النص المفهرس

صفحات 21-40

فَإِنْ يَكُنْ لِكَوْنِهِ يُضَعَّفُ
بِوَصْفِهِ بِغَيْرٍ وَصْفٍ يُعَرَفُ
فَأَمْرُهُ أَخَفُّ كَاسْتِكْثَارِ
(فَقِيلَ: جَرٌ) أَوْ لِلاسْتِصْغَارِ
اسْمَ مُسَمَّى آخَرٍ تَشْبِيهَا(١))
(وَمِنْهُ إِعْطَاءُ شُيُوخٍ فِيهَا
الارسال الخفي والمزيد في متصل الأسانيد
وَيُعْرَفُ الإِزْسَالُ ذُو الْخَفَاءِ بِعَدَمِ السَّمَاعِ وَاللَّقَاءِ
= - بعد التسوية - قد رواه عن ثقة آخر، فيحكم له بالصحة أو يتحير، وربما لصق البلاء بالثقة مع براءته
منه، وفيه غرر شديد. وممن اشتهر بهذا النوع ((بقية بن الوليد)) و((الوليد بن مسلم)) مثال ذلك: أن بقية
روى حديثاً عن عبيد الله بن عمرو بن أبي الوليد الأسدي الجزري الرقي عن إسحاق بن أبي فروة عن نافع
عن ابن عمر، وكل هؤلاء ثقات، إلا إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، فإنه ضعيف جداً، فجاء بقية
فقال: ((حدثني أبو وهب الأسدي عن نافع عن ابن عمر)) وأبو وهب الأسدي هو عبيد الله بن عمرو، لأنه
يكنى أبا وهب وينسب لبني أسد، فغيره بهذه الصفة كيلا يفطن له، وحذف من الإسناد ((إسحق بن أبي
فروة)) وجعل ظاهر الإسناد الصحة، فلا يفطن له إلا دقيق النظر من الحفاظ.
قال العلائي: ((هذا النوع أفحش أنواع التدليس مطلقاً وشرها)) وقال العراقي: ((وهو قادح فيمن تعمد فعله))
وقال شيخ الإسلام ابن حجر: ((لا شك أنه جرح)).
(١) تدليس الشيوخ: هو أن يسمي الراوي شيخه أو شيخ شيخه باسم أو كنية أو لقب غير ما اشتهر به
وعرف، وهو عمل غير جيد أيضاً، فإن كان عمل هذا ستراً لضعف الشيخ، فقد قال بعضهم: إن هذا
جرح فيمن فعله، والأصح أنه ليس بجرح، إلا إن قصد إلى إخفاء ضعف الحديث وإظهاره في مظهر
الصحيح. وبعضهم يفعل هذا لأن شيخه صغير في السن أو متأخر الوفاة أو سمع منه كثيراً فامتنع من
تكراره على صورة واحدة إيهاماً لكثرة الشيوخ، وكل هذه الصور غير مستحسنة، لما فيها من صعوبة
معرفة الشيخ لمن لم يعرفه، فقد لا يفطن له الناظر فيحكم عليه بالجهالة. وهذا يحصل كثيراً من الخطيب
البغدادي وابن الجوزي وغيرهما. ومنع بعضهم إطلاق اسم ((التدليس)) على هذا النوع، والمسألة
اصطلاح.
ثم إن لهم صورة أخرى عكس هذه: بأن يذكر الراوي شيخه بكنية أو لقب أو صفة تتفق مع صفة شيخ
آخر مشهور تشبيهاً له به، كما يفعل ابن السبكي إذ يقول: ((أخبرنا أبو عبد الله الحافظ)) يريد ((الذهبي))
تشبهاً بالبيهقي إذ يقول هذا، ويريد به الحاكم، وكذا إبهام اللقي والرحلة، كأن يقول ((حدثنا من وراء
النهر)» يوهم أنه جيحون، ويريد نهر عيسى ببغداد أو الجيزة بمصر، وليس هذا بجرح قطعاً، لأنه من
المعاريض، لا من الكذب، قاله الآمدي وابن دقيق العيد.
فائدة: نقل المؤلف في التدريب عن الحاكم قال: ((أهل الحجاز والحرمين ومصر والعوالي وخراسان
وإصبهان وبلاد فارس وخوزستان وما وراء النهر -: لا نعلم أحداً من أئمتهم دلسوا، وأكثر المحدثين
تدليسا أهل الكوفة ونفر يسير من أهل البصرة، وأما أهل بغداد فلم يذكر عن أحد من أهلها التدليس إلى
أبي بكر محمد بن محمد بن محمد بن سليمان الباغندي الواسطي، فهو أول من أحدث التدليس بها» . .
٢١

مِنْ جِهِةٍ بِزِيْدِ شَخْصٍ وَاعٍ(١)]
[وَمِنْهُ مَا يُحْكَمُ بِانْقِطَاعِ
يُقْضَى عَلَى الزَّائِدِ أَنْ قَدْ وَهِما
وَبِِزِيَادَةٍ تَجِي، وَرُبَّمَا
سَمَاعَهُ مِنْ ذَيْنٍ لَمَّا حَمَلاَ(٢)
(خَيْثُ قَرِينَةٌ) وَإِلاَّ احْتَمَلاَ
عَنْ نَفْسِهِ وَالنَّصِّ مِنْ كِبَارِ(٣))
(وَإِنَّمَا يُعْرَفُ بِالإِخْبَارِ
٠
الشاذّ والمحفوظ
مُخَالِفَا أَرْجَحَ، وَالْمَجْعُولُ
وَذُو الشذُوذِ مَا رَوَى الْمَقْبُولُ
لَوْ لَمْ يُخَالِفْ، قِيلَ: أَوْ ضَبْطًا فَقَدْ
(أَرْجَحَ مَحْفُوظٌ)، وَقِيلَ: مَا انْفَرَدْ
(١) هذا البيت زيادة في المتن الذي شرحه الترمسي، ولم يوجد في الأصل، وأرى أنه لا داعي له، لفهم
معناه مما في الأبيات بعده، ولعله من مسودة المؤلف ثم حذفه في النسخة الأخيرة.
(٢) في المتن الذي شرحه الترمسي ((من ذين ما قد حملا)) والمعنى واحد . .
(٣) قد يجيء الحديث الواحد بإسناد واحد من طريقين، ولكن في أحدهما زيادة راو، وهذا يشتبه على كثير
من أهل الحديث، ولا يدركه إلا النقاد، فتارة تكون الزيادة راجحة، بكثرة الراوين لها أو بضبطهم
وإتقانهم، وتارة يحكم بأن راوي الزيادة وهم فيها، تبعاً للترجيح والنقد، فإذا رجحت الزيادة كان الناقص
من نوع الإرسال الخفي، وإذا رجح النقص كان الزائد من المزيد في متصل الأسانيد.
مثال الأول: حديث عبد الرزاق عن الثوري عن أبي إسحق عن زيد بن يثيع - بضم الياء التحتية المثناة
وفتح الثاء المثلثة وإسكان الياء التحتية المثناة وآخره عين مهملة - عن حذيفة مرفوعاً: ((إن وليتموها أبا
بكر فقوي أمين)) فهو منقطع في موضعين: لأنه روي عن عبد الرزاق قال: حدثني النعمان بن أبي شيبة
عن الثوري، وروي أيضاً عن الثوري عن شريك عن أبي إسحق. ومثال الثاني: حديث ابن المبارك قال:
حدثنا سفيان عن عبد الرحمن بن يزيد حدثني بسر بن عبيد الله قال سمعت أبا إدريس الخولاني قال
سمعت واثلة يقول سمعت أبا مرثد يقول سمعت رسول الله وهيقد يقول: ((لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا
إليها)) فزيادة ((سفيان)) و ((أبي إدريس)) وهم: فالوهم في زيادةَ سفيان من الراوي عن ابن المبارك، فقد
رواه ثقات عن ابن المبارك عن عبد الرحمن بن يزيد بغير واسطة، مع تصريح بعضهم بالسماع، والوهم
في زيادة أبي إدريس من ابن المبارك، فقد رواه ثقات عن عبد الرحمن بن يزيد عن بسر بغير واسطة مع
تصريح بعضهم بالسماع.
ويعرف الإرسال الخفي أيضاً بعدم لقاء الراوي لشيخه وإن عاصره، أو بعدم سماعه منه أصلاً، أو بعدم
سماعه الخبر الذي رواه وإن كان سمع منه غيره، وإنما يحكم بهذا إما بالقرائن القوية، وإما بإخبار
الشخص عن نفسه، وإما بمعرفة الأئمة الكبار والنص منهم على ذلك.
وقد يجيء الحديث من طريقين في أحدهما زيادة راو في الإسناد، ولا توجد قرينة ولا نص على ترجيح
أحدهما على الآخر، فيحمل هذا على أن الراوي سمعه من شيخه وسمعه من شيخ شيخه، فرواه مرة
هكذا، ومرة هكذا.
٢٢
٢

المنكر والمعروف
مُخَالِفًا، فِي نُخْبَةٍ قَدْ حَقَّقَهْ
(المُنْكَرُ الَّذِي رَوَى غَيْرُ الثَّقَهْ
تَرَادُفَ الْمُنكَرِ وَالشَّاذِ نَأَى)
قَابَلَهُ الْمَعْرُوفُ، وَالَّذِي رَأَى
*
المتروك
-
رَاوٍ لَهُ مُتَّهَمٌ بِالْكَذِبِ
(وَسَمِّ بِالْمَتْرُوكِ فَرْدًا تَصِبٍ
أَوْ فِسْقٍ أَوْ غَفْلَةٍ أَوْ وَهْمٍ كَثُرُ (١))
أَوْ عَرَفُوهُ مِنْهُ فِي غَيْرِ الأَثَزْ
الأفراد
الْفَزْدُ إِمَّا مُطْلَقٌ مَا انْفَرَدَا رَارٍ بِهِ فَإِنْ لِضَبْطِ بَعُدَا
(١) هذه الأنواع الخمسة كلها مرجعها إلى تفرد الراوي بما روى، وكذلك ما سيأتي في ((الأفراد))
و ((الغريب)). فالراوي إذا انفرد بالحديث وكان متهماً بالكذب، سواء في الحديث وفي غيره، أو بالفسق،
أو كان ذا غفلة، أو كثير الوهم -: سمى ما انفرد به ((المتروك)). وإن كان لم ينفرد بأصل الحديث وإنما
انفرد بشيء فيه في المتن أو السند وخالفه غيره من الثقات -: كان ما انفرد به ((منكراً)) والآخر ((معروفاً».
وإن رؤى الثقة حديثاً وخالفه فيه أرجح منه، لمزيد ضبط أو كثرة عدد -: كان ما انفرد به ((شاذاً) والآخر
(محفوظاً)). وذهب الحاكم إلى أن الشاذ («هو ما انفرد به ثقة وليس له أصل متابع لذلك الثقة، ويغاير
المعلل بأن ذلك وقف على علته الدالة على جهة الوهم فيه، والشاذ لم يوقف فيه على علة كذلك،
وينقدح في نفس الناقد أنه غلط، ولا يقدر على إقامة الدليل على ذلك)) قال الحافظ ابن حجر: ((وهذا
أدق من المعلل بكثير، فلا يتمكن من الحكم به إلا من مارس الفن غاية الممارسة، وكان في الذروة من
الفهم الثاقب ورسوخ القدم في الصناعة)) نقله المؤلف في التدريب (ص ٨١) ثم قال: ((ولعسره لم يفرده
أحد بالتصنيف، ومن أوضح أمثلته ما أخرجه في المستدرك من طريق عبيد بن غنام عن علي بن حكيم عن
شريك عن عطاء بن السائب عن أبي الضحى عن ابن عباس قال: في كل أرض نبي كنبيكم وآدم كآدم
ونوح كنوح وإبراهيم كإبراهيم وعيسى كعيسى. وقال: صحيح الإسناد، ولم أزل أتعجب من تصحيح
الحاكم له! حتى رأيت البيهقي قال: إسناده صحيح ولكنه شاذ بمرة)). والحديث في المستدرك (ج ٢ ص
٤٩٣) ووافقه الذهبي على تصحيحه، ولست أرى أنه من الشاذ كما ذهب إليه البيهقي، لأن الحاكم روى
بعده قطعة منه من طريق شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي الضحى عن ابن عباس، وإنما علة الحديث أنه
موقوف على ابن عباس في الطريقين، فيحتمل - بل يرجح - أنه من الإسرائيليات التي كان الصحابة لا
يرون بأساً بنقلها عن اليهود. والله أعلم.
=
ثم إن كل ما سبق في هذه الأنواع إنما هو في انفراد الراوي الذي ليس صحابياً، وأما الصحابي فإن
انفراده برواية لا يدخل تحت أي نوع منها.
٢٣

أَوْ بَلَغَ الضَّبْطَ فَصَحِّحْ حَيْثُ عَنّ(١)
رُدَّ، وَإِذْ يَقْرُبُ مِنْهُ فَحَسَنْ
بِثِقَةٍ أَوْ عَنْ فُلاَنٍ أَوْ بَلَدْ
وَمِنْهُ نِسْبِيٌّ بِقَيْدٍ يُعْتَمَدْ
وَهْكَذَا الثَّالِثُ إِنْ فَزْداً يُرَدّ(٢)
فَيَقْرُبُ الأَوَّلُ مِنْ فَزْدٍ وَرَدْ
الغريب، والعزيز، والمشهور، والمستفيض، والمتواتر
الأَوَّلُ الْمُطْلَقُ فَزْدًا، وَالَّذِي
وَسْمَ الْعَزِيزِ، وَالَّذِي رَوَاهُ
قَوْمٌ يُسَاوِي الْمُسْتَفِيضَ، وَالأَصَحّ
حَدُّ تَواتٍُ)، وَكُلِّ يَنْقَسِمْ
لَهُ طَرِيقَانِ فَقَطْ لَهُ خُذٍ
ثَـلَاثَِةٌ مَشْهُِورُنَا، (رَآهُ
هُذَا بِأَكْثَرٍ، وَلَكِنْ مَا وَضَخْ
لِمَا بِصِحَّةٍ وَضَعْفٍ يَّسِمْ
وَقُسِمَ الْفَزْدُ إِلَى غَرِيبٍ
(وَالْغَالِبُ الضَّعْفُ عَلَى الْغَرِيبِ)
فِي مَثْنِهِ وَسَندٍ، وَالنَّانِ قَدْ(٣)
وَيُطْلَقُ الْمَشْهُورُ لِلَّذِي اشْتَهَزْ
(وَلاَ تَرَى غَرِيبَ مَثْنٍ لاَ سَنَدْ
فِي النَّاسِ مِنْ غَيْرِ شُرُوطٍ تُعْتَبَزْ(٤)
٢
(١) هذه أنواع من انفراد الراوي بالحديث، وهي تكميل للأنواع الخمسة السابقة، فالحديث الفرد
- بالإطلاق من غير قيد - هو ما انفرد به راو واحد، وإن تعددت الطرق إليه، وحكمه أنه إذا كان الراوي
ثقة ضابطاً كان الحديث صحيحاً، وإن كان متوسطاً في الضبط والحفظ كان الحديث حسناً، وإن كان غير
ضابط كان الحديث مردوداً. وقد سبق في نوع ((الشاذ)) أن الحاكم يسمي ما ينفرد به الثقة شاذاً وإن لم
يخالفه غيره.
(٢) من الفرد أيضاً ((الفرد النسبي))، وهو المقيد بنسبة خاصة، فأما أن يقال: لم يروه ثقة إلا فلان، وهذا
حكمه حكم الفرد المطلق، لأن غير الثقة لا تعتبر روايته، فكأن الثقة انفرد به انفراداً مطلقاً. وإما أن
يقال: لم يروه عن فلان إلا فلان، وهذا يعتبر فيه ما يعتبر في الروايات الأخرى: فإن كان الإسناد
صحيحاً كان صحيحاً، وإن خالف غيره كان شاذاً، وهكذا. وإما أن يقال: هذا الحديث من أفراد
البصريين مثلاً، وهذا حكمه حكم الفرد المطلق.
(٣) أي فقط .
(٤) الحديث ((الفرد المطلق)) - وهو الذي تقدم في الأفراد أنه ما رواه واحد فقط - يسمى أيضاً ((الغريب))،
فإذا انفرد بالحديث راويان سمي ((عزيراً)، فإذا رواه أكثر من اثنين سمي ((مشهوراً).
هذا هو الذي رجحه ابن حجر وغيره من المتأخرين. وذهب ابن الصلاح إلى أن العزيز ما انفرد به اثنان
أو ثلاثة. والمستفيض يطلق أيضاً على المشهور، ولكن المؤلف ذهب إلى أن المشهور ما رواه ثلاثة،
والمستفيض ما رواه أكثر من ثلاثة. والظاهر من عبارات المتقدمين أنهما واحد، وأن المتواتر قسم من
المشهور، وسيأتي الكلام عليه.
ثم إن الغالب على الحديث الغريب أن يكون ضعيفاً، ومنه الصحيح والحسن كما مضى، والغرابة تكون =
٢٤
1
=
-

"وَمَا رَوَاهُ عَدَدٌ جَمِّ يَجِبْ
فَالْمُتَوَاتِرُ، وَقَوْمٌ حَدَّدُوا
وَالْقَوْلُ بِاثْنَيْ عَشْرٍ أَوْ عِشْرِيْنَا
وَبَعْضُهُمْ قَدِ ادَّعَى فِيهِ الْعَدَمْ
بَلِ الصَّوَابُ أَنَّهُ كَثِيرُ
خَمْسٌ وَسَبْعُونَ رَوَوْا ((مَنْ كَذَبَا))
لَهَا حَدِيثُ (الرَّفعِ لِلَيَدَيْنِ))
إِحَالَةُ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الكَذِبْ
بِعَشْرَةٍ، وَهُوَ لَدَيَّ أَجْوَدُ
يُحكَى وَأَزْبَعِينَ أَوْ سَبْعِينَا
وَبَعْضُهُمْ عِزَّتَهُ، وَهْوَ وَهَمْ
وَفِيهِ لِي مُؤْلَّفٌ نَضِيرُ
وَمِنْهُمُ الْعَشْرَةُ ثُمَّ انْتَسَبَا
(وَ ((الْحَوْضِ))) ((وَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّينِ(١)
= في المتن والسند معاً، وتكون في السند وحدهٍ، وقد تكون بأصل الحديث، وقد تكون بزيادة في المتن،
وقد تكون بزيادة في السند، ولا تكون الغرابة في المتن كله وحده دون السند، لأن المتن إذا كان غريباً
بإسناد معين كان الإسناد إلى هذا المتن إسناداً غريباً، فيكون غريب المتن والإسناد معاً، وأما غرابة
الإسناد وحده فتكون في حديث معروف بأسانيد أخرى، ويأتي بإسناد انفرد به راو واحد، فيكون هذا
الإسناد غريباً.
وأمثلة هذه الأنواع كثيرة معروفة في كتب السنة وكتب المصطلح، وإنما نريد أن ننبه هنا على مثال واحد
يخطىء فيه الناس، وهو حديث ((إنما الأعمال بالنيات)) فقد زعم بعضهم أنه مشهور، بل غالى غيره فادعى
أنه متواتر، والحق أنه حديث غريب، أي فرد مطلق، فإنه تفرد به عمر عن النبي ﴿﴿، وتفرد به علقمة عن
عمر، وتفرد به محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة، وتفرد به يحيى بن سعيد عن التيمي، ثم اشتهر بعد
ذلك - بل تواترا عن يحيى بن سعيد، وقد ورد بأسانيد أخر من غير حديث عمر، ولكنها كلها أسانيد
ضعاف.
وقد يطلق بعض العلماء اسم ((المشهور)) على الأحاديث التي اشتهرت على ألسنة الناس، سواء أكانت
صحيحة أم صعيفة أم مكذوبة. ولا يريدون بها ((المشهور)) في اصطلاح المحدثين. وفي هذا كتب جمة
مفيدة، تبين الصحيح منها من غيره، من أنفعها كتاب ((تمييز الطيب من الخبيث)) لابن الديبع الشيباني
مؤلف تيسير الوصول، وكتاب ((كشف الخفاء ومزيل الالباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس))
الاسماعيل بن محمد العجلوني المتوفى سنة ١١٦٢، وهو في مجلدين.
(١) من الحديث المشهور نوع يدعى ((المتواتر)) وهو اصطلاح يغلب في ألفاظ الفقهاء والأصوليين، وجاء
أيضاً في کلام بعض العلماء بالحديث. وهو ما نقله رواہ کثیرون - لا یمکن تواطؤهم على الكذب - عن
مثلهم من أول الإسناد إلى آخره، فيحصل العلم الضروري بصدقهم، ويجب العمل به من غير بحث عن
رجاله. وهؤلاء الرواة الكثيرون لا دليل على حصر عددهم، وزعم بعضهم أن يكون أقلهم عشرة، وقيل:
أقلهم اثنا عشر، وقيل: عشرون، وقيل: أربعون، وقيل: سبعون، وقيل غير ذلك، واختار المؤلف
الأول.
والصحيح أنه لا حد لذلك، وأن العبرة بما يقع في نفس السامع من صدق الخبر وعدم احتمال تواطىء
هؤلاء الناقلين على الكذب، من ظروفهم وأحوالهم وكيفية نقلهم الخبر. وقد يطمئن السامع لرواية
خمسة، ويقع في نفسه استحالة تواطئهم على الكذب، وقد لا يطمئن لرواية عشرة لملابسات أخرى.
=
٢٥

.
= ثم إن التواتر نوعان: تواتر معنوي، وتواتر لفظي، أما المعنوي: فإنه اشتراك الرواة الذين يؤمن كذبهم
على رواية معنى واحد في ضمن ألفاظ مختلفة يشترك هذا المعنى فيها جميعاً، وهو كثير جداً في
الشريعة، ويضربون له مثل: كرم حاتم، فإن الرواة روت قصصاً كثيرة جداً في حوادث له دلت كلها على
أنه جواد كريم. وضرب له المؤلف في التدريب مثلاً من الحديث ((أحاديث رفع اليدين في الدعاء» قال:
(فقد روي عنه ◌َّه نحو مائة حديث فيه: رفع يديه في الدعاء، وقد جمعتها في جزء، لكنها قضايا
مختلفة، فكل قضية منها لم تتواتر، والقدر المشترك فيها - وهو الرفع عند الدعاء -: تواتر باعتبار
المجموع)). وهو مثال جيد جداً.
*
۔
۔
ومن المتواتر المعنوي عندي: المتواتر العملي، وهو ما علم من الدين بالضرورة وتواتر عند المسلمين أن
النبي ◌َّر فعله أو أمر به أو غير ذلك، وهو الذي ينطبق عليه تعريف الإجماع انطباقاً صحيحاً. مثل
مواقيت الصلوات وأعداد ركعاتها وصلاة الجنازة والعيدين وحجاب النساء عن غير ذي محرم لها ومقادير
زكاة المال، إلى ما لا يعد ولا يحصى من شرائع الإسلام.
وأما المتواتر اللفظي: فهو أن يتواتر لفظ الحديث نفسه بالصفة التي شرحناها في تعريف المتواتر، وهو
قليل بالنسبة لغيره في الحديث. بل ادعى بعضهم أنه غير موجود، وادعى ابن الصلاح أنه ((لا يكاد يوجد
في رواياتهم)) ورد الحافظ ابن حجر على هاتين الدعويين، فقال: ((ما ادعاه ابن الصلاح من عزة المتواتر
وكذا ما ادعاه غيره من العدم -: ممنوع، لأن ذلك نشأ عن قلة الاطلاع على كثرة الطرق وأحوال الرجال
وصفاتهم المقتضية لإبعاد العادة أن يتواطؤا على الكذب أو يحصل منهم اتفاقاً. ومن أحسن ما يقرر به
كون المتواتر موجوداً وجود كثرة في الأحاديث أن الكتب المشهورة المتداولة بأيدي أهل العلم شرقاً
وغرباً - المقطوع عندهم بصحة نسبتها إلى مؤلفيها - إذا اجتمعت على إخراج حديث وتعددت طرقه تعدداً
تحيل العادة تواطؤهم على الكذب -: أفاد العلم اليقيني بصحته إلى قائله. ومثل ذلك في الكتب
المشهورة كثير)) وأوضح مثال له حديث ((من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)) فإنه رواه خمس
وسبعون صحابياً، وقيل أكثر من ذلك.
قال المؤلف في التدريب: ((لقد ألفت في هذا النوع كتاباً لم أُسبق إلى مثله، سميته: الأزهار المتناثرة في
الأخبار المتواترة مرتباً على الأبواب، أوردت فيه كل حديث بأسانيد من خرجه وطرقه، ثم لخصته في
جزء لطيف سميته: قطف الأزهار، اقتصرت فيه على عزو كل طريق لمن أخرجها من الأئمة، وأوردت
فيه أحاديث كثيرة. منها: حديث (الحوض) من رواية نيف وخمسين صحابياً. وحديث (المسح على
الخفين) من رواية سبعين صحابياً. وحديث (رفع اليدين في الصلاة) من رواية نحو خمسين. وحديث
(نضر الله امرأ سمع مقالتي) من رواية نحو ثلاثين. وحديث (نزل القرآن على سبعة أحرف) من رواية سبع
وعشرينٍ. وحديث (من بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة) من رواية عشرين. وحديث (كل مسكر
حرام). وحديث (بدأ الإسلام غريباً) وحديث (سؤال منكر ونكير). وحيث (كل ميسر لما خلق له).
وحديث (المرء مع من أحب). وحديث (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة). وحديث (بشر المشائين في
الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة) -: كلها متواترة، في أحاديث جمة أودعناها كتابنا المذكور.
ولله الحمد)».
تنبيه: أخطأ الحافظ السيوطي خطأ غريباً في النقل عن نفسه، إذ سمى كتابه الأول في الأخبار المتواترة
((الأزهار المتناثرة)) وسمى ما اختصره منه ((قطف الأزهار)). وليس كذلك، بل كتابه الأول اسمه: ((الفوائد=
٢٦
*
-

م
۔
وَلَابْنِ حِبَّانَ: الْعَزِيزُ مَا وُجِدْ بِحَدِّهِ السَّابِقِ، لَكِنْ لَمْ يُجِدْ
ذُو وَصْفَي الْعَزِيزِ وَالْمَشْهُورِ(١))
وَلِلْعَلَائِي جَاءَ فِي الْمَأْثُورِ
الاعتبار والمتابعات والشواهد
اُلَاغْتِبَارُ سَبْرُ مَا يَزْوِيهِ هَلْ شَارَكَ الرَّاوِي سِوَاهُ فِيهِ؟
= المتكاثرة)) ثم اختصره في آخر سماه: ((الأزهار المتناثرة)). والأزهار موجودة بدار الكتب المصرية، وهو
مختصر ليس فيه الأسانيد، وقد صرح في مقدمته بأنه ألف كتاب ((الفوائد المتكاثرة)) بالأسانيد تفصيلاً، ثم
اختصره في هذا الكتاب - يعني الأزهار - وكذلك ذكر الكتابين صاحب كشف الظنون، فذكر عن الأول أنه
((كتاب أورد فيه ما رواه من الصحابة عشرة فصاعداً، مستوعباً فيه، فجاء كتاباً حافلاً، ثم جرد مقاصده
وسماه («الأزهار المتكاثرة)). وأما ((قطف الأزهار)) فهو كتاب آخر للسيوطي، ذكره في كشف الظنون باسم
((قطف الأزهار في كشف الأسرار)» وأنه في أسرار التنزيل في مجلد ضخم، كتب منه إلى آخر سورة
براءة.
(١) بعد أن تكلم المؤلف على المتواتر عاد إلى شيء يتعلق بنوع ((العزيز)) الذي سبق ذكره، فنقل عن ابن
حبان إنكار وجوده، ورده بأنه قول غير جيد. وسبقه الحافظ ابن حجر إلى ذلك قال: ((وقد ادعى ابن
حبان أن رواية اثنين عن اثنين لا توجد أصلاً. فإن أراد رواية اثنين فقط عن اثنين فقط فمسلم، وأما
صورة العزيز التي جوزوها فموجودة، بأن لا يرويه أقل من اثنين عن أقل من اثنين، مثاله: ما رواه
الشيخان من حديث أنس، والبخاري من حديث أبي هريرة: أن رسول الله وَ الر قال: لا يؤمن أحدكم حتى
أكون أحب إليه من والده وولده. الحديث، ورواه عن أنس: قتادة وعبد العزيز بن صهيب، ورواه عن
قتادة شعبة وسعيد، ورواه عن عبد العزيز إسماعيل بن علية وعبد الوارث، ورواه عن كل جماعة)).
والمتتبع الأسانيد الأحاديث وطرقها يجد العزيز كثيراً على معنى أن ينفرد بروايته راويان فقط في أي طبقة
من الإسناد، وأما ما يظن من ظاهر كلامهم - أنه يرويه اثنان عن اثنين وهكذا -: فإنه من العسير جداً أن
يوجد وإنما المقصد أن الحديث إذا انفرد به واحد كان فرداً أو غريباً سواء رواه عن واحد آخر أو عن
جماعة، وسواء رواه عن هذا المنفرد واحد أيضاً أو جماعة، لأن انفراد راو بالحديث في أثناء الإسناد
يجعل الإسناد فرداً كما هو ظاهر، وكذلك إذا انفرد به اثنان في أي طبقة من طبقات الإسناد كان عزيزاً،
وإن اشتهر بعد ذلك بكثرة الرواة، كالحديث الذي نقلناه عن الحافظ ابن حجر آنفاً، فإنه عزيز في
طبقتين: التابعين وأتباعهم، ثم رواه كثيرون بعد ذلك، فاشتهر، ولكنه لم يخرج عن أنه من نوع
((العزيز)). وبهذا يعلم خطأ الحافظ العلائي فيما نقله المؤلف عنه هنا وفي التدريب قال: ((حديث (نحن
الآخرون السابقون يوم القيامة) الحديث، عزيز عن النبي وَّل، رواه عنه حذيفة بن اليمان وأبو هريرة وهو
مشهور عن أبي هريرة، رواه عنه سبعة: أبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو حازم، وطاوس، والأعرج،
وهمام، وأبو صالح، وعبد الرحمن مولى أم برئن)).
1
واعلم أن هذين البيتين، من أول قوله: ((ولابن حبان)) الخ وقعا في الطبعة السابقة قبل قوله ((خمس
وسبعون رووا من كذبا)). والصواب تأخيرهما إلى هذا الموضع، تبعاً لنسخة الشرح، ولأن قوله ((خمسٍ
وسبعون)) الخ أمثلة للمتواتر، فالمتعين أن تذكر عقبه ولا يفصل بينها وبينه بشيء آخر.
٢٧

أَوْ شَيْخُهُ أَوْ فَوْقُ: تَابِعٌ أُثِزْ
فَإِنْ يُشَارِكْهُ الَّذِي بِهِ اغْتُبِزْ
فَشَاهِدٌ، وَفَاقِدٌ ذَيْنِ انْفَرَدْ
وَإِنْ يَكُنْ مَثْنٌ بِمَعْنَاهُ وَرَدْ
مُتَابِعاً، وَعَكْسُهُ قَدْ يُعْنَى(١)
وَرُبَّمَا يُدْعَى الَّذِي بِالْمَعْنَى
١
زيادات الثقات
وَفِي زِيَادَات الثِّقَاتِ الْخُلْفُ جَمّ مِمَّنْ رَوَاهُ نَاقِصًا أَوْ مَنْ أَبِمّ
(١) تجد أهل الحديث يبحثون عما يرويه الراوي ليتعرفوا ما إذا كان قد انفرد به أولا، وهذا البحث يسمى
عندهم ((الاعتبار)) فإذا لم يجدوا ثقة رواه غيره كان الحديث ((فرداً مطلقاً) أو ((غريباً)) كما مضى، مثال
ذلك: أن يروي حماد بن سلمة حديثاً عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي وَ طير، فينظر: هل
رواه ثقة آخر عن أيوب؟ فإن وجد كان ذلك متابعة تامة، وإن لم يوجد فينظر: هل رواه ثقة آخر عن ابن
سيرين غير أيوب؟ فإن وجد كان متابعة قاصرة، وإن لم يوجد فينظر: هل رواه ثقة آخر عن أبي هريرة
غير ابن سيرين؟ فإن وجد كان متابعة قاصرة، وإن لم يوجد فينظر: هل رواه صحابي آخر عن النبي وَله
غير أبي هريرة؟ فإن وجد كان متابعة قاصرة أيضاً، وإن لم يوجد كان الحديث فرداً غريباً. كحديث
((أحبب حبيبك هوناً مّا)) فإنه رواه الترمذي من طريق حماد بن سلمة بالإسناد السابق وقال: ((غريب لا
نعرفه بهذا الإسناد إلا من هذا الوجه)) قال المؤلف في التدريب: ((أي من وجه يثبت، وإلا فقد رواه
الحسن بن دينار عن ابن سيرين، والحسن متروك الحديث لا يصلح للمتابعات)».
وإذا وجدنا الحديث غريباً بهذه المثابة، ثم وجدنا حديثاً آخر بمعناه، كان الثاني شاهداً للأول،! قال
الحافظ ابن حجر: ((قد يسمى الشاهد متابعة أيضاً والأمر سهل، مثال ما اجتمع فيه المتابعة التامة
والقاصرة والشاهد: ما رواه الشافعي في الأم عن مالك بن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن رسول
اللهِ وَالر قال: ((الشهر تسع وعشرون، فلا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم
عليكم فأكملوا العدة ثلاثين)). فهذا الحديث بهذا اللفظ ظن قوم أن الشافعي تفرد به عن مالك فعدوه في
غرائبه، لأن أصحاب مالك رووه عنه بهذا الإسناد بلفظ: ((فإن غم عليكم فاقدروا له)). لكن وجدنا
للشافعي متابعاً، وهو عبد الله بن مسلمة القعنبي، كذلك أخرجه البخاري عنه عن مالك، وهذه متابعة
تامة. ووجدنا له متابعة قاصرة في صحيح ابن خزيمة من رواية عاصم بن محمد عن أبيه محمد بن زيد
عن جده عبد الله بن عمر بلفظ: ((فأكملوا ثلاثين)) وفي صحيح مسلم من رواية عبيد الله بن عمر عن نافع
عن ابن عمر بلفظ: ((فاقدروا ثلاثين)). ووجدنا له شاهداً رواه النسائي من رواية محمد بن حنين عن ابن
عباس عن النبي 9َّ، فذكر مثل حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر بلفظه سواء، ورواه البخاري من
رواية محمد بن زياد عن أبي هريرة بلفظ: ((فإن أغمي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين)) وذلك شاهد
بالمعنى.
وظاهر صنيع ابن الصلاح والنووي يوهم أن الاعتبار قسيم للمتابعات الشواهد، وأنها أنواع ثلاثة. وقد
تبين لك مما سبق أن الاعتبار ليس نوعاً بعينه، وإنما هو هيئة التوصل للنوعين: المتابعات والشواهد،
وسبر طرق الحديث لمعرفتهما فقط.
٢٨
*

١
ثَالِثُهَا: تُقْبَلُ لاَ مِمَّنْ خَزَلْ
بَعْضًا، أَوِ النِّسْيَانَ يَدَّعِيهِ
وَقِيلَ: إِنْ أَكْثَرَ حَذْفَهَا تُرَدّ
إِنْ كَانَ مَنْ يَحْذِفُهَا لاَ يَغْفُلُ
وَقِيلَ: لاَ، إِذْ لاَ تُفِيدُ حُكْمَا
وَابْنُ الصَّلاَحَ قَالَ - وَهُوَ الْمُعْتَدْ -
أَوْلاَ ، فَخُذْ تِلْكَ بِإِجْمَاعِ وَضَخْ
(وَقِيلَ: إِنْ فِي كُلِّ مَجْلِسٍ حَمَلْ
تُقْبَلْ، وَإِلاَّ يُتَوَقَّفْ فِيهِ
وَقِيلَ: فِيمَا إِنْ رَوَى كُلَّ عَدَدْ
عَنْ مِثْلِهَا فِي عَادَةٍ لاَ تُقْبَلُ
وَقِيلَ: خُذْ مَا لَمْ تُغَيِّزْ نَظْمَا)
: إِنْ خَالَفَتْ مَا لِلْثِّقَاتِ فَهِيَ رَدّ
أَوَ خَالَفَ الإِطْلَاَقَ فَاقْبَلْ فِي الأَصَحِّ(١)
(١) هذا باب دقيق من أبواب التعارض والترجيح بين الأدلة، وهو من البحوث الهامة عند المحدثين
والفقهاء والأصوليين.
فإذا روى العدل الثقة حديثاً وزاد فيه زيادة لم يروها غيره من العدول الذين رووا نفس الحديث -: فالقول
الصحيح الراجح أن الزيادة مقبولة، سواء وقعت ممن رواه ناقصاً - كأن يروي الثقة الحديث مرة ناقصاً
ومرة زائداً - أم من غيره، وسواء تعلق بها حكم شرعي أم لا، وسواء غيرت الحكم الثابت أم لا، وسواء
أوجبت نقض أحكام ثبتت بخبر ليست هي فيه أم لا. وهذا هو مذهب الجمهور من الفقهاء والمحدثين،
وادعى ابن طاهر الاتفاق على هذا القول.
٠
وقد عقد الإمام الحجة أبو محمد علي بن حزم في هذه المسألة فصلا هاماً بالأدلة الدقيقة في كتابه
الأحكام في الأصول (ج ٢ ص ٩٠ - ٩٦) ومما قاله فيه: ((إذا روى العدل زيادة على ما روى غيره فسواء
انفرد بها أو شاركه فيها غيره، مثله أو دونه أو فوقه -: فالأخذ بتلك الزيادة فرض، ومن خالفنا في ذلك
فإنه يتناقض أقبح تناقض، فيأخذ بحديث رواه واحد ويضيفه إلى ظاهر القرآن - الذي نقله أهل الدنيا
كلهم - أو يخصه به، وهم بلا شك أكثر من رواة الخبر الذي زاد عليهم آخر حكماً لم يروه غيره، وفي
هذا التناقض من القبح ما لا يستجيزه ذو فهم وذو ورع)) ثم قال: ((ولا فرق بين أن يروي الراوي العدل
حديثاً فلا يرويه أحد غيره، أو يرويه غيره مرسلاً أو يرويه ضعفاء، وبين أن يروي الراوي العدل لفظة
زائدة لم يروها غيره من رواة الحديث، وكل ذلك سواء واجب قبوله بالبرهان الذي قدمناه في وجوب
قبول خبر الواحد العدل الحافظ، وهذه الزيادة وهذا الإسناد هما خبر واحد عدل حافظ، ففرض قبولهما،
ولا نبالي روى مثل ذلك غيره أو لم يروه سواه، ومن خالفنا فقد دخل في باب ترك قبول خبر الواحد،
ولحق بمن أبى ذلك من المعتزلة، وتناقض في مذهبه. وانفراد العدل باللفظة كانفراده بالحديث كله، ولا
فرق)).
-
-
ثم إن في المسألة أقوالا أخرى كثيرة أشار المؤلف إلى بعضها هنا، وذكرها في التدريب تفصيلا، ولا
نرى لشيء منها دليلاً يركن إليه. والحق ما قلناه. والحمد لله. نعم، قد يتبين للناظر المحقق من الأدلة
والقرائن القوية أن الزيادة التي زادها الراوي الثقة زيادة شاذة أخطأ فيها، فهذا له حكمه، وهو من النادر
الذي لا تبنى عليه القواعد.
٢٩

المعل
وَعِلَّةُ الْحَدِيثِ: أَسْبَابٌ خَفَتْ
مَعْ كَوْنِهِ ظَاهِرُهُ السَّلَامَةْ
مَا رُئِي فِه عِلَّةٌ تَقْدَحُ فِي
يُذْرِكُهَا الْحَافِظُ بِالتَّفَرُّدِ
لِلْوَهْمٍ بِالإِرْسَالِ أَوْ بِالْوَقْفِ أَوْ
بِحَيْثُ يَقْوَى مَا يَظُنُّ، فَقَضَى
(وَالْوَجْهُ فِي إِذْرَاكِهَا جَمْعُ الطُرُقْ
وَغَالِيًّا وُقُوعُهَا فِي السَّنَدِ
تَقْدَحُ فِي صِحَّتِهِ، حِينَ وَفَتْ
فَلْيَحْدُدِ الْمُعَلَّ مَنْ قَدْ رَامَهْ
صِحَّتِهِ بَعْدَ سَلامَةٍ تَفِي
وَالْخُلْفِ مَعَ قَرَائِنٍ، فَيَهْتَدِي
تَدَاخُلٍ بَيْنَ حَدِيثَيْنِ حَكَوْا
بِضَعْفِهِ أَوْ رَابَهُ فَأَعْرَضَا
وَسَبْرُ أَحْوَالِ الرُّوَاةِ وَالْفِرَقْ)
وَكَحَديث ((الْبَسْمَلْ)) فِي الْمُسنَدِ(١)
(١) المعل: اسم مفعول من ((أعل)) ويقع كثيراً في كلام المتقدمين بلفظ ((المعلول)) وزعم النووي أنه لحن،
واعترض عليه بأنه حكاه جماعة من أهل اللغة، منهم قطرب والجوهري في الصحاح والمطرزي في
المغرب، كما نقله العراقي في شرح مقدمة ابن الصلاح (٩٦). وانظر لسان العرب أيضاً، وأظنه من
قولهم ((عل يعل)) أي مرض، فقياس اسم المفعول منه ((معلول)).
وهذا الفن من أدق فنون الحديث وأعوصها، بل هو رأس علومه وأشرفها، ولا يتمكن منه إلا أهل الحفظ
والخبرة والفهم الثاقب، ولهذا لم يتكلم فيه إلا القليل، كابن المديني وأحمد والبخاري ويعقوب بن شيبة
وأبي حاتم وأبي زرعة والترمذي والدارقطني. وقد ألفت فيه كتب خاصة، فمنها ((كتاب العلل)) في آخر
سنن الترمذي، وهو مختصر، ومنها ((كتاب العلل)) لابن أبي حاتم، وقد طبع في مصر في مجلدين،
وأكبرها وأنفعها كتاب الدارقطني، وقد فكرنا مراراً في طبعه، ولكنا لم نجد منه نسخة كاملة، فإن
الموجود في دار الكتب المصرية غير تام. وقد حكى المصنف في التدريب أن الحافظ ابن حجر ألف فيه
كتاباً سماه ((الزهر المطلول في الخبر المعلول)) ولم أره، ولو وجد لكان في رأيي جديراً بالنشر. لأن
الحافظ ابن حجر دقيق الملاحظة واسع الاطلاع، ويظن أنه يجمع كل ما تكلم فيه المتقدمون من الأئمة
من الأحاديث المعلولة. وتجد الكلام على علل الأحاديث مفرقاً في كتب كثيرة، من أهمها ((نصب الراية
في تخريج أحاديث الهداية)) للحافظ الزيلعي و((التلخيص)) و((فتح الباري)) كلاهما للحافظ ابن حجر،
و ((نيل الأوطار)) للشوكاني، و ((المحلى)) للإمام الحجة أبي محمد بن حزم الظاهري، وكتاب ((تهذيب
سنن أبي داود» للعلامة المحقق ابن قيم الجوزية.
وعلة الحديث: سبب غامض خفي قادح في الحديث مع أن الظاهر السلامة منه. والحديث المعلول:
هو الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته مع أن الظاهر سلامته منها، ويتطرق ذلك إلى
الإسناد الذي رجاله ثقات الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر.
والطريق إلى معرفة العلل جمع طرق الحديث والنظر في اختلاف رواته وفي ضبطهم وإتقانهم، فيقع في =
٣٠
جـ
،
1
1

م
1
-
= نفس العالم العارف بهذا الشأن أن الحديث معلول، ويغلب على ظنه فيحكم بعدم صحته، أو يتردد
فيتوقف فيه. وربما تقصر عبارته عن إقامة الحجة على دعواه، قال عبد الرحمن بن مهدي: ((معرفة علل
الحديث إلهام، لو قلت للعالم بعلل الحديث: من أين قلت هذا؟ لم يكن له حجة، وكم من شخص لا
يهتدي لذلك)) وقيل له أيضاً: ((إنك تقول للشيء: هذا صحيح، وهذا لم يثبت، فعمن تقول ذلك؟ فقال:
أرأيت لو أتيت الناقد فأريته دراهمك، فقال: هذا جيد، وهذا بهرج، أكنت تسأل عمن ذلك، أو تسلم له
الأمر؟ قال: بل أسلم له الأمر، قال: فهذا كذلك، لطول المجالسة والمناظرة والخبرة)) وسئل أبو زرعة:
((ما الحجة في تعليلكم الحديث؟ فقال: الحجة أن تسألني عن حديث له علة، فأذكر علته، ثم تقصد ابن
دارة، فتسأله عنه، فيذكر علته، ثم تقصد أبا حاتم، فيعلله، ثم تميز كلامنا على ذلك الحديث، فإن
وجدت بيننا خلافاً فاعلم أن كلّ منَّا تكلم على مراده، وإن وجدت الكلمة متفقة فاعلم حقيقة هذا العلم.
ففعل الرجل ذلك، فاتفقت كلمتهم، فقال: أشهد أن هذا العلم إلهام)).
والعلة قد تكون بالارسال في الموصول أو الوقف في المرفوع أو بدخول حديث في حديث أو وهم واهم
أو غير ذلك، مما يتبين للعارف بهذا الشأن من جمع الطرق ومقارنتها، ومن قرائن تنضم إلى ذلك.
٢
وأكثر ما تكون العلل في أسانيد الأحاديث، فتقدح في الإسناد والمتن معاً، إذا ظهر منها ضعف
الحديث، وقد تقدح في الإسناد وحده، إذا كان الحديث مروياً بإسناد آخر صحيح، مثل الحديث الذي
رواه يعلى بن عبيد الطنافسي أحد الثقات عن سفيان الثوري عن عمرو بن دينار عن ابن عمر عن النبي وَلِلـ
قال: ((البيعان بالخيار)) الحديث، فهذا الإسناد متصل بنقل العدل عن العدل، وهو معلول، وإسناده غير
صحيح، والمتن صحيح على كل حال، لأن يعلى بن عبيد غلط على سفيان في قوله ((عمرو بن دينار)"
وإنما صوابه ((عبد الله بن دينار)) هكذا رواه الأئمة من أصحاب سفيان، كأبي نعيم الفضل بن دكين
ومحمد بن يوسف الفريابي ومخلد بن يزيد وغيرهم، رووه عن سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن
عمر .
وقد تقع العلة في متن الحديث. وذكر له المؤلف مثالاً حديث ((البسملة)) ونسبه للمسند، وأراد به صحيح
مسلم فيما أسنده إلى النبي ◌َّه وتعبيره عنه بالمسند تعبير غير جيد، وإنما حكم عليه الوزن والقافية.
وحديث البسملة هو الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه من رواية الوليد بن مسلم: ((حدثنا الأوزاعي
عن قتادة أنه كتب إليه يخبره عن أنس بن مالك أنه حدثه قال: صليت خلف النبي وَّر وأبي بكر وعمر
وعثمان فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا
في آخرها)) ثم رواه مسلم أيضاً من رواية الوليد عن الأوزاعي: أخبرني إسحق بن عبد الله بن أبي طلحة
أنه سمع أنساً يذكر ذلك. قال ابن الصلاح في كتاب علوم الحديث: (فعلل قوم رواية اللفظ المذكور -
يعني التصريح بنفي قراءة البسملة - لما رأوا الأكثرين إنما قالوا فيه: ((فكانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله
رب العالمين)) من غير تعرض لذكر البسملة، وهو الذي اتفق البخاري ومسلم على إخراجه في الصحيح،
ورأوا أن من رواه باللفظ المذكور رواه بالمعنى الذي وقع له. ففهم من قوله: ((كانوا يستفتحون
بالحمد لله)) أنهم كانوا لا يبسملون، فرواه على ما فهم، وأخطأ، لأن معناه أن السورة التي كانوا يفتتحون
بها من السور هي الفاتحة، وليس فيه تعرض لذكر التسمية، وانضم إلى ذلك أمور: منها أنه ثبت عن
أنس أنه سئل عن الافتتاح بالتسمية، فذكر أنه لا يحفظ فيه شيئاً عن رسول الله وَ له والله أعلم). وقد أطال =
٣١

= الحافظ العراقي في شرحه على ابن الصلاح الكلام على تعليل هذا الحديث (ص ٩٨ - ١٠٣) وكذلك
المؤلف في التدريب (ص ٨٩ - ٩١). وانظر ما كتبه الأخ العلامة الشيخ محمد حامد الفقي في تعليقه
على المنتقى لابن تيمية (ج ١ ص ٣٧٢ - ٣٧٦).
ثم إن الحاكم في كتابه ((علوم الحديث)) قسم أجناس العلل إلى عشرة أشار إليها الناظم هنا، ولم يذكرها،
ولخصها في التدريب بأمثلتها، ونظمها الشارح محمد محفوظ الترمسي في أبيات، رأينا إثباتها في هذا
التعليق، ولم نر إثباتها في صلب الكتاب لضعف نظمها، وننقل قبل ذلك الأجناس العشرة بأمثلتها من
التدريب، وهي.
(الأول: أن يكون السند ظاهره الصحة، وفيه من لا يعرف بالسماع ممن روى عنه. كحديث موسى بن
عقبة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي وَّر قال: ((من جلس مجلسا فكثر لغطه
فقال قبل أن يقوم: سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك - غفر له ما كان في
مجلسه ذلك)) فروى أن مسلماً جاء إلى البخاري وسأله عنه، فقال: هذا حديث مليح، إلا أنه معلول،
حدثنا به موسى بن إسماعيل حدثنا وهيب حدثنا سهيل عن عون بن عبد الله. قلت: وهذا أولى، لأنه لا
يذكر لموسى بن عقبة سماع من سهيل).
وهذه العلة نقلها أيضاً الحافظ العراقي عن الشياكم وزاد فيها أن البخاري قال (ص ٩٧ - ٩٨): ((ولا
أعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث)). ثم تعقب على الحاكم فقال: ((هكذا أعل الحاكم في
علومه هذا الحديث بهذه الحكاية، والغالب على الظن عدم صحتها، وأنا أتهم بها أحمد بن حمدون
القصار راويها عن مسلم، فقد تكلم فيه، وهذا الحديث قد صححه الترمذي وابن حبان والحاكم، ويبعد
أن البخاري يقول إنه لا يعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث، مع أنه قد ورد من حديث جماعة
من الصحابة غير أبي هريرة، وهم: أبو برزة الأسلمي، ورافع بن خديج، وجبير بن مطعم، والزبير بن
العوام، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمرو، وأنس بن مالك، والسائب بن يزيد، وعائشة، وقد
بينت هذه الطرق كلها في تخريج أحاديث الإحياء للغزالي)).
(الثاني: مما نقله في التدريب عن الحاكم: أن يكون الحديث مرسلاً من وجه رواه الثقات الحفاظ،
ويسند من وجه ظاهره الصحة. كحديث قبيصة بن عقبة عن سفيان عن خالد الحذاء وعاصم عن أبي قلابة
عن أنس مرفوعاً: ((أرحم أمتي أبو بكر، وأشدهم في دين الله عمر)) الحديث. قال: فلو صح إسناده
لأخرج في الصحيح، إنما روى خالد الحذاء عن أبي قلابة مرسلاً).
(الثالث: أن يكون الحديث محفوظاً عن صحابي ويروى عن غيره، لاختلاف بلاد رواته، كرواية المدنيين
عن الكوفيين. كحديث موسى بن عقبة عن أبي إسحق عن أبي بردة عن أبيه مرفوعاً: ((إني لأستغفر الله
وأتوب إليه في اليوم مائة مرة)) قال: هذا إسناد لا ينظر فيه حديثيّ إلا ظن أنه من شرط الصحيحين،
والمدنيون إذا رووا عن الكوفيين زلقوا، وإنما الحديث محفوظ من رواية أبي بردة عن الأغر المزني.
تنبيه: في نسخة التدريب ((الأغر المدني)) بالدال، وهو تصحيف، فإن الأغر المدني تابعي مولَّى لأبي
هريرة وأبي سعيد، وأما الصحابي فهو ((الأغر المزني)) بالزاي، وهو الذي يروي عنه أبو بردة بن أبي
موسى الأشعري.
(الرابع: أن يكون محفوظاً عن صحابي، ويروى عن تابعي يقع الوهم بالتصريح بما يقتضي صحبته، بل =
٣٢

1
ولا يكون معروفاً من جهته. كحديث زهير بن محمد عن عثمان بن سليمان عن أبيه: ((أنه سمع رسول
الله وَل﴿ يقرأ في المغرب بالطور)) قال: أخرج العسكري وغيره هذا الحديث في الوحدان، وهو معلول،
أبو عثمان لم يسمع من النبي ◌َّ ولا رآه، وعثمان إنما رواه عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه، وإنما
هو عثمان بن أبي سليمان).
(الخامس: أن يكون روي بالعنعنة وسقط منه رجل دل عليه طريق أخرى محفوظة. كحديث يونس عن
ابن شهاب عن علي بن الحسين عن رجال من الأنصار: ((أنهم كانوا مع رسول الله وَّر ذات ليلة فرمى
بنجم فاستنار)) الحديث. قال: وعلته أن يونس مع جلالته قصر به، وإنما هو عن ابن عباس: ((حدثني
رجال)) هكذا رواه ابن عيينة وشعيب وصالح والأوزاعي وغيرهم عن الزهري).
(السادس: أن يختلف على رجل بالإسناد وغيره، ويكون المحفوظ عنه ما قابل الإسناد. كحديث
علي بن الحسين بن واقد عن أبيه عن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن عمر بن الخطاب قال: ((قلت: يا
رسول الله، مالك أفصحنا؟)) الحديث. قال: وعلته ما أسند عن علي بن خشرم: حدثنا علي بن
الحسين بن واقد: بلغني عن عمر، فذكره).
(السابع: الاختلاف على رجل في تسمية شيخه أو تجهيله. كحديث الزهري عن سفيان الثوري عن
حجاج بن فرافصة عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً: ((المؤمن غر كريم،
والفاجر خب لئيم)) قال: وعلته ما أسند عن محمد بن كثير حدثنا سفيان عن حجاج عن رجل عن أبي
سلمة، فذكره).
٢
تنبيه: قول السيوطي في التدريب في هذه العلة السابعة ((كحديث الزهري عن سفيان الثوري)) خطأ غريب
من مثله، فإن الزهري أقدم جداً من الثوري، ولم يذكر أحد أنه روى عنه، والصواب: ((كحديث أبي
شهاب عن سفيان الثوري)) وأبو شهاب هو الحناط - بالنون - واسمه ((عبد ربه بن نافع الكناني)) والحديث
عنه في المستدرك الحاكم (ج ١ ص ٤٣) فاشتبه الاسم على السيوطي وظنه ((ابن شهاب)) فنقله بالمعنى
وجعله («الزهري)) وهذا من مدهشات غلط العلماء الكبار، رحمهم الله ورضي عنهم.
ثم إن هذه العلة التي أعل بها الحاكم هذا الحديث غير جيدة، بل غير صحيحة، لأن أبا شهاب الحناط
لم ينفرد عن الثوري بتسمية ((يحيى بن أبي كثير)) فقد تابعه عليه عيسى بن يونس ويحيى بن الضريس،
فروياه عن الثوري عن حجاج عن يحيى عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً، وله أيضاً شاهد - وإن
شئت فسمه متابعة قاصرة - فرواه عبد الرزاق عن بشر بن رافع عن يحيى بن أبي كثير بإسناده. فانتقض
تعليل الحديث بغلط أبي شهاب الحناط. وانظر أسانيده في المستدرك. وبالله التوفيق.
(الثامن: أن يكون الراوي عن شخص أدركه وسمع منه، ولكنه لم يسمع منه أحاديث معينة، فإذا رواها
عنه بلا واسطة، فعلتها أنه لم يسمعها منه. كحديث يحيى بن أبي كثير عن أنس: ((أن النبي ◌َّ كان إذا
أفطر عند أهل بيت قال: أفطر عندكم الصائمون)) الحديث. قال. فيحيى رأى أنساً، وظهر من غير وجه
أنه لم يسمع منه هذا الحديث، ثم أسند عن يحيى قال. حُدّثْتُ عن أنس، فذكره).
-
(التاسع: أن تكون طريق معروفة يروي أحد رجالها حديثاً من غير تلك الطريق، فيقع من رواه من تلك
الطريق بناء على الجادّة في الوهم. كحديث المنذر بن عبد الله الحزامي عن عبد العزيز بن الماجشون عن
عبد الله بن دينار عن ابن عمر: ((أن رسول الله وَليو كان إذا افتتح الصلاة قال: سبحانك اللهم)) الحديث:
ألفية السيوطي في علم الحديث / م٣
٣٣

لِعَشْرةٍ، كُلٌّ بِهَا يَأْتِي الْخَلَلْ(١)
وَنَوَّعَ الْحَاكِمُ أَجْنَاسَ الْعِلَلْ
يُبْدِلَ عَدْلاً بِمُسَاو، حَيْثُ عَنّ (٢)
وَمِنْهُ مَا لَيْسَ بِقَادِحٍ، كَأَنْ
قال: أخذ فيه المنذر طريق الجادّة، وإنما هو من حديث عبد العزيز: حدثنا عبد الله بن الفضل عن
الأعرج عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي).
(العاشر: أن يروى الحديث مرفوعاً من وجه وموقوفاً من وجه. كحديث أبي فروة يزيد بن محمد حدثنا
أبي عن أبيه عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر مرفوعاً: ((من ضحك في صلاته يعيد الصلاة ولا يعيد
الوضوء)». قال: وعلته ما أسند وكيع عن الأعمش عن أبي سفيان قال: سئل جابر، فذكره).
ثم إن الحاكم لم يجعل هذه الأجناس لحصر أنواع العلل، كما يوهم صنيع المؤلف. فإنه نقل في
التدريب عن الحاكم أنه قال - بعد ذكر هذه الأنواع -: | «وبقيت أجناس لم نذكرها، وإنما جعلنا هذه مثالاً
لأحاديث كثيرة)).
وبعد، فهذه الأبيات التي نظم الشارح الترمسي فيها أنواع العلل، نذكرها ونستعين الله سبحانه:
أَوَّلُهَا: مَا ظَاهِرُ الإِسْنَادِ لَهْ
لَمْ يُعْرَفِ السَّمَاعُ مِمَّنْ قَدْ رَوَى
وَهُوَ صَحِيحُ مُسْنَدٌ فِي الظَّاهِرِ
إِنْ كَانَ هُذَا عَنْ سِوَاهُ يُؤْثَرُ
وَرَابِعٌ: مَا كَانَ مَحْفُوظًا عَنِ
بمَا اقْتَضَى الصِّحَّةَ مَعْ أَنَّهُ لاَ
خَامِسُهَا: مُعَنْعَنٌ وَقَدْ سَقَطَ
سَادِسُهَا: اخْتِلَافُ نَحْوِ السَّنَدِ
ثُمَّ اِخْتِلاَفُ شَيْخِهَ عَلَيْهِ
يَلِيهِ أَنْ يَكُونَ مَنْ رَوَى سَمِعْ
عَنْهُ الأَحَادِيثَ الَّتِي قَدْ عُيَّنَتْ
تَاسِعُهَا: كَوْنُ الْحَدِيثِ قَدْ عُرِفْ
رَوَى حَدِيثًا مِنْ سِوَى طَرِيقٍ
ثُمَّةَ مَا رَفْعًا وَوَقْفَا عَاشِرُ
صِحَّتُهُ، وَبَاطِناً مَنْ نَقَلَهُ
ثُمَّ الَّذِي أَرْسَلَّ مَنْ حِفْظًا حَوَى
ثَالِثُهَا: مَرْوِيُّ صَحْبٍ فَاخْبُرٍ
بِخُلْفِ بُلْدَانِ الزُّوَاةِ يُذْكَرَ
صَحَابَةٍ وَوَاهِمٌ مَنْ يَقْتَنِي
يَكُونُ عُزْقًا جِهَةً فِيمَا انْجَلا
رَاوِ بِالاتّضَاحِ لِلَّذِيِ انْضَبَطْ
لِرَجُل مُقَابِلِ ذُو الْعَمَدِ
اسْمَا كَذَا تَجْهِيَلُهُ لَدَيْهِ
عَنِ الَّذِي أَدْرَكَ لَكِنْ مَا سَمِعْ
فَإِنْ بِلاَ وَسْطٍ فَعِلَّةٌ وَفَتْ
طَرِيقُهُ فَوَاحِدٌ مِمَّنٍ أُلفْ
قَدْ وَهِمَ الْبَانِي عَلَى الطَّرِيقِ
وَبَقِيَتْ هُنَاكَ مَالاَ نَذْكُرُ
(١) هذا البيت سبق شرحه، وكان الواجب أن يوضع آخر المتن بصحيفة (٥٥) عقب البيت (رقم ٢٢٧.
ولكنه سقط سهواً.
(٢) من العلة ما لا يقدح في صحة متن الحديث، وهو ما قلناه سابقاً من أن العلة قد تكون في الإسناد
وحده، دون المتن، لصحته بإسناد آخر صحيح، كالحديث الذي ذكرنا من رواية يعلى بن عبيد عن
الثوري عن عمرو بن دينار، وقلنا: إنه وهم فيه بذكر عمرو بن دينار، إذ هو محفوظ من رواية الثوري
عن عبد الله بن دينار. وعمرو وعبد الله ثقتان.
٣٤
٠

كَالْقَطْعِ لِلْمُتَّصِلِ الْقَرِيِّ
وَرُبَّمَا أُعِلَّ بِالْجَلِيِّ
وَرُبَّمَا قِيلَتْ لِغَيْرِ الْقَدْحِ
وَالْفِسْقِ وَالْكِذْبِ وَنَوْعِ جَرْحٍ
صَحَّ مُعَلٌّ، وَهْوَ فِي الشَّاذِ حَكَوْا
كَوَضْلٍ ثَبْتٍ، فَعَلَى هَذَا رَأَوْا
الثِّزْمِذِي، وَخُصَّهُ بِالْعَمَلِ(١)
وَالنَّسْخَ قَدْ أَذْرَجَهُ فِي الْعِلَلِ
المضطرب
مِنْ وَاحِدٍ أَوْ فَوْقُ: مَنْتَا أَوْ سَنَدْ
مَا اخْتَلَفَتْ وُجُوهُهُ حَيْثُ وَرَدْ
وَهْوَ لِتَضْعِيفِ الْحَدِيثِ مُوجِبُ
وَلاَ مُرَجِّحٌ -: هُوَ الْمُضْطَرِبُ
لِثِقَةٍ، فَهْوَ صَحِيحٌ مُضْطَرِبْ
(إِلَّ إِذَا مَا اخْتَلَفُوا فِي اسْمٍ أَوْ أبْ
وَالاضْطِرَابُ فِي الصَّحِيحِ وَالْحَسَنْ)
الزَّرْكَشِيُّ: الْقَلْبُ وَالشُّذُوذُ عَنّ
(١) يطلق بعض علماء الحديث اسم ((العلة)) في أقوالهم على الأسباب التي يضعف بها الحديث، من جرح
الراوي بالكذب أو الغفلة أو سوء الحفظ أو نحو ذلك من الأسباب الظاهرة القادحة، فيقولون: ((هذا
الحديث معلول بفلان)) مثلاً، ولا يريدون العلة المصطلح عليها، لأنها إنما تكون بالأسباب الخفية التي
تظهر من سبر طرق الحديث كما تقدم.
وقد أطلق أبو يعلى الخليلي - في كتاب الإرشاد - العلة على ما ليس بقادح من وجوه الخلاف، نحو
إرسال من أرسل الحديث الذي أسنده الثقة الضابط، حتى قال: ((من أقسام الصحيح ما هو صحيح
معلول، كما قال بعضهم: من الصحيح ما هو صحيح شاذ)) ولم يقصد بهذا التقيد بالاصطلاح، ومثل له
بحديث مالك في الموطأ أنه قال: ((بلغنا أن أبا هريرة قال: قال رسول الله ◌َّله: للمملوك طعامه وكسوته))
فرواه مالك معضلاً هكذا في الموطأ، ورواه موصولاً خارج الموطأ، فقد رواه إبراهيم بن طهمان
والنعمان بن عبد السلام عن مالك عن محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة. فقد صار الحديث بعد
بيان إسناده صحيحاً. قال بعضهم: ((وذلك عكس المعلول، فإنه ما ظاهره السلامة فاطلع فيه بعد الفحص
على قادح، وهذا كان ظاهره الإعلال بالاعضال، فلما فتش تبين وصله)).
-
1
ونقل ابن الصلاح - وتبعه النووي ثم المؤلف - أن الترمذي سمى النسخ علة من علل الحديث، ونقل
المؤلف في التدريب عن العراقي أنه قال: ((فإن أراد - يعني الترمذي - أنه علة في العمل بالحديث
فصحيح، أو في صحته فلا، لأن في الصحيح أحاديث كثيرة منسوخة)) والذي أجزم به أن الترمذي إن كان
سمى النسخ علة - فإني لم أقف على ذلك في كتابه ولعلي أجده فيه بعد - فإنما يريد به أنه علة في العمل
بالحديث فقط، ولا يمكن أن يريد أنه علة في صحته، لأنه قال في سننه (ج ١ ص ٢٣ - ٢٤): ((إنما كان
الماء من الماء في أول الإسلام ثم نسخ بعد ذلك)) فلو كان النسخ عنده علة في صحة الحديث لصرح
بذلك.
٣٥

وَلَيْسَ مِنْهُ حَيْثُ بَعْضُهَا رَجَحْ بَلْ نُكْرُ ضِدٍّ أَوْ شُذُوذُهُ وَضَحْ(١)
المقلوب
إِمَّا بِإِبْدَالِ الَّذِي بِهِ اشْتَهَر
(الْقَلْبِ فِي الْمَثْنِ) وَفِي الإِسْنَادِ قَرّ
أَوْ جَعْل إِسْنَادِ حَدِيثٍ أَجْتَبَى
وَاحِدٍ نَظِيرِهِ لِيُغْرِبَا
مُمْتَحِناً، كَأَهْلِ بَغْدَادَ، حُكَوْا
لَآخَرٍ، وَعَكْسُهُ، إغْرَاباً، أَوْ
*
(١) إذا جاء الحديث على أوجه مختلفة، في المتن أو في السند، من راو واحد أو من أكثر -: فإن رجحت
إحدى الروايتين أو الروايات بشيء من وجوه الترجيح - كحفظ راويها أو ضبطه أو كثرة صحبته لمن روى
عنه - كانت الراجحة صحيحة والمرجوحة شاذة أو منكرة. وإن تساوت الروايات وامتنع الترجيح كان
الحديث مضطرباً، واضطرابه موجب لضعفه، إلا في حالة واحدة، وهي: أن يقع الاختلاف في اسم راو
أو اسم أبيه أو نسبته مثلاً، ويكون الراوي ثقة، فإنه يحكم للحديث بالصحة، ولا يضر الاختلاف فيما
ذكر، مع تسميته مضطرباً، وفي الصحيحين أحاديث كثيرة بهذه المثابة، وكذا جزم الزركشي بذلك في
مختصره، فقال: ((وقد يدخل القلب والشذوذ والاضطراب في قسم الصحيح والحسن)) نقل ذلك المؤلف
في التدريب .
الاضطراب قد يكون في المتن فقط، وقد يكون في السند فقط، وقد يكون فيهما معاً. مثال الاضطراب
في الإسناد على ما ذكر المؤلف في التدريب: حديث أبي بكر: ((أنه قال: يا رسول الله، أراك شبت؟
قال: شيبتني هود وأخواتها)) قال الدارقطني: هذا حديث مضطرب، فإنه لم يرو إلا من طريق أبي إسحقٍ،
وقد اختلف عليه فيه على نحو عشرة أوجه: فمنهم من رواه عنه مرسلاً، ومنهم من رواه موصولاً،
ومنهم من جعله من مسند أبي بكر، ومنهم من جعله من مسند سعد، ومنهم من جعله من مسند عائشة،
ورواته ثقات، لا يمكن ترجيح بعضهم على بعض، والجمع متعذر. ومثله حديث مجاهد عن الحكم بن
سفيان عن النبي ◌َّ في نضح الفرج بعد الوضوء. قد اختلف فيه على عشرة أقوال: فقيل: عن مجاهد
عن الحكم أو ابن الحكم عن أبيه، وقيل: عن مجاهد عن الحكم بن سفيان عن أبيه، وقيل: عن مجاهد
عن الحكم - غير منسوب - عن أبيه، وقيل: عن مجاهد عن رجل من ثقيف عن أبيه، وقيل: عن مجاهد
عن سفيان بن الحكم أو الحكم بن سفيان، وقيل: عن مجاهد عن الحكم بن سفيان - بلا شك - وقيل:
عن مجاهد عن رجل من ثقيف يقال له الحكم أو أبو الحكم، وقيل: عن مجاهد عن ابن الحكم أو أبي
الحكم بن سفيان، وقيل: عن مجاهد عن الحكم بن سفيان أو ابن أبي سفيان، وقيل: عن مجاهد عن
رجل من ثقيف عن النبي ◌َّر. انتهى ما نقله في التدريب.
ومثال الاضطراب في المتن على ما اختاره المؤلف فيه أيضاً حديث البسملة السابق في ((المعل)) قال
المؤلف: ((فإن ابن عبد البر أعله بالاضطراب، كما تقدم، والمضطرب يجامع المعلل، لأنه قد تكون
علته ذلك)).
وأمثلة المضطرب كثيرة، وقد ألف الحافظ ابن حجر كتاباً فيه سماه ((المقترب في بيان المسطرب)) قال
المتبولي في مقدمة شرحه على الجامع الصغير: ((أفاد وأجاد، وقد التقطه من كتاب العلل للدار قطني)).
٣٦
۔
٠

(وَهْوَ يُسَمَّى عِنْدَهُمْ بِالسَّرِقَةِ) وَقَدْ يَكُونُ الْقَلْبُ سَهْوًا أَطْلَقَهْ(١)
1
(١) الحديث المقلوب: إما أن يكون القلب فيه في المتن، وإما أن يكون في الإسناد.
فمثال المقلوب في المتن: ما رواه أحمد وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما من حديث أنيسة
مرفوعاً: ((إذا أذن ابن أم مكتوم فكلوا واشربوا، وإذا أذن بلال فلا تأكلوا ولا تشربوا)) والمشهور من
حديث ابن عمر وعائشة: ((إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم)). وما رواه مسلم
في السبعة الذين يظلهم الله يوم القيامة: ((ورجل تصدق بصدقة أخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله))
فهذا مما انقلب على أحد الرواة، وإنما هو كما في الصحيحين: ((حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)).
وما رواه الطبراني من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((إذا أمرتكم بشيء فائتوه، وإذا نهيتكم عن شيء
فاجتنبوه ما استطعتم)) فإن المعروف ما في الصحيحين: ((ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا
منه ما استطعتم)) .
وأما القلب في الإسناد فقد يكون خطأ من بعض الرواة في اسم راو أو نسبه، كأن يقول ((كعب بن مرة))
بدل ((مرة بن كعب)). وقد ألف الخطيب في هذا الصنف كتاباً سماه «رفع الارتياب في المقلوب من
الأسماء والأنساب)).
وقد يكون الحديث مشهوراً براو من الرواة أو إسناد، فيأتي بعض الضعفاء أو الوضاعين ويبدل الراوي
بغيره ليرغب فيه المحدثون. كأن يكون الحديث معروفاً عن سالم بن عبد الله، فيجعل عن نافع. أو يبدل
الإسناد بإسناد آخر كذلك، مثل ما روى حماد بن عمرو النصيبي - الكذاب - عن الأعمش عن أبي صالح
عن أبي هريرة مرفوعاً: ((إذا لقيتم المشركين في طريق فلا تبدؤوهم بالسلام)) الحديث، فإنه مقلوب، قلبه
حماد، فجعله عن الأعمش، وإنما هو معروف عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، هكذا
أخرجه مسلم من رواية شعبة والثوري وجرير بن عبد الحميد وعبد العزيز الدراوردي، كلهم عن سهيل.
-
وهذا الصنيع يطلق على فاعله أنه يسرق الحديث إذا قصد إليه.
وقد يقع هذا غلطا من الراوي الثقة، لا قصداً كما يكون من الوضاعين، مثاله: ما روى إسحق بن عيسى
الطباع قال: (حدثنا جرير بن حازم عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله وَ له: ((إذا أقيمت الصلاة فلا
تقوموا حتى تروني)) قال إسحق بن عيسى: فأتيت حماد بن زيد فسألته عن الحديث، فقال: وهم أبو
النضر - يعني جرير بن حازم - إنما كنا جميعاً في مجلس ثابت، وحجاج بن أبي عثمان معنا، فحدثنا
حجاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه أن رسول الله وَلٍّ قال: ((إذا
أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني)) فظن أبو النضر أنه فيما حدثنا ثابت عن أنس) فقد انقلب الإسناد
على جرير، والحديث معروف من رواية يحيى بن أبي كثير، رواه مسلم والنسائي من طريق حجاج بن أبي
عثمان الصواف عن يحيى.
وقد يقلب بعض المحدثين إسناد حديث قصداً لامتحان بعض العلماء، لمعرفة درجة حفظهم، كما فعل
علماء بغداد حين قدم عليهم الإمام محمد بن إسماعيل البخاري، فيما رواه الخطيب، فإنهم اجتمعوا
وعمدوا إلى مائة حديث، فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا الإسناد آخر، وإسناد هذا لمتن آخر،
ودفعوها إلى عشرة أنفس، إلى كل رجل عشرة، وأمروهم إذا حضروا المجلس يلقون ذلك على =
٣٧

المدرج
وَمُذْرَجُ الْمَثْنِ بِأَنْ يُلْحَقَ فِي
كَلاَمُ رَاوٍ مَّا بِلاَ فَضْلٍ، وَذَا
بِنَصِ رَاوٍ أَوْ إِمَامٍ، وَوَهَى
وَمُذْرَجُ الإِسْنَادِ (مَثْنَيْنِ رَوَى
طَرْفٍ بِإِسْنَادٍ فَيَزْوِي الْكُلَّ يِة
أَوْ قَالَهُ جَمَاعَةٌ مُخْتَلِفَا
وَكُلُّ ذَا مُحَرَّمٌ (وَقَادِحُ
أَوَّلِهِ (أَوْ وَسَطٍ) أَوْ طَرَفِ
(يُعْرَفُ بِالتَّفْصِيلِ فِي أُخْرَى، كذَا
عِزْقَانُهُ فِي وَسْطٍ أَوْ أَزَّلِهَا)
بِسَنَدٍ لِوَاحِدٍ)، أَوْ ذَا سوَى
أَوْ بَعْضَ مَثْنٍ فِي سِوَاهُ يَشْتَبِهْ
فِي سَنَدٍ، فَقَالَ هُمْ مُؤْتَلِفَا
وَعِنْدِي الْتَّفْسِيرُ قَدْ يُسَامَحُ)(١)
= البخاري، وأخذوا الوعد للمجلس، فحضر المجلس جماعة أصحاب الحديث من الغرباء من أهل
خراسان وغيرهم من البغداديين. فلما اطمأن المجلس بأهله، انتدب إليه رجل من العشرة. فسأله عن
حديث من تلك الأحاديث، فقال البخاري: لا أعرفه، فسأله عن آخر، فقال: لا أعرفه، فما زال يلقي
عليه واحداً بعد واحد حتى فرغ من عشرته، والبخاري يقول: لا أعرفه، فكان الفهماء ممن حضر
المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون: فهم الرجل، ومن كان منهم غير ذلك يقضي على البخاري
بالعجز والتقصير وقلة الفهم. ثم انتدب إليه رجل آخر من العشرة، فسأله عن حديث من تلك الأحاديث
المقلوبة، فقال البخاري: لا أعرفه، فلم يزل يلقي إليه واحداً بعد واحد حتى فرغ من عشرته، والبخاري
يقول: لا أعرفه. ثم انتدب إليه الثالث والرابع إلى تمام العشرة، حتى فرغوا كلهم من الأحاديث
المقلوبة، والبخاري لا يزيدهم على: لا أعرفه. فلما علم البخاري أنهم قد فرغوا التفت إلى الأول
منهم، فقال: أما حديثك الأول فهو كذا، وحديثك الثاني فهو كذا، والثالث والرابع، على الولاء، حتى
أتى على تمام العشرة، فردَّ كل متن إلى إسناده، وكل إسناد إلى متنه، وفعل بالآخرين مثل ذلك، وردّ
متون الأحاديث كلها إلى أسانيدها، وأسانيدها إلى متونها، فأقر له الناس بالحفظ، وأذعنوا له بالفضل.
انتھی.
وهذا العمل محرم أن يقصده العالم به، إلّ إن كان يريد به الاختبار. وشرط الجواز - كما قال الحافظ
ابن حجر -: ((أن لا يستمر عليه، بل ينتهي بانتهاء الحاجة)).
(١) الحديث المدرج ما كانت فيه زيادة ليست منه. وهو إما مدرج في المتن، وإما مدرج الإسناد - هكذا
قسمه المؤلف وغيره. والإدراج على الحقيقة إنما يكون في المتن كما سيأتي.
ويعرف المدرج بوروده منفصلاً في رواية أخرى، أو بالنص على ذلك من الراوي أو من بعض الأئمة
المطلعين، أو باستحالة كونه م # يقول ذلك.
ومدرج المتن هو أن يدخل في حديث رسول الله وَّ شيء من كلام بعض الرواة. وقد يكون في أول
الحديث وفي وسطه وفي آخره - وهو الأكثر - فيتوهم من يسمع الحديث أن هذا الكلام منه.
٣٨

-.
=مثال المدرج في أول الحديث: ما رواه الخطيب من رواية أبي قطن وشبابة عن شعبة عن محمد بن زياد
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّر: ((أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار)) فقوله ((أسبغوا
الوضوء)» مدرج من قول أبي هريرة، كما بين في رواية البخاري عن آدم عن شعبة عن محمد بن زياد عن
أبي هريرة قال: أسبغوا الوضوء، فإن أبا القاسم ◌َّ قال: ((ويل للأعقاب من النار)) قال الخطيب: ((وهم
أبو قطن وشبابة في روايتهما له عن شعبة على ما سقناه، وقد رواه الجم الغفير عنه كرواية آدم)). نقله في
التدريب.
ومثال المدرج في الوسط: ما رواه الدارقطني في السنن من طريق عبد الحميد بن جعفر عن هشام بن
عروة عن أبيه عن بسرة بنت صفوان قالت: سمعت رسول الله وَ له يقول: ((من مس ذكره أو أنثييه أو
رفغيه فليتوضأ)) قال الدارقطني: كذا رواه عبد الحميد عن هشام، ووهم في ذكر الأنثين والرفغين،
وأدرجه كذلك في حديث بسرة، والمحفوظ أن ذلك قول عروة، وكذا رواه الثقات عن هشام، منهم
أيوب وحماد بن زيد وغيرهما. ثم رواه من طريق أيوب بلفظ: ((من مس ذكره فليتوضأ)) قال: وكان عروة
يقول: إذا مس رفغيه أو أنثييه أو ذكره فليتوضأ، وكذا قال الخطيب. فعروة لما فهم من لفظ الخبر أن
سبب نقض الوضوء مظنة الشهوة جعل حكم ما قرب من الذكر كذلك، فقال ذلك، فظن بعض الرواة أنه
من صلب الخبر فنقله مدرجاً فيه، وفهم الآخرون حقيقة الحال ففصلوا. قاله في التدريب.
وقد يكون الإدراج في الوسط على سبيل التفسير من الراوي لكلمة من الغريب، مثل حديث عائشة في
بدء الوحي في البخاري وغيره: ((كان النبي ◌َّ يتحنث في غار حراء - وهو التعبد الليالي ذوات العدد -)»
الخ فهذا التفسير من قول الزهري أدرج في الحديث. وكذلك حديث فضالة مرفوعاً عند النسائي: ((أنا
زعيم - والزعيم الحميل - لمن آمن بي وأسلم وجاهد في سبيل الله ببيت في ربض الجنة)) فقوله ((والزعيم
الحميل)) مدرج من تفسير ابن وهب.
ومثال المدرج في آخر الحديث: ما رواه أبو داود من طريق زهير بن معاوية عن الحسن بن الحرّ عن
القاسم بن مخيمرة عن علقمة عن ابن مسعود: حديث التشهد، وفي آخره: ((إذا قلت هذا أو قضيت هذا
فقد قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد)) فهذه الجملة وصلها زهير
بالحديث المرفوع؛ وهي مدرجة من كلام ابن مسعود، كما نص عليه الحاكم والبيهقي والخطيب. ونقل
النووي في الخلاصة اتفاق الحفاظ على أنها مدرجة، ومن الدليل على إدراجها أن حسينا الجعفي وابن
عجلان وغيرهما رووا الحديث عن الحسن بن الحرّ بدون ذكرها، وكذلك كل من روى التشهد عن علقمة
أو غيره عن ابن مسعود، وأن شبابة بن سوار وعبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان - وهما ثقتان - رويا
الحديث عن الحسن بن الحرّ ورويا فيه هذه الجملة وفصلاها منه، وبينا أنها من كلام ابن مسعود. فهذا
التفصيل والبيان، مع اتفاق سائر الرواة على حذفها من المرفوع -: يؤيدان أنها مدرجة وأن زهيراً وهم في
روايته .
مثال آخر: حديث ابن مسعود مرفوعاً: ((من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله
شيئاً دخل النار)) فإن في رواية أخرى عن ابن مسعود: ((قال النبي ◌َّ كلمة وقلت أنا أخرى)) فذكرهما،
فأفاد أن إحدى الكلمتين من قول ابن مسعود، ثم وردت رواية ثالثة أفادت أن الكلمة التي من قول ابن =
٣٩

٠٠٠٠
= مسعود هي الثانية، وأكد ذلك رواية رابعة اقتصر فيها على الكلمة الأولى مضافة إلى النبي { 10.
مثال آخر: في الصحيح عن أبي هريرة مرفوعاً: ((للعبد المملوك أجران. والذي نفسي بيده لولا الجهاد
في سبيل الله والحج وبرّ أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك)) فهذا مما يتبين فيه بداهة أن قوله ((والذي
نفسي بيده)) الخ مدرج من قول أبي هريرة، لاستحالة أن يقوله النبي و 98، لأن أمه ماتت وهو صغير،
ولأنه يمتنع منه وَ الر أن يتمنى الرق، وهو أفضل الخلق عليه الصلاة والسلام.
٠
هذا مدرج المتن. وأما مدرج الإسناد - ومرجعه في الحقيقة إلى المتن - فهو ثلاثة أقسام:
الأول: أن يكون الراوي سمع الحديث بأسانيد مختلفة فيرويه عنه راوٍ آخر فيجمع الكل على إسناد واحد
من غير أن يبين الخلاف.
مثاله: ما رواه الترمذي من طريق ابن مهدي عن الثوري عن واصل الأحدب ومنصور الأعمش عن أبي
وائل عن عمرو بن شرحبيل عن ابن مسعود قال: ((قلت: يا رسول الله؛ أي الذنب أعظم؟». الحديث،
فإن رواية واصل هذه مدرجة على رواية منصور والأعمش، فإن واصلاً يرويه عن أبي وائل عن ابن
مسعود مباشرة، لا يذكر فيه ((عمرو بن شرحبيل)). هكذا رواه شعبة وغيره عن واصل، وقد رواه يحيى
القطان عن الثوري بالإسنادين مفصلاً، وروايته أخرجها البخاري.
الثاني: أن يكون الحديث عند راو بإسناد وعنده حديث آخر بإسناد غيره، فيأتي أحد الرواة ويروي عنه
أحد الحديثين بإسناده ويدخل فيه الحديث الآخر أو بعضه من غير بيان.
مثاله: حديث سعيد بن أبي مريم عن مالك عن الزهري عن أنس مرفوعاً: ((لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا
تدابروا ولا تنافسوا» الحديث فقوله: ((ولا تنافسوا)) أدرجه ابن أبي مريم، وليس من هذا الحديث، بل هو
من حديث آخر لمالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعاً. هكذا رواهما رواة الموطأ،
وكذلك في الصحيحين عن مالك.
٠.
مثال آخر: ما رواه أبو داود من رواية زائدة وشريك، والنسائي من رواية سفيان بن عيينة، كلهم عن
عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر في صفة صلاة رسول الله وَ لقر وقال فيه: ((ثم جئتهم بعد ذلك
في زمان فيه برد شديد، فرأيت الناس عليهم جلّ الثياب، تحرك أيديهم تحت الثياب)) فهذه الجملة
مدرجة على عاصم بهذا الإسناد، لأنها من رواية عاصم عن عبد الجبار بن وائل عن بعض أهله عن
وائل، كما رواه مبيناً زهير بن معاوية وأبو بدر شجاع بن الوليد، فميزا قصة تحريك الأيدي وفصلاها من
الحدیث وذکرا إسنادها.
وهذا المثال فصله بعضهم عن الذي قبله، وجعلهما قسمين، والصواب ما صنعا، لأنهما من نوع واحد.
ويدخل في هذا القسم ما إذا سمع الراوي الحديث من شيخه إلا قطعة منه سمعها عن شيخه بواسطة،
فيروي الحديث كله عن شيخه ويحذف الواسطة.
الثالث: أن يحدث الشيخ فيسوق الإسناد، ثم يعرض له عارض فيقول كلاماً من عنده، فيظن بعض من
سمعه أن ذلك الكلام هو متن ذلك الإسناد، فيرويه عنه كذلك.
٤٠
11
1