرد سماعه یبادر إلى تكذيبه)). ( وقال الحافظ ابن حجر: ((ومما يدخل في قرينة حال المرويّ ما نقل عن الخطيب عن أبي بكر بن الطيب: أن من جملة دلائل الوضع أن يكون مخالفاً للعقل، بحيث لا يقبل التأويل، ويلتحق به ما يدفعه الحس والمشاهدة، أو يكون منافياً لدلالة الكتاب القطعية، أو السنة المتواترة، أو الإجماع القطعي، أما المعارضة مع إمكان الجمع فلا. ومنها ما يصرح بتكذيب رواة جمع المتواتر، أو يكون خبراً عن أمر جسيم تتوفر الدواعي على نقله بمحضر الجمع، ثم لا ينقله منهم إلا واحد. ومنها الإفراط بالوعيد الشديد على الأمر الصغير، أو الوعد العظيم على الفعل الحقير، وهذا كثير في حديث القصاص، والأخير راجع إلى الركة)). قال السيوطي: ((ومن القرائن كون الراوي رافضياً والحديث في فضائل أهل البيت)). ومن المخالف للعقل ما رواه ابن الجوزي من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده مرفوعاً: إن سفينة نوح طافت بالبيت سبعاً وصلت عند المقام ركعتين! فهذا من سخافات عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقد ثبت عنه من طريق أخرى نقلها في التهذيب (ج ٦ ص ١٧٩) عن الساجي عن الربيع عن الشافعي قال: ((قيل لعبد الرحمن بن زيد: حدثك أبوك عن جدك أن رسول الله وَّ ر قال: إن سفينة نوح طافت بالبيت وصلت خلف المقام ركعتين!؟ قال: نعم !! )) وقد عرف عبد الرحمن بمثل هذه الغرائب حتى قال الشافعي فيما نقل في التهذيب -: ((ذكر رجل لمالك حديثاً منقطعاً، فقال: اذهب إلى عبد الرحمن بن زيد يحدثك عن أبيه عن نوح !! )). وروى ابن الجوزي أيضاً من طريق محمد بن شجاع الثلجي - بالثاء المثلثة والجيم - عن حبان - بفتح الحاء المهملة وبالباء الموحدة - بن هلال عن حماد بن سلمة عن أبي المهزم عن أبي هريرة مرفوعاً: إن الله خلق الفرس فأجراها فعرقت فخلق نفسه منها !! قال المؤلف في التدريب: ((هذا لا يضعه مسلم، والمتهم به محمد بن شجاع، كان زائغاً في دينه، وفيه أبو المهزم، قال شعبة: رأيته، لو أعطي درهماً وضع خمسین حديثاً». - ٤٣ وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْكُمَّلِ: قَدْ بَايَنْ الْمَعْقُولَ أَوْ مَنْقُولاً وَفَسَّرُوا الأخِيرَ(١): حَيْثُ يَفْقِدُ وَفِي تُبُوتِ الْوَضْعِ حَيْثُ يُشْهَدُ وَالْواضِعُونَ (بَعْضُهُمْ لَيُفْسِدَا كَذَا تَكَشًِّا، وَبَعْضٌ قَدْ رَوَى وَشَؤُهُمْ صُوْفِيَّةٌ قَدْ وَضَعُوا فَقُبِلَتْ مِنْهُمْ رُكُونّا لَهُمُ كَالْوَاضِعِينَ فِي فَضَائِلِ السُّوَرْ أُحْكُمْ بِوَضْعِ خَبَرٍ إِنْ يَنْجَلِي خَالَفَهُ أَوْ نَاقِضَ الأُصُولاَ جَوَامِعُ مَشْهُورَةٌ وَمُسْنَدٌ(٢) مَعَ قَطْعِ مَنْحٍ عَمَلٍ -: تَرَدُّدُ(٣)) دِيناً، وَبَعْضٌ نَصْرَ رَأيٍ فَصَدَا لِلْأُمَرَاءِ مَا يُوَافِقُ الْهَوَى) مُخْتَسِبِينَ الأَجْرَ فِيمَا يَدَّعُوا حَتَّى أَبَانَها الأُلَىُ هُمُ هُمُ(٤) فَمَنْ رَوَاهَا فِي كِتَابِهِ فَذَرْ (٥) (١)خ: الآخر. (٢) يريد أن قولهم ((أو ناقض الأصول)) ليس المراد به ظاهره. ويوضح ذلك ما ذكره المصنف في شرح التقريب قال: ((وقال ابن الجوزي: ما أحسن قول القائل: إذا رأيت الحديث يباين المعقول أو يخالف المنقول أو يناقض الأصول -: فاعلم أنه موضوع. قال: ومعنى مناقضته للأصول أن يكون خارجاً عن دواوين الإسلام من المسانيد والكتب المشهورة)). (٣) معنى هذا البيت: أنه هل يثبت الوضع بالبينة؟ كأن يرى عدلان رجلاً يصنف كلاماً ثم ينسبه إلى النبي ◌َّو، قال الزركشي: ((يشبه أن يجيء فيه التردد في أن شهادة الزور هل تثبت بالبينة؟ مع القطع بأنه لا يعمل به)) لأنه سقطت الثقة بالرواية في الحالين، سواء قلنا بأن شهادة الزور تثبت بالبينة أم قلنا بعدم ثبوتها . (٤) هذه هي الرواية الصحيحة في البيت، المصححة على النسخة المقروءة على المؤلف. ورواه الشارح (حتى أبانها أولو همم هم)) وجعل كلمة ((هم)) مبتدأ خبره ((كالواضعين)) في البيت الذي بعده، وشرح الكلام على ذلك. وهو تكلف ظاهر لا داعي له. (٥) الأسباب التي دعت الكذابين الوضاعين إلى الافتراء ووضع الحديث كثيرة: فمنهم الزنادقة الذين أرادوا أن يفسدوا على الناس دينهم، لما وقر في نفوسهم من الحقد على الإسلام وأهله، يظهرون بين الناس بمظهر المسلمين، وهم المنافقون حقاً. قال حماد بن زيد: ((وضعت الزنادقة على رسول الله (وَ ﴾ أربعة عشر ألف حديث)). كعبد الكريم بن أبي العوجاء: قتله محمد بن سليمان العباسي الأمير بالبصرة على الزندقة بعد سنة ١٦٠ في خلافة المهدي. ولما أخذ ليضرب عنقه قال: ((لقد وضعت فيكم أربعة آلاف حديث، أحرم فيها الحلال وأحلل الحرام». وكبيان بن سمعان النهدي من بني تميم: ظهر بالعراق بعد المائة، وادعى - لعنه الله - إلاهية عليّ - كرم الله وجهه - وزعم مزاعم فاسدة. ثم قتله خالد بن عبد الله القسري وأحرقه بالنار. ٤٤ .- = ٠٠ = وكمحمد بن سعيد بن حسان الأسدي الشامي المصلوب: قال أحمد بن حنبل: ((قله أبو جعفر المنصور فی الزندقة، حديثه حديث موضوع». وقال أحمد بن صالح المصري: ((زنديق، ضربت عنقه، وضع أربعة آلاف حديث عند هؤلاء الحمقى، فاحذروها)) وقال الحاكم أبو أحمد: ((كان يضع الحديث، صلب على الزندقة)). وحكى عنه الحاكم أبو عبد الله: أنه روى عن حميد عن أنس مرفوعاً: ((أنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي. إلا أن يشاء الله)) وقال: ((وضع هذا الاستثناء لما كان يدعو إليه من الإلحاد والزندقة والدعوة إلى التنبي)). ومنهم أصحاب الأهواء والآراء التي لا دليل لها من الكتاب والسنة، وضعوا أحاديث نصرة لأهوائهم وآرائهم، كالخطابية والرافضة وغيرهم. قال عبد الله بن يزيد المقرىء: ((إن رجلاً من أهل البدع رجع عن بدعته، فجعل يقول: انظروا هذا الحديث عمن تأخذونه! فإنا كنا إذا رينا رأياً جعلنا له حديثاً!)). وقال حماد بن سلمة: ((أخبرني شيخ من الرافضة أنهم كانوا يجتمعون على وضع الأحاديث)). وقال أبو العباس القرطبي صاحب كتاب المفهم شرح صحيح مسلم: ((استجاز بعض فقهاء أهل الرأي نسبة الحكم الذي دل عليه القياس الجلي إلى رسول الله وَ لقر نسبة قولية، فيقولون في ذلك: قال رسول الله ◌َو كذا !! ولهذا ترى كتبهم مشحونة بأحاديث تشهد متونها بأنها موضوعة، لأنها تشبه فتاوى الفقهاء، ولأنهم لا يقيمون لها سنداً). نقله السخاوي في شرح ألفية العراقي (ص ١١١) والمتبولي في مقدمة شرحه على الجامع الصغير. ومنهم القصاص: يضعون الأحاديث في قصصهم قصداً للتكسب والارتزاق، وتقرباً للعامة بغرائب الروايات. ولهم في هذا غرائب وعجائب، وصفاقة وجه لا توصف. كما حكى أبو حاتم البستي: أنه دخل مسجداً، فقام بعد الصلاة شابّ فقال: ((حدثنا أبو خليفة. حدثنا أبو الوليد عن شعبة عن قتادة عن أنس)) وذكر حديثاً، قال أبو حاتم: ((فلما فرغ دعوته، قلت: رأيت أبا خليفة؟ قال: لا، قلت: كيف تروي عنه ولم تره؟! فقال: إن المناقشة معنا من قلة المروءة! أنا أحفظ هذا الإسناد، فكلما سمعت حديثاً ضممته إلى هذا الإسناد !! )). وأغرب منه ما روى ابن الجوزي بإسناده إلى أبي جعفر بن محمد الطيالسي قال: ((صلى أحمد بن حنبل ويحيى بن معين في مسجد الرصافة، فقام بين أيديهم قاصٌّ، فقال: حدثنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين قالا حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله وَله: من قال لا إله إلا الله خلق الله من كل كلمة طيراً منقاره من ذهب وريشه من مرجان !! وأخذ في قصة نخواً من عشرين ورقة، فجعل أحمد بن حنبل ينظر إلى يحيى بن معين، وجعل يحيى بن معين ينظر إلى أحمد، فقال له: حدثته بهذا؟! فيقول: والله ما سمعت هذا إلا الساعة، فلما فرغ من قصصه وأخذ العطيات، ثم قعد ينتظر بقيتها، قال له يحيى بن معين بيده: تعال، فجاء متوهماً لنوال، فقال له يحيى: من حدثك بهذا الحديث؟! فقال، أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، فقال: أنا يحيى بن معين وهذا أحمد بن حنبل، ما سمعنا بهذا قط في = - ٤٥ ٠٠ = حديث رسول الله وَل! فقال: لم أزل أسمع أن يحيى بن معين أحمق، ما تحققت هذا إلّ الساعة! كأن ليس فيها يحيى بن معين وأحمد بن حنبل غيركما، قد كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل ويحيى بن معين؟! فوضع أحمد كمه على وجهه، وقال: دعه يقوم، فقام كالمستهزىء بهما)). وأكثر هؤلاء القصاص جهال، تشبهوا بأهل العلم، واندسوا بينهم، فأفسدوا كثيراً من عقول العامة. ويشبههم بعض علماء السوء، الذين اشتروا الدنيا بالآخرة، وتقربوا إلى الملوك والأمراء والخلفاء، بالفتاوى الكاذبة، والأقوال المخترعة التي نسبوها إلى الشريعة البريئة، واجترؤا على الكذب على رسول الله اَلله، إرضاء للأهواء الشخصية، ونصراً للأهواء السياسية، فاستحبوا العمى على الهدى. كما فعل غياث بن إبراهيم النخعي الكوفي الكذاب الخبيث - كما وصفه إمام أهل الجرح والتعديل: یحیی بن معین ۔: فإنه دخل على أمير المؤمنين المهدي، وكان المهدي يحب الحمام ويلعب به، فإذا قدامه حمام، فقيل له: حدث أمير المؤمنين، فقال: حدثنا فلان عن فلان أن النبي ◌َّ قال: لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر أو جناح، فأمر له المهدي ببدرة، فلما قام قال: أشهد على قفاك أنه قفا كذاب على رسول الله وَليه: ثم قال المهدي: أنا حملته على ذلك، ثم أمر بذبح الحمام، ورفض ما كان فيه. وفعل نحواً من ذلك مع أمير المؤمنين الرشيد فوضع له حديثاً أن رسول الله وملو كان يطير الحمام. فلما عرضه على الرشيد قال: اخرج عني، فطرده عن بابه. وكما فعل مقاتل بن سليمان البلخي ــ من كبار العلماء بالتفسير - فإنه كان يتقرب إلى الخلفاء بنحو هذا. حكى أبو عبيد الله وزير المهدي قال: ((قال لي المهدي: ألا ترى إلى ما يقول لي هذا - يعني مقاتلاً - قال: إن شئت وضعت لك أحاديث في العباس؟! قلت: لا حاجة لي فيها)). وشر أصناف الوضاعين وأعظمهم ضرراً قوم ينسبون أنفسهم إلى الزهد، والتصوف، لم يتحرجوا عن وضع الأحاديث في الترغيب والترهيب، احتساباً للأجر عند الله، ورغبة في حض الناس على عمل الخير واجتناب المعاصي، فيما زعموا، وهم بهذا العمل يفسدون ولا يصلحون. وقد اغتر بهم كثير من العامة وأشباههم، فصدقوهم ووثقوا بهم، لما نسبوا إليه من الزهد والصلاح، وليسوا موضعاً للصدق، ولا أهلاً للثقة. وبعضهم دخلت عليه الأكاذيب جهلاً بالسنة، لحسن ظنهم وسلامة صدرهم، فيحملون ما سمعوه على الصدق، ولا يهتدون لتمييز الخطأ من الصواب، وهؤلاء أخف حالاً وأقل إثماً من أولئك. ولكن الواضعون منهم أشد خطراً، لخفاء حالهم على كثير من الناس، ولولا رجال صدقوا في الإخلاص لله، ونصبوا أنفسهم للدفاع عن دينهم، وتفرغوا للذبِّ عن سنة رسول الله تَّة، وأفنوا أعمارهم في التمييز بين الحديث الثابت وبين الحديث المكذوب، وهم أئمة السنة وأعلام الهدى -: لولا هؤلاء لاختلط الأمر على العلماء والدهماء، ولسقطت الثقة بالأحاديث. رسموا قواعد للنقد، ووضعوا علم الجرح والتعديل، فكان من عملهم علم مصطلح الحديث، وهو أدق = ٤٦ ۔ F = . ٠ - جَوَّزَهُ (مُخَالِفُ الإِجْمَاع وَالْوَضْعُ فِي التَّرْغِيبِ ذُو ابْتِدَاعِ وَجَزَمَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَغَالِبُ الْمَوْضُوعِ مِمَّا اخْتَلَقَا كَلَامَ بَعْضِ الْحُكَمَا، وَمِنْهُ مَا وَفِي كِتَابٍ وَلَدِ الْجَوْزِيِّ مَا (مِنَ الصَّحِيحِ) وَالضَّعِيفِ (وَالْحَسَنْ بِكُفْرِهِ بِوَضْعِهِ إِنْ يَقْصِدٍ)(١) وَاضِعُهُ، وَبَعْضُهُمْ قَدْ لَفَّقَا وُقُوعُهُ مِنْ غَيْرِ فَصْدٍ وَهَمَا (٢) لَيْسَ مِنَ الْمَوْضُوعِ حَتَّى وُهِّمَا ضَمَّنْتُهُ كِتَابِيَ ((الْقَوْلَ الْحَسَنْ)» فِيهِ حَدِيثٌ مِنْ صَحِيحٍ مُسْلِمٍ (٣)!) وَمِنْ غَرِيبٍ مَا تَرَاهُ فَاعْلَمٍ = = الطرق التي ظهرت في العلم للتحقيق التاريخي، ومعرفة النقل الصحيح من الباطل. فجزاهم الله عن الأمة والدين أحسن الجزاء، ورفع درجاتهم في الدنيا والآخرة، وجعل لهم لسان صدق في الآخرين. وقد قيل لعبد الله بن المبارك الإمام الكبير: هذه الأحاديث الموضوعة؟ فقال: تعيش لها الجهابذة ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ [الحجر: ٩]. ومن الأحاديث الموضوعة المعروفة: الحديث المروي عن أبي بن كعب مرفوعاً في فضائل القرآن سورة سورة. وقد ذكره بعض المفسرين في تفاسيرهم، كالثعلبي والواحدي والزمخشري والبيضاوي، وقد أخطؤا في ذلك خطأ شديداً. قال الحافظ العراقي: ((لكن من أبرز إسناده منهم كالأولين - يعني الثعلبي والواحدي - فهو أبسط لعذره، إذا أحال ناظره على الكشف عن سنده، وإن كان لا يجوز له السكوت عليه. وأما من لم يبرر سنده، وأورده بصيغة الجزم -: فخطؤه أفحش)). (١) وجوزت الكرّامية - بتشديد الراء - الوضع في الترغيب والترهيب، وهم قوم من المبتدعة، نسبوا إلى أحد المتكلمين، واسمه محمد بن كرام السجستاني. وقولهم هذا مخالف لإجماع المسلمين، وعصيان صريح للحديث المتواتر عنه ومثل: (من كذب عليّ متعمداً فليبتوأ مقعده من النار)). وقد جزم الشيخ أبو محمد الجويني - والد إمام الحرمين - بتكفير من وضع حديثاً على رسول الله وَله قاصداً إلى ذلك عالماً بافترائه، وهو الحق. (٢) أكثر الأحاديث الموضوعة كلام اختلقه الواضع من عند نفسه، وبعضهم جاء لكلام بعض الحكماء أو لبعض الأمثال العربية فركب لها إسناداً مكذوباً ونسبها إلى رسول الله وَ له أنها من قوله. وقد يأتي الوضع من الراوي غير مقصود له، وليس هذا من باب الموضوع بل هو من باب المدرج، كما حدث لثابت بن موسى الزاهد في حديث ((من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار)) وقد سبق تفصيلاً في باب المدرج. (٣) ألف الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي كتاباً كبيراً في مجلدين، جمع فيه كثيراً من الأحاديث الموضوعة، أخذ غالبه من كتاب الأباطيل للجوزقاني، ولكن أخطأ في بعض أحاديث انتقدها عليه = ٤٧ خاتمة شَرُ الضَّعِيفِ الْوَضْعُ (فَالْمَثْرُوكُ ثُمّ ذُو النَّكْرِ فَالْمُعَلُّ فَالْمُذْرَجُ ضُمّ وَآخَرُونَ غَيْرَ لهُذَا رَتَّبُوا) أَزْ وَاهِيًّا أَوْ حَالُهُ لاَ يُعْلَمُ وَتَرْكَهُ بَيَانَ ضَعْفٍ قَدْ رَضُوا - لَ الْعَقْدِ (١) وَالْحَرَامِ وَالْخَلَاَلِ وَبَعْدَهُ الْمَقْلُوبُ فَالْمُضْطرِبُ وَمَنْ رَوَى مَثْنَا صَحِيحًا يَجْزِمُ بِغَيْرِ مَا إِسْنَادِهِ -: يُمَرِّضُ فِي الْوَعْظِ أَوْ فَضَائِلِ الأَعْمَالِ ضَعْفًا رَأَى فِي سَنَدٍ وَرَامَ أَنْ بِسَنَدٍ، خَوْفَ مَجِيءٍ أَجْوَدَا (وَلاَ إِذَا يَشْتَدُّ ضَعْفٌ(٢)) ثُمَّ مَنْ يَقُولُ في الْمَثْنِ: ضَعِيفٌ -: فَيَّدَا = الحفاظ. قال الحافظ ابن حجر: ((غالب ما في كتاب ابن الجوزي موضوع، والذي ينتقد عليه - بالنسبة إلى ما لا ينتقد -: قليل جداً. وفيه من الضرر أن يظن ما ليس بموضوع موضوعاً، عكس الضرر بمستدرك الحاكم، فإنه يظن ما ليس بصحيح صحيحاً. ويتعين الاعتناء بانتقاد الكتابين، فإن الكتابين في تساهلهما عدم الانتفاع بهما إلا لعالم بالفن، لأنه ما من حديث إلا ويمكن أن يكون قد وقع فيه التساهل». وقد لخص الناظم - الحافظ السيوطي - كتاب ابن الجوزي وتتبع كلام الحفاظ في تلك الأحاديث، خصوصاً كلام الحافظ ابن حجر في تصانيفه وأماليه، ثم أفرد الأحاديث المتعقبة في كتاب خاص. وألف ابن حجر كتاب (القول المسدد في الذب عن المسند) أي مسند الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، ذكر فيه أربعة وعشرين حديثاً من المسند، جاء بها ابن الجوزي في الموضوعات وحكم عليها بذلك، ورد عليه ابن حجر ودفع قوله. ثم ألف السيوطي ذيلاً عليه ذكر فيه أربعة عشر حديثاً أخرى كتلك من المسند، ثم ألف ذيلاً لهذين الكتابين سماه: (القول الحسن في الذب عن السنن) أورد فيه مائة وبضعة وعشرين حديثاً - من السنن الأربعة - حكم ابن الجوزي بأنها موضوعة وردّ عليه حكمه. ومن غرائب تسرع الحافظ ابن الجوزي في الحكم بالوضع أنه زعم وضع حديث في صحيح مسلم، وهو حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((إن طالت بك مدة أوشك أن ترى قوماً يغدون في سخط الله ويروحون في لعنته، في أيديهم مثل أذناب البقر)) رواه أحمد في المسند (رقم ٨٠٥٩ ج ٢ ص ٢٠٨) وهو في صحيح مسلم (ج ٢ ص ٣٥٥) قال ابن حجر في القول المسدد (ص ٣٢): ((ولم أقف في كتاب الموضوعات لابن الجوزي على شيء حكم عليه بالوضع وهو في أحد الصحيحين غير هذا الحديث، وإنها الغفلة شديدة منه !! )). (١) أي الاعتقادیات. (٢) من نقل حديثاً صحيحاً بغير إسناده وجب أن يذكره بصيغة الجزم، فيقول مثلاً: ((قال رسول الله وَيرٍ)). ويقبح جداً أن يذكره بصيغة التمريض التي تشعر بضعف الحديث، لئلا يقع في نفس القارىء والسامع أنه حدیث غیر صحیح. وأما إذا نقل حديثاً ضعيفاً أو حديثاً لا يعلم حاله إن كان صحيحاً أو ضعيفاً -: فإنه يجب أن يذكره بصيغة التمريض، كأن يقول: ((روى عنه كذا)) أو ((بلغنا كذا)) وإذا تيقن ضعفه وجب عليه أن يبين أن الحديث = ٤٨ . ٠ وَلاَ تُضَعِّفْ مُطْلَقًا مَا لَمْ تَجِدْ تَضْعِيفَهُ مُصَرَّحًا عَنْ مُجْتَهِدْ(١) من تقبل روایته ومن ترد عَدْلٌ، وَضَبْطٌ: أَنْ يَكُونَ مَسْلِمَا لِنَاقِلِ الأَخْبَارِ شَرْطَانِ هُمَا: خَزْمَ مُرُوءَةٍ وَلاَ مُغَفَّلاَ مُكَلَّفًا لَمْ يَرْتَكِبْ فِسْقًا وَلاَ = ضعيف، لئلا يغترّ به القارىء أو السامع، ولا يجوز للناقل أن يذكره بصيغة الجزم، لأنه يوهم غيره أن الحديث صحيح، خصوصاً إذا كان الناقل من علماء الحديث الذين يثق الناس بنقلهم، ويظنون أنهم لا ينسبون إلى رسول الله وَ﴾ شيئاً لم يجزموا بصحة نسبته إليه. وقد وقع في هذا الخطأ كثير من المؤلفين رحمهم الله وتجاوز عنهم. وقد أجاز بعضهم رواية الضعيف من غير بيان ضعفه بشروط : أولاً: أن يكون الحديث في القصص أو المواعظ أو فضائل الأعمال أو نحو ذلك، مما لا يتعلق بصفات الله تعالى وما يجوز له ويستحيل عليه سبحانه، ولا بتفسير القرآن، ولا بالأحكام كالحلال والحرام وغيرهما. ثانياً: أن يكون الضعف فيه غير شديد، فيخرج من انفرد من الكذابين والمتهمين بالكذب والذين فحش غلطهم في الرواية. ثالثاً: أن يندرج تحت أصل معمول به. رابعاً: أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته، بل يعتقد الاحتياط. والذي أراه أن بيان الضعف في الحديث الضعيف واجب في كل حال، لأن ترك البيان يوهم المطلع عليه أنه حديث صحيح، خصوصاً إذا كان الناقل له من علماء الحديث الذين يرجع إلى قولهم في ذلك، وأنه لا فرق بين الأحكام وبين فضائل الأعمال ونحوها في عدم الأخذ بالرواية الضعيفة، بل لا حجة لأحد إلا بما صح عن رسول الله وَّةٍ من حديث صحيح أو حسن. وأما ما قاله أحمد بن حنبل وعبد الرحمن بن مهدي وعبد الله بن المبارك: ((إذا روينا في الحلال والحرام شددنا، وإذا روينا في الفضائل ونحوها تساهلنا)) فإنما يريدون به - فيما أرجِّح والله أعلم - أن التساهل إنما هو في الأخذ بالحديث الحسن الذي لم يصل إلى درجة الصحة، فإن الاصطلاح في التفرقة بين التصحيح والحسن لم يكن في عصرهم مستقراً واضحاً، بل كان أكثر المتقدمين لا يصف الحديث إلا بالصحة أو بالضعف فقط. (١) من وجد حديثاً بإسناد ضعيف فالأحوط أن يقول: ((إنه ضعيف بهذا الإسناد)) ولا يحكم بضعف المتن - مطلقاً من غير تقييد - بمجرد ضعف ذلك الإسناد، فقد يكون الحديث وارداً بإسناد آخر صحيح، إلا أن يجد الحكم بضعف المتن منقولاً عن إمام من الحفاظ المطلعين على الطرق. وإن نشط الباحث للبحث عن طرق الحديث وترجح عنده أن هذا المتن لم يرد من طريق أخرى صحيحة، وغلب على ظنه ذلك -: فإني لا أرى بأساً بأن يحكم بضعف الحديث مطلقاً. وإنما ذهب المصنف هنا إلى المنع تقليداً لهم في منع الاجتهاد، كما قلنا نحو هذا في الكلام على الصحيح فيما مضى في (ص ١٣) من هذا الشرح. ألفية السيوطي في علم الحديث / م ٤ ٤٩ يَحْفَظُ إِنْ يُمْلِ، كِتَابًا يَضْبُطُ إِنْ يَزْوٍ بالْمَعْنَى، وَضَبْطُهُ عُرِفْ وَاثْنَانِ إِنْ زَكَّاهُ عَدْلٌ وَالأَصَحُ: أَوْ كَان مَشْهُوراً، وَزَادَ يُوسُف (٢) عَدْلٌ إِلَى ظُهُورٍ جَزْحٍ، وَأَبُوْا (٣) إِنْ يَزْوِ مِنْهُ، عَالِمًا مَا يُسْقِطِ إِنْ غَالِبًا وَافَقَ مَنْ بِهِ وُصِفْ(١) إِنْ عَدَّلَ الْوَاحِدُ يَكْفِي أَوْ جَرَحْ بِأَنَّ كُلَّ مَنْ بِعِلْمٍ يُعْرَفُ وَالْجَزْعَ وَالتَّعْدِيلَ مُطْلقًا(٤) رَأَوْا (١) أساس قبول خبر الراوي أن يوثق به في روايته - ذكراً كان أو أنثى، حراً أو عبداً - فيكون موضعاً للثقة به في دينه، بأن يكون عدلاً، وفي روايته بأن يكون ضابطاً. والعدل هو المسلم البالغ العاقل الذي سلم من أسباب الفسق وخوارم المروءة، على ما حقق في باب الشهادات من كتب الفقه، إلا أن الرواية تخالف الشهادة في شرط الحرية والذكورة وتعدد الراوي. وقد كتب العلامة القرافي في (الفروق) فصلا بديعاً للفرق بين الشهادة والرواية (ج ١ ص ٥°- ٢٢) طبعة تونس. وأما الضبط فهو إتقان ما يرويه الراوي، بأن يكون متيقظاً لما يروي - غير مغفل - حافظاً لروايته إن روى من حفظه، ضابطاً لكتابه إن روى من الكتاب، عالماً بمعنى ما يرويه وبما يحيل المعنى عن المراد إن روى بالمعنى، حتى يثق المطلع على روايته والمتتبع لأحواله بأنه أدى الأمانة كما تحملها لم يغير منها شيئاً. وهنا مناط التفاضل بين الرواة الثقات. فإذا كان الراوي عدلاً ضابطاً - بالمعنى الذي شرحنا - سمي ((ثقة))، ويعرف ضبطه بموافقة الثقات المتقنين الضابطين إذا اعتبر حديثه بحديثهم، ولا تضر مخالفته النادرة لهم، فإن كثرت مخالفته لهم وندرت الموافقة اختل ضبطه ولم يحتج بحديثه. (٢) هو الإمام الجليل أبو عمر بن عبد البر القرطبي. (٣) تثبت عدالة الراوي بأن ينص عليها واحد من العلماء المعروفين بالبحث في أحوال الرواة. هذا هو الراجح، وذهب ابن الصلاح إلى اشتراط تزكية اثنين من العلماء. وهذا في غير من استفاضت عدالتهم، واشتهروا بالتوثيق والاحتجاج بهم بين أهل العلم، وشاع الثناء عليهم، مثل: مالك، والشافعي، وشعبة، والثوري، وابن عيينة، وابن المبارك، والأوزاعي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وابن المديني، ومن جرى مجراهم في نباهة الذكر واستقامة الأمر، فلا يسأل عن عدالة هؤلاء، إنما يسأل عن عدالة من خفي أمره. وقد سئل أحمد بن حنبل عن إسحق بن راهويه؟ فقال: ((مثل إسحق يسأل عنه؟!)) ويسأل ابن معين عن أبي عبيد؟ فقال: ((مثلي يسأل عن أبي عبيد؟! أبو عبيد يسأل عن الناس)) وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: ((الشاهد والمخبر إنما يحتاجان إلى التزكية إذا لم يكونا مشهورين بالعدالة والرضاء وكان أمرهما مشكلاً ملتبساً ومجوزاً فيهما العدالة وغيرها. والدليل على ذلك أن العلم بظهور سرهما واشتهار عدالتهما أقوى في النفوس من تعديل واحد واثنين يجوز عليهما الكذب والمحاباة)). وتوسع الحافظ أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري القرطبي في هذا فقال: ((كل حامل علم معروف بالعناية به فهو عدل محمول أبداً على العدالة حتى يتبين جرحه)) قال ابن الصلاح: ((وفيما قاله اتساع غير مرضي)). (٤)°خ: مبهماً. ٥٠ ٠ مَا لَمْ يُوَثَّقْ مَنْ بِإِجْمَالٍ جُرِعْ(١) قَبُولَهُ مِنْ عَالٍ عَلَى الأَصَحّ أُنْثَى وَفِي الأُنْثَى خِلاَفٌ قَدْرُكُنْ)(٢) وَيُقْبَلْ التَّعْدِيلُ مِنْ عَبْدٍ وَمِنْ أَكْثَرْ فِي الأَقْوَى، (فَإنْ فَصَّلهُ وَقَدِّمِ الْحِزجَ وَلَوْ عَدَّلَهُ فَقَالَ: مِنْهُ تَابَ، أوْ نَفَاهُ بِوَجْهِهِ قُدِّمَ مَنْ ذَكَّاهُ)(٣) (١) اختلفوا في الجرح والتعديل: هل يقبلان مبهمين من غير ذكر أسبابهما؟: فشرط بعضهم لقبولهما ذكر السبب في كل منهما، وشرط بعضهم ذكر السبب في التعديل دون الجرح، وقبل بعضهم التعديل من غير ذكر أسبابه. وشرط في الجرح بيان السبب مفصلاً، وهو الذي اختاره ابن الصلاح والنووي وغيرهما، وهو المشتهر عند كثير من أهل العلم. واعترض ابن الصلاح على هذا بكتب الجرح والتعديل، فإنها - في الأغلب ــ لا يذكر فيها سبب الجرح، فالأخذ بهذا الشرط يسد باب الجرح، وأجاب عن ذلك بأن فائدتها التوقف فيمن جرحوه، فإن بحثنا عن حاله وانزاحت عنه الريبة وحصلت الثقة به قبلنا حديثه. وذهب بعضهم إلى أنه لا يجب ذكر السبب في الجرح أو التعديل، إذا كان الجارح أو المعدل عالماً بأسباب الجرح والتعديل والخلاف في ذلك، بصيراً مرضياً في اعتقاده وأفعاله. قال المؤلف في التدريب (ص ١١٢): ((وهو اختيار القاضي أبي بكر، ونقله عن الجمهور، واختاره إمام الحرمين والغزالي والرازي والخطيب، وصححه الحافظ أبو الفضل العراقي والبلقيني في محاسن الاصطلاح. واختار شيخ الإسلام - يعني ابن حجر - تفصيلاً حسناً: فإن كان من جرح مجملاً قد وثقه أحد من أئمة هذا الشأن لم يقبل الجرح فيه من أحد، كائناً من كان، إلا مفسراً، لأنه قد ثبتت له رتبة الثقة، فلا يزحزح عنها إلا بأمر جلي، فإن أئمة هذا الشأن لا يوثقون إلا من اعتبروا حاله في دينه ثم في حديثه، ونقدوه كما ينبغي، وهم أيقظ الناس، فلا ينقض حكم أحدهم إلا بأمر صريح، وإن خلا عن التعديل قبل الجرح فيه غير مفسر، إذا صدر من عارف، لأنه إذا لم يعدل فهو في حيز المجهول، وإعمال قول المجرح فيه أولى من إهماله. وقال الذهبي، وهو من أهل الاستقراء التام في نقد الرجال -: لم يجتمع اثنان من علماء هذا الشأن قط على توثيق ضعيف ولا على تضعيف ثقة. انتهى. ولهذا كان مذهب النسائي أن لا يترك حديث الرجل حتى يجمعوا على تركه)). والتفصيل الذي اختاره ابن حجر هو الذي يطمئن إليه الباحث في التعليل والجرح والتعديل بعد استقرار علوم الحديث وتدوينها. وقد اختاره المؤلف هنا. (٢) يقبل التعديل من العبد والمرأة العارفين بهذه الصناعة، لأن هذا إخبار ورواية، وروايتهما مقبولة. وبعضهم خالف في قبوله من النساء، واحتج الخطيب للقبول بسؤال النبي وَّه بريرة عن عائشة في قصة الإفك. وأما الصبي المراهق فقد نقل الخطيب أنه لا يقبل تعديله إجماعاً. (٣) إذا اجتمع في الراوي جرح مبين السبب وتعديل -: فالجرح مقدم وإن كثر عدد المعدلين، لأن مع الجارح زيادة علم لم يطلع عليها المعدل، ولأنه مصدق للمعدل فيما أخبر به عن ظاهر حاله، إلا أنه يخبر عن أمر باطن خفي عنه. وقيد الفقهاء ذلك بما إذا لم يقل المعدل عرفت السبب الذي ذكره الجارح، ولكنه تاب وحسنت حاله، أو إذا ذكر الجارح سبباً معيناً للجرح، فنفاه المعدل بما يدل يقيناً على بطلان السبب. قاله في التدريب. 1 مو ٥١ وَلَيْسَ فِي الأظْهَرِ تَعْدِيلاً إِذَا وَإِنْ يَقُلْ: حَدَّثَ (مَنْ لاَ أَّهِمْ) بِثِقَةٍ ثُمَّ رَوَى عَنْ مُبْهَم -: وَيُكْتَفَى مِنْ عَالِمٍ فِي حَقِّ مَنْ وَمَا اقْتَضَى تَصْحِيحَ مَثْنٍ (فِي الأَصَحّ) وَلاَ بَقَاهُ حَيْثُمَا الدَّوَاعِي وَلَ افْتِرَاقُ الْعُلَمَاءِ الْكُمَّلِ وَيُقْبَلُ الْمَجْنُونُ إِنْ تَقَطَّعَا وَتَرَكُوا مَجْهُولَ عَيْنٍ: مَا رَوَى ثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ مَنْ عَنْهُ انْفَرَدْ رَابِعُهَا: يُقْبَلُ إِنْ زَكَّاهُ عَنْهُ رَوَى الْعَذْلُ (وَلَوْ خُصَّ بِذَا)(١) أَوْ ثِقَةٌ أَوْ كُلُّ شَيْخٍ لِي وُسِمْ لاَ يُكْتَفَى عَلَّى الصَّحِيحِ فَساعْلَمٍ قَلَّدَهُ، وَقِيلَ: لاَ، مَا لَمْ يُيَنْ(٢) فَتْوَى بِمَا فِيهِ، (كَعَكْسِهِ وَضَخْ تُبْطِلُهُ، وَالْوَفْقُ لِلِإِجْمَاعِ (٣) مَا بَيْنَ مُخْتَجْ وَذِي تأَؤُلَ(٤) وَلَمْ يُؤْثِّزْ فِي إِفَاقَةٍ مَعَا)(٥) عَنْهُ سِوَى شَخْصٍ وَجَرْحًا مَا حَوَى لَمْ يَزِرٍ إِلاَّ لِلْعُدُولِ -: لاَ يُرَّذَ حَبْرٌ، وَذَّا فِي نُخْبَةٍ رَآءُ(٦) (١) وجد بهامش الأصل هنا بخط المصنف ما نصه: الحمد لله. ثم بلغ سماعاً على. كتبه مؤلفه ختم الله له بخير آمين. (٢) رواية الثقة عن شخص لم يعرف حاله لا يكون توثيقاً له، ولو كان الراوي معروفاً بأنه لا يروي إلا عن ثقة، كمالك وشعبة ويحيى القطان. وإذا روى الثقة عن مبهم لم يذكر اسمه. بل قال ((حدثني الثقة)) أو ((حدثني من لا أتهم)) فإنه أولى بعدم القبول، إذ لا حجة في المجهول، وكذلك ما إذا قال الثقة ((كل شيخ أروي عنه فهو ثقة)) ثم روى عن مبهم لم يذكر اسمه. وذهب بعضهم إلى قبول ذلك في حق من قلد هذا الشيخ، كأتباع مالك إذا روى عن شخص مبهم وسمه بأنه ثقة، وكأتباع الشافعي كذلك. والصحيح أن الرواية عن المبهم غير مقبولة مطلقاً، كما هو واضح. وأما المقلد فإنه لا يدخل معنا في هذا البحث، لأنه يتبع إمامه في كل حال، من غير نظر إلى دليله، فلو نظر في الدليل وأخذ بالحجة لم يكن مقلداً، بل صار متبعاً للدليل الراجح. (٣) أي إن العمل بالحديث لا يدل على صحته ولا على ثقة راويه، كما أن ترك العمل به لا يدل على ضعفه والقدح فيه. وكذلك إذا اقتضت بعض الدواعي بطلان حديث فلا يكون هذا طعناً في راويه. وكذلك إذا وافق الحديث الإجماع فلا يكون هذا دليلاً على توثيق رواته، إذ قد يستند الإجماع إلى دليل آخر غيره. (٤) وإذا اختلف العلماء في معنى حديث فاحتج به بعضهم وتأوّله آخرون فإن هذا لا يعتبر توثيقاً لرواته إذا كانت أحوالهم غير معروفة. (٥) من أول شروط العدالة أن يكون الراوي عاقلاً، فالمجنون المطبق لا تقبل روايته، لفقد ركن من أركان العدالة. فإذا كان الجنون متقطعاً قبلت روايته حال الإفاقة، لأنه إذ ذاك لا يكون مجنوناً. (٦) أي هذا رأي الحافظ شهاب الدين أحمد بن حجر في النخبة ٥٢ - ٠ ٠ خَامِسُهَا: إِنْ كَانَ مِمَّنْ قَدْ شُهِزْ وَالثَّالِثُ) الأَصَحُ: لَيْسَ يُقْبَلُ وَفِي الأَصَحِّ: يُقْبَلُ الْمَسْتُورُ: فِي (وَمَنْ عُرَفْنَا عَيْنَهُ وَحَالُه وَمَنْ يَقُلْ: ((أَخْبَرَنِي فُلَانٌ أَوْ فَإِنْ يَقُلْ: «أَوْ غَيْرُهُ»، أَوْ يُجْهَلِ وَكَافِرٌ بِيدْعَةٍ لَنْ يُقْبَلاَ وَغَيْرُهُ: يُرَدُ مِنْهُ (الرَّافِضِي) قُبُولَهُمْ (لا إِن رَوَوْا ◌ِفَاقَا بِمَا سِوَى الْعِلْمِ كَنَجْدَةٍ وَبِرّ مَنْ بَاطِناً وَظَاهِراً يُجَهَّلُ ظَاهِرِهِ عَدْلٌ وَبَاطِنٌ خَفِي دُونَ اسْمِهِ وَنَسَب ◌ِ: مِلْنَا لَهُ(١) هُذَا)) - لِعَدْلَيْنِ - قَبُولهُ رَأَوْا بَعْضُ الَّذِي سَمَّاهُمَا: لاَ تُقْبَلٍ) (٢) (ثَالِثُهَا: إِنْ كَذِباً قَدْ حَلَّلاَ) وَمَنْ دَعَا وَمَنْ سِوَاهُمْ نَرْتَضِي لِرَأْيِهِمْ، أَبْدَى أَبُو إِسْحَاقًا(٣) (١) اختلفوا في مجهول العين: هل تقبل روايته؟ وهو الذي لم يرو عنه إلا شخص واحد، لأن أقل ما يرفع الجهالة رواية اثنين مشهورين عن الراوي. فقال بعضهم: تقبل مطلقاً، وقال آخرون: لا تقبل مطلقاً، وقول ثالث: تقبل إذا كان الراوي عنه لا يروي إلا عن ثقة، والرابع: تقبل إذا زكاه أحد من أئمة الجرح والتعديل مع رواية واحد عنه، واختاره أبو الحسن القطان وصححه الحافظ ابن حجر، والخامس: تقبل إذا اشتهر في غير العلم والرواية، كاشتهار عمرو بن معد يكرب بالنجدة وکاشتهار مالك بن دينار بالزهد. واختلفوا أيضاً في رواية مجهول العدالة ظاهراً وباطناً مع كونه معروف العين برواية عدلين عنه: فقبلها بعضهم مطلقاً، وقبلها بعضهم إذا روى عنه من لا يروي إلا عن ثقة. والصحيح عدم قبولها، وهو قول الجمهور. وأما المستور، وهو العدل في ظاهر حاله، ولكنه مجهول العدالة باطناً -: فالأصح قبول روايته، لأن الإخبار مبني على حسن الظن بالراوي قال ابن الصلاح: ((ويشبه أن يكون العمل على هذا الرأي في كثير من كتب الحديث المشهورة، في غير واحد من الرواة الذين تقادم العهد بهم، وتعذرت الخبرة الباطنة بهم)) وهذا القول صححه النووي أيضاً. ومن عرفت عينه وعدالته وجهل اسمه أو نسبه -: احتج به، وفي الصحيحين من ذلك كثير، كقولهم: ابن فلان، أو ولد فلان. وقد جزم بذلك الخطيب في الكفاية، ونقله عن القاضي أبي بكر الباقلاني، وعلله بأن الجهل باسمه لا يخل بالعلم بعدالته. قاله في التدريب. 1 (٢) إذا قال الراوي: أخبرني فلان أو فلان، على الشك - وسماهما - وكانا عدلين كان الخبر مقبولاً، لأنه انتقال من ثقة إلى ثقة، وقد سمعه من أحدهما، وإنما شك في تعيينه بخصوصه، فهذا شك غير مؤثر في صحة الرواية. وأما إذا كان أحدهما ثقة والآخر غير ثقة أو مجهول العدالة فإن الخبر لا يقبل، لاحتمال أن يكون لم يسمعه من الثقة وسمعه من الآخر والآخر ليس بحجة، وكذلك إذا قال: فلان أو غيره - فسمى أحدهما وأبهم الآخر - لا يحتج به، لاحتمال أن يكون سمعه من المبهم المجهول. ١ (٣) أهل البدع والأهواء إذا كانت بدعتهم مما يحكم بكفر القائل بها لا تقبل روايتهم بالاتفاق فيما حكاه = ٥٣ - ي أَوْ كَذِبِ الْحَدِيثِ فَابْنُ حَنْبُلٍ وَمَنْ يَتُبْ عَنْ فِسْقِهِ فَلْيُقْبَلِ قَبُولَهُ مُؤَّداً، ثُمَّ نأَوْا وَالصَّيْرَفِيُّ وَالْحُمَيْدِيُّ -: أَبُوا ٠ ۔ = النووي، ورد عليه المؤلف في شرحه على التقريب دعوى الاتفاق، ونقل قولاً آخر بأنها تقبل روايتهم مطلقاً وقولاً آخر بأنها تقبل إن اعتقد حرمة الكذب، ثم نقل عن الحافظ ابن حجر أنه قال: ((التحقيق أنه لا يرد كل مكفر ببدعته، لأن كل طائفة تدعي أن مخالفتها مبتدعة، وقد تبالغ فتكفر، فلو أخذ ذلك على الإطلاق لاستلزم تكفير جميع الطوائف. والمعتمد أن الذي ترد روايته من أنكر أمراً متواتراً من الشرع معلوماً من الدين بالضرورة، أو اعتقد عكسه، وأما من لم يكن كذلك وانضم إلى ذلك ضبطه لما يرويه مع ورعه وتقواه فلا مانع من قبوله)). وهذا الذي قاله الحافظ هو الحق الجدير بالاعتبار، ويؤيده النظر الصحيح. وأما من كانت بدعته لا توجب الكفر فإن بعضهم لم يقبل روايته مطلقاً، وهو غلو من غير دليل، وبعضهم قبل روايته إن لم يكن ممن يستحل الكذب في نصرة مذهبه، وروي هذا القول عن الشافعي، فإنه قال: ((أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية، لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم)). وقال أيضاً: ((ما رأيت في أهل الأهواء قوماً أشهد بالزور من الرافضة)) وهذا القيد - أعني عدم استحلال الكذب - لا أرى داعياً له، لأنه قيد معروف بالضرورة في كل راو، فإنا لا نقبل رواية الراوي الذي يعرف عنه الكذب مرة واحدة، فأولى أن نرد رواية من يستحل الكذب أو شهادة الزور. وقال بعضهم: تقبل رواية المبتدع إذا لم يكن داعية إلى بدعته، ولا تقبل إن كان داعية، ورجح النووي هذا القول وقال: ((هو الأظهر الأعدل، وقول الكثير أو الأكثر)). وقيد الحافظ أبو إسحق الجوزجاني - شيخ أبي داود والنسائي - هذا القول بقبول روايته إذا لم يرو ما يقوي بدعته. وهذه الأقوال كلها نظرية، والعبرة في الرواية بصدق الراوي وأمانته والثقة بدينه وخلقه، والمتبع لأحوال الرواة يرى كثيراً من أهل البدع موضعاً للثقة والاطمئنان، وإن رووا ما يوافق رأيهم، ويرى كثيراً منهم لا يوثق بأي شيء يرويه. ولذلك قال الحافظ الذهبي في الميزان (ج ١ ص ٤) في ترجمة أبان بن تغلب الكوفي: ((شيعي جلد، لكنه صدوق، فلنا صدقه، وعليه بدعته)) ونقل توثيقه عن أحمد وغيره، ثم قال: ((فلقائل أن يقول: كيف ساغ توثيق مبتدع، وحد الثقة العدالة والإتقان، فكيف يكون عدلاً من هو صاحب بدعة؟! وجوابه: أن البدعة على ضربين: فبدعة صغرى كغلوّ التشيّع، أو التشيّع بلا غلوّ ولا تحرق، فهذا كثر في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق، فلو ردّ حديث هؤلاء لذهبت جملة الآثار النبوية، وهذه مفسدة بينة. ثم بدعة كبرى، كالرفض الكامل والغلوّ فيه، والحط على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، والدعاء إلى ذلك، فهذا النوع لا يحتج بهم ولا كرامة. وأيضاً فما أستحضر الآن في هذا الضرب رجلاً صادقاً ولا مأموناً، بل الكذب شعارهم، والتقية والنفاق دثارهم، فكيف يقبل نقل من هذا حاله؟! حاشا وكلا. فالشيعي الغالي في زمان السلف وعرفهم: هو من تكلم في عثمان والزبير وطلحة ومعاوية وطائفة ممن حارب علياً رضي الله عنهم وتعرض لسبهم، والغالي في زماننا وعرفنا: هو الذي يكفر هؤلاء السادة ويتبرأ من الشيخين أيضاً، فهذا ضالّ مفتر)). والذي قاله الذهبي مع ضميمة ما قاله ابن حجر فيما مضى -: هو التحقيق الدقيق المنطبق على أصول الرواية. والله أعلم. ٥٤ ٠ (وَالنَّوِويُّ كُلَّ ذَا أَبَاهُ عَنْ كُلِّ مَا مِنْ قَبْلِ ذَا رَوَاه دَلِيلُهُ فِي شَرْحِنَا مُوَضَّحُ)(١) وَمَا رَآهُ الأَزَّلُونَ أَرْجَحُ إِسْقَاطُهُ، لَكِنْ بِفَزْعِ مَا قَدَخْ وَمَنْ نَفَى مَا عَنْهُ يُرْوَى (فَالأَصَحّ) كأَنْ نَسِي -: فَصَحَّحُوا أَنْ يُؤْخَذَا(٢) أَوْ قَالَ: لاَ أَذْكُرُهُ، وَنَحْوُ ذَا (١) الراوي المجروح بالفسق، إذا تاب عن فسقه وعرفت عدالته بعد التوبة -: تقبل روايته بعدها، وهذا على إطلاقه في كل المعاصي ما عدا الكذب في رواية الحديث، فإن أحمد بن حنبل وأبا بكر الحميدي وأبا بكر الصيرفي قالوا: لا نقبل رواية من كذب في أحاديث رسول الله وَّلتر وإن تاب عن الكذب بعد ذلك. قال الصيرفي: ((كل من أسقطنا خبره من أهل النقل بكذب وجدناه عليه لم نعد لقبوله بتوبة تظهر)) وقال أبو المظفر السمعاني: ((من كذب في خبر واحد وجب إسقاط ما تقدم من حديثه)). وردّ النووي هذا فقال في شرح مسلم: ((المختار القطع بصحة توبته وقبول روايته کشهادته، کالكافر إذا أُسلم)). والراجح ما قاله أحمد بن حنبل ومن معه، تغليظاً وزجراً بليغاً عن الكذب على رسول الله وَّر، لعظم مفسدته، فإنه يصير شرعاً مستمراً إلى يوم القيامة، بخلاف الكذب على غيره والشهادة، فإن مفسدتهما قاصرة ليست عامة. فلا يقاس الكذب في الرواية على الكذب في الشهادة أو في غيرها، ولا على أنواع المعاصي الأخرى. قال الناظم في التدريب: ((وقد وجدت في الفقه فرعين يشهدان لما قاله الصيرفي والسمعاني: فذكروا في باب اللعان: أن الزاني إذا تاب وحسنت توبته لا يعود محصناً ولا يحد قاذفه بعد ذلك، لبقاء ثامة عرضه، فهذا نظير أن الكاذب لا يقبل خبره أبداً. وذكروا أنه لو قذف ثم زنى بعد القذف قبل أن يحد القاذف لم يحد، لأن الله تعالى أجرى العادة أنه لا يفضح أحداً من أول مرة، فالظاهر تقدم زناه قبل ذلك، فلم يحد له القاذف. وكذلك نقول فيمن تبين كذبه -: الظاهر تكرر ذلك منه حتى ظهر لنا، ولم يتعين لنا ذلك فيما روى من حديثه، فوجب إسقاط الكل. وهذا واضح بلا شك، ولم أر أحداً تنبه لما حررته. ولله الحمد». (٢) إذا روى ثقة عن ثقة آخر حديثاً فنفاه المروي عنه وجزم بأنه لم يحدث بهذا الحديث، بأن قال ((ما رويته)) أو ((كذب علي)) أو نحو ذلك -: وجب رده في الأصح الذي رجحه الناظم، ولكن لا يقدح ذلك في باقي روايات الراوي عنه ولا يثبت جرحه. قال الناظم في التدريب (ص ١٢٣): ((لأنه أيضاً مكذب لشيخه فى نفيه لذلك، وليس قبول جرح كل منهما أولى من قبول الآخر، فتساقطا. فإن عاد الأصل وحدث به أو حدث به فرع آخر ثقة عنه ولم يكذبه فهو مقبول. صرح به القاضي أبو بكر والخطيب وغيرهما)). وهذا الذي رجحه المؤلف لا أراه راجحاً، بل الراجح قبول الحديث مطلقاً، إذ أن الراوي عن الشيخ ثقة : ٥٥ جَمَاعَةٌ، وَآخَرُونَ سَمَحُوا وَآَخِذٌ أَجْرَ الْحَدِيثِ يَقْدَحُ عَنْ كَسْبِهِ، فَاخْتِيرَ لهُذَا وَقُبِلْ(١) وَآخَرُونَ جَوَّزُوا لِمَنْ شُغِلْ كَنَوْمٍ أَوْ كَتَزكِ أَصْلِهِ أَزْدُدَا مَنْ يَتَسَاهَلْ فِي السَّمَاعِ وَالأَدَا(٢) شُذُوذُهُ أَوْ سَهْوُهُ حَيْثُ أَثَزْ وَقَابِلَ التَّلْقينِ وَالَّذِي كَثُرْ وَمَنْ يُعَرَّفْ وَهْمَهُ ثُمَّ أَصَرّ -: مِنْ حِفْظِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ كُبَزْ : ضابط لروايته فهو مثبت، والشيخ وإن كان ثقة إلا أنه ينفي هذه الرواية، والمثبت مقدم على النافي، وكل إنسان عرضة للنسيان والسهو، وقد يثق الإنسان بذاكرته ويطمئن إلى أنه فعل الشي جازماً بذلك، أو إلى أنه لم يفعله مؤكداً لجزمه -: وهو في الحالين ساهٍ ناسٍ. وإلى هذا القول ذهب كثير من العلماء، واختاره السمعاني، وعزاه الشاشي للشافعي، وحكى الهندي الإجماع عليه. كما نقل ذلك المؤلف في التدريب، ثم قال: ((ومن شواهد القبول ما رواه الشافعي عن سفيان بن عيينة بن عمرو بن دينار عن أبي معبد عن ابن عباس قال: كنت أعرف انقضاء صلاة رسول الله ◌َ له بالتكبير. قال عمرو بن دينار: ثم ذكرته لأبي معبد بعد فقال: لم أحدثك، قال عمرو: قد حدثتنيه! قال الشافعي: كأنه نسيه بعد ما حدثه إياه. والحديث أخرجه البخاري من حديث ابن عيينة)). وأما إذا لم ينف الشيخ الحديث الذي حدث عنه الثقة به، بل نسيه فقط، بأن قال: ((لا أعرفه)) أو ((لا أذكره)) أو نحو ذلك: فإنه أولى بالقبول، ولا يرد بذلك، وجاز العمل به على الصحيح، وهو قول الجمهور من أهل الحديث والفقه والكلام، خلافاً لبعض الحنفية. ومثال ذلك ما رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من رواية ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ((أن النبي ◌َّر قضى باليمين مع الشاهد)) زاد أبو داود في رواية: أن عبد العزيز الدراوردي قال: فذكرت ذلك لسهيل فقال: حدثني ربيعة - وهو عندي ثقة - أنَّي حدثته إياه ولا أحفظه، قال عبد العزيز: وقد كان سهيل أصابته علة أذهبت بعض عقله ونسي بعض حديثه؛ فكان سهيل بعد يحدثه عن ربيعة عنه عن أبيه. ورواه أبو داود أيضاً من رواية سليمان بن بلال عن ربيعة، قال سليمان: فلقيت سهيلاً فسألته عن هذا الحديث؟ فقال: ما أعرفه، فقلت له: إن ربيعة أخبرني به عنك، قال: فإن كان ربيعة أخبرك عني فحدث به عن ربيعة عني. نقله في التدريب. قال ابن الصلاح في علوم الحديث (ص ١٣٠): ((وقد روى كثير من الأكابر أحاديث نسوها بعد ما حدثوا بها عمن سمعها منهم، فكان أحدهم يقول: حدثني فلان عني عن فلان بكذا وكذا، وجمع الحافظ الخطيب ذلك في كتاب: أخبار من حدث ونسي». (١) اختلفوا في أخذ الأجرة على التحديث: فمنعها الإمام أحمد وإسحق بن راهويه وأبو حاتم، ولم يقبلوا رواية من أخذها. وأباح ذلك أبو نعيم الفضل بن دكين وعلي بن عبد العزيز البغوي وغيرهما. وأفتى الشيخ أبو إسحق الشيرازي بجوازها لمن امتنع عليه الكسب لعياله بسبب اشتغاله بالتحديث والرواية، وهذا القول رجحه المؤلف. (٢) خ: في سماع أوأدا. ٥٦ ۔ أ 1 (بِأَنْ يُبِينَ عَالِمٌ) وَعَانَدَا(١) يُرَدُ كُلُّ مَا رَوَى وَقُدَا عَنِ اعْتِبَارِ لهُذِهِ الْمَعَانِى وَأَعْرَضُوا فِي لهُذِهِ الأَزْمَانِ صَارَ بَقَا سِلْسِلَةِ الإِسْنَادِ لِعُسْرِهَا مَعْ كَوْنِ ذَا الْمَرَادِ وَمَا رَوَى أَثْبَتَ ثَبْتُ بَرُّ فَلْيُعتَبَزْ تَكْلِيفُهُ وَالسَّتْرُ شُبُوخِهِ فَذَاكَ ضَبْطُ الأَهْلِ (٢) وَلْيَروِ مِنْ مُوَافِقِ لأَصْلٍ (١) العبرة في قبول الرواية بالاطمئنان إلى أن الراوي أدى ما سمع كما سمع، فإذا كان في الراوي ما يرفع هذه الثقة به لم تقبل روايته، كما إذا عرف بالتساهل في سماعه أو إسماعه، بأن ينام حين السماع أو يحدث من نسخة غير مصححة على أصله أو أصل شيخه أو نحو ذلك، وكما إذا قبل التلقين: بأن يروي الحديث فيلقنه أحد الحاضرين في الإسناد أو في المتن فيقبل ذلك من غير رجوع إلى كتابه للتوثق منه، وكما إذا كثر السهو أو الغلط أو الشذوذ في رواياته إذا حدث من حفظه. وغير ذلك من الحالات التي يعلم منها أن الراوي لم يضبط روايته ولم يؤدها على وجهها. ونحو ذلك من غلط في حديث فبين له غلطه فأصر على روايته ولم يرجع عن غلطه، فإن أحمد بن حنبل وعبد الله بن المبارك ذهبا إلى إسقاط رواياته كلها، قال ابن الصلاح: ((وهذا صحيح إن ظهر أنه أصر عناداً أو نحوه)) قال العراقي: ((وقيد ذلك بعض المتأخرين بأن يكون المبين عالماً عند المبين له، وإلا فلا حرج إذن)) وهذا القيد صحيح، لأن الراوي لا يلزم بالرجوع عن خطئه إن لم يثق بأن من زعم أنه أخطأ أعرف منه بهذه الرواية التي يخطئه فيها . (٢) الشروط السابقة في عدالة الراوي إنما تراعى بالدقة في المتقدمين. وأما المتأخرون - بعد سنة ثلاثمائة تقريباً - فيكفي أن يكون الراوي مسلماً بالغاً عاقلاً غير متظاهر بفسق أو بما يخل بمروءته وأن يكون سماعه ثابتاً بخط ثقة غير متهم وبرواية من أصل صحيح موافق لأصل شيخه. لأن المقصود بقاء سلسلة الإسناد، وإلا فإن الروايات استقرت في الكتب المعروفة، وصارت الرواية في الحقيقة رواية للكتب فقط . قال الحافظ البيهقي: ((توسع من توسع في السماع من بعض محدثي زماننا الذين لا يحفظون حديثهم، ولا يحسنون قراءته من كتبهم، ولا يعرفون ما يقرأ عليهم، بعد أن تكون القراءة عليهم من أصل سماعهم، وذلك لتدوين الأحاديث في الجوامع التي جمعها أئمة الحديث. فمن جاء اليوم بحديث لا يوجد عند جميعهم لا يقبل منه، ومن جاء بحديث معروف عندهم فالذي يرويه لا ينفرد بروايته، والحجة قائمة بحديثه برواية غيره، والقصد من روايته والسماع منه أن يصير الحديث مسلسلاً بحدثنا وأخبرنا، وتبقى هذه الكرامة التي خصت بها هذه الأمة شرفاً لنبينا (﴿)). وقال الذهبي في الميزان: ((ليس العمدة في زماننا على الرواة، بل على المحدثين والمفيدين الذين عرفت عدالتهم وصدقهم في ضبط أسماء السامعين. ثم من المعلوم أنه لا بد من صون الراوي وستره)). فالعبرة في رواية المتأخرين على الكتب والأصول الصحيحة التي اشتهرت بنسبتها إلى مؤلفيها، بل تواتر بعضها إليهم. وهذا شيء واضح لا يحتاج إلى بيان. ٥٧ . مراتب التعديل والتجريح(١) وَأَزْفَعُ الأَلْفَاظِ فِي التَّعْدِيلِ كَـ ((أَوْثَقِ النَّاسِ)) وَمَا أَشْبَهَهَا ثُمَّ الَّذِي كُرِّرَ مِمَّا يُفْرَدُ يَلِيِهِ (ثَبْتُ)) ((مُتْقِنٌ)) أَوْ (ثِقَةُ)) ثُمَّ (صَدُوقٌ)) أَوْ فَـ ((مَأْمُونٌ)) وَ((لاَ ((مَحَلُّهُ الصِّدْقُ)) ((رَوَوْا عَنْهُ)) ((وَسَطْ)) وَ ((جَيْدُ الْحَدِيثِ)) أَوْ ((يُقَارِبُهُ)) (وَمِنْهُ ((مَنْ يُزْمَى بِبِذْعٍ)) أَوْ يُضَمّ يَلِيهِ مَعْ مَشِيئَةٍ ((أَرْجُو بِأَنْ وَأَسْوَأُ النَّجْرِيحِ مَا قَدْ وُصِفَا ثُمَّ بِذَيْنِ (اَّهَمُوا)) ((فِيهِ نَظَرْ)) وَ (ذَاهِبٌ)) وَ ((سَكَثُوا عَنْهُ)» تُرِكْ ((أَلْقَوْا حَدِيثَهُ)) ((ضَعِيفٌ جِداً)) (لَيْسَ بِشَيْء)) ثُمَّ (لاَ يُحْتَجُّ بِهْ)) ((وَإِ)) ((ضَعِيفٌ)) ((ضَعَّفُوا)) يَلِيهِ (تُنْكِزْ وَتَعْرِفْ)) فِيهِ خُلْفٌ)) ((طَعَنُوا)) (لَيْسَ بِحُجِّةٍ)) أَوِ ((الْقَوِيِّ)) (مَا جَاءَ فِيهِ أَفْعَلُ النَّفْضِيلِ أَوْ نَحْوُهُ نَحْوُ ((إِلَيْهِ الْمُنْتَهَىُ))) بَعْدُ بِلَفْظِ أَوْ بِمَعْنَى يُورَدُ أَوْ ((حَافِظٌ)) أَوْ ((ضَابِطٌ)) أَزْ ((حُجَّةُ)) بَأْسَ بِهِ)) كَذَا ((خِيَارٌ)) وَثَلاَ (شَيْخٌ)) مُكَرَّرَينٍ أَوْ فَرْداً فَقَطْ(٢) ((حَسَنُهُ)) ((صَالِحُهُ)) ((مُقَارِبُهْ))(٣) إِلَى ((صَدُوقٍ)) ((سُوء حِفْظٍ أَوْ وَهْم)) لاَ بَأْسَ بِهْ ((صُوَيْلِحُ)) ((الْمَقْبُولٌ عَنّ))) (بِكَذِبٍ)) و ((الْوَضْعِ)) كَيْفَ صُرِّفَا و((سَاقِط)) و((هَالِكٌ)) ((لاَ يُعْتَبَرْ)) وَ ((لَيْسَ بِالثِّقَةِ)) بَعْدَهُ سُلِكْ ((إِزمٍ بِهِ)) واهٍ بِمَرَّة) (رُذَّ)) كَـ ((مُنْكرِ الْحَدِيثِ)) أَوْ ((مُضْطَرِيِة)) ((ضُعِّفَ)) أَوْ ((ضُعْفٌ)) ((مَقَالُ فِيهِ)) (تَكَلَّمُوا)) ((سَيِّءُ حِفْظِ)) ((لَيِّنُ)) (بِعُمْدَةٍ)) ((بِذَاكَ)) ((بِالْمَرْضِيِّ)» تَحَمُّلُ الْحَدِيثِ وَمَنْ بِكُفْرٍ أَوْ صِبِى قَدْ حَمَلاَ (أَوْ فِسْقِهِ) ثُمَّ رَوَى إِذْ كَمَلَاً (١) هذه ألفاظ تدور بين علماء الحديث في تعديل الرواة أو جرحهم وقد رتب المؤلف درجاتها كما ترى، ولا تحتاج إلى شرح. (٢) أي وصف الشيخ بأنه ((وسط)) أو بأنه ((شيخ)) أو وصفه بهما معاً. (٣) بفتح الراء، أي يقاربه حديث غيره، وحكي فيه الكسر، أي يقارب حديثه حديث غيره. وفرق بعضهم بينهما: فجعلها بالكسر من ألفاظ التعديل، وبالفتح من ألفاظ الجرح. ٥٨ ٠ لاَ سِنَّ لِلْحَمْلِ بَلِ الْمُعْتَبَرُ يَقْبَلُهُ الْجَمْهُورُ(١) وَالْمُشْتَهِرُ قَدْ ضَبَطُوا وَرَدُّهُ الجَوَابَا تَمْيِيزُهُ أَنْ يَفْهَمَ الْخِطَابَا ٠ وَنَجْلٍ هَارُونَ(٢) عَلَى ذَا (نَزِّل) وَمَا رَوَوْا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فَحَدَّهُ أَلْجِلُّ بِهَا ثُمَّ أَسْتَقَرّ. وَغَالِياً يَحْصُلُ إِنْ خَمْسٌ غَبَرْ (وَإِنْ يُقَدِّمْ قَبْلَهُ الْفِقْهِ أَسَدٌ) (٣) وَكَتْبُهُ وَضَبْطُهُ حَيْثُ أَسْتَعَدّ - (١) من شرط الراوي أن يكون مسلماً بالغاً. إنما هذا يشترط حين الأداء، أو حين يروي الحديث لينقله عنه غيره، أما حين سماعه للحديث وتحمله إياه فلا يشترط ذلك. فإذا سمع شخص كافر حديثاً من شيخ ثم أسلم وحسن إسلامه وصار عدلاً ونقله إلينا -: قبلنا روايته. وكذلك الصغير إذا كان يفهم ما يسمعه أو يراه ويميزه ثم رواه بعد بلوغه -: قبلنا روايته أيضاً. ومثل ذلك الفاسق حين التحمل إذا صار عدلاً حين الأداء. (٢) أي موسى بن هارون الحمال أحد الحفاظ. (٣) اختلفوا في السنّ التي يصلح فيها الصبي للرواية: فنقل القاضي عياض أن أهل الحديث حددوا أول زمن يصح فيه السماع للصغير بخمس سنين، قال ابن الصلاح: ((وعلى هذا استقر العمل بين أهل الحديث)) واحتجوا بما رواه البخاري عن محمود بن الربيع قال: ((عقلت من النبي ◌َّ مجة مجها في وجهي من دلو وأنا ابن خمس سنين)). قال النووي وابن الصلاح: ((والصواب اعتبار التمييز، فإن فهم الخطاب وردّ الجواب كان مميزاً صحيح السماع، وإن لم يبلغ خمساً، وإلا فلا)). وهذا ظاهر. ولا حجة فيما احتجوا به من رواية محمود بن الربيع، لأن الناس تختلف في قوة الذاكرة، ولعل غير محمود بن الربيع لا يذكر ما حصل له وهو ابن عشر سنين، وأيضاً فإن ذكره مجة وهو ابن خمس لا يدل على أنه يذكر كل ما رأى أو سمع. والحق أن العبرة في هذا بأن يميز الصبي ما يراه ويسمعه، وأن يفهم الخطاب ويردّ الجواب. وعلى هذا يحمل ما روي عن موسى بن هارون الحمال، فإنه سئل: ((متى يسمع الصبي الحديث؟)) فقال: ((إذا فرق بين البقرة والحمار)). وكذلك ما روي عن أحمد بن حنبل، فإنه سئل عن ذلك؟ فقال: ((إذا عقل وضبط)) فذكر له عن رجل أنه قال: ((لا يجوز سماعه حتى يكون له خمس عشرة سنة)) فأنكر قوله هذا وقال: ((بئس القول! فكيف يصنع بسفيان ووكيع ونحوهما؟!)). هذا في السماع والرواية. وأما كتابة الحديث وضبطه فإنه لا اختصاص لهما بزمن معين، بل العبرة فيهما باستعداده وتأهله لذلك. وذهب الناظم إلى أن تقديم الاشتغال بالفقه على كتابة الحديث أسدّ وأحسن، وهو كما قال في تعلم مبادىء الفقه، لا في التوسع فيه، فإن الاشتغال بالحديث والتوسع فيه - بعد تعلم مبادىء الفقه - يقوي ملكة التفقه في الكتاب والسنة في طالب العلم ويضعه على الجادّة المستقيمة في استنباط الأحكام منهما، وينزع من قلبه التعصب للآراء والأهواء. وعندي أنه ينبغي لطالب العلم المشتغل بالحديث أن يكثر من درس الأدب واللغة حتى يحسن فقه الحديث، وهو كلام أفصح العرب وأقومهم لساناً وَلخير. ٥٩ أقسام التحمُّل أَعْلَى وُجُوهِ مَنْ يُرِيدُ حَمْلاً مِنْ حِفْظِ أوْ مِنْ كُتُبٍ وَلَوْ وَرَا مُعْتَمَدٌ، وَرَدَّ لهذًا شُعْبَةْ وَبَعْدَهُ التَّحْدِيثُ فَالإِخْبَارُ ثُمّ ((قَالَ لْنًا» وَدُونَهُ ((لَنَا ذَكَرْ))) (وَبَعْضُهُمْ قَالَ: ((سَمِعْتُ)) أَخْرَا وَبَعْدَ ذَا قِرَاءَةٌ ((عَرْضاً)) دَعَوْا سَمِعْتْ مِنْ قَارٍ لَهُ وَالْمُسْمِعُ أَوْ أَمْسَكَ الْمُسْمِعُ أَضْلاً أَوْ جَرَى وَالأَكْثَرُونَ حَكَوًا الإِجمَاعَا سَمَاعُ نَفْظِ الشَّيْخِ أَمْلّى أَمْ لاَ سِتْرٍ إِذَا عَرَفْتَّهُ أَوْ أَخْبَرَا ثُمَّ(سَمِعْتُ)) فِي الأَدَاءِ أَشْبَةْ (أَنْبَأَنَا)) (نَبَّأَنَا)) وَبَعْدُ ضُمّ وَفِي الْمُذَاكَرَاتِ هَذِهِ أَبْرّ(١) وَقِيلَ إِنْ عَلَى أَلْعُمُومِ أَخْبَرًا)(٢) قَرَأْتُهَا مِنْ حِفْظِ أَوْ كِتَابِ أوْ يَحْفَظُهُ، أَوْثِقَةٌ مُسْتَمِعُ - عَلَى الصَّحِيحِ - ثِقَةٌ أَوْ مَنْ قَرًا أَخذاً بِهَا وَأَلْغَوُا النِّزَاعَا (١) من أراد أن يروى عن شيخ فإن أعلى أنواع التحمل أن يسمع لفظ الشيخ حين التحديث - سواء كان الشيخ يملي على السامع، أم كان السامع بيده كتاب يقابل عليه، أم كان السامع يحفظ ما يسمع من غير كتاب ــ وسواء كان الشيخ يحدث من حفظه أم من كتابه. وإذا كان الشيخ وراء ستر أو حجاب فالسماع منه جائز أيضاً إن عرفه السامع من صوته أو أخبره بمعرفته من يثق به. وقد رد شعبة بن الحجاج راوية الراوي عمن لم يره، وشرط رؤية الشيخ، فقال: ((إذا حدثك المحدث فلم تر وجهه فلا ترو عنه، فلعله شيطان قد تصور في صورته يقول حدثنا وأخبرنا)) قال النووي: ((وهو خلاف الصواب وقول الجمهور)) قال الناظم في التدريب: ((فقد أمر النبي ◌َّلقر بالاعتماد على صوت ابن أم مكتوم المؤذن مع غيبة شخصه عمن يسمعه، وكان السلف يسمعون من عائشة وغيرها من أمهات المؤمنين وهنّ يحدثن من وراء حجاب)). ثم بين الناظم درجات الألفاظ التي يحكي بها الراوي روايته، وهي ظاهرة. وقد جعل أدناها قول الراوي ((قال لنا فلان)) أو ((ذكر لنا فلان)) ورجح أن تستعمل هذه في المذاكرات. وقد ذهب القاضي عياض إلى تساوي هذه الألفاظ كلها في الرواية عن سماع. قال ابن الصلاح (ص ١٤٠): ((في هذا نظر، وينبغي فيما شاع استعماله من هذه الألفاظ مخصوصاً بما سمع من غير لفظ الشيخ، على ما نبينه إن شاء الله تعالى، أن لا يطلق فيما سمع من لفظ الشيخ، لما فيه من الإبهام والإلباس)). وقال أيضاً (ص ١٤١ - ١٤٢): وأما قوله (قال لنا فلان) أو (ذکر لنا فلان) فهو من قبيل قوله (حدثنا فلان) غير أنه لائق بما سمعه منه في المذاكرة، وهو به أشبه من (حدثنا)». (٢) يريد أن البعض قال: إن ((حدثنا) أرفع من ((سمعت)). قال ابن الصلاح: ((حدثنا)) و ((أخبرنا)» أرفع من جهةٍ، إذ ليس في ((سمعت)) دلالة على أن الشيخ رواه إياه بخلافهما اهـ. قال الزركشي: والصحيح التفصيل، وهو: أن ((حدثنا)) أرفع، إن حدثه على العموم ((وسمعت)) إن حدثه على الخصوص اهـ. ٦٠ - - -