النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ أجوبة الحافظ العراقي الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد: فإن هذه الورقات على قلة عددها تتضمّن علماً مفيداً في علم دراية الحديث النبوي الشريف، أجاب فيها حافظ الدنيا الإِمام العراقي، على أسئلة تلميذه وحافظ عصره، الحافظ ابن حجر العسقلاني، وقفت عليها بتوفيق من الله عز وجلّ ضمن أحد المجاميع التي كنت أطالع فيها في مكتبة کوبریللي بإسطانبول. وبعد قراءتها أدركت أنه لا بد من إخراجه لطلاب العلم لأنني لم أجد هذه الأجوبة مجموعة في كتب المتأخرين؛ بل وجدت بعضها والبعض الذي لم أجده لا يقلّ أهمّة من الذي وجدته، فأحببت أن أخدم نصّه وأقدِّمه لطلبة العلم لتعمَّ فائدتُه ولا سيّما وأنَّ المجيب عالم له وزنه في علم الحديث النبوي الشريف، والسَّائل لا يقلُّ عنه وزناً. أمّا أهميته فیرجع إلى تعدد مواضيعه: فالسّؤال الأوّل: يدور حول حديث علقه البخاري في صحيحه بصيغة التمريض، وهو حديث رواه مسلم وأصحاب السنن - خلا أبا داود - وابن خزيمة في صحيحه. والسّؤال الثاني: عن ابن حبان إذا انفرد بتوثيق رجل لا يعرف حاله إلاّ من جهة توثيقه له ... والسّؤال الثالث: عن سبب تعليق البخاري لحديث خارجة بن زيد ابن ثابت عن أبيه ((أمرني النبي ® أن أتعلم كتاب يهود)) بصيغة الجزم. والسؤال الرابع: سؤاله عن أربعة من المحدثين تعاصروا وهم: ١٢٢ أجوبة الحافظ العراقي - عماد الدين بن كثير. - تقي الدين بن رافع. - علاء الدين مغلطاي. - شمس الدين الحسيني. والسّؤال الخامس: في الحدّ الذي إذا بلغه الطالب في هذا الزمان الآخر استحقّ أن يسمّى حافظاً. والسّؤال السادس: في إمام من أهل الجرح والتعديل موصوفٌ بالثقة لكن غلبت عليه العصبية فعُرف بالطّعن على طائفة معيَّنة يخالفهم في المذهب، هل يُقبل قولُه في تضعيفهم وحده ؟ والسّؤال السّابع: في الأماكن الموقوفة على درس الحديث، هل المراد أنَّ مدرسّها يقرّر علوم الحديث كالأنواع لابن الصّلاح، أو يتكلّم في الاستنباط ومعاني الحديث. وقد جاءت إجابات العراقي وافية لهذه الأسئلة، وهي أجوبة لا نجدها مجموعة في غير هذا المكان، وكلّها يتعلّق بالحديث وعلومه. فأرجو المولى العليّ القدير أن ينفع به عموم المسلمين وأن يجعله في موازين حسناتي يوم الدّين، وصلّى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. کتبه: الدكتور / عبد الرحيم بن محمد القشقري في يوم الأحد الموافق: ١٤١٨/٨/٢٨ هـ ١٢٣ أجوبة الحافظ العراقي ترجمة الحافظ ابن حجر (١): هو الإمام الحافظ أحمد بن عليّ بن محمّد بن محمّد بن عليّ بن محمود بن أحمديل الكناني، العسقلاني المصري الشّافعي. ولد في ثالث عشري شهر رمضان سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة بمصر، ومات والده وهو طفل في شهر رجب سنة سبع وسبعين، وأدخل المكتب بعد أن أكمل خمس سنين، ورزق سرعة الحفظ، بحيث حفظ سورة مريم في يوم واحد، وكان يحفظ أكثر الأيّام الصفحة من كتاب الحاوي الصغير في الفقه في ثلاث مرّات، يصحّحها مرّة، ويقرأها على نفسه أخرى، ثمّ يعرضها حفظاً. وجاور بمكة في سنة خمس وثمانين وسمع بها اتفاقاً صحيح البخاري على العفيف النشاوري وهو أوّل شيخ سمع عليه الحديث. وسمع في سنة ست وثمانين بمصر بقراءة الجمال بن ظهيرة على النجم بن رزين صحيح البخاري واشتغل في عدّة علوم على عدّة مشايخ من أهل مصر. وأوّل اشتغاله سنة سبع وثمانين ولم يكن له من يحثه على الاشتغال ففتر عزمُه جداً إلى سنة تسعين فحُبِّب إليه النّظر في التواريخ والأدبّات، ففاق في فنونهما حتى كان لا يسمع شعراً إلا استحضر من أين أخذه، وقال الشِّعر الحسن وطارح الأدباء. وحُبِّب إليه في سنة ست وتسعين سماع الحديث النبوي على الأوضاع المتعارفة بين أهل الحديث. (١) نقلت هذه الترجمة المختصرة من كتاب معجم الشيوخ لابن فهد (ص: ٧). ١٢٤ أجوبة الحافظ العراقي وقد تفقّه على جماعة من جملتهم: شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني وهو أوّل من أذن له بالفتوى والتدريس، والسراج بن الملقن، والبرهان الأبناسي. وانتفع في علم الحديث بشيخ الإسلام زين الدين العراقي، وهو أوّل من أذن له في التدريس في علوم الحديث في سنة سبع وتسعين. وأخذ الأصول عن نصرة الإسلام العز محمد بن أبي بكر بن جماعة. وكان رحمه الله في أكثر طلبه مفيداً في زيِّ مستفيد إلى أن انفرد في حال شأنه من أهل زمانه بمعرفة فنون الحديث، لا سيما رجاله وما يتعلّق بهم، وصنف فيها وفي غيرها التصانيف المليحة الجليلة السّائرة الشّاهدة له بكلّ فضيلة، الدّالة على غزارة فوائده، وقد سارت بها الرّكبان، وجمع أسماءها رحمه الله في كرّاسة مفردة. وخرّج لنفسه معجماً لشيوخه وقسمهم قسمين: الأوّل: من حمل منه على طريق الرواية. والثاني: من أخذ عنه شيئاً على طريق الدراية، وأضاف إليه من أخذ عنه شيئاً في المذاكرة من الأقران ونحوهم، وذكر في ترجمة كلّ شيخ سمع عليه ما سمعه عليه من الكتب والأجزاء، فهو معجم وفهرست سمّاه المعجم المؤسس بالمعجم المفهرس(١). وكان رحمه الله فريد عصره، ونسيج وحده، وإمام وقته، انتهى إليه علم الأثر والمعرفة بالعلل، وأسماء الرجال وأحوال الرواة، والجرح (١) طبع الكتاب بتحقيق الدكتور يوسف بن عبد الرحمن المرعشلي بمطبعة دار المعرفة، بیروت. ١٢٥ أجوبة الحافظ العراقي والتعديل، والناسخ والمنسوخ والمشكلات. وكانت وفاته بعد العشاء الآخرة بقليل من ليلة السبت ثامن عشري ذي الحجة الحرام سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة(١). علاقته بشيخه: بدأت علاقة الحافظ ابن حجر بشيخه العراقي في وقت مبكرة جداً، حيث ذكر أنه اجتمع به سنة ستّ وثمانين وكان عمره في ذلك الوقت لم يتجاوز الثلاثة عشر عاماً، فقرأ عليه شيئاً يسيراً، ثم فتر عزمه عن الطلب لعدم وجود أحد يحثّه على الاشتغال بالعلم فانقطع عنه كلّة مدة عشر سنوات، فتجدّد اللقاء به في رمضان سنة ستة وتسعين، واستمرّت صحبته له مدّة عشر سنوات كاملة، لازمه فيها ملازمة تامّة، وقرأ عليه جملة من كتبه وكُتب غيره حتى تمهّر في علم الحديث به(٢). ولم تقتصر هذه العلاقة بالسّماع فحسب بل تعدّاه إلى المذاكرة والمشورة في العلم، وقد ذكر السّخاوي في ترجمة شيخه أنّ الإِمام العراقي أرسل إليه برسالة يسأله فيها عن حديث رواه ثابت البناني عن أنس رضي الله عنه، في الصحابي الذي كان يؤمّ أهل قباء ويقرأ ﴿قل هو الله أحد﴾ (١) ولمزيد من التفصيل في ترجمته انظر: إنباء الغُمر (١٧٠/٥)، المجمع المؤسس (١٧٦/٢)، الجواهر والدرر للحافظ السخاوي، الذيل على رفع الإصر (ص: ٧٥)، معجم الشيوخ لابن فهد (ص: ٧٠)، الضوء اللامع (٣٦/٢)، البدر الطالع (٨٧/١)، حسن المحاضرة (٣٦٣/١)، ابن حجر العسقلاني لشاكر محمود عبد المنعم، الحافظ ابن حجر العسقلاني لعبد الستار الشيخ. (٢) انظر المجمع المؤسس (١٨٠/٢ - ٢٣٠). ١٢٦ أجوبة الحافظ العراقي فكان من ضمن سؤاله: فانظروه في أطراف المسند لأحمد، عمن رواه؟ وهل کتبتموه في تغليق التعليق في شيء من هذه الكتب أو غيرها. ثُمّ اختتم خطابه بقوله: والله يُبقي مولانا بخير وعافية(١). وكتب على بعض مصنفات تلميذه تقريظاً منه، غاية في التقدير والاحترام وهي شهادة منه له، فكتب على كتاب لسان الميزان وتغليق التعليق ونظم اللآلئ بالمائة العوالي فوصفه فيما كتبه، بالشيخ الفقيه المحدّث، البارع المفيد، المجيد لما أنشأه .. ولما قرأ عليه كتاب التقييد والإيضاح وصفه بالشيخ، العالم، الكامل، الفاضل، الإِمام، المحدّث، المفيد، المجيد، الحافظ، المتقن، الضّابط، الثقة، المأمون. وقال فيه أيضاً: جمع الرواة والشيوخ، وميّز بين الناسخ والمنسوخ، وجمع الموافقات والأبدال، وميّز بين الثقات والضّعفاء من الرّجال، وأفرط بجدّه الحثيث حتى انخرط في سلك أهل الحديث، وحصل في الزّمن اليسير علی علم غزیر. ثمّ بعد ذلك: أجاز له أن يدرّس ويشتغل ويفتي على مذهب الشّافعي لما اجتمع فيه من العلم والفهم والإفادة(٢). (١) الجواهر والدرر (ص: ٢٧٠). (٢) الجواهر والدرر (ص: ٢١٠). ١٢٧ أجوبة الحافظ العراقي ترجمة الحافظ العراقي (١): هو الإمام عبد الرّحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن أبي بكر بن إبراهيم أبو الفضل العراقي، ولد في حادي عشري جمادى الأولى سنة خمس وعشرين وسبعمائة بمنشأة المهراني بين مصر والقاهرة. وأوّل ما أسمع الحديث على سنجر الجاولي، وتقي الدين الأخنائي، ثمّ أسمع على أبن شاهد الجيش، وابن عبد الهادي، وتقي الدين السبكي، وعلاء الدين التركماني، وقرأ بنفسه على الشيخ شهاب الدين ابن البابا، وتشاغل بالتخريج ثمّ تنبّه للطلب بعد أن فاته السّماع من مثل يحيى بن المصري آخر من روى حديث السلفي عالياً بالإجازة، ومن الكثير من أصحاب ابن عبد الدّايم، والنّجيب، وابن علاق، ولكنّه أدرك أبا افتح الميدومي فأكثر عنه، وهو من أعلى مشايخه إسناداً. ورحل إلى دمشق، وحلب، وحماه، وحمص، وصفد، وطرابلس، وبعلبك، ونابلس، والقدس، وغزة، وأراد الدخول إلى العراق ففترت همّته من خوف الطريق، ورحل إلى الإسكندريّة، ثمّ عزم على التّوجّه إلى تونس فلم يتمّ له ذلك. وولي قضاء المدينة سنة ثمان وثمانين فأقام بها نحو ثلاث سنين، ثمّ سكن القاهرة. وتقدّم في فنّ الحديث بحيث كان شيوخ العصر يبالغون في الثناء عليه بالمعرفة، كالسبكي، والعلائي، والعزّ بن جماعة، والعماد بن كثير، (١) أنباء الغمر (١٧٠/٥)، المجمع المؤسس (١٧٦/٢). ١٢٨ أجوبة الحافظ العراقي وغيرهم، وحُبّب إليه هذا الفنّ حتى غلب وتوغل فيه حتى صار لا يُعرف إلاّ به، وانصرفت أوقاته فيه. صنف تخريج أحاديث الإحياء، وأكمل مسوّدته الكبرى قديماً ثمّ بيّضه في نحو نصفه ولم يكمل تبييضه، ثمّ اختصره في مجلد واحد ولم يبيّضه، وكُتبت منه النسخ الكثيرة، وشرع في إكمال شرح الترمذي لابن سيّد النّاس، ونظم علوم الحديث لابن الصّلاح ألفية، وشرحها وعمل لها نُكَناً، وألّف في المراسيل وهو من أواخر ما جمعه، وصنّف أشياء أخر كباراً وصغاراً. وكان منوّر الشيبة، جميل الصورة، كثير الوقار، نزر الكلام، طارحاً للتكلّف، شديد التوقي في الطهارة، وكان لطيف المزاح، سليم الصدر. وكانت وفاته في ثامن شعبان سنة ست وثمانمائة وله إحدى وثمانون سنة وربع سنة(١). إثبات نسبة الأجوبة للعراقي: لقد استفاد الحافظ نفسه بهذه الأجوبة في عدد من مصنفاته الخاصّة بالحديث ورجاله، ففي كتابه فتح الباري اعتمد عليه عند شرحه لحديث خارجة بن زيد، عن أبيه، عن النبي ﴿: ((أمره أن يتعلم كتاب يهود ... )). فقال: كنت سألتُ شيخيَّ الإِمامين العراقي والبلقيني عن هذا الموضع؟ فكتب لي كلٌّ منهما: بأنّهما لا يعرفان له تابعاً، وعوّلا جميعاً على (١) انظر لمزيد من التفصيل: غاية النهاية (٣٨٢/١)، الضوء اللامع (١٧١/٤)، حسن المحاضرة (٣٦٠/١). :. " ** ١٢٩ أجوبة الحافظ العراقي أنّه عند البخاري ثقة فاعتمده. وزاد شيخنا العراقي: أنّ صحّة ما يجزم به البخاري لا يتوقّف أن يكون على شرطه، وهو تنقيب جيّد(١). قلت: وقد ورد الكلام عن هذا الحديث في الجواب عن السّؤال الثالث(٢). وفي كتابه تغليق التعليق اعتمد عليه عند كلامه على حديث زائدة حيث قال: قلت: والاضطراب في إسناد هذا الحديث ومتنه كبير جدا، والاضطراب موجب للضعف إذا تساوت وجوه الاضطراب، لكن اعتمد الشيخان رواية زائدة لحفظه، فرجحت على باقي الروايات. هكذا سمعت شيخنا الحافظ أبا الفضل بن الحسين يقول لما سألته عنه(٣). انتهى. قلت: وهذا الكلام مثبت في جواب العراقي على السّؤال الأوّل (٤). ہے واعتمده أيضاً في كتابه إنباء الغمر في ترجمة محمد بن رافع السلامي حيث قال: وذكر لي شيخنا العراقي أنَّ السبكي كان يقدّمه لمعرفته بالأجزاء وعنايته بالرحلة والطلب(٥). وهذا التصريح الذي أشار إليه الحافظ موجود في جوابه على السّؤال الرابع(٦). (١) فتح الباري (١٨٧/١٣)، تغليق التعليق (٣٠٨/٥). (٢) انظر: (ص: ١١). (٣) تغليق التعليق (١٩٣/٣). (٤) انظر: (ص: ١٣٩). (٥) إنباء الغمر (٦١/١). (٦) انظر: (ص: ١٤٣). ١٣٠ أجوبة الحافظ العراقي وأشار السخاوي في ترجمة شيخه إلى سؤالين هما الرابع والخامس(١). وذكره أيضاً في التحفة اللطيفة ونقل عن شيخه الحافظ ابن حجر أنه قال في صدر أسئلة له: سألت سيّدنا، وقدوتنا، ومعلّمنا، ومفيدنا، ومخرجنا، شيخ الإسلام، أوحد الأعلام، حسنة الأيّام، حافظ الوقت(٢) ... وهذه الديباجة هي التي صدّر بها الحافظ هذه الأسئلة التي بين أيدينا. واعتمد السيوطي عليه أيضاً في كتابه تدريب الراوي حيث أورد السّؤال الخامس وجواب العراقي عليه دون حذف أو إضافة(٣). واعتمد عليه ثانية في كتابه ذيل طبقات الحفاظ عندما ترجم للحسيني، فقال: سئل الحافظ أبو الفضل العراقي عن أربعة تعاصروا أيُّهم أحفظ، مغلطاي، وابن كثير، وابن رافع، والحسيني. فأجاب ومن خطّه نقلت ... ثمّ ساق أجوبة الحافظ عليه (٤). وصف النسخة الخطية: لم أجد لهذه النسخة ذكراً في فهارس المكتبات، وإنّما وقفت عليها أثناء تصفحي للمجموع رقم: (٣٨٦) مكتبة كوبرللي، الورقة (٣٢٢) ذات وجهين، وبخط دقيق وواضح. (١) الجواهر والدرر (ص: ٣١ - ٤٠). (٢) التحفة اللطيفة (٥٦٦/٢). (٣) تدريب الراوي (٤٨/١). (٤) ذيل طبقات الحفاظ (ص: ٣٦٥). ٠٠ ٠٠٠٠ .. ١٣١ أجوبة الحافظ العراقي ناسخ النسخة: جاء في آخر الأجوبة ما يفيد أنّ النّاسخ تلميذٌ للشيخين الحافظ ابن حجر والعراقي رحمهما الله، ولم يذكر اسمه صراحة في هذا الجزء، إلاّ أنّ خطّ هذا الجزء يشبه تماماً الخط الذي نسخ به رأي الإمام العلائي في مستدرك الحاكم المنقول من كتابه نهاية الأحكام، وهو ضمن الجزء، وقد ورد في آخره: نسخه عبد الله بن أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل بن سليم بن قايماز بن عثمان بن عمر الكناني، نسخه عام (٨٠٤هـ)، ولم أجد له ترجمة سوى قول الإمام السّخاوي وهو يترجم لوالده أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل المعروف بالبوصيري: بيّض له ابنه كتاب تحفة الحبيب من مسوّدته علی خلل کثیر فیه. وجاء في الديباجة: ((قال شيخنا ومفيدنا))، وهذا الكلام وما سبقه في آخر الأجوبة يدلُّ على أنه لازم الإمامين، وبالخصوص الإمام الحافظ ابن حجر، ولا يستقيم هذا مع النّاسخ إلاّ إذا قلنا إنّ النّاسخ الأصلي لهذا الجزء هو والده الإِمام أحمد بن أبي بكر المعروف بالبوصيري الذي ترجم له الحافظ ابن حجر نفسه وقال: ((لازم شيخنا العراقي على كبر فسمح منه الكثير، ثمّ لازمني في حياة شيخنا فكتب عنّي لسان الميزان والنَّكت على الكاشف، وسمع عليّ الكثير من التّصانيف وغيرها، ثمّ أكبّ على نسخ الكتب الحديثية، وفي الأجزاء، ولم يزل مكباً على الاشتغال والنسخ إلى أن مات في ليلة الثامن عشر سنة أربعين وثمانمائة)) (١). (١) إنباء الغمر (٤٣١/٨). ١٣٢ أجوبة الحافظ العراقي ثمّ أتى الابن بعد ذلك فنسخ ما كان بخط والده من الأجزاء. ويكون هذا الجزء منها. والذي يؤكّد ما قلته أنّ السّخاوي لم يترجم للابن ضمن تلاميذ شيخه بينما ترجم لوالده وقال: ((لازمه في حياة شيخهما العراقي وكتب عنه اللسان والنكت على الكاشف وزوائد البزار على الستة وأحمد والكثير من تصانيفه وغيرها(١)، والله أعلم. (١) ذيل طبقات الحفاظ (ص: ٣٦٥). الخص المحقق ١٣٥ أجوبة الحافظ العراقي بِشِـ قال شيخنا، ومفيدنا أبو الفضل شهاب الدين أحمد بن عليّ بن محمد، الشّهير بابن حجر أبقاه الله تعالى: سألت سيّدنا، وقدوتنا، ومعلّمنا، ومفيدنا، ومخرّجنا، شيخ الإسلام، أوحد الأعلام، حسنة الأيّام، حافظ الوقت، أبا الفضل ابن الحسين العراقي، عمّا أورده بما صورته: الحمد لله الذي وعد من سأله الإجابة، والصلاة والسّلام على نبيّه الذي اصطفاه وأطابه، وعلى آله الكرام، وسائر الصحابة، أمّا بعد: س ١: فما يقول سيّدنا، شيخ الإسلام، أوحد الأعلام، حافظ العصر وناقده، معين الطلاب ورافده، أبو الفضل - أيّده الله - في قول أبي عبد الله محمد بن إسماعيل رضي الله عنه في صحيحه في باب: من مات وعليه صوم، من كتاب: الصيام، عقيب حديث زائدة، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: ((جاء رجل إلى النبي ﴿، فقال: يا رسول الله: إنّ أمّي ماتت ... )) الحدیث. قال الأعمش: فقال الحكم وسلمة - حين حدّث مسلم بهذا -: سمعنا مجاهداً یذکر هذا عن ابن عبّاس. ويذكر عن أبى خالد: ثنا الأعمش، عن الحكم، ومسلم البطين، ١٣٦ أجوبة الحافظ العراقي وسلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير، وعطاء، ومجاهد، عن ابن عباس: ((قالت امرأة للنبي ﴿: إنّ أختي ماتت ... ))(١). وهذا الإسناد الذي علقه البخاري بصيغة التمريض، قد رواه مسلم وأصحاب السنن - خلا أبا داود - وابن خزيمة في صحيحه عن أبي خالد(٢). أسأل عن بيان العلّة الموجبة لتمريضه عند أبى عبد الله ؟ س ٢ : وما يقول سيّدي في أبي حاتم ابن حبان إذا انفرد بتوثيق رجل لا يُعرف حاله إلاّ من جهة توثيقه له، هل ينهض توثيقه بالرجل إلى درجة من يُحتجّ به ؟ وإذا ذكر ذلك الرجل بعينه، أحد الحفاظ، كأبي حاتم الرازي بالجهالة، هل يرفعها عنه توثيق ابن حبان له وحده، أم لا ؟ س ٣ : وما يقول سيّدي رضي الله عنه في قول أبي عبد الله محمد ابن إسماعيل رضي الله عنه في كتاب الأحكام من صحيحه: ((وقال (١) فتح الباري (١٩٢/٤/رقم: ١٩٥٣). (٢) رواه مسلم في: ١٣ - كتاب: الصيام، ٢٧ - باب: قضاء الصيام عن المّت، حديث (رقم: ١٥٥). والترمذي في: ٦ - كتاب: الصوم، ٢٢ - باب: ما جاء في الصوم عن المّت، حديث (رقم: ٧١٦) وقال عقبه: حديث حسن صحيح، وسمعت محمداً يقول: جوّد أبو خالد الأحمر هذا الحديث عن الأعمش. وابن حبان في: ٧ - كتاب: الصيام، ٥١ - باب: من مات وعليه صيام من نذر، حديث (رقم: ١٧٥٨)، وابن خزيمة في صحيحه (٢٧٢/٣). ١٣٧ أجوبة الحافظ العراقي خارجة بن زيد بن ثابت: أمرني النبي ﴿ أن أتعلّم كتاب يهود))(١). فإنّ هذا الحديث تفرّد به عبد الرحمن بن أبي الزّناد، عن أبيه، عن خارجة، كما ذكره غير واحد من الحفاظ. وحال عبد الرحمن، حاله - وهو على كل حال ليس من شرط أبي عبد الله - وقد تقرّر عندكم بالسبر: إنه لا يعلق بصيغة الجزم إلا إذا كان الإسناد بينه وبين من علّق عنه صحيحاً. أسأل: هل تابع عبد الرحمن عليه أحد حتى ارتفع إلى الصحة. س ٤ : وما يقول سيّدي رضي الله عنه في أربعة من المحدّثين تعاصروا، أيّهم أحفظ، وأدرى بفنّ الحديث خاصّة ؟ ومن منهم أولى أن يسمّى حافظاً لاجتماع ما شرط الأئمة المتأخرون في حد الحفظ لا المتقدّمون(٢)، وهم: ١ - عماد الدين ابن كثير. ٢ - تقي الدين بن رافع. ٣ - وعلاء الدين مغلطاي. ٤ - وشمس الدين الحسيني ؟ س ٥ : وما يقول سيّدي في الحدّ الذي إذا بلغه الطالب في هذا الزمان الآخر استحقّ أن يسمّى حافظًا، وهل يُتسامح ببعض الأوصاف التي (١) صحيح البخاري: ٩٣ - كتاب: الأحكام، ٤٠ - باب: ترجمة الحكام وهل يجوز ترجمان واحد، حديث (رقم: ٧١٩٥). (٢) حكي عن بعض المتقدّمين من قولهم: ((كنّا لا نعدّ صاحب حديث من لم يكتب عشرين ألف حديث في الإملاء)» تدريب الراوي (٤٨/١). ١٣٨ أجوبة الحافظ العراقي ذكرها الحافظان: أبو الحجاج(١)، وأبو الفتح (٢)، في ذلك لنقص زمانه أم لا؟ س ٦ : وما يقول سيّدي في إمام من أهل الجرح والتعديل، موصوف بالثقة لكن غلبت عليه العصبية فعرف بالطعن على طائفة معيّنة يخالفهم في المذهب، هل يقبل قوله في تضعيفهم وحده؟ أم هل يعارض تضعيفه توثيق غيره ممن لم يتهم بعصبيّة، أم لا؟ س ٧ : وما يقول سيّدي في الأماكن الموقوفة على درس الحديث، هل المراد أنّ مدرّسها يقرّر علوم الحديث - كالأنواع لابن الصّلاح - أو يتكلّم في الاستنباط ومعاني الحديث؟ الجواب: الحمد لله، سألتَ رضى الله عنك عن الحديث الذي علقه البخاري في كتاب الصيام: ويذكر عن أبي خالد، ثنا الأعمش، ومسلم البطين، (١) سئل الحافظ أبو الحجاج المزي: عن حدّ الحفظ الذي إذا انتهى إليه الرجل جاز أن يُطلق عليه الحافظ؟ فقال: يرجع إلى أهل العرف، فقال له السبكي: وأين أهل العرف؟. قليل جداً. قال: أقلّ ما يكون أن يكون الرّجال الذين يعرفهم ويعرف تراجمهم وأحوالهم وبلدانهم، أكثر من الذين لا يعرفهم، ليكون الحكم للغالب، قال السبكي: فقلت له: هذا عزيز في هذا الزمان، أدركت أنت أحداً كذلك؟ فقال: ما رأينا مثل الشيخ شرف الدين الدمياطي. تدريب الراوي (٤٨/١). (٢) قال أبو الفتح ابن سيّد الناس: وأمّا المحدّث في عصرنا فهو من اشتغل بالحديث رواية ودراية، وجمع رواة، واطلع على كثير من الرواة والروايات في عصره، وتميّز في ذلك حتى عرف فيه حظّه، واشتهر فيه ضبطه، فإن توسّع في ذلك حتى عرف شيوخه، وشيوخ شيوخه، طبقة بعد طبقة، بحيث يكون ما يعرفه من كل طبقة أكثر مما يجهله منها فهذا هو الحافظ. أجوبة ابن سيّد الناس (١٦٥/٢)، تدريب الراوي (٤٨/١). ١٣٩ أجوبة الحافظ العراقي وسلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير، وعطاء، ومجاهد، عن ابن عباس، قالت امرأة للنبي ﴾: ((إنّ أختي ماتت ... )). فقلت: أسأل عن بيان العلة الموجبة لتمريضه عند أبي عبد الله، مع كونه رواه مسلم، والترمذي، والنسائي عن شيوخهم (١). جـ ١ : والجواب: إنّ هذا الحديث قد اضطربت ألفاظه وأسانيده، والاضطراب مقتض للضعف إذا تساوت وجوه الاضطراب، فأمّا إذا ترجّح بعض الوجوه فلا يتطرّق إلى الوجه الراجح الاضطراب، ويكون المرجوح مع جواز أنّ ذلك وقع السّؤال عنه مرّتين وأكثر. وأكثر وأرجح وجوه رواته ((زائدة)) التي اتّفق الشيخان عليها مع اتّصال إسنادها كما سيأتي. ووجه الاضطراب فيه: هل السّائل رجل أو امرأة؟ وهل المّت أخت السّائل أو أمّه؟ وهل صوم المسئول عنه شهران متتابعان، أو صوم شهر، أو صوم خمسة عشر يوماً؟ وهل الصّوم رمضان أو صوم نذر؟ ولم يذكر مسلم لفظ رواية أبي خالد؛ وإنما أحال به على رواية زائدة لقوله: ((بهذا الحديث))(٢)؛ وإنما ساقه بتمامه من الستة ابن ماجه (وسقط من طريق)(٣) ابن قدامة (٤) ذكرُ الأعمش. (١) تقدم تخريجه في أوائل الأسئلة. (٢) صحيح مسلم (٨٠٤/٢). (٣) في الأصل: وهو ساقط من طريق. (٤) ابن قدامة - هو أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي - المتوفى سنة (٦٢٠هـ)، وكانت له رواية لسنن ابن ماجه. ساق الذهبي عن عبد الخالق بن عبد السّلام بن علوان، عنه بسنه إلى سنن ابن ماجه حديثاً واحداً في تذكرة الحفاظ (٦٣٦/٢). ١٤٠ أجوبة الحافظ العراقي وإنّما رجّحت رواية زائدة لاتفاق الشيخين على وصلها، وسياقة لفظها(١)، وقد حكم بذلك الدار قطني فقال في سننه بعد رواية زائدة: « هذا أصحّ إسناداً من حديث أبي خالد))(٢). وقد نبّهت على ذلك في شرح الترمذي بل أقول: إنه لو لم يظهر س الإتيان البخاري بهذا المثال بصيغة التمريض حكمة لم يكن عليه اعتراض؛ لأنّه يجوز أن يروي في الصحيح بصيغة البناء للمفعول، لكن الأولى الإتيان به بالجزم إلّ لعارض يقتضيه ذلك. وقد نبّه ابن الصّلاح على ذلك عقب ذكر العبارات التي تستعمل في الحديث الضعيف فقال: ((لأنّ مثل هذه العبارات تستعمل في الحديث الضعيف أيضاً))(٣). فقوله: ((أيضاً)) دالٌّ على أنّها تستعمل في الصّحيح جوازاً لأنّه قد روى، وإن كان ذلك دون منزلة الصحيح. وسألت أيضاً: عن رجل لا يعرف حاله إلا من جهة توثيق ابن حبّان له، هل ينهض بذلك إلى درجة من يُحتجّ به ؟ ويظهر لي أنّ ابن قدامة سمع نسخة من النّسخ المتأخّرة التي سقط منها ذكرُ الأعمش، وقد أشار المزّي إلى سقوط الأعمش من بعض النسخ المتأخرة، وهو ثابت في عدّة نسخ من الأصول القديمة. انظر: تحفة الأشراف (٤٤٤/٤). (١) انظر: تغليق التعليق (١٩٣/٣) نقلاً عن شيخه العراقي. (٢) السنن (١٩٦/٢). (٣) المقدّمة (ص: ١٣).