النص المفهرس

صفحات 141-160

١٣٩
بالإجماع. ولهذا لم ينكر بعضهم على بعض خلافَه في ذلك.
قال : ولايجوز أن يقال فيهما ناسخ ومنسوخ(١).
قال القاضي : وقال غيره : هو على حالين ، فمن كان في موضع
عادةُ أهلِه الصَّبغ أو تَرْكه ، فخروجُه عن العادة شهرةٌ ومكروه ،
والثاني : أنه يختلف باختلاف نظافة الشيب ، فمن كانت شيبتُه تكون
نقيةً أحسنَ منها مصبوغةً : فالترك أولى ، ومن كانت شيبته تُستَبْشِع
فالصبغ أولى. هذا مانقله القاضي، والأصح الأوفق للسنة ماقدمناه عن
مذهبنا. والله أعلم)) انتهى كلام النووي(٢).
وقد جعل الإمام الحاكم النوع التاسع والعشرين من علوم الحديث(٣)
((معرفة سنن لرسول الله * يعارضها مثلُها، فيحتجُّ أصحاب المذاهب
بأحدهما)» وهو النوع الذي عُرف بعدُ باسم: مختلف الحديث ، وذكر
الحاكم فيه أمثلة ، ختمها بهذا المثال الطريف .
أسند الحاكم (٤) إلى عبدالوارث بن سعيد التَُّّوري قوله: «قدمتُ مكة
فوجدت أبا حنيفة وابن أبي ليلى وابنَ شُبْرُمَة، فسألت أبا حنيفة فقلت:
ما تقول في رجل باع بيعاً وشَرَط شرطاً؟ فقال: البيع باطل والشرط
باطل. ثم أتيت ابن أبي ليلى فسألته؟ فقال: البيع جائز والشرط باطل.
ثم أتيتُ ابن شُبْرُمة فسألته؟ فقال: البيع جائز والشرط جائز.
(١) يبدو كأن قائلاً ذهب إلى هذا، فأراد التعقب عليه؟ لذلك قلت عن هذا
النص: جامع للمسالك الثلاثة. والله أعلم.
(٢) وانظر حواراً علمياً طريفاً بين القاضي عياض وأبي جعفر أحمد بن
عبد الرحمن البطروجي القرطبي بشأن الخضاب في ((معجم أصحاب أبي
علي الصَّدفي)» لابن الأبار ص ٢٤.
(٣) في كتابه ((معرفة علوم الحديث)) ص ١٢٢.
(٤) صفحة ١٢٨.
حملات

١٤٠
فقلت: ياسبحان الله! ثلاثةٌ من فقهاء العراق اختلفتُم عليَّ في مسألة
واحدة ! .
فأتيتُ أبا حنيفة فأخبرته، فقال: ماأدري ماقالا، حدثني عمرو بن
شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي (8* نهى عن بيع وشرط. البيع
باطل والشرط باطل.
ثم أتيتُ ابن أبي ليلى فأخبرته، فقال: ماأدري ماقالا، حدثني هشام
ابن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: أمرني رسول الله # أن أشتريَ
بَرِيرةَ فأعتقَها. البيع جائز، والشرط باطل.
ثم أتيتُ ابن شُبرمة فأخبرته، فقال: ماأدري ماقالا، حدثني مِسْعَر
ابن كِدام، عن محارب بن دِثار، عن جابر قال: بعتُ من النبي ◌َّر
ناقة، وشَرّط لي حُمْلانها إلى المدينة. البيع جائز والشرط جائز))(١).
(١) أقول قبل أن أعلِّق على هذه القصة تخريجاً لها وتصحيحاً أو تضعيفاً،
أقول: لقد ابتُليت فنون هذا العلم الشريف عامة - وعلم الحديث الشريف
خاصة - بالمتسرِّعين الهجَّامين على القول فيه دون رويّة. وسوف أعود إلى
هذه الكلمة آخر التعليق.
هذه القصة رواها كثيرون من الأئمة، ولها طرق:
أولها: طريق الحاكم هذه المذكورة، وفيها عبدالله بن أيوب بن زاذان
الضرير القِرَبي، وقد نقل الحاكم نفسه عن شيخه الدارقطني في ((أسئلته)»
(١٢٥) أنه متروك، ونقل ذلك أيضاً الخطيب في ((تاريخه)) ٤١٣:٩،
وردّدها علماء الجرح والتعديل المتأخرون في كتبهم.
وفيها أيضاً: محمد بن سليمان الذهلي، ولم أقف له على ترجمة.
والقصة بهذا الإسناد رواها الطبراني في «الأوسط)) ١٨٤:٥ (٤٣٥٨).
وهذان الرجلان في سند ابن حزم في ((المحلى)) ٤١٥:٨، فإنه رواها من
طريق الحاكم .
ورواها من طريق الحاكم أيضاً: عبدالحق الإشبيلي في «أحكامه». أفاده
الزيلعي في ((نصب الراية* ١٨:٤.

١٤١
=
وهما أيضاً في سند أبي نعيم الذي أخرج القصة في «مسند الإمام أبي
حنيفة، ص ١٦٠.
وكذلك في سند القاضي عياض في ((الغنية)) ص ٥٦، وفي ((التعريف به))
لولده محمد ص ٢٩، لكن من غير طريق الحاكم.
ثانيها: طريق الخطابي في ((معالم السنن)) ١٤٥:٣ من طبعة حلب
المستقلَّة، و٧٧٤:٣ من طبعته مع («السنن» بحمص، و١٥٤:٥ من طبعة
مصر التي مع ((مختصر المنذري)) وحاشية ابن القيم عليه.
وإسناد الخطابي فيها: (حدثني محمد بن هاشم بن هشام، حدثنا عبدالله بن
فيروز الديلمي، قال: حدثنا محمد بن سليم - لاسليمان - الذهلي، عن
عبدالوارث .. )).
ثالثها: رواية طلحة بن محمد العدل للقصة في ((مسند أبي حنيفة)) عن ابن
عقدة، عن الحسن بن القاسم، عن الحسين البجلي، عن عبدالوارث، به.
كما في ((جامع المسانيد)) للخُوارَزمي ٢٢:٢. ثم ذكرها من مسانيد ابن
خسرو، ومحمد بن عبدالباقي، وأبي نعيم - كما تقدم - من طريق القِرَبي.
وأقول: الطريق الأولى مع أن فيها القربي لكن ينبغي أن نلاحظ أن الإمام
الحاكم الذي رواها مؤصِّلاً بها أصلاً سادساً لمعرفة مختلف الحديث، لما
كان في إسنادها القربي، والحاكم هو نفسه الذي نَقَل عن الدارقطني قوله
فيه ((متروك)) أشار إشارة خفيّة إلى علمه بذلك، وتذكُّرِه له وعدم غفلته
عنه، وأن هذا الطعن لايضره هنا، فكونه متروكاً من أجل أمرٍ ما في
عدالته، أو فُحش خطئه : لا يؤثر - باطراد - في جميع حديثه إذا قامت
عندنا قرينة على ذلك. ألا ترى إلى قوله # لأبي هريرة: ((صدقك وهو
كذوب)» !!.
وهذه الإشارة الخفية من الحاكم هي روايته للقصة عن ستة من شيوخه،
وفيهم أئمة، كلهم رووها عن القربي، فلذلك اطمأن إليها وأصَّل بها أصلاً
في معرفة مختلف الحديث، فقال: ((أصل سادس، حدثنا أبو بكر بن
إسحاق وعلي بن حَمْشاذ، وجعفر بن محمد الخُلْدي، وعمرو بن محمد
العدل، وأبو بكر بن بالويه، والحسن بن محمد الأزهري، قال الإمام - يريد =
:
:
www **
... .. ......
........- w ..

١٤٢
أبا بكر بن إسحاق الصُّبْغي -: أخبرنا، - وقالوا -: حدثنا عبدالله بن أيوب بن
زاذان الضرير . .».
ولهذا الملحظ روى هذه القصة ابن حزم من طريق الحاكم - كما قدمته -
وسكت عنها ولم يعلّق عليها بشيء أبداً - وهو من هو نقداً وسلاطة لسان !!...
وكذلك رواها من جهته عبدالحق في ((أحكامه)) وسكت عنها، كما قاله
الزيلعي، ومعلوم أنه لا يسكت إلا عن صحيح أو حسن.
وجاء ابن القطان في ((بيان الوهَم والإيهام)) وتعقباتِه على عبدالحق، ومعلوم
أنه يتكلم بلسانٍ ناقد، ونفسٍ حادّ، فلم يتكلم عن القربي ولا الذهلي
بشيء، إنما قال: ((علَّته ضعف أبي حنيفة)) كما نقله الزيلعي.
وهذا لغو من القول، ((وتلك شِنْشِنة أعرفها مِن أخزم)) ((وتلك شَكاة ظاهر
عنك عارها)» !.
وعلَّق على قوله هذا الإمامُ قاسم بن قُطْلُوبُغا في ((منية الألمعي)» ص ٤٨ :
((إذا كان الجرح لايقبل إلا مفسّراً فلا يقبل ماقال ابن القطان)).
ثم جاء الهيثمي فذكر القصة في ((المجمع)» ٨٥:٤ وعزاها إلى ((المعجم
الأوسط)) - كما سبق - ولم يعلّها إلا بقوله (وطريق عبدالله بن عمرو فيه
مقال)) يريد: أن الحديث الذي استدل به الإمام أبو حنيفة هو من رواية
عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وهذه سلسلة في اتصالها مقال، نعم،
لكن المعتمد اتصالها، وانظر ماكتبته على ترجمة عمرو هذا في ((الكاشف))
(٤١٧٣). والأصل في صنيع الهيثمي - وغيره - أن يُعلَّ الحديث بأشدِّ علَّة،
وإن كان يقع للهيثمي - وغيره - خلاف ذلك، لكن الأصل هو ذاك.
ثم إن ابن حجر في ((الدراية)» ١٥١:٢ (٧٧٧) لم يتكلم على الحديث بشيء
أبداً، مع أن من اهتماماته ومزايا كتابه على أصله ((نصب الراية»: اهتمامّه
بالحكم على الأحاديث أكثر من اهتمام الزيلعي.
وآخرهم شيخنا الشيخ أحمد ابن الصديق الغُماري - وهو ابن حزم عصرنا ــ لم
يجرح القصة بشيء في تخريجه لها ضمن أحاديث (بداية المجتهد)) ٢٤٨:٧،
وأسانيدُها أمامه - وأصل كلامه لابن حجر في ((التلخيص الحبير)» ١٢:٣.
وهذا كله - والله أعلم - للملاحظة التي شرحتها من صنيع الحاكم رحمه الله .

١٤٣
هذا مايتعلق بالطريق الأولى.
أما الطريق الثانية: ففيها متابعة عبدالله بن فيروز الديلمي للقِرَبي.
وأما الثالثة: ففيها متابعة ثانية للقربي، ومتابعة للذهلي.
وأعود إلى ماصدَّرت به هذه التعليقة الطويلة فأقول: لينظر القارىء الكريم
بعد هذه اللفَتَات المتأنية إلى رواية القصة، ولينظر مع هذا النظر الكلامَ
عليها في ((السلسلة الضعيفة)) ٧٠٣:١ - ٧٠٤، يجد صاحبها ينظر نظرة
سطحية إلى ظاهر السند، فإن كان فيه متكلّم فيه أهدر الحديث دون تأنّ
ولا اتزان !.
وفي كلامه أمور، لا أحبُّ الإطالة بكشفها كلها، لكن أنبِّه إلى تدليس واحد
فیھا .
قال بعد أن ضعَّف الإمامَ الأعظمَ أبا حنيفة رضي الله عنه: ((ولذلك استغرب
حديثه هذا الحافظ ابن حجر في ((بلوغ المرام)» ٣: ٢٠ بشرحه «سبل السلام»
وعزاه للطبراني أيضاً في ((الأوسط))، واستغربه النووي أيضاً، وحُقَّ لهم
ذلك، فالحديث محفوظ من طرق عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن
جده بلفظ (نهى رسول الله 18 عن شرطين في بيع. فهذا هو أصل
الحديث، وهِم أبو حنيفة - رحمه الله - في روايته إن كان محفوظاً)).
وأنا أسأل بالله كل قارئ أن ينصف فيقرأ كلام ابن حجر في ((بلوغ المرام)»
بل في كتبه كلها، وليحكم بعد ذلك: هل صحيح أن ابن حجر ضعَّف هذا
الحديث لضغف أبي حنيفة عنده؟ !! اللهم إن هذا افتراء على ابن حجر.
ثم، مَن قال مِن العلماء أن كلمة ((غريب)) تعني: ضعيف جداً، أو باطل؟ !!.
ثم، إن عطفه استغراب النووي على استغراب ابن حجر: تدليس لايتقنه إلا
هو وأمثاله، وبيانه: أن هذا الحديث ((نهى عن بيع وشرط)): استدل به
الإمام أبو إسحاق الشيرازي في «المهذب»، فنقل النووي كلامه في هذا
الفصل بطوله، ثم بدأ بشرحه، وعادته أن يبدأ بتخريج مافي كلام الشيرازي
أولاً، فقال ٣٦٨:٩ من مصورة الطبعة المنيرية: ((أما الحديث فغريب»
بمعنى أنه لم يقف عليه، كاصطلاح الزيلعي في ((نصب الراية)»، لا بمعنى أنه
يستضعفه، كاصطلاح الترمذي - غالباً - إذا قال في حديثٍ: غريب، فقط دون=

١٤٤
كلمة حسن، أو صحيح، مثلاً.
=
ومثلُ موقف النووي هذا موقفُ الرافعي من قبله، فقد ذكر الحافظ في
((التلخيص الحبير)) ١٢:٣ هذا الحديث وقال: «بيّض له الرافعي في
((التذنيب))، واستغربه النووي .. )).
ثم نقل بعد أسطر عن ابن أبي الفوارس أنه قال فيه ((غريب)). والأمر يحتاج
إلى الوقوف على كلام ابن أبي الفوارس بتمامه، ومصطلحه في قوله.
وأما دعواه أن أصل الحديث: نهى عن شرطين في بيع، وأن الإمام وهم في
روايته: فدعوى باطلة، لأن الإمام روى الحديثين: نهى عن الشرط في البيع،
و ((إِنْهَهُمْ عن شرطين في بيع)» وهو من روايته عن أبي يعفور، عمن حدثه
عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﴿ أنه بعث عثَّاب بن أَسِيد إلى مكة فقال:
((إِنْهَهُمْ عن شرطين في بيع .. )). هكذا في ((عقود الجواهر المنيفة)) ٣١:٢.
وهو في ((الآثار)) لأبي يوسف ص ١٨١ (٨٢٨): عن أبي حنيفة، عن أبي
يحيى، عمن حدثه عن عتاب بن أَسِيد. وفي ((الآثار)) للإمام محمد ص ١٦١
(٧٣٠): أبو حنيفة، عن يحيى بن عامر، عن رجل، عن عتاب. وصوابه:
عن يحيى، عن عامر، وهو الإمام الشعبي. انظر التعليق على ((آثار)) أبي
يوسف .
وأما تستُّر المتهوِّر بكلام الإمام ابن تيمية رحمه الله: فإنه قد خالفه في كل
أحكامه على الحديث:
- فابن تيمية يقول: حديث باطل، وهو يقول: ضعيف جداً.
- وابن تيمية يقول: لا يوجد في شيء من دواوين الحديث، وهو قد عزاه
إلى الطبراني في ((الأوسط)) و((معرفة علوم الحديث)) للحاكم.
- وابن تيمية يقول: حكاية منقطعة، مع أنه ذكر سندها، فهي مسندة.
- وابن تيمية يقول: الحكاية عن أبي حنيفة، وابن أبي ليلى، وشريك، وهو
نقلها عن أبي حنيفة، وابن أبي ليلى، وابن شُبْرُمة. ولم يتعقَّبه في واحدة
منها، ولو وقعت هذه الملاحظات في كلام الكوثري - مثلاً - لسَلَقَه بألسنة
حداد !!.
أما نقل ابن تيمية عن الإمام أحمد رحمهما الله تعالى أنه أنكر الحديث:

١٤٥
وقد يظنُّ بعض الناس أن الأمر أيسرُ من لعقة عسل، ولو سئل
أحدهم عن حَجَّة النبي * هل كان فيها مفرداً أو متمتعاً أو قارناً؟
- وهي حَجّةٌ واحدة لم تتعدد- لسمعتَ منه الجواب قبل أن تُتِمَّ نصَّ
سؤالك، لحديثٍ وقَف عليه أو حديثين أو عشرة.
وكلُّ هذا لا يكفي، وقد يتجوَّه عليك - إذا خالفتَه - بأن الإمام فلاناً
قال هكذا! فتراه مقلداً متدرَّئاً بالتقليد بعد أن كان يتكبِّش
بالاجتهاد !. وقد ذكر الحاكم تحت هذا النوع (١) حديثَ أنس:
سمعت رسول الله 8* يلبِّ بالحج والعمرة جميعاً، ومخالفةً ابن عمر
له، ثم قال: ((وقد شَفَى الإمام أبو بكر محمد بن إسحاق - يريد ابن
خزيمة - في الكلام على هذه الأخبار، واختار التمتُّع، وكذلك أحمدُ
وإسحاق، واختار الشافعي الإفراد، واختار أبو حنيفة القِران)».
-
فهذا مثال آخر يضاف إلى الأمثلة التي ستأتي عن الإمام أحمد صفحة ١٦٤ .
وأترك الأفهام الفقهية للفقهاء كلٌّ في مذهبه، يرجّح من منظاره حديثاً من
هذه الأحاديث الثلاثة: نهى عن بيع وشرط، وحديث بَريرة، وحديث جَمَل
جابر، وإن شئت أن تنظر فانظر في غير ما أحلتُك عليه سابقاً: ((المبسوط))
السرخسي ١٣:٧، و((المقدِّمات الممهّدات)) لابن رشد الجدّ ٦٧:٢،
وغيرهما .
هذا، وقد ورث هذا الخُلُقَ العلميَّ عن هذا المتسرِّع قراءُ كتبه الذين تتلمذوا
عليه من خلالها، فكان من جرَّاء ذلك أمر يسير جداً - لا يَستأهل أن يُذكر
لولا مناسبته - هو أن المعلِّق على ((مجمع البحرين)» للهيثمي ٣٦٧:٣
(١٩٧٣) لما لم يَرَ ترجمة الذهلي - وكأنه مقلِّد في نفيه لصاحب ((السلسلة)) -
حكم عليه بالجهالة، ولم يقف عند حدِّه ليقول: لم أقف له على ترجمة !.
وأين تروّي العلماء في مثل هذه الحال الذين يقولون: لا أعرفه، ولا يقولون:
لا يعرف. ويقولون في الحديث: لم أجد له أصلاً، ولا يقولون: لا أصل له !.
وإلى الله المشتكى، والحديث ذو شجون وفنون.
(١) صفحة ١٢٤.

١٤٦
وكلام ابن خزيمة الذي شّفَى فيه وأطال، جاء في خمسة أجزاء، كما
قال الحاكم نفسه(١)، ونقل هناك قول أبي الحسن السّنجاني: ((نظرت في
مسألة الحجّ لمحمد بن إسحاق بن خزيمة فتيقَّنتُ أنه علم لانَحْسِنه نحن)).
وأقول: ماذا يقول أبو الحسن لو رأى كتاب الإمام الطحاوي عصريٍّ
ابن خزيمة؟ !.
وإليك مانقله الإمام النووي (٢) عن القاضي عياض.
قال رحمه الله: ((قال القاضي عياض: قد أكثر الناسُ الكلامَ على
هذه الأحاديث، فمن مجيد مُنْصف، ومن مقصِّر متكلّف، ومن مُطيل
مكثر، ومن مقتصر مختصر. قال: وأوسعُهم في ذلك نَفَساً أبو جعفر
الطحاوي الحنفي، فإنه تكلّم في ذلك في زيادةٍ على ألف ورقة!
وتكلم معه في ذلك أبو جعفر الطبري، ثم أبو عبدالله ابن أبي صُفْرة،
ثم المهلّب، والقاضي أبو عبدالله ابن المرابط، والقاضي أبو الحسن
ابن القصّار البغدادي، والحافظ أبو عمر ابن عبدالبر وغيرهم».
فهل يليقُ بطالب علم عاقلِ أن يُقْدِم بعد ذلك بمجرد صفحات
قرأها - والله أعلم كيف دراها وفهمها - على ضرب كلام الأئمة بعُرْض
الحائط !!.
وهذا الطحاويُّ الذي ألّف كتاباً في تحقيق هذه الجزئية يَقْرُّب
حجمه من حجم ((صحيح البخاري)» نراه مع هذا محافظاً على انتسابه
إلى إمام مذهب معين، وإنْ خالفه في بعض المسائل، لكنه لم يَنْبِذٍ
الانتساب إليه مطلقاً، ولم يتهجَّم عليه ولا على مقلّديه بكلمة !.
(١) صفحة ٨٣. والأجزاء الخمسة هي أجزاء حديثية تساوي مئتي صفحة، وقد
تزيد أو تنقص.
(٢) في ((شرح صحيح مسلم)) ١٣٦:٨.

١٤٧
وللأئمة السابقين عنايةٌ كبرى بجمع الأحاديث المختلفة ظاهراً على
صعيد واحد، ثم النظرِ فيها، وبيانِ مايَنتج عن نظرهم ذاك، فألّف الإمام
الشافعي رحمه الله كتاب ((اختلاف الحديث))، ولابن قتيبة ((تأويل مختلف
الحديث)) وعليه فيه مآخذ، وهما مطبوعان، ولزكريا الساجي كتاب
فيه، ذكره له صاحب ((كشف الظنون)) تحت عنوان ((اختلاف الحديث)).
وللإمام ابن جرير الطبري كتاب في ذلك سماه ((تهذيب الآثار)) قال
عنه صاحب ((الكشف)) أيضاً: ((تَفَرَّد به في بابه بلامشارك)). وقد طَبع
منه قطعة يسيرة في أربعة أجزاء، ثم أُتبعتْ بجزء خامس.
وللإمام أبي جعفر الطحاوي كتابان عظيمان في هذا الصدد ،
أحدهما : ((شرح معاني الآثار المختلفة المروية عن رسول الله صلقر في
الأحكام)) (١)، وهو - على كونه يشهد بإمامته واجتهاده - أولُ مؤلفاته ،
كما أفاده الحافظ القرشي (٢).
ثانيهما : ((مشكل الآثار)) وهو آخر مؤلفاته ، كما قال القرشي
أيضاً ، و((هو كتاب لم يؤلّف مثله في هذا الباب قديماً ولاحديثاً)) كما
قاله الكوثري رحمه الله(٣).
وغير ذلك من مؤلفات خاصة، وأبحاث وأقوال متفرقة في الكتب.
(١) هكذا سماه مؤلفه رحمه الله في ١٨٩:٢. وانظر دراسة شافية وافية عن هذا
الكتاب وعن ((مشكل الآثار)) مع مقارنة بالكتب الأخرى التي تتناول
موضوعهما، في كتاب ((أبو جعفر الطحاوي وأثره في الحديث)) للدكتور
الفاضل عبدالمجيد محمود عبدالمجيد. ص ١٣٣ - ١٣٩ و٢٨٦ - ٣١٦.
(٢) في كتابه «الجواهر المضيّة)) ١٠٤:١.
(٣) في تعليقاته على ((ذيول تذكرة الحفاظ)» ص ١٩٥. وطبع حديثاً محققاً، مع
دراسة عنه غير شافية .
١
!
:

١٤٨
السَّبُ الرّائِعِ
فِي بَان اخْتِلاَفْ هُمْ لِتفا وتهم في سَعَةِالإِطِلاَعِ عَلَى السُّنّةِ
أَستهلُّ الحديث عن هذا السبب بكلمة للإمام الشافعي رضي الله عنه
في كتابه المشهور ((الرسالة))(١) ونصُّها: ((لانعلم رجلاً جمع السنن فلم
يذهب منها عليه شيء، فإذا جُمع علمُ عامةِ أهل العلم بها أَتَّى على
السنن ، وإذا فرِّق علمُ كل واحد منهم : ذهب عليه الشيء منها ، ثم
كان ماذهب عليه منها موجوداً عند غيره . وهم في العلم طبقات :
منهم الجامعُ لأكثره ، وإنْ ذهب عليه بعضه ، ومنهم الجامع لأقلَّ مما
جَمَع غيره )) .
وأكَّد هذا المعنى بقوله الآخر (٢): (( قد يجهلُ الرجل السنَّة فيكون له
قول يخالفها، لا أنه عَمَد خلافَها، وقد يعفُل المرء ويخطىء في
التأويل».
وقال حافظ المغرب الإمام ابن عبد البر رحمه الله(٣): ((لا أعلم
أحداً من الصحابة إلا وقد شذَّ عنه بين علم الخاصة واردةٌ بنقل الآحاد
أشياءُ حَفِظَها غيرُه، وذلك على مَن بعدهم أجوزُ، والإحاطة ممتنعة
علی کلِّ أحد».
وقال الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى(٤): ((من اعتقد أن كلّ حديث
(١) صفحة ٤٢ - ٤٣.
(٢) صفحة ٢١٩.
(٣) في ((الاستذكار)) ٣٦:١.
(٤) في ((رفع الملام)) ص ١٧.

١٤٩
صحيح قد بلغ كلَّ واحد من الأئمة، أو إماماً معيناً: فهو مخطىء خطأ
فاحشاً قبيحاً)).
.٠٧
ونقل الإمام البقاعيُّ في ((النكت الوفيّة))(١) عن شيخه الحافظ ابن
حجر رحمهما الله قوله: ((غيرُ لائقِ أن يوصف أحدٌ من الأمة بأنه جَمّع
الحديثَ جميعَه حفظاً وإتقاناً، حتى ذُكر عن الشافعي أنه قال : مَن
ادَّعى أن السنة اجتمعتْ كلُّها عند رجل واحد: فَسَق، ومن قال: إن
شيئاً منها فات الأمة: فَسَق)).
فلايمكن لأحد أن يَدَّعي لنفسه أو أن يَدَّعي له غيرُه : جَمْعَ السنة
النبوية كاملةً فيه ، بإقرار إمام من أئمة الاجتهاد العظام ، هو الإمام
الشافعي رضي الله عنه ، وبموافقة غيره له من أهل التتُّع والاستقراء .
وليس معنى تفاوتِ الأئمة في حفظ السنة والاطلاع عليها أن يكون
الأكثرُ اطلاعاً هو المقدَّمَ على الجميع في أحقّيّة تقليده مثلاً، فقد يكون
لهذا من الترجيح على غيره كثرةُ اطلاعه ، ويكون لغيره من الترجيح
عليه علؤُّ كعبه في الفَقَاهة والاستنباط .
والشرطُ - بالنسبة للاطلاع على الحديث - ليبلُغَ الرجلُ درجة الاجتهاد
وتُسَلَّم له: هو ماعبّر عنه ابن تيمية رحمه الله في ((رفع الملام)) (٢) أيضاً
بقوله: ((ولا يقولنَّ قائل: مَن لم يعرف الأحاديثَ كلَّها لم يكن
مجتهداً ! لأنه إن اشتُرِطَ في المجتهد علمُه بجميع ماقاله النبي
وفَعَله فيما يتعلَّق بالأحكام : فليس في الأمة على هذا مجتهد ، وإنما
غايةُ العالم : أن يَعلم جمهورَ ذلك ومعظمَه ، بحيث لايَحَفى عليه إلا
القليلُ من التفصيل))(٣). وهذا قد اتفق لجميع الأئمة رضي الله عنهم.
(١) ورقة ٢٦/ ب.
(٢) صفحة ١٩.
(٣) فإن قيل: قد ذكروا عدد أحاديث الأحكام نحو الألف حديث، أو تزيد =

١٥٠
فالإمام أحمد مثلاً مشهور في تجليته في هذا الميدان ، وكذلك
الإمام مالك والشافعي وأبو حنيفة ، وإن كانت لبعض الناس وقفةٌ في
حق الإمام أبي حنيفة ، ولذلك فسأتحدث عنه خاصة بكلمة موجزة
جداً دون الأئمة الآخرين .
إن الحديث الشريف تحمُّل وسماع من جهة ، ورواية وأداء من جهة
ثانية .
فالمحدث يتلقى الحديث من شيوخه أولاً ، وهذا مايسمونه
بالتحمل ، ثم يرويه على الناس ثانياً ، وهذا ما يسمونه بالأداء .
فإذا توفّر على الرواية ظهرت للناس مروياتٌ له تكون عنواناً على
كثرة تحمُّله أو قلَّته، وإذا شُغل بغير الرواية لم يكن مايرويه في
المناسبات دليلاً على نسبة تحمّله : قليلاً أو كثيراً .
فأبو بكر الصديق رضي الله عنه أولُ الرجال إسلاماً ، وألزمُهم للنبي
** صحبةٌ، وأعلم الصحابة كما شهدوا له بذلك ، ومع هذا لم ينقل
إلينا من مروياته إلا القليل جداً الذي لا يعطي دليلاً على أنه عالم من
علماء الصحابة ، فضلاً عن أن يعطي صورة عنه أنه أعلم الصحابة ،
ولذلك أسبابٌ للحديث عنها مناسبة أخرى .
قليلاً، فكيف يتلاءم هذا التقدير مع هذا الكلام؟! والجواب: أن مراد من
قدَّر هذا العدد أصولُ الأبواب والأحاديثُ الصريحة في الأحكام، ولا ينكرون
أن كلَّ ماصدر عن رسول الله {#* تشريعٌ يُستفاد منه أحكام كثيرة تتعلق
بالحلال والحرام، ومنه ما يتعلق بالآداب والأخلاق.
وقد استنبط بعضهم من حديث ((ياأبا عُمَير مافعل النُّغَير)) أربع مئة فائدة!
ولاريب أن كثيراً منها يتعلق بالأحكام، وأكثر منه ما يتعلق بالآداب. وانظر
(فتح الباري)) أولاً ١٠: ٥٨٤، ثم (التراتيب الإدارية)) للسيد عبدالحي
الكتاني ٢: ١٥٠.
.

١٥١
ويقربُ من هذا حال سيدنا عمر وعثمان وعلي (١) ونحوهم من
الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، وكذلك عددٌ وفير من التابعين
وأتباعهم.
بل قلْ ذلك في الإمام مالك نفسه ، وشهرتُه في الحديث كما عبّر
عنها تلميذه الإمام الشافعي: إذا جاء الأثر فمالكٌ النجم! وهو الذي
قال : كتبتُ بيدي مئة ألف حديث(٢)، بل حكى العلامة الزرقاني
رحمه الله في مقدمة شرحه على ((الموطأ))(٣) عن ابن الهيّاب أن الإمام
مالكاً روى مئة ألف حديث(٤).
وكذلك الإمام الشافعي أيضاً . فليس في كتبهما من وفرةِ الحديثِ
مايتلاقى مع إمامتهما في الحديث الشريف وشهرتهما فيه ، وهي
- ولاشك - شهرةٌ بحقّ وصدقٍ .
وقولُ ابن خزيمة : إنه لا يَعلَم سنةً صحيحة إلا وقد أثبتها الشافعي
(١) انظر ما تقدم بيانه في ((عقود الجمان)) للمحدث محمد بن يوسف الصالحي
الشامي الشافعي ص ٣٢٠.
(٢) كما في (ترتيب المدارك)) ١: ١٢١ و١٢٤.
(٣) ٧:١.
(٤) والرواية غير التحمل، ولم يكن الواحد منهم يروي إلا دون ما يعلمه بكثير.
جاء في ترجمة الإمام المجتهد الليث بن سعد رضي الله عنه من («تهذيب
التهذيب)) ٤٦٣:٨: ((قال شعيب بن الليث: قيل للّيث: إنا نسمع منك
الحديث ليس في كتبك؟ فقال: أَوَ كلُّ مافي صدري في كتبي؟ لو كتبتُ
مافي صدري ماوسعه هذا المركب».
وفي «تذكرة الحفاظ» ٥٤٤:١ ترجمة الإمام أحمد بن الفرات الرازي
المتوفّى سنة ٢٥٨ أنه قال: «كتبت ألفَ ألفِ حديث، وخمس مئة ألف،
فعملت من ذلك في تواليفي خمس مئة ألف حديث)». أي: صنّ ثُلُث
ماكتب. ومع ذلك: فأين الخمس مئة ألف حديث؟ !.
******
.--*
wow ............. .
XXXXX

١٥٢
في كتبه : فمراده السنةُ الصحيحة من أحاديث الأحكام ، لا الأحاديث
الشريفة مطلقاً .
قال الإمام السبكي في ((معنى قول الإمام المطلبي))(١): ((رُوِّينا عن
ابن خزيمة الإمام البارع في الحديث والفقه أنه قيل له: هل تعرفُ سنةً
لرسول الله (ص9 في الحلال والحرام لم يُودِعها الشافعيُّ كتابَه؟ قال: لا)).
وعذرُهما - مالكِ والشافعيِّ - في ذلك أنهما تفرَّغا للفقه والتفقيه
والاجتهاد والاستنباط ، وتأصيل أصول الفقه والاجتهاد ، أكثرَ مما
تفرَّغوا للرواية ، لا أنهما قليلا المعرفةِ والاطلاع على الحديث ، بل
إنهما كثيرا التحمل قليلا الأداء .
وهكذا حال الإمام أبي حنيفة ، كان كثيرَ التحمُّل قليل الأداء.
كما شهد له بذلك من الأئمة المتأخرين الحافظ ابن حجر، في
جواب استفتاء رُفع إليه، ولفظه من ((الجواهر والدرر» للسخاوي (٢):
((وسئل - ابن حجر - عما ذكره النسائي في ((الضعفاء والمتروكين)) عن
أبي حنيفة رضي الله عنه أنه: ليس بقوي الحديث، وهو كثير الغلط
والخطأ على قلة روايته، هل هو صحيح؟ وهل وافقه على هذا أحد من
الأئمة المحدثين أم لا؟ .
فأجاب : النسائي من أئمة الحديث، والذي قاله إنما هو بحسب
ماظَهَر له وأدّاه إليه اجتهادُه، وليس كلُّ أحدٍ يؤخذ بجميع قوله، وقد
وافَقَ النسائيَّ على مطلق القول فيه جماعة من المحدثين ، واستوعبَ
الخطيب في ترجمته من ((تاريخه)) أقاويلَهم (٣)، وفيها ما يُقبَل ومايردُّ،
(١) ١٠٢:٢ من ((مجموعة الرسائل المنيرية)).
(٢) ورقة ٢٢٧/ ب.
(٣) هذه الإشارة تدلُّ على ثبوت مافي المطبوع من ((تاريخ بغداد)» عن الخطيب،
خلافاً لما يحاوله بعضهم من تبرئة الخطيب عن هذا العار عليه.

١٥٣
وقد اعتُذِرَ عن الإمام بأنه كان يرى أنه لا يحدِّث إلا بما حفظه منذ
سمعه إلى أن أداه ، فلهذا قلَّتْ الرواية عنه ، وصارت روايته قليلة
بالنسبة لذلك ، وإلا فهو في نفس الأمر كثير الرواية .
وفي الجملة : تركُ الخوض في مثل هذا أولى، فإن الإمام وأمثالَه
ممن قَفَزوا القنطرة ، فما صار يؤثِّر في أحد منهم قولُ أحد ، بل هم
في الدرجة التي رَفَعهم الله تعالى إليها من كونهم متبوعين يُقْتَدى بهم ،
فليعتمد هذا ، والله ولي التوفيق» .
ولذلك أعرض ابنُ حجر نفسُه في ترجمة أبي حنيفة من ((التهذيب))
عن ذكْر أيّ قول مخالف لهذا في حق الإمام ، وكذلك فَعَل مِنْ قبله
المزِّيُّ في (تهذيب الكمال)) والذهَبيُّ في ((السِّيَر)) و((التّذكرة))،
و(تذهيب تهذيب الكمال)» وختم ترجمته فيه بقوله (١): ((قلت: قد
أحسن شيخنا أبو الحجاج - المِزي - حيثُ لم يورد شيئاً يلزم منه
التضعيف)).
ويدل على تلك الشهادة صراحةً عدةُ أخبار، منها:
wwwwwwww
قال الزَّبيدي رحمه الله(٢): روى: ((يحيى بن نصر قال: دخلت
على أبي حنيفة في بيت مملوء كتباً، فقلت : ماهذه ؟ قال : هذه
أحاديث كلُّها ، وماحدَّثتُ به إلا اليسير الذي ينتفع به)).
ونقل العلامة علي القاري في ((مناقبه))(٣) عن محمد بن سَمَاعة أن
أبا حنيفة رحمه الله: ((ذكر نيفاً وسبعين ألف حديث، وانتخب ((الآثار)»
من أربعين ألف حديث)).
(١) ١٠١/٤ من مخطوطة الأحمدية بحلب.
(٢) في ((عقود الجواهر المنيفة)) ٣١:١.
(٣) ٤٧٤:٢ الملحقة بـ ((الجواهر المضية)).
**....
٠٫٨٨

١٥٤
ومن طرائف مايذكر في هذا الصدد في استحضار الإمام أبي حنيفة
للحديث : ماذكره عدد من أئمة المالكية في ترجمة أحد أئمتهم ، وهو
الإمام عبد الله بن فَرُوخَ الفارسيُّ ، من أصحاب الإمام مالك ، وممن
تأثر في فقهه بطريقة العراقيين ، وكتب عن الإمام أبي حنيفة أيضاً
مسائل كثيرة نحو العشرة آلاف مسألة .
ذكروا في ترجمته أنه قال: (( كنت يوماً عند أبي حنيفة ، فسقطت
آجُرَّةٌ من أعلى داره على رأسي، فَدَمِيَ، فقال: اخترْ: إن شئتَ أَرْشَ
الجُرْح - أي: دِيَتّه - وإن شئتَ ثلاث مئة حديث! فقلت: الحديثُ خيرٌ
لي، فحدَّثَني ثلاث مئة حديث))(١).
وسيأتي (٢) عن الإمام أحمد رحمه الله أن من حفظ أربع مئة ألف
حديث قد يصلح للاجتهاد والفتوى، وقد اعترف الأئمة المعاصرون
لأبي حنيفة ومن بعدهم بالفقه والاجتهاد ، بل إن الناس كلهم عيال في
الفقه على مائدته، ومعنى هذا أنه قد جمع هذا العدد من الحديث
وأكثرَ منه بكثير ! .
وقد قال ابن خلدون رحمه الله في آخر كلامه على علم الحديث من
((مقدمته)): (( ويدلّ على أنه - أي أبا حنيفة - من كبار المجتهدين في
علم الحديث اعتمادُ مذهبه بينهم - بين مُعَاصريه من الأئمة - والتعويلُ
عليه واعتباره ردّاً وقبولاً)).
والإمام أحمدُ الذي يرى هذا الرأي ويشترطُ هذا العددَ الضخم
فيمن يصلح للاجتهاد : هو واحد من بين الأئمة العظام الذين أثْنَوْا
(١) روى هذه القصة أبو بكر المالكي في ((رياض النفوس)) ١١٦:١، والقاضي
عياض في ((ترتيب المدارك)) ٣٤٤:١، وأبو زيد الدباغ في «معالم الإيمان
في معرفة أهل القيروان ٩ ٢٤٠:١.
(٢) صفحة ١٧٤ .

١٥٥
على الإمام أبي حنيفة رحمهم الله جميعاً ، كما جاء في كلام الإمام
العيني رحمه الله في ((البناية)) ونقله العلامة المحقق الشيخ ظَفَر أحمد
الثّهانَوي رحمه الله(١) .
وقال الطّوفيُّ الحنبليُّ في (( شرحه على مختصره لروضة الناظر))
آخر بحثه في الرد على نُفَاة القياس (٢): ((وجملة القول فيه - في الإمام
أبي حنيفة -: أنه قطعاً لم يخالف السنة عِناداً، وإنما خالف فيما خالف
منها اجتهاداً لحجج واضحة، ودلائل صالحة لائحة، وحُجَجه بين
الناس موجودة، وقلَّ أن ينتصف منها مخالفوه، وله بتقدير الخطأ
أجر، وبتقدير الإصابة أجران، والطاعنون عليه إما حسّاد، وإما
جاهلون بمواقع الاجتهاد، .. وآخرُ ماصحَّ عن الإمام أحمد رضي الله
عنه إحسانُ القول فيه والثناءُ عليه. ذكره أبو الورد من أصحابنا في
كتاب : أصول الدين)).
ونقل العلامة الصالحي الشافعي في ((عقود الجمان))(٣)، وابن حجر
المكي الهيتمي الشافعي أيضاً في ((الخيرات الحسان)»(٤) عن الزَّرَنْجَري
قال: ((أمر الإمام أبو حفص الكبير بعدٌّ مشايخ الإمام أبي حنيفة، فبلغوا
أربعةَ آلافٍ من التابعين)). ثم سَرّد الصالحي أسماء بعض شيوخه مرتِّباً
لها على أحرف الهجاء في ثلاث وعشرين صفحة(٥)، وهذا عدد كبير
لايكادُ يذكر لغيره من الأئمة المتفرِّغين للحديث.
Ww.
(١) في «كتابه ((قواعد في علوم الحديث)) ص ٣٢٨.
(٢) ٢٩٠:٣.
(٣) صفحة ٦٣ و ٣١٩.
(٤) صفحة ٢٣. وانظر ((مناقب الإمام)) للموفَّق المكي ص ٣٨ -٤٨، والكَرْدَريّ
ص ٧٩ - ٩٧.
(٥) من صفحة ٦٤ - ٨٧.
NOW

١٥٦
وفي («الخيرات الحسان)) أيضاً (١): ((قال أبو يوسف: ما رأيت أعلمَ
بتفسير الحديث من أبي حنيفة، وكان أبصرَ بالحديث الصحيح مني)).
والإمام أبو يوسف هو الذي قال فيه إمام علم الجرح والتعديل،
وملِكُ الحفاظ (٢) يحيى بن معين: ((مارأيتُ في أصحاب الرأي أثبتَ
في الحديث ولا أحفظَ ولا أصحّ روايةً من أبي يوسف)»(٣) وابن معين
لم يدرك أبا حنيفة، فلا يقال: لم خصّ أبا يوسف بالذُّكْر ولم يذكر أبا
حنيفة .
وفيه أيضاً (٤) عن أبي يوسف قوله: ((كان أبو حنيفه إذا صَمَّم على
قول دُرْت على مشايخ الكوفة: هل أجدُ في تقوية قوله حديثاً أو أثراً ؟
فربما وجدت الحديثين والثلاثة ، فأتيته بها ، فمنها ما يقول فيه: هذا
غير صحيح، أو غير معروف. فأقول له: وما علمُك بذلك مع أنه
يوافق قولك ؟ فيقول : أنا عالم بعلم أهل الكوفة)) .
والكوفة نزل فيها من الصحابة ألفٌ وخمس مئة صحابيٍّ، فملؤوها
علماً ، بل ملأها ابن مسعود وحدَه علماً بشهادة علي بن أبي طالب له
بذلك(٥) .
قال السَّرَخْسي رحمه الله في ((المبسوط)) (٦) في شرح كلام ابن
مسعود الآتي(٧): ((كان له بالكوفة أربعة آلاف تلميذ يتعلمون بين يديه،
(١) من ص ٢٥ و ٦١.
(٢) كما وصفه الذهبي في ((التذكرة)) صفحة ٤٦٥.
(٣) كما حكاه الذهبي في ((مناقبه)) صفحة ٤٠.
(٤) صفحة ٦١ .
(٥) انظر لزاماً ((فقه أهل العراق وحديثهم)) للعلامة الكوثري ص ٤٠ وما بعدها،
و ((معارف السنن)) ٢٥٢:١ للعلامة النبوري رحمهما الله.
(٦) ١٦ :٦٨.
(٧) صفحة ١٨٠.

١٥٧
حتى رُوي أنه لما قدم علي رضي الله عنه الكوفة خرج إليه ابن مسعود
رضي الله عنه مع أصحابه حتى سدّوا الأفق، فلما رآهم علي رضي الله
عنه قال: ملأتَ هذه القرية علماً وفقهاً)).
وفي ((المسند))(١) عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه جَمَع أصحابه
وقال لهم: ((والله إني لأرجو أن يكونَ قد أصبحَ اليومَ فيكم مِن أفضل
ماأصبح في أجناد المسلمين من الدين والفقه والعلم بالقرآن».
ولكثرة مافيها من علم وعلماء كان النبوغُ مبكِّراً في أهلها وشبابها،
كما قال ابن سيرين الإمام العَلَّم الشهير من تابعي من أهل البصرة المتوفّى
سنة ١١٠ هـ: ((مارأيت قوماً سُودَ الرؤوس أعلم من أهل الكوفة))(٢).
وروى أبو نعيم (٣) في ترجمة الأعمش - وهو كوفي - قال: ((قال لي
حبيب بن أبي ثابت - وهو كوفي أيضاً - : أهل الحجاز وأهل مكة
أعلم بالمناسك. قال - الأعمش -: فقلت له: فأنتَ عنهم - أي: تكون
نائباً عنهم في المناظرة - وأنا عن أصحابي - أي: أهل الكوفة - لا تأتي
بحرف إلا جئتك فيه بحديث!)).
وقد عقد الإمام الحاكم رحمه الله (٤) نوعاً خاصاً هو النوع التاسع
والأربعون قال في أوله : (( هذا النوع من العلوم معرفة الأئمة الثقات
المشهورين من التابعين وأتباعهم ، ممن يُجمع حديثهم للحفظ
والمذاكرة والتبرك بهم وبذكرهم من الشرق إلى الغرب)) فذكر من أهل
المدينة المنورة ٤٠ راوياً، ومن أهل مكة المكرمة ٢١ راوياً ، وذكر
(١) ١ :٤٠٥.
(٢) ((العلل ومعرفة الرجال)» لعبدالله بن الإمام أحمد ٣٦٢:٢ (٢٥٣٨).
(٣) في ((الحلية)) ٤٧:٥.
(٤) في كتابه ((معرفة علوم الحديث)) ص ٢٤٠، وجاء ذكر الإمام هناك ص ٢٤٥،
ولامنافاة بين كلامه هذا وكلامه هناك ص ٢٥٥ إلا عند مدلِّس متلاعب، أو
سقيم الفهم بليد الإدراك، انظره، ثم انظر «السلسلة الضعيفة» ١ : ٦٦٤ .

١٥٨
من أهل الكوفة ٢٠١ راوياً، وعدَّ من بينهم الإمام أباحنيفة .
وروى في ((المستدرك)) (١) حديث ((لا نكاح إلا بوليّ)) وقال عقبه:
(«وصل هذا الحديثَ عن أبي إسحاق جماعةٌ من أئمة المسلمين غيرُ مَن
ذكرناهم، منهم: أبو حنيفة النعمان بن ثابت .. )).
وقد جمع أبو حنيفة رحمه الله علمَ أهل الكوفة بشهادة نفسِه بذلك،
كما تقدم قريباً، وبشهادةٍ غيرِه له . قال يحيى بن آدم - أحدُ شيوخ
البخاري في ((صحيحه)) -: ((إن في الحديث ناسخاً ومنسوخاً، كما في
القرآن، وكان النعمان - أبو حنيفة - جمع حديث أهل بلدِه كلِّه، فنَظَر
إلى آخرِ ماقُبض عليه النبي # فأخذ به، فكان بذلك فقيهاً))(٢).
ويحيى بن آدم هذا وَصَفه يعقوب بن شيبة بأنه كان (( فقيه البدن »
وفي ((سير أعلام النبلاء))(٣) عن الخَلَال أنه ((كان واحدَ أهل زمانه في
الفقه». فمثله لا يرفع رأساً لأي أحد كان في الفقه والحديث .
وروى الصَّيْمَريُّ بسنده(٤) إلى الحسن بن صالح - أحد الثقات
الفقهاء العُبَّاد - أنه قال: ((كان أبو حنيفة شديدَ الفحص عن الناسخ من
الحديث والمنسوخ، فيَعملُ بالحديث إذا ثبت عنده عن النبي (88* وعن
أصحابه ، وكان عارفاً بحديث أهل الكوفة وفقه أهل الكوفة ، شديدَ
الاتباع لما كان عليه الناس ببلده. وقال: كان يقول: إن لكتاب الله
ناسخاً ومنسوخاً، وإن للحديث ناسخاً ومنسوخاً. وكان حافظاً لفعل
رسول الله ◌َ﴾ الأخير الذي قُبض عليه مما وَصَل إلى أهل بلده)).
(١) ٢ : ١٧١.
(٢) ((كشف الأسرار)) للعلاء البخاري ١٦:١، وقارن بين هذه الشهادة وشهادة
الحسن بن صالح الآتية تجدهما متفقين تماماً.
(٣) ١١ :١٨٩.
(٤) في ((أخبار أبي حنيفة وأصحابه)) ص ١١.