النص المفهرس
صفحات 161-180
١٥٩
.......-..
ولتعلمَ أهميةَ العلم بالأحكام التي قُبض عليها النبيِ نَّهُ واستقرَّ
عليها التشريع: انظر إلى قول الإمام الزهري في ((صحيح مسلم)»(١) قال:
((كانوا - أي الصحابة - يتَّبعون الأحدثَ فالأحدثَ من أمرهِ {َ ◌ُّ ويَرَوْنَ
الناسخَ المحكم )).
وإلى قولٍ يحيى بن آدم نفسِه(٢): ((لا يُحتاج مع قول النبي صل* إلى
قول أحد، وإنما كان يُقال: سنة النبي (8* وأبي بكر وعمر ليُعلّم أن
النبي وَل* مات وهو عليها))(٣).
ولم يقتصرْ علم الإمام أبي حنيفة على حديث بلده ، بل كان له
اطلاعٌ تائمٌ على حديث الحجازيين ، وذلك في أيام مُقامه بمكة المكرمة
حين غادر الكوفة إليها ، نتيجةً إلحاح يزيد بن عمر بن هُبيرة عليه أن
يَلَيَ القضاءَ وهو يأبى، وكان ذلك سنةَ ثلاثين ومائة (٤)، ولم يرجع إلى
الكوفة حتى تولَّى السلطة أبو جعفر المنصور سنة ست وثلاثين ومئة،
وهذه فترة ليست بالقصيرة في حياة إمام مجتهد، وفي محيط علمي
زاخر مثلٍ مكةَ المكرمةِ مَوثلِ العالم الإسلامي بعلمائه ومحدِّثيه دائماً،
وخاصة من حجاج بيت الله الحرام في كل عام .
يضاف إلى ذلك ماذكروه في مناقبه أنه حج خمساً وخمسين
حجة(٥)، وهو في كل مرة يلتقي بعلماء مكة والمدينة وسائر أمصار
الإسلام، ولذلك تجد في شيوخه الذين ذكرهم الحافظ الصالحي في
(١) ٢: ٧٨٥ باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر ...
(٢) أسنده إليه الحاكم في ((معرفة علوم الحديث)) ص ٨٤ والخطيبُ في «الفقيه
والمتفقه» ٢٢٢:١.
(٣) وفي ((الاستذكار)) ٢٢١:١ - ٢٢٢ و((التمهيد» ٣٥٣:٣ كلاهما لابن عبدالبر
كلام نفيس في هذا المعنى فانظره، وانظر ((سنن البيهقي الكبرى ١٥٧:١.
(٤) ((عقود الجمان)» ص ٣١٢ للصالحي رحمه الله.
(٥) ((عقود الجمان)) أيضاً ص ٢٢٠.
:
***
١٦٠
((عقود الجمان)) من صفحة ٦٤- ٨٧، تجد فيهم كثرةً من المكيين
والمدنيين وبلادٍ أخرى كثيرة .
وقد كان الإمام أبو حنيفة لايرى جوازّ الرواية بالإجازة، كما نُقِل
مثلُه عن شعبة بن الحجاج إمام زمانه في علم الجرح والتعديل، ويقول
شعبة في ذلك: ((لو صحَّتِ الإجازة لبطلت الرحلة))(١) فكيف يقتصر
أبو حنيفة على الأخذ عن شيوخ بلده فقط، والرحلةُ في طلب الحديث
متعيّنة؟ !.
وهذا باب طويل ، لاأرى الإطالةَ فيه أكثرَ من ذلك في مثل هذه
المناسبة، وقد أفاض في بيان هذا الجانب من جوانب الإمام أبي
حنيفة: العلامةُ المحققُ الورع المحدث الفقيه الشيخ ظَفَر أحمد
العثماني التَّهانَوي المتوفّى أواخر سنة ١٣٩٤ رحمه الله تعالى - في
كتابه ((إنجاء الوطن عن الازدراء بإمام الزمن)) (٢)، ففيه من النقول مالا
يُوجد مجموعاً في غيره .
ثم طبعت دراسة علمية جادّة باسم «مكانة الإمام أبي حنيفة بين
المحدثين)) للدكتور محمد قاسم الحارثي في ست مئة صفحة، فيها
الجديد الجيد المؤَفَّق الموثّق.
أفبعد هذا يتطاول بعض المُقْعَدين إلى النَّيْل من هذا الإمام؟ !.
ومع ذلك فكلنا يُقرّ بأن أبا حنيفة باتفراده لم يجمع السُّنةَ كلَّها، وأن
الشافعيَّ بانفراده لم يجمع السنة كلها، وهكذا القولُ في مالكِ وأحمدَ
والثوري والليثِ بن سعد والأوزاعي، كلٌّ بانفراده، رضي الله عنهم
أجمعين.
(١) ((التدريب)) للسيوطي رحمه الله ص ٢٥٦ و ٢٥٧.
(٢) ثم طبع في باكستان حديثاً مع أصله ((إعلاء السنن)) باسم «أبو حنيفة
وأصحابه المحدثون».
١٦١
ولابأس أن أذكر أمثلة على فوتِ بعضٍ يسير من السنة لبعض
الأئمة .
- يرى الإمامُ أبو حنيفة أن الرجل إذا وَقَف وقفاً لا يلزمُّه إنفاذُه، بل
يجوزُ له الرجوع عنه إلا إذا جرى منه مَجرى الوصية ، أو حكم به
القاضي، ولم يثبت عند الإمام أبي حنيفة شيء في لزوم الوقف .
وخالفه في ذلك عامةُ أصحابه والأئمةُ الآخرون فرأوا لزوم الوقف ،
والفتوى في المذهب الحنفي على مذهب الصاحبين: أن الوقف لازم.
(( قال عيسى بنُ أبانٍ : لما قدم أبو يوسف بغدادَ كان على قول أبي
حنيفة في - جواز - بيع الأوقاف، حتى حذَّثه إسماعيل ابنُ علَيّة، عن
ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر في صدقة عمر لسهامه من خيبر.
فقال أبو يوسف: هذا ممالا يَسَع خلافُه، ولو تناهى هذا إلى أبي حنيفة
لقال به ولما خالفه))(١).
- وفي ((تقدمة الجرح والتعديل)) (٢) لابن أبي حاتم الرازي، روى
بسنده إلى الإمام عبد الله بن وهب من أجلِّ أصحاب الإمام مالك، قال
ابن وهب: «سمعت مالكاً سئل عن تخليل أصابع الرجلين في الوضوء؟
فقال: ليس ذلك على الناس. قال - ابن وهب ـ : فتركتُه حتى خفَّ
الناس - أي انصرفوا - فقلت له: عندنا في ذلك سنَّةً. فقال: وماهي؟.
قلت : حدثنا الليث بن سعد وابن لَهِيعة وعمرو بن الحارث ، عن
يزيدَ بن عَمرو المَعافِريّ، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلِيِّ، عن المستورِد
(١) ((التكت الطريقة)) للعلامة الكوثري رحمه الله ص ٤٠. وانظر لتنقيح قول
الإمام في مسألة الوقف كلاماً طويلاً نفيساً مليئاً بالفوائد والتحقيق، لمولانا
ظفر أحمد العثماني رحمه الله في (إعلاء السنن» ٩٦:١٣ - ١٢٧، وتعرّض
في صفحة ١٠٢ لقصة عيسى بن أبان بالمناقشة.
(٢) صفحة ٣١.
١٦٢
ابن شداد القرشي قال: رأيت رسول الله #* يدلُك بخِنْصِره مابين
أصابع رجليه .
قال - مالك -: إن هذا الحديث حسن(١)، وماسمعت به قطُّ إلا
الساعة . ثم سمعته بعد ذلك يُسأل فيأمر بتخليل الأصابع)). زاد ابن
عبد البر في ((الاستذكار))(٢): ((أن مالكاً صار يتعهَّد ذلك في وضوئه)).
- وقال أحمد بن حنبل: ((قال لنا الشافعي : أنتم أعلم بالحديث
والرجال مني، فإذا كان الحديثُ فَأَعْلِموني إن شاء يكون كوفياً أو
بصرياً أو شامياً، حتى أذهب إليه إذا كان صحيحاً))(٣).
وجاء في كتاب ((الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر))(٤) للإمام أبي
بكر الخلال أحدٍ أئمة الحنابلة، المتوفّى سنة ٣١١:
((باب القراءة عند القبور، أخبرنا العباس بن محمد الدُّوري، حدثنا
يحيى بن معين، حدثنا مبشِّرٌ الحلبي، حدثني عبد الرحمن بن العلاء
ابن اللَّجْلاج، عن أبيه قال: قال أبي: إذا أنا متُّ فضعْني في اللحْد
وقل: بسم الله وعلى سنة رسول الله، وسُنَّ عَليَّ الترابَ سَناً، واقرأْ
عند رأسي بفاتحة الكتاب ، وأول البقرة وخاتمتها، فإني سمعت
(١) ذكر الإمام الزركشي رحمه الله في ((النكت على ابن الصلاح)) ٢١/ب هذه
القصة مستدلاً بها على ورود تحسين الحديث في كلام الطبقة المتقدمة على
شيوخ البخاري وأحمد، ونقلها بواسطة أبي الحسن ابن القطان وأن ابن
القطان قال: ((إسناده صحيح)).
(٢) ١٨:١.
((العلل)) للإمام أحمد ١: ١٥٥، و«مناقب الشافعي)) للبيهقي ٥٢٨:١.
(٣)
صفحة ١٢١ من طبعة مصر. ونقله الإمام ابن القيم في ((كتاب الروح))
(٤)
صفحة ٣١، ونَسَبه إلى الخلال في كتابه ((الجامع)) فلعل النص مذكور في
الكتابين؟ أو أن ((الأمر بالمعروف» فصل من فصول ((الجامع)»؟.
١٦٣
عبد الله بن عمر يقول ذلك .
و
قال عباسٌ الدوريُّ: سألت أحمد بن حنبل: قلت: تحفظ فى
القراءة على القبور شيئاً؟ فقال: لا. وسألت يحيى بن معين فحدثني
بهذا الحديث .
ثم قال الخلال: وأخبرني الحسن بن أحمد الوراق قال: حدثني
علي بن موسى الحداد - وكان صدوقاً، وكان ابن حماد المقرىء يرشد
إليه - قال: كنتُ مع أحمدَ بن حنبلٍ ومحمد بن قُدامة الجوهريِّ في
جنازة، فلما دُفن الميت جلس رجلٌ ضرير يقرأ عند القبر فقال له
أحمد: ياهذا إن القراءة عند القبر بدعة !.
فلما خرجنا من المقابر قال محمد بن قدامة لأحمد بن حنبل : يا أبا
عبد الله ماتقول في مبشِّرِ الحلبي؟ قال: ثقة. قال: كتبتَ عنه شيئاً؟
قال: نعم. قلت: فأَخْبَرني مبشُّر، عن عبد الرحمن بن العلاء بن
اللَّجْلاج ، عن أبيه ، أنه أوصى إذا دُفن يُقرأ عند رأسه بفاتحة البقرة
وخاتمتها ، وقال : سمعت ابن عمر يُوصي بذلك .
------
٠٠٠٨٠٠
فقال له أحمد : ارجعْ وقل للرجل يقرأ».
وفي أجوبة الحافظ ابن حجر عن أحاديث ((مشكاة المصابيح)) التي
ادَّعى سراج الدين القَزويني وضعها، وهي ملحقة بآخر «مشكاة
المصابيح))(١)، نقل ابن حجر عن علي بن سعيد النسائي: سألت أحمد
عن صلاة التسبيح؟ فقال: لايصح فيها عندي شيء. قلت: المستمرّ بن
الريان، عن أبي الجوزاء - لا: الحريراء - عن عبدالله بن عمرو؟ فقال:
من حدَّثك؟ قلت: مسلم بن إبراهيم. قال: المستمر ثقة، وكأنه
أعجبه. انتهى. فهذا النقل عن أحمد يقتضي أنه رجع إلى استحبابها)).
(١) ١٧٧٩:٣ - ١٧٨٠.
wwwww.
١٦٤
وروى ابن الجوزي في ((العلل المتناهية))(١) عن ستة من الصحابة،
حديثَ ((صلّوا خلف كل برّ وفاجر)) بطرق متعددة بلغت ثلاثة عشر
طريقاً، ضغّفها كلها، وختمها بقول الإمام أحمد: ((ماسمعنا بهذا!)).
وفي ((العلل ومعرفة الرجال)) لأبي بكر المرُّوذي عن الإمام أحمد(٢):
(سئل أبو عبد الله - الإمام أحمد - عن أبي الصلت - عبدالسلام بن
صالح الهَرَوي - فقال: روى أحاديث مناكير، قيل له: روى حديث
مجاهد، عن علي: (أنا مدينة العلم وعليّ بابها)). قال: ماسمعنا بهذا.
قيل له: هذا الذي تنكر عليه؟ قال: غير هذا، أما هذا فما سمعنا به)).
مع أن طرقه كثيرة أقلُّ أحوالها أن يكون للحديث أصل ، كما قاله
الحافظ في ((اللسان))(٣)، بل حسَّنه في فتوى خاصة لما سئل عن
الحديث ، نقل كلامه السيوطي في ((اللالىء))(٤)، ونقل قبله كلام
الحافظ العلائي وظاهره يفيد أنه عنده صحيح لغيره، وحسّنه من
بعدهم السخاوي في ((المقاصد»(٥).
هذه أمثلةٌ على فَوَاتِ حديثٍ - أو أكثر - لإمام من الأئمة، استدركها
عليهم بعضُ أصحابهم في حالِ حياتهم أو بعد مماتهم ، ولاغَضّاضة
عليهم في ذلك ، مع ملاحظة نُدْرتها ، فلا يُحيط بالسنة النبوية أحدٌ ،
والكمال لله عز وجل .
(١ ) ٤١٨:١ - ٤٢٥.
(٢) (٣٠٨).
(٣) ١٢٣:٣.
(٤) ٣٣٤:١.
(٥) (١٨٩).
١٦٥
ويوجّه إلى هذا السبب من أسباب اختلاف الأئمة ثلاثُ شبهات
تَعترضُه ، سوف أعرض لها إن شاء الله تعالى ، لكني قبل أن أنتقل
إليها أجيب عن سؤال قد يخطر ببال بعض الناس .
والسؤال هو : لم جعلتَ هذا السبب آخر الأسباب ؟ .
. w
وجوابه : أنني جعلتُه آخرَ الأسباب عن تعمُّد وتقضُّد ، مع علمي
أن كثيراً من الناس يردِّدون على ألسنتهم وفي كتاباتهم هذا السببَ
ويجعلونه أولَ الأسباب ، ويقولون فوراً إذا اعترضهم حديث تَرَكَ إمامٌ
من الأئمة العمل به : إنه لم يطلع عليه ، ولو اطلع عليه لقال به ، وإن
السنة النبوية لا يُحيط بها أحد على انفراده .
وأما أنا فلايَنقضي عَجَبي من هؤلاء ، الأمرين اثنين :
أولهما : أنهم لم يتتبعوا كتب الإمام باستقصاء واستيفاء ليحصُل
عندهم شيء يسير من الدليل على أنه مااطّلع عليه فقال بخلافه، وقد
سمعت عن بعض أهل العلم أنه كان يقول: إن أبا حنيفة مااطلع على
حديث (( لاصلاة إلا بفاتحة الكتاب)) مع أنه رضي الله عنه رواه في
(مسنده)) المشهور المطبوع مراراً المتداول المشروح ! .
وقال شيخُ شيوخنا العلامةُ المحقق محمد بخيت المطيعي رحمه الله(١)
وهو يتحدَّث عن حديث ((الولد للفراش)): ((قال الغزاليُّ: إن هذا
الحديثَ لم يبلُغ أبا حنيفة، ولو بَلَغه لما أخرج الأمّة الموطوءة، وبذلك
صرَّح إمام الحرمين». ثم قال بعد أسطر: ((قال الكمال ابن الهمام:
كُّ ذلك لعدم اطلاعهم على مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى،
والقولُ بأن الحديث لم يبلغه : غيرُ صحيح ، فإنه مذكور في مسنده)).
قلت : وهو كذلك ، فهو آخر حديث في كتاب النكاح من ترتيب
(١) في ((سلم الوصول لشرح نهاية الشُؤْل)) للإسنوي ٢: ٤٨٠.
. .. .. ... ............ ₩
:
٠ ٠٠٠ ٥
١٦٦
المحدِّثِ الشيخ محمد عابد السِّندي لمسند الإمام ، والذي شرحه
العلامة الشيخ محمد حسن السَّنْبَهلي في ((تنسيق النظام)» (١) رواه أبو
حنيفة ، عن شيخه حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم النخعي، عن
الأسود بن يزيد، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وهذا إسناد
مسلسل بأئمةِ فقهاء الكوفة إلى عمر .
وفي («معجم شيوخ" الإمام أبي بكر الإسماعيلي(٢): ((عن عبد الله
ابن مسعود في الذي يُدركه الصبحُ وهو جنب : أنه كان يَرى له أن
يصوم. قال سفيان - الثوري - : وكان إبراهيم - النخعي - يقول:
يقضي. ثم جعل سفيان يعجب من قول إبراهيم! فقال له حفص بن
غياث : لعل إبراهيم لم يسمع حديث النبي # أنه كان يدركه الصبح
وهو جنب ، يعني: ثم يصوم؟ قال سفيان: بلى، حدثنا حماد - بن
أبي سليمان - عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة)).
فتأمَّلُ كيف احتمل عدم علم النخعي بالحديث فغلط ، واعتبرْ .
ولو زعم زاعم أنه تتبّع كلَّ التتبع جميع كتب الإمام، فلم يجد فيها
هذا الحديث بعينه: لما ساغ له أن يَنفيّ عنه علمه به، ألا ترى أنك لو
فتشتَ عن حديثٍ صحيح في كتابَيْ البخاري ومسلم، فلم تجده فيهما،
لا يجوزُ لك أن تَنفي عنهما علمَهما به وتقولَ : هذا حديث صحيح لم
يعرفه الإمامان العظيمان : البخاري ومسلم ؟؟ فما أعظمَ علمك إذاً ؟!
وأيُّ إمام أنت !! .
ثانيهما : أن النافي عن إمام اطلاعه على هذا الحديث ، إنما يرجُم
بالغيب ، ويتقوّل على إمام من أئمة المسلمين بغير علم ولاحجة
ولابرهان، فهل قال له هذا الإمام: إني لم أطلع على هذا الحديث؟ !.
(١) انظر ص ١٣٧.
(٢) ٣٢٣:١ - ٣٢٤.
١٦٧
ولذلك كان تأخيرُ هذا السبب أمراً طَبَعياً يقتضيه منطق العلم وأدب
الإسلام مع أثمته .
والأولى بالمسلم العاقل أن يثَّهمَ نفسه ، ولا يتطاولَ على الأئمة
فيتهمَهم بعدم الاطلاع على ما اطلع عليه مثلُه! وما أجملَ ماحكاه الإمام
البيهقي في ((مناقب الشافعي))(١) عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله ! .
قال : (( قال حميد بن أحمد البصري : كنت عند أحمد بن حنبل
نتذاكر في مسألة ، فقال رجل لأحمد : ياأبا عبد الله لا يصحُ فيه
حديث! فقال - أحمد -: إنْ لم يصحَّ فيه حديثٌ ففيه قولُ الشافعي ،
وحُجتُه أثبتُ شيء فيه)) .
أ
ثم تابع الإمام أحمد كلامه فذكر للرجل قصةً جرتْ له مع الشافعي،
فيها شاهدٌ على أن الشافعي إذا قال قولاً فلا بدَّ أن يكون له دليلٌ من
السنة، ولكنْ قد يخفى هذا الدليل، وعلى مَن يخفى؟ على مثل الإمام
أحمد رضي الله عنهما ! .
فقال: ((قلت للشافعي : ما تقول في مسألة كذا وكذا ؟ قال
- أحمد - : فأجاب فيها . فقلتُ : من أين قلتَ ؟ هل فيه حديث أو
كتاب؟ قال: فنزع في ذلك حديثاً للنبي ﴿، وهو حديثٌ نصٌّ)) أي:
صريحٌ جداً في المراد بحيث إن لفظه لا يحتمل معنى آخر.
وهذا أدب رفيع من الإمام أحمد ، فيجدر - من باب أولى - بكل
مسلم أن يتحلّى به .
وانظر موقفاً آخر للإمام أحمد رضي الله عنه ، فيه تأديبُ غيره مع
الأئمة .
(١) ١٥٤:٣.
١٦٨
جاء في ((تهذيب التهذيب))(١) في ترجمة إسحاق بن إسماعيل
الطالقاني، أحدٍ الثقات، وممن أثنى عليه الإمام أحمد، إلا أنه أخذ
عليه تناولَه الإمامَ عبد الرحمن بن مهدي ونحوه ، فقال الإمام أحمد:
(( بلغني أنه يذكرُ عبد الرحمن بن مهدي، وما أعجبَ هذا !! ثم قال
- الإمام أحمد - وهو مغتاظٌ: مالكَ أنتَ ويلك ولِذكْر الأئمة !! )).
وأرى من المناسب خَتْم المقام بكلام بعض الأئمة في هذا الصدد .
قال الإمام أبو الحسن القابسي المالكي المتوفّى سنة ٤٠٣هـ(٢):
(( لا ينبغي لمن وَقَفَ على صحةِ نقلِ الحديث ، وعلى صحة ألفاظه :
أن يَتَعاطَى تأويلَه، ولا يستعملَ منصوصه في إباحةٍ ولا حظرٍ إلا بعلمٍ ،
هو غيرُ علم الرواية ، وذلك يُوجَد في مُسَاءَلة أهل الفقه والمعرفة
بالسنة والعلم التام بسيرة الأئمة ، فإن في الحديث ناسخاً ومنسوخاً ،
والمنسوخ لا يجوز استعماله، إذ قد نُسخ .
وللحديث معانٍ يعرفها العلماء ، لاستيعابِ بيانِها موضعٌ غير هذا ،
ويكفي من البيانِ لما وصفتُ لكم قولُ النبي ◌َ﴾ في خطبته في حَجة
الوداع من الأثر الثابت : ((ليُبلِّغ الشاهدُ الغائبَ، فإن الشاهدَ عسى أن
يبلّغ من هو أوعى له منه )) .
وللإمام التقي السُّبكي كلام طويل في رسالته ((الدرة المضية))(٣) أنقل
منه مقتطفاتٍ يسيرةً لاتُبعد بالقارىء عما نحن بصدده .
قال رحمه الله: ((إن الناس على قسمين: عالم مجتهدٍ متمكّن من
استخراج الأحكام من الكتاب والسنة، أو عاميٍّ مقلّدٍ لأهل العلم.
(١ ) ٢٢٦:١.
(٢) في مقدمة كتابه ((الملخّص)) ص ٤٧ - ٤٨ الذي رتّب فيه ((الموطأ» رواية ابن
القاسم.
(٣) صفحة ٢٠ - ٢٥.
!
١٦٩
ووظيفةُ المجتهد إذا وقعتْ واقعةٌ أن يستخرج الحكم فيها من الأدلة
الشرعية ، ووظيفةُ العامي أن يرجعَ إلى قول العلماء ، وليس لغير
المجتهد إذا سمع آيةً أو حديثاً أن يترك به قول العلماء ، فإنه إذا رآهم
قد خالفوا ذلك مع علمهم به : علم أنهم إنما خالفوه لدليل دلَّهم على
ذلك. وقد قال الله تعالى: ﴿فَسْئَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ .
والقصدُ أن غير العالم المجتهد - ولاسيما العوام - إذا سمعوا آية
فيها عمومٌ أو إطلاقٌ لم يكن لهم أن يأخذوا بذلك العموم أو
الإطلاقات إلا بقول العلماء ، ولا يَعملُ بالعمومات والإطلاقات إلا من
عَرَف الناسخ والمنسوخ ، والعامّ والخاص ، والمطلَقَ والمقيّد ،
والمجمل والمبيَّن، والحقيقة والمجاز)).
وذكرَ أمثلة على ذلك من الكتاب الكريم والسنة الشريفة في نحو
صفحتين ، ثم قال: (( وهذا يوضح أن العمل بمجرده من غير نظر في
أدلة التخصيص والتقييد خطأ من العامل به ... فإذا اعترف أنه لا ينبغي
له أن يعمل بالعموم حتى يعرف هل له مخصِّص، ويعرف مايعارض
من الأدلة : فوَّض الأمر إلى أهله، وعلم أنه فوقَ كلِّ ذي علم عليمٌ،
وكذلك لا ينبغي أن يأخذ بأدلة الكتاب حتى يعلم مافي السنة مما يُبيِّته
أو يُخصصه أو يقيّده، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ
مَانُزِلَ إِلَییمْ﴾».
ثم قال: ((فمن لم يعرف الكتابَ والسنةَ وأقوال الأئمة : لم يكنْ
له أن يقفَ عند دليلٍ يسمعُه، من غير إمام يُرشِده)).
وأقوال العلماء في هذا الصدد كثيرة ، وأن كلّ من ليس مجتهداً
فهو عاميٌّ مقلّد، تجدها في أواخر كتب الأصول ، وتجدها منثورة في
ثنايا كلامهم في كتبهم الأخرى .
...-
١
!
١٧٠
أما الشبهات الثلاث التي يُعترض بها على هذا السبب: فهي:
الأولى - قد يقول قائل : إذا كنتَ أقمتَ الدليل على أن الأئمة قد
فاتَهم بعضُ الشيء، فهذا يجعلهم عُرضةً لأن يُقال: قد فاتهم شيءٌ
غيره في هذه المسألة، وشيء آخرُ في المسألة الثالثة، والرابعة .. وهكذا،
إذاً فلننظر الدليل نحن لأنفسنا، حتى نكون على طمأنينة من أمرنا.
والجواب :
إذا كان قد فات الإمامَ منهم النزرُ اليسيرُ جداً : فقد استدركه
أصحابُه ، واستقرَّ مذهبه على التمام من قِبَل مجموعة كبيرة من
أصحابه ، كأبي يوسف ومحمد من أصحاب أبي حنيفة ، والمزني
والبُويطي من أصحاب الشافعي ، وأشهب وابن القاسم من أصحاب
مالك ، ونحوهم من أصحاب أحمد رضي الله عنهم أجمعين .
وإذا كان قد فاته هذا الشيء الذي لا يذكر - وهو الإمام المجتهد في
العصر الذهبي للإسلام - فَلأَنْ يفوت المقتديَ المتأخرَ في آخر
الصفوف أشياءُ وأشياء من الأمهات: من بابِ أولى به وألزمَ عليه .
وإذا كان قد فات الإمامَ جزءٌ يسير تتعذَّر الأمثلة عليه لندرته :
فليس من منطقِ العقلِ والعلم أن نسحبَ حكم النادر على الكل ، بل
المنطقُ يقضي بسحب الكل على النادر .
أي : لانقول : لم يطّلع الإمام على هذا الحديث ، فحَكَم بكذا في
مسألة كذا، فمن المحتمل أنه لم يطّلع على هذا الحديث أيضاً، لذلك
حَكَم بهذا الحكم في مسألة كذا. وهكذا ينسحب هذا الاحتمال في
أحكام الإمام كلها ، لذلك نبني لأنفسنا فقهاً جديداً مستقلاً عن الأئمة
جميعهم ، إذ لافارق بين إمام وإمامِ أمامَ هذا الاحتمال .
١٧١
بل نقول : لقد اطلع الإمامُ على دليلِ مسألةِ كذا فحكم بمقتضاه ،
واطلع على دليل المسألة الثانية فقال به، وهكذا آلافٌ من المسائل(١)،
أما هذه المسألة بعينها - وهي مسألة واحدة من آلاف المسائل - فلم
يطلع على دليلها ، فيقفُ حكمنا عندها ولا يتجاوزُها ، لجزمِنا باطلاعه
على أدلةٍ غيرِها، وهو كثير جداً لا يحصى.
--
وأرجو القارىء الكريم المنصف أن يقرأ هذه الكلمات بتجرُّد وتأنّ،
ثم ليقرأ ماسأنقله عن بعضهم ليرى كيف يحوّل مساق الكلام والفكرة!
قال: ((إننا ملزمون أولاً وآخراً باتباع الكتاب والسنة وإيثارهما على كل
شيء .. فإذا وجدنا قولاً لأحد هؤلاء الأئمة يخالفُ كتابَ الله وسنةً
رسوله ﴿ فإن الواجب علينا وعلى كل من يبلُغه ذلك أن يتركَ قول
هذا الإمام لقول الله ورسوله، فإن هؤلاء الأئمة رحمهم الله تعالى لم
يحيطوا بالسنة كلها جمعاً، وفاتهم منها أشياء وأشياء ... ))! وأكتفي
بلفت النظر عن الرد على هذا الكلام الخَطّابي!(٢).
(١) ذكر الكوثري رحمه الله تعالى في مقدمة كتابه ((النكت الطريفة)) ص ٤ أن
أقل ماقيل في عدد المسائل التقديرية في فقه الإمام أبي حنيفة ثلاث
وثمانون ألف مسألة! فما نسبة المسائل التي خفي دليلها على الإمام إلى هذا
العدد الضخم !!.
وفي ((تاريخ أبي زرعة الدمشقي)» ٢٦٣:١ أن الأوزاعي أجاب في سبعين
ألف مسألة أو نحوها. وقال الخليلي في ((الإرشاد)) ١٩٨:١: ((أجاب
الأوزاعي عن ثمانين ألف مسألة في الفقه من حفظه».
ولا تَهولنك هذه الأرقام الضخمة، فقد قال الباغَنْديُّ - وهو إمام محدِّث لا
إمام فقيه: ((أنا أجبتُ عن ثلاث مئة ألفِ مسألةٍ في حديث رسول الله مير!)).
وقال القسطلاني في ((لطائف الإشارات)) ٩٥:١: «قال الأصمعيُّ: سألتُه -
يريد أبا عمرو بن العلاء إمام القراءات والعربية - عن ثمان مئة ألف مسألة
في الشعر والقرآن والعربية، فأجاب فيها كأنه في قلوب العرب !! ».
(٢) ((حقيقة التعيين لمذهب الأئمة الأربعة المجتهدين)) لمحمد عيد عباسي ص =
٤
١٧٢
الثانية - يقول بعض الناس : إن كتب السنة اليوم كثيرة ، وتوافرها
للباحثين المعاصرين ميسور أكثرَ مِن توافرها للسابقين ، وقد تيسرتِ
الاستفادة منها بالطباعة والفهارس المختلفة أكثرَ مِن تيسُّر استفادة
المتقدمين منها، فمن السهل الاعتمادُ عليها وأخذُ الثابت منها ، وتركُ
غيره، وتثبيتُ الأحكام الفقهية التي دلّ الدليل عليها، وتنقيحُ الفقه مما
لا دليل عليه.
والجواب عن ذلك من وجوه :
آ - إن هذا الكلام من الغَبَاء بمكان، وقديماً قالوا :
وكم للشيخ من كتب كبار ولكن ليس يدري مادَحَاها!
وقالوا :
ليس بعلم ماحَوَى القِمَطْرُ ما العلمُ إلا ماوعاء الصدر
وكان حالُ علمائنا قاطبة ماعبّر عنه ابن حزم رحمه الله تعالى :
فإنْ تَحْرقوا القِرْطاسَ لاتَحرقوا الذي
تضمَّنه القِرْطاس، بل هو في صدري
يسيرُ معي حيثُ استقلَّتْ ركائبي
وينزلُ إِنْ أَنْزِلْ ويُدفَنُ في قبري
وفي ((الفقيه والمتفقه)) للخطيب(١): ((قيل لبعض الحكماء : إن
فلاناً جمع كتباً كثيرة ! فقال : هل فَهْمُّه على قَدْر كتبه ؟ قيل : لا ،
قال : فما صنع شيئاً ، ما تصنعُ البهيمة بالعلم . وقال رجل لرجل كَتَبَ
٦٦، المستلّ من البدعة التعصب المذهبي)) له.
(١) ١٥٨:٢ - ١٥٩.
١٧٣
ولا يَعلم شيئاً مما كتب : مالكَ من كتبك إلا فضلُ تعبك ، وطُول
أَرَقِك، وتسويدُ وَرَقك)).
وقال ابن تيمية رحمه الله تعالى في ((رفع الملام))(١): «لو فُرض
انحصار حديث رسول الله 8* فيها - أي في الدواوين - : فليس كلُّ ما
في الكتب يعلمه العالم ، ولايكاد ذلك يحصُل لأحد ، بل قد يكون
عند الرجل الدواوينُ الكثيرة وهو لا يُحيط بما فيها ، بل الذين كانوا
قبلَ جمع هذه الدواوين كانوا أعلمَ بالسنة من المتأخرين بكثير ...
فكانت دواوينُهم صدورَهم التي تحوي أضعافَ مافي الدواوين ، وهذا
أمرٌ لا يَشكُ فيه مَن علم القضية)) .
٢ - إن أئمتنا على كثرة مادوَّنوه، ووفرة ماوصل إلينا من تراثهم:
لم يكونوا يدوِّنون إلا القليلَ من محفوظاتهم ، كما تراه قبل سطرين
في كلام الإمام ابن تيمية ، وكما تقدم (٢) من كلام الليث بن سعد
وأحمد بن الفرات ، وهذا نزرٌ يسيرٌ من كلام الأئمة وأخبارهم لامجال
لاستقصائه .
وكنْ على ذُكْر من كلمة الإمام الباغَنْدي التي تقدمت قريباً(٣)
(«أجبتُ عن ثلاث مئة ألف مسألة في حديث رسول الله وَلات)) !.
٣ - إن أوسع كتب السنة اليوم هو ((كنز العمال)) للمتقي الهندي ،
وفيه أكثر من ستة وأربعين ألف حديث ، إلا أن الاستفادة منه على
النحو الذي يريده القائلُ غير متيسرة ، إذ أن كثيراً من مصادره غير
متيسرٍ الرجوعُ إليه ولا تحقيقُ أسانيده، وحينئذ سيبقى الأمر معلقاً على
البتّ في أسانيده.
(١) صفحة ١٨.
(٢) تعليقاً صفحة ١١٦،١١٥.
(٣) في التعليق صفحة ١٧١ .
١٧٤
٥٠
٤ - إن عدد أحاديث (( كنز العمال)) يقلُّ كثيراً عما يُنقل عن الأئمة
المجتهدين من الأحاديث التي تحمَّلوها وسمعوها ، على كثرة مافيه
من مكررات. وقد تقدم (١) أن عدد الأحاديث التي ذكرها الإمام أبو
حنيفة في تصانيفه نيفٌ وسبعون ألف حديث ، فضلاً عما لم يذكره،
وتقدم هناك أنه انتخب كتابه ((الآثار)) فقط من أربعين ألف حديث !.
وتقدم(٢) عن ابن الهيَّاب أن الإمام مالكاً روى مئة ألف حديث،
فضلاً عما تحمَّله ولم يروه، ومشهور أن الإمام أحمد انتقى ((مسنده))
من نحو خمسين ألفاً وسبع مئة ألف حديث !.
وفي «إعلام الموقعين))(٣) أن رجلاً سأل الإمام أحمد رضي الله عنه:
((إذا حفظ الرجل مئة ألف حديث يكون فقيهاً؟ قال الإمام: لا، قال:
فمئتي ألف؟ قال: لا، قال: فثلاث مئة ألف؟ قال: لا، قال: فأربع
مئة ألف؟ قال الإمام بيده هكذا وحرَّكها)) أي : لعله يصلح أن يكون
فقيهاً مجتهداً يفتي الناس .
وأسند الخطيب في ((الجامع)»(٤) إلى يحيى بن معين وقد قيل له:
«أيفتي الرجل من مئة ألفِ حديث؟ قال: لا، قلت: ومن مئتي ألفٍ؟
قال: لا، قلت: ثلاث مئة ألف؟ قال: لا، قلت: خمس مئة ألفٍ؟
قال: أرجو)).
وعلّق عليه الخطيب بقوله: (( وليس يكفيه إذا نَصَبَ نفسَه للفُتيا أن
يجمعَ في الكتب ماذكره يحيى - بن معين - دون معرفته به ونَظَرِه فيه،
(١) صفحة ١٥٣.
(٢) صفحة ١٥١.
(٣) ٤٥:١.
(٤) ٢ :١٧٤.
١٧٥
وإتقانه له، فإن العلم هو الفهم والدراية، وليس بالإكثار والتوسع في
الرواية)).
بل نَقَل ابن تيمية التقيُّ رحمه الله هذا العدد عن الإمام أحمد نفسه
في «المسؤَّدة))(١).
ولاننكر أنه يدخل في هذه الأعداد الكبيرة الأحاديثُ الموقوفة
والمقطوعة والمتعددة الأسانيد، ولكن يبقى الفارق كبيراً، على أن
الموقوفات والروايات المتكررة الأسانيد - وهي لا تخلو غالباً من مغايرة
في لفظ الحديث .- لها أثرها الكبير في فهم الحديث والاستفادة منه.
٥ - ولو فرضنا أن تلك المجموعة الكبيرة من الأحاديث قد توافرت،
فإن الاختلاف بين الأئمة قائم لايزول ، مادامت الأسباب الأخرى
للاختلاف موجودة قائمة ، وهي ذاتُ أثر في الاختلاف أكبر بكثير من
هذا السبب الرابع الذي نتحدث عنه .
وفي هذه القصة - وغيرها كثير - عبرة للمعتبر .
روى الرامُهُزْمُزي في ((المحدث الفاصل)) (٢) أن ((امرأة وقفتْ على
مجلس فيه يحيى بن معين وأبو خيثمة وخَّلَف بن سالم في جماعة
يتذاكرون الحديث، فسمعتْهم يقولون: قال رسول الله *، سمعت
رسول الله *، ورواه فلان، وماحدَّث به غيرُ فلان. فسألتهم المرأةُ
عن الحائض تغسِّل الموتى ؟ - وكانت غاسلةً - فلم يُجبْها أحد منهم ،
وجَعَل بعضُهم ينظر إلى بعض ، فأقبل أبو ثور، فقيل لها: عليكِ
بالمُقْبِل، فالتفتتْ إليه وقد دنا منها، فسألته؟ فقال: نعم تغسل الميت،
لحديث عثمان بن الأحنف، عن القاسم، عن عائشة، أن النبي (ص 84* قال
٨
(١) صفحة ٥١٤.
(٢) صفحة ٢٤٩، ومن طريقه الخطيب في («الفقيه والمتفقه)) ٨٨:٢.
١٧٦
لها: ((أَمَا إن حَيْضتكِ ليستْ في يدكٍ)) ولقولها: كنت أفرُقُ رأس
رسول الله * بالماء وأنا حائض. قال أبو ثور: فإذا فرقتْ رأسَ
الحيِّ بالماء فالميت أولى به .
فقالوا : نعم ، رواه فلان ، ونعرفُه من طريق كذا ، وخاضوا في
الطرق والروايات ، فقالت المرأة: فأين كنتم الآن؟!)).
ومن المشهور جداً دعوةُ الإمام أحمد أقرانه ونظراءه من أئمةٍ
الحديث المُوغِلين في التحمل والأداء، والرحلة والرواية، غير المهتمين
بالفقه، دعوتُه إياهم إلى مجالسة الإمام الشافعي والاستفادة من فَقَاهته
وروايته، مِن هؤلاء: إسحاق بن راهويه، ويحيى بن معين، والحميدي
- وغيرهم - وكل واحد من هؤلاء (أمة) في الحديث: حفظاً واستيعاباً
ونقداً (١)، فلو كان الاطلاع على الحديث الشريف وحده كافياً - كما
يصوّره بعض الناس للمبتدئين في الثقافة الإسلامية - لَمّا كان لدعوة
الإمام أحمد لهم هذه وجه يُذكر أو يُشكر! بل لَمَا كان في ملازمته هو
للإمام الشافعي من فائدة تعود عليه! لاسيما وهو يرى أن الشافعي
نفسَه يرجع إليه أحياناً في أمر السنة ويقول له: ((أنتم أعلم بالحديث
والرجال مني، فإذا كان الحديث صحيحاً فأعلموني: كوفياً كان أو
بصرياً أو شامياً، حتى أذهب إليه إذا كان صحيحاً)(٢).
٩ - ولو فرضنا أيضاً أن الأحاديث الموجودة كافية للاجتهاد - كما
كان هو واقع ابن معين وغيره - فإن توافر الأحاديث وحدها غير كافٍ
للاجتهاد، فأين الشروطُ الأخرى للاجتهاد؟ وهي: كون المجتهد
متمكِّناً في كافة علوم الإسلام: وسائلها ومقاصدِها، وقد أجملَ ذلك
(١) انظر ((آداب الشافعي ومناقبه)) ص ٤٣، ومناقب الشافعي)) للبيهقي ٢٥٢:٢،
وانظر ص ٥٨ من الكتاب الأول أو ٣٩٩:١ من الكتاب الثاني.
(٢) (آداب الشافعي ومناقبه)) ص ٩٥.
١٧٧
الإمامُ الشافعيُّ رضي الله عنه فيما رواه عنه الخطيب في ((الفقيه
والمتفقه)»(١).
قال الإمام الشافعي : ((لا يحلُّ لأحد أن يفتيَ في دين الله إلا رجلاً
عارفاً بكتاب الله : بناسخه ومنسوخه، وبمحكمه ومتشابهه ، وتأويله
وتنزيله، ومكيِّه ومدنيّه، وما أُريد به، وفيما أُنزل(٢)، ثم يكون بعد
ذلك بصيراً بحديث رسول الله # : بالناسخ والمنسوخ ، ويعرف من
الحديث ماعَرَف من القرآن، ويكون بصيراً باللغة، بصيراً بالشعر(٣)،
(١) ١٥٧:٢.
(٢) ومما ينبغي أن يعلمه من أمور القرآن: القراءات. قال العلامة القسطلاني في
((لطائف الإشارات)) ١٧١:١ وهو يتحدث عن فائدة علم القراءات: (ولم
تَزَل العلماء تستنبط من كل حرف يقرأ به قارىء معنى لا يُوجد في قراءة
الآخر ذلك المعنى، فالقراءات حجةُ الفقهاء في الاستنباط، ومحجتُهم في
الاهتداء إلى سواء الصراط».
ومن الاهتداء إلى سواء الصراط، بوجوه القراءات: بيان قراءة حمزة
والكسائي لما أُجمل في قراءة غيرهما لقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ فَرَّقُواْدِينَهُمْ وَكَانُواْ
شِيَعًا﴾، قرأه حمزة والكسائي: ﴿اَلَّذِينَ فَارَقُوا دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَمًا﴾. فاستدلال
من يستدلّ بالقراءة المشهورة: فرَّقوا، على أنهم المقلِّدة وأتباع الفقهاء:
غلط مكشوف، وزيغ كبير، فيه تنزيل آيات الله في الكافرين على عباد الله
المؤمنين، شأنَ الخوارج الضالين !! أرأيت أهمية علم القراءات؟.
(٣) في ((الفقيه والمتفقه)) ٢٢:٢ أن الشافعي نفسه ((أقام علم العربية وأيام الناس
عشرين سنة، فقلنا له في هذا؟ فقال: ماأردتُ بها إلا الاستعانة للفقه)). وعن
الإمام إبراهيم الحربي: ((من تكلم في الفقه بغير لغة تكلم بلسان قصير)).
وفي ((بغية الوعاة)) ٥٢٩:١ في ترجمة ابن خالويه ((الحسين بن أحمد))
المتوفّى سنة ٣٧٠ بحلب، أن رجلاً قال له: أريد أن أتعلم من العربية
ماأقيم به لساني. فقال له: أنا منذ خمسين سنة أتعلم النحو، ماتعلمت
ما أقيم به لساني!)) وهي وإن كانت مبالغة، لكنها تدل على ماوراءها، وكأنه
أراد أن يحدّ من تطاول هذا الرجل.
١٧٨
وبما يُحتاج إليه للعلم والقرآن. ويَستعمل - مع هذا - الإنصافَ، وقلةَ
الكلام . ويكون بعد هذا مُشْرِفاً على اختلاف أهل الأمصار(١). وتكون
له قريحة بعد هذا. فإذا كان هكذا فله أن يتكلم ويفتي في الحلال
والحرام، وإذا لم يكن هكذا فليس له أن يتكلم في العلم ولايفتي)).
وفضّل ذلك ابن عبد البر (٢) تحت عنوان ((باب رُتَب الطلب
والنصيحة في المذهب)» وذكر ما تقدم عن الشافعي ، واستدلَّ عليه
بأقوال السلف، وزاد التنبيه إلى النظر في «سِيَر رسول الله (#)) و((أن
يَعرِف الصحابة المؤدِّين للدين عن نبيهم ◌َّر)) لتمييز الحديث المرسل
من المتصل ( ويُعنَى بسِيَرهم وفضائلهم)) و(( أن يعرف أحوالَ الناقلين
عنهم - عن الصحابة فمن بعدهم - وأيامَهم وأخبارَهم ، حتى يقف على
العدول منهم، من غير العدول)).
قلت: وهذا هو علم الرجال والجرح والتعديل ، وهو وحده كافٍ
في زماننا لاستنفاد دهرٍ من عُمُر طالب العلم غيرِ قليل.
وذكر نحو هذه الشروط الإمام الغزالي رحمه الله في ((المنخول)»(٣)
وعبَّر عن قول الشافعي المذكور هنا (( وتكون له قريحة)» بعبارة أخرى
يستعملها الأصوليون كثيراً فقال(٤): ((وفقه النفس: لابدَّ منه ، وهو
غريزة لاتتعلق بالاكتساب)). وتجدهم في كتب التراجم يستعملون
لعظيم الثناء على الرجل (( فقيه النفْس)) ويستعمل المحدثون : فقيه
البدن. وفقيه النفس: صفته («حافظ مذهبَ إمامه، عارفٌ بأدلته، قائم
(١) في ((تهذيب الكمال)) للحافظ المزي ٨٠:٥ تعليقاً قال: «سعيد بن جُبير:
أعلمُ الناس: أعلمهم بالاختلاف». أي: باختلاف العلماء.
(٢) في ((جامع بيان العلم)) ١٦٦:٢.
(٣) صفحة ٤٦٢ .
(٤ ) صفحة ٤٦٤.