النص المفهرس

صفحات 121-140

١١٩
وقال الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى (١): ((المفتي قائم في الأمة مقام
النبي #. والدليل على ذلك أمور.
أحدها: النقل الشرعي. في الحديث: ((إن العلماء ورثة الأنبياء .. )) ..
والثاني: أنه نائب عنه في تبليغ الإحكام ..
والثالث: أن المفتي شارع من وجه، لأن ما يبلغه من الشريعة إما
منقول عن صاحبها، وإما مستنبط من المنقول. فالأول: يكون فيه
مبلّغاً. والثاني: يكون فيه قائماً مقامه في إنشاء الأحكام، وإنشاءُ
الأحكام إنما هو للشارع؛ فإذا كان للمجتهد إنشاء الأحكام بحسب
نظره واجتهاده، فهو من هذا الوجه شارع واجبٌ اتباعه والعمل على
وَفْق ماقاله. وهذه هي الخلافة على التحقيق ..
وعلى الجملة: فالمفتي مخبر عن الله كالنبي، ومُوقع للشريعة على أفعال
بحسب نظره كالنبي، ونافذ أمره في الأمة بمنشور الخلافة كالنبي،
ولذلك سُمُّوا - يعني المفتين - أولي الأمر)).
ورضي الله عن ريحانة السلف الإمام عبد الله بن المبارك فقد نبّه إلى
هذا المعنى بقوله: ((لا تقولوا: رأي أبي حنيفة رحمه الله، ولكن قولوا:
إنه تفسير الحديث))(٢).
كما نَّه إلى هذا المعنى بأوضح من ذلك : ابنُ حزم رحمه الله
فقال(٣): ((جميعُ ما استنبطه المجتهدون معدودٌ من الشريعة، وإنْ
خَفِيَ دليلُه على العوامّ ، ومن أنكر ذلك فقد نَسَب الأئمةً إلى الخطأ
(١) في ((الموافقات)) ٢٤٤:٤ - ٢٤٥.
(٢) ذيل ((الجواهر المضية)) العلامة علي القاري رحمه الله ٢: ٤٦٠.
(٣) كما في ((الميزان الكبرى)) للعلامة الشعراني رحمه الله ١٦:١.

١٢٠
وأنهم يَشْرَعون مالم يأذن به الله ، وذلك ضلالٌ من قائله عن
الطريق » .
ونقله مولانا العلامة الشيخ ظَفَر أحمد العثماني التهانَوي رحمه
الله(١) وعلّق عليه بقوله: ((قلت: هذا قولُ ظاهريٍّ لايَرَى القياس.
فانظر أدبه مع الأئمة المجتهدين أمناء الله على شرعه ! ولعله قال ذلك
بعد تأليفه لـ ((المحلّ)) .. ))(٢).
ومن الضروري جداً أن يتنبّه القارىء الكريم لمعنى قول ابن حزم
رحمه الله: ((وإنْ خفي دليله على العوام)) فإن كلمة (العوام) جاءت منه
على مصطلح علماء الأصول، الذين يُطلقون وصف (العامي) على كلِّ
مَن لم يكن مجتهداً، وليس المراد منه مانريده نحن : كلُّ من لم يكن
طالب علم .
فيكون مراد ابن حزم : أن فقه الأئمة الفقهاء معدود من الشريعة ،
ولا يشترط علمُنا بدليلهم ووقوفُنا عليه ، فإنه قد يخفى علينا : لدقته
على أفهامنا ، أو لعدم وصوله إلينا ، أو لعدم اطلاعنا عليه . والله
أعلم .
ففقه الفقهاء - أبي حنيفة وغيرِه من أئمة الإسلام - في عَشّرات آلاف
المسائل الفقهية إنما هو تفسيرٌ لسنة النبي وَ* ، وليس هو بدخيل على
الإسلام ، ولابرأي لهم نابع من مختَرَعات عقولهم غيرِ معتمِدٍ على
مصدر تشريعي أصيل .
(١) في ((إنجاء الوطن)) ص ٥٣ والذي طبع حديثاً باسم «أبو حنيفة وأصحابه
المحدثون» ص ٦١.
(٢) إلا أن هذا القول من ابن حزم يلتقي تماماً مع نَفْسه وتوجُّهه في جزئه
«رسالة في الإمامة)) الذي طبعه هذا العام شيخنا العلامة الشيخ عبد الفتاح أبو
غدة حفظه الله ورعاه، مع ((رسالة الألفة بين المسلمين)) التي جمعها من كلام
ابن تيمية، وفي كلتيهما من الفوائد مايتعيّن على المتعثّتين الوقوف عليه.
٠ ٨٨٠ :٤٤.

١٢١
وحينما نقول: فقه أبي حنيفة وفقه الشافعي .. يكون معنى قولنا
هذا: فهم أبي حنيفة، وفهم الشافعي، و .. ، وهذا الفهم لأي شيء؟
إنّ هو إلا فهمُهم لكتابِ الله عز وجل وسنة النبي ◌َّر، ذلك لأن الفقه
في لغة العرب : هو الفهم ، كما هو معلوم .
ومن هنا ندرك خطأ فاحشاً شائعاً بين الناس من غير أن يُلقَى له بالٌ
فينَّهَ إليه ، ذلك هو تسمية بعضهم ( فقهه ) وما يُقدِّمه إلى الناس من
(علم ) بـ ((فقه السنة)) أو ((فقه السنة والكتاب)).
ففقه السنة والكتاب هو : فهمهما ، وهذا الذي يقدِّمه : فَهم مَنْ ؟
هو فهم زيد وعمرو من نَكِرات الناس ، لكنهم رَفَعوه وأضافوه إلى
((السنة والكتاب)) ليُوهِموا الناسَ أنهم يقدِّمون إليهم اليَنْبوعَ الأصلي
للدين ، وحينئذ يتمُّ لهم أن يُبعدوا الناسَ عن فقه أبي حنيفة والشافعي
ومالك وأحمد رضي الله عنهم ، ويتمكّنوا من القول للناس : يا أيها
الناس تريدون فقه محمد* أو فقه أبي حنيفة والشافعي ؟.
وكان أحدهم يتقدَّم جلساءه للإمامة بهم في الصلاة، وقبل الدخول
فيها يلتفت إليهم قائلاً: تريدون أن أصلي بكم صلاة محمد نَّالل أو
صلاة أبي حنيفة؟ !! انظر ماأجرأَه وأوقحَه !!.
وما تسنىَّ لهم هذا القولُ إلا بعد أن نَسَبوا فقههم إلى الكتاب
والسنة، وفقه أبي حنيفة إلى أبي حنيفة، لا إلى الكتاب والسنة، وفقه
الشافعي إلى الشافعي لا إلى الكتاب والسنة، فبتروا ذلك الفكر
الإسلاميَ العظيم الذي هو بحقّ وصدق شرحٌ صادق للكتاب والسنة،
بَتَروه عن الكتاب والسنة، وجاؤوا الناسَ بفهم: صحيحُه من فُتات
موائد أولئك، وخطؤه من عند أنفسهم، ونسبوه كلَّه إلى الكتاب
والسنة .
واغترارُ مَن اغترَّ بقولهم إنما كان لفراغه من معرفة فقه الأئمة
المشهود لهم بالإمامة في الدين والتقوى والورع والعلم والفهم وقوة
الاستنباط ،

١٢٢
مع شيوع السنة في عصرهم معرفةً ورواية وتحمُّلاً وتلقّياً وشرحاً
وتعريفاً وضبطاً .. .
فالبيئة العلمية النابضة التي كانت تحفُّ بهم من كل جانب من
جوانب العلوم الإسلامية : فُقِدت اليومَ في حالِ خلفنا الحاضر ، حتى
إنك لترى مَن يدَّعي الاجتهاد - تطاولاً وتعالماً - لا يُقيم العربيةَ فيما
يكتبه للناس في كلامه المنسّق المنمَّق ، ولايَدري غلطَه الفاحشَ في
جَنْب ذات الله تعالى ، فيقول على سبيل التظاهر بالعلم والتسليم
للشرع ((والعصمة لله)) !! فمن الذي يَعصم الله عز وجل؟ وممَّ يُعصم ؟
وهل ورد بهذا نصّ؟ فإن كان لايدري معناه: فتلك مصيبة، وإن كان
يدري معناه ويقولُه فما أحقّه بالحكم عليه بتجديد دخوله في الدين قبل
أن يدَّعي التجديد في الدين ! .
وقبل أن أختمَ الحديثَ عن السبب الثاني لابدَّ من استثناء شيءٍ من
ذاك الذي قلتُه قبل قليل. قلت: إن الفقه المستنبط من الكتاب والسنة
- ومن الإجماع والقياس الصحيح - هو من الدين ، ولا يجوز فصلُه عن
مصادره المستنبَطِ منها .
ولكن لابدَّ من استثناء ماسماه الإمام الأوزاعي بنوادر العلماء .
فقد أسند إليه البيهقيُّ في ((سننه الكبرى))(١) أنه قال: ((من أخَذَ
بنوادر العلماء خَرَج من الإسلام!)).
وأسند ابن عبدالبر (٢) إلى سليمانَ التيميِّ العَلَم الحجة العابد أنه
قال: ((لو أَخَذْتَ برخصة كلِّ عالم اجتمع فيك الشرُّ كلُّه!)). وعلّق عليه
(١) ١٠: ٢١١، وذكره الذهبي في ((السّير)) ٧: ١٢٥، و((التذكرة)) ١٨٠:١.
(٢) في (جامع بيان العلم)) ٢: ٩١،٩٠، وهو في ((السِّير)» أيضاً ١٩٨:٦،
و((التذكرة)) ١٥١:١.

١٢٣
ابن عبد البر بقوله: (( هذا إجماع لا أعلم فيه خلافاً».
وفي ((شرح علل الترمذي)) لابن رجب (١) عن إبراهيم بن أبي عَبْلة
أحدٍ شيوخ الإمام مالك: (( من حَمل شاذَّ العلماء حمل شراً كثيراً ،
وقال معاوية بن قُرَّة : إياك والشاذَّ من العلم )).
ونقل العلامةُ الكوثريُّ رحمه الله تعالى في تعليقاته على ((ذيول تذكرة
الحفاظ))(٢) كلمة ابن أبي عبلة بلفظ: ((مَن تَبع شواذُ العلماء ضلَّ)).
وروى البيهقي في ((سننه))(٣) عن إمام الشافعية في العراق أبي
العباس ابن سُريج، عن إمام المالكية في العراق أيضاً القاضي إسماعيلَ
ابنِ إسحاقَ رحمهما الله تعالى، أنه قال: ((دخلتُ على المعتضِد فدفع
إليَّ كتاباً، فنظرتُ فيه، وكان قد جَمَع له الرُّخَصَ من زَلَل العلماء،
وما احتجَّ به كلٌّ منهم لنفسه ، فقلت له : يا أمير المؤمنين مصنّف هذا
الكتاب زنديق ! فقال - المعتضد - : لمْ تَصحَّ هذه الأحاديث ؟!
قلت : الأحاديث على مارُوِيتْ، ولكنْ مَن أباح المُسْكر - يريد
النبيذ - لم يُبح المُتْعة، ومن أباح المتعة لم يُبح الغناء والمسكر ، وما
من عالم إلا ولهٍ زلة ، ومن جمع زَلَل العلماء ثَم أَخَذَ بها ذَهَبَ دينُه !
فأمر المعتضد فأحرق ذلك الكتاب)) .
وحكى الإمام أحمد رحمه الله تعالى في كتابه «العلل»(٤) عن محمد
ابن الإمام يحيى القطان: أنه قال: ((لو أن إنساناً اتَّبع كلَّ مافي
الحديث من رخصة لكان به فاسقاً)).
(١) ٤١٠:١.
(٢) صفحة ١٨٧.
(٣) ١٠ :٢١١.
(٤) ٢١٩:١ رواية ابنه عبدالله.
-- wWwww
.....

١٢٤
وفي ((المسوَّدة))(١) من كلام الشيخ ابن تيمية تقيّ الدين رحمه الله :
(( روى عبد الله بن أحمد ، عن أبيه قال : سمعت يحيى القطان يقول:
لو أن رجلاً عمل بكل رخصة : بقول أهل المدينة في السماع ، وبقول
أهل الكوفة في النبيذ ، وبقول أهل مكة في المتعة: لكان فاسقاً)).
فيحرَّر القولُ لمن؟ ليحيى القطان أو لابنه محمد؟ وأستظهر أنه ليحيى.
وقال الحافظ في ((التلخيص الحبير)) (٢): ((روى عبدالرزاق، عن
مَعْمَر قال : لو أن رجلاً أخذ بقول أهل المدينة في استماع الغناء،
وإتيان النساء في أدبارهنَّ، وبقول أهل مكة في المتعة ، والصَّرْف،
وبقول أهل الكوفة في المسْكر : كان شرَّ عباد الله)).
وروى الإمام الحاكم في ((معرفة علوم الحديث)) (٣) عن الإمام
الأوزاعي قال : (( يُجتنب - أو يترك - من قول أهل العراق خمس ،
ومن قول أهل الحجاز خمس .. )) وذكرها .
وقال أبو بكر الآجريُّ في «تحريم النَّرد والشُّطْرَنج والملاهي»(٤):
((فإن احتجَّ محتجٌ في الرخصة في اللعب بالشَّطرنج فقال : قد لعب بها
قوم ممن يُشار إليهم بالعلم ؟ قيل له : هذا - أي هذا الاحتجاج - قولُ
مَن يتّبع هواه ويترك العلم ، فليس ينبغي إذا زلَّ بعض من يُشار إليهم
زلةً أن يُتَبع على زلله ، هذا قد نُهينا عنه ، وقد خِيف علينا من زلل
العلماء )» .
(١) صفحة ٥١٨ .
(٢) ١٨٧:٣.
(٣) صفحة ٦٥ ومن طريقه تلميذه البيهقي في ((السنن)) ٢١١:١٠، ونقله عن
الحاكم: الذهبي في ((السِّير)) ٧: ١٣١، والحافظ في ((التلخيص)) أيضاً، وبين
ألفاظهم شيء من الاختلاف، بعضه هاٌ.
(٤) صفحة ١٧٠.
فعال

١٢٥
ثم أسند إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه من قوله : « ثلاثٌ
مُضِلاتٌ: أئمةٌ مُضِلّة ، وجدالُ منافقٍ بالقرآن، وزَلَّة عالم)).
بل لقد قال أبو الحسين الكرابيسي الإمام في علم الكلام والحديث
والفقه بعد أن حكى أقوالاً شاذة لبعض السلف: ((فإن قال قائل: هؤلاء
من أهل العلم! قيل له: إنما يهدِمِ الإسلامَ زلةُ عالم، ولا يهدِمه زلةٌ
ألف جاهل!))(١).
ولقد صَدَق والله وبَزَّ، لكن فيما إذا انتُصِر لهذه الزلَّة بجهل وحُمق
حتى جعلت هي الصوابَ والحقَّ، وماسواها فخطأ وباطل !! أما إذا
قُبرت بإهمالها أو بالردّ عليها: فلا .
وقال ابن عبد البر في ((الجامع))(٢): ((شبَّه الحكماء زلَّة العالم
بانكسار السفينة ، لأنها إذا غرقتْ غرق معها خلق كثير )) .
وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله في ((جامع العلوم
والحكم)) (٣): ((ومن أنواع النُّصح لله تعالى وكتابه ورسوله - وهو مما
يختصُّ به العلماء - ردُّ الأهواءِ المضلّة بالكتاب والسنة على مَوْردها ،
وبيانُ دلالتهما على مايخالف الأهواءَ كلَّها ، وكذلك ردُّ الأقوالِ
الضعيفة من زلات العلماء ، وبيان دلالة الكتاب والسنة على ردّها)).
فإن قلتَ : فما علامةُ كونِ هذا القول زلةٌ وهفوةً ؟ .
قلتُ : رَوَى يعقوب بن سفيان الفَسَويُّ في ((تاريخه)) - ومن طريقه
(١) ((طبقات الشافعية الكبرى)) للسبكي ١٢٥:٢.
(٢) ١١١:٢، وأسند الخطيب في ((الفقيه والمتفقه)) ١٤:٢ هذا التشبيه إلى
عبدالله بن المعتز.
(٣) صفحة ٧٠ في شرح حديث ((الدين النصيحة)).
wwwww.

١٢٦
عـ
البيهقي في ((سننه الكبرى)) و((المدخَل)) له (١) - خبراً عن معاذ بن جبل
رضي الله عنه هو من أصدق القول وأحكمه .
قال يزيدُ بن عَميرة أحدُ سادات التابعين ومن خاصة أصحاب
معاذ: كان معاذ « يقول كلما جلس مجلسَ ذكرٍ : الله حَكَمٌ عَدْل .
فقال يوماً في مجلسٍ جَلَسه : وراءكم فتنٌّ يكثرُ فيها المالُ ويُفتح فيها
القرآن ، حتى يأخذَه المؤمنُ والمنافق ، والحرُّ والعبد، والرجلُ
والمرأة ، والكبير والصغير ، فيوشكُ قائلٌ أن يقول : فما للناس
لا يتّبعوني وقد قرأتُ القرآن؟ والله ماهم بمتَّعيَّ حتى أبتدعَ لهم غيره !.
فإياكم وماابتَدَع ، فإن ماابتُدع ضلالةٌ، واحذروا زَيَّغة الحكيم، فإن
الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على فم الحكيم ، وقد يقول المنافقُ
كلمةَ الحق .
قال - يزيد بن عَميرة - : قلت له : ومايُدريني - يرحمك الله - أن
الحكيم يقول كلمة الضلالة ، وأن المنافق يقول الحق ؟ .
قال - معاذ -: اجتنبْ من كلام الحكيم المشتبهات التي تقول:
ماهذه؟. ولا يُنْثِيَنَّك ذلك منه، فإنه لعله أن يُراجع ويلقى الحق إذا
سمعه، فإن على الحق نوراً)).
قال البيهقي: ((فأخبر معاذ بن جبل أن زَيْغة الحكيم لا تُوجبُ
الإعراضَ عنه ، ولكنْ يُترك من قوله ماليس عليه نور ، فإن على الحق
نوراً . يعني - والله أعلم - دلالةً من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس
على بعض هذا)) .
(١) تاريخ يعقوب ٣٢١:٢، و((السنن الكبرى)) ٢١٠:١٠، و((المدخل)) ص
٤٤٤، والخبر في ((المستدرك)» ٤: ٤٦٠ وصححه على شرطهما ووافقه
الذهبي، وفي ((جامع بيان العلم)) ١١١:٢. وانظر مثالاً على زلة الحكيم في
((مسند الشاميين)) ٣٣٣:٢ (١٤٤٣) ونحوه عند يعقوب ابن سفيان ٣٢٢:٢.

١٢٧
فنبَّه رضي الله عنه إلى طائفة مارقة من الإسلام تبتدعُ مبادىءَ خارجةٌ
عنه بالكلية ، ونبَّه إلى طائفة صالحة فيها إيمانٌ وحكمة ، وتصدر عنها
الزلةُ والهَفْوة ، فلا يجوز للمتنطَّع أن يُلحق هذه بتلك ، بل يلزمُ هذه
الطائفةَ فيما هي عليه من هَذْي وخير ، ويتجنَّب مايبدر منها من شذوذ
وغفوة .
ودلّنا على علامة هَفْوتها : أنها كَدِرة عَكِرةٌ ليس عليها صفاءُ الحق
ونَصاعتُه، وسماها ((مشتبهات)) تستنكرُ بفطرتك أن تكون من الحق
الناصع الخالص فتقول: ((ماهذه؟!)) (١).
أما الحقُّ الخالصُ فإن عليه نوراً ودليلاً يؤيده . والله أعلم .
وللإمام ابن القيم رحمه الله تعالى كلامٌ نفيس في هذا الصدد في
((إعلام الموقعين))(٢) تكلم فيه على لزوم تجنُّب زلات العلماء ، أنقل
منه أوله ، فقد شَرَح فيه المُواءَمةَ بين لزوم طريق الأئمة ، وتجثُّب
مالا يؤخذ به من أقوالهم، فقال: (( لابدَّ من أمرين أحدهما أعظمُ من
الآخر، وهو النصيحةُ لله ولرسوله ﴿ وكتابه ودينه ، وتنزيهُه عن
الأقوال الباطلة المناقضة لما بَعَث الله به رسوله من الهدى
والبينات .. .
والثاني : معرفةُ فضل أئمة الإسلام ومقاديرِهم وحقوقهم
ومراتبهم ، وأن فضلَهم وعلمَهم ونصحَهم لله ولرسوله لا يوجبُ قبول
كلِّ ماقالوه ، وماوقع في فتاويهم من المسائل التي خفيَ عليهم فيها
ماجاء به الرسول 18 فقالوا بمبلغ علمهم ، والحقُّ في خلافها :
لا يوجبُ اطَّراحَ أقوالهم جملةً، وتنقُّصَهم والوقيعةَ فيهم ، فهذان
(١) يدل عليه رواية ابن عبدالبر في ((جامعه)) ١١١:٢: «قالوا: وكيف زَيَّغَةُ
الحكيم؟ قال: هي الكلمة تَروعكم وتُنكرونها وتقولون: ماهذه؟)).
(٢) ٢٩٤:٣ فما بعدها.
-wwwww

١٢٨
طرفان جائران عن القصد، وقصدُ السبيل بينهما، فلانُؤَثِّم ولانَعْصِم ..
بل نسلُكُ مسلكهم أنفسِهم فيمن قبلهم من الصحابة، .. ولامنافاةً بين
هذين الأمرين لمن شَرّح الله صدره للإسلام ، وإنما يتنافيان عند أحدٍ
رجلين : جاهلٍ بمقدار الأئمة وفضلهم ، أو جاهل بحقيقة الشريعة
التي بَعَث الله بها رسولَه ، ومن له علم بالشرع والواقع يعلم قطعاً أن
الرجل الجليل الذي له في الإسلام قَدَم صالح وآثار حسنة ، وهو من
الإسلام وأهله بمكان : قد تكون منه الهفوة والزَّلة هو فيها معذور ،
بل مأجور لاجتهاده، فلا يجوز أن يتَّبع فيها ، ولا يجوز أن تُهْدَر مكانتُه
وإمامته ومنزلته من قلوب المسلمين)» إلى آخر كلامه النفيس.
وإنما أطلتُ في بيان هذه الملاحظة لكشفِ عُوارِ مَن يرقِّع واقعَه أو
واقع الناس وسلوكهم بآراء شاذة أو أقوال ضعيفة ، أو آراء فردية
لأصحابها خالفوا فيها جماهير أئمة العلماء من عصر الصحابة فمن
بعدهم على توالي القرون .
فخشيةَ أن يحتجَّ هؤلاء الشُّذَّاذُ المرقِّعون للدنيا بالدين : بأن آراءَ
علمائنا مستَمدَّةٌ من الكتاب والسنة ، ولها مكانتها واعتبارها ، أطلتُ
في بيانٍ أنه قد تفرط لبعضهم نوادرُ وهفوات ، لايجوز تلمُّسها والأخذُ
بها . والله الهادي إلى الحقِّ بإذنه .
نسأل الله أن يرشدنا سواء السبيل ، ويسدّد أقوالنا وأفعالنا.

١٢٩
السَّبَبُ الثّالِثٌ
فِى بَيَانٌ اخْتِلافِ مَسَالِكِهِمْ أمَامَ الْنَعَارِضَِ النُّنَّةِ ظاهِرًا
يعتبر هذا السبب من أهم أسباب اختلاف الأئمة الفقهاء ، وفيه
مجالٌ للاستفادة من علمين عظيمين هما : علمُ الحديث ، وعلمُ
أصول الفقه .
أما علم الحديث: فللاطلاع على أحاديث المسألة الواحدة وما فيها
من آثار تمتُّ إلى المسألة بصلةٍ قريبة أو بعيدة.
وأما علم أصول الفقه : فللاستفادة من قواعده وأحكامه المقرَّرة
على ضوءٍ نصوص أخرى من الكتاب والسنة .
كما أنه يَدخلُ في هذا السبب - وله حظ وافرٌ جداً - الفهمُ الدقيق ،
والنظر الحكيم، والتوفيق بين النصوص المتعارضة. كما نرى هذا فيما
يلي.
لا يخفى على المبتدىء بالعلم الشريف أنه كثيراً ماتَرِدُ في المسألة
الواحدة أحاديثُ مختلفة في مدلولها على الحكم ، وقد يكون اختلافها
على أكثر من معنيين .
وللعلماء تُجاهَ هذا الاختلاف عدَّة مسالك:
١- مسلكُ الجمع بين المتعارضَيْن وتأويلهما والتوفيقِ بين معانيهما .
٢- فإن لم يمكن الجمعُ: سلكوا مسلكَ دعوى النسخ: نسخ
أحدهما للآخر .
٣- فإن لم يمكن ذلك ولم تُساعد القرائن عليه : سلكوا مسلك

١٣٠
الترجيح بينهما ، فرجّحوا حديثاً على آخر .
ومن العلماء من قدَّم المسلك الثالث على الثاني: جمع، فترجيح ،
فنسخ، والحديث عن هذه المسالك يطول جداً، أجتزىء الحديث عنها
كما يلي:
١ - أما الجمع بين المتعارضين : فللفهم حظّه الأوفر في ذلك ،
فقد يدَّعي بعض العلماء تعذّر الجمع بين هذين الحديثين ، لانغلاق
فهمهما عليه ، فيفتح الله عز وجل وجهاً للجمع بينهما على غيره من
أهل العلم ، ولذلك أكَّد العلماء على ضرورة التثبُّت والتأني في دعوى
تعذر الجمع بين نصين متعارضين في الظاهر .
٢ - فإن لم يتيسر الجمع بينهما : انتقل الإمام إلى النظر فيهما
الدعوى النسخ بينهما ، ولا يكون إلا بمساعدة القرائن على ذلك(١).
وهذه القرائن هي ما يُمكن أن يُسمَّى بـ (( معرِّفات النسخ))، وهي
أربعة :
أولها : ما يُعرَف بتصريح رسول الله اَللّ به، كحديث مسلم: « كنتُ
نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها)).
ثانيها: ما يُعرف بقول الصحابي، كحديث أبي داود والنسائي
وغيرهما عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما: كان آخرُ الأمرين من
رسول الله تَرْكَ الوضوء مما مسَّت النار .
ثالثها : مايُعرف نسخُه بالتاريخ ، كحديث شدَّاد بن أوس: ((أفطر
الحاجم والمحجوم)) وفي بعض رواياته أن ذلك كان سنة ثمانٍ من
(١) ولذلك نبّه العلامة البنّوري رحمه الله في ((معارف السنن)» ١٠٣:١ إلى
ملاحظة هامة في هذا الصدد فقال: ((المراد بالنسخ: الاجتهاديُّ، أما
المعلومُ زمانُه فهو المقدَّمُ على الكل عند الكل».

١٣١
الهجرة، نَسَخه حديث ابن عباس: ((احتجم النبي {18 وهو محرم
صائم)) وفي بعض رواياته أن ذلك كان في حجة الوداع سنة عشر .
وقد يُعرف النسخ من القرائن المشيرة إليه ، كأنْ يكونَ صحابيُّ هذا
الحديثِ متأخرَ الإسلام، وصرَّح بسماعه للحديث ، فيكون ناسخاً
لحديثٍ رواه صحابي آخرُ متقدِّمُ الإسلام على ذاك ، وقد سمعه من
النبي ◌َ# حين إسلامه.
وغير ذلك من ملابسات دقيقة لابدَّ من اعتبارها والنظرِ فيها
ودراستِها دراسةٌ شاملة فاحصة .
رابعها : مايُعرف نسخُه بانعقاد الإجماع على خلافه .
وهاهنا مَتْعَبة شديدة في تحقيق انعقاد الإجماع وأن لامخالف له
- بشرطه - .
٣ - فإن لم تُمكنْ دعوى النسخ: انتقل الإمام إلى النظر في الترجيح
بين الحديثين .
وموضوعُ الترجيح بين حديثين: شاقٌ ومجهد للغاية، إذ أن المرحلة
الأولى - وهي الجمعُ بينهما - تتطلّب فهماً ودرايةً، والمرحلة الثانية
- دعوى النسخ - تتطلب اطلاعاً ورواية ، أما الترجيحُ : فيتطلَّب دراية
ورواية : الدرايةُ تحتاج إلى فهم ألمعيّ ، ونظر ثاقب ، والروايةٌ
تحتاج إلى اطلاع على كل كلية وجزئية تتصل بأحاديث المسألة
الواحدة: أسانيدها - وماأكثر متاعبّ الأسانيد ! - ورواتِها من الصحابة:
تاريخهم وأوصافِهم، وألفاظها، و ... ماشاكل ذلك .
ولما كتبت هذه الجملة في الطبعة الأولى : الاطلاع على كل
مايتصل بأحاديث المسألة الواحدة، كنتُ أهدِف إلى مثال أذكره الآن .
من المعلوم أن الجمهور من الأئمة على العمل بحديث أبي هريرة

١٣٢
رضي الله عنه عن النبي ◌َ﴾: ((إذا ولَغَ الكلبُ في إناء أحدكم فليغسله
سبعَ مرات)).
وذهب الحنفية إلى القول بالاكتفاء بغَسله ثلاث مرات ، كما أفتى
بذلك أبو هريرة وعمل به لنفسه ، جَرْياً على قاعدتهم في إعلال العمل
بالحديث إذا عمل راويه من الصحابة بخلافه .
وقال العلامة المحقق الكوثري رحمه الله تعالى (١): ((إن التسبيع
- أي: غسل الإناء سبع مرات - هو المنسوخ، دون التثليث، لتدرُّجه
ملة في أمر الكلاب من التشدُّد إلى التخفيف ، دون العكس ، فأمر
بقتلها مطلقاً ، لقلع عادة الناس في الإلْف بها ، ثم بقتل الأسود البهيم
خاصة ، ثم بالترخيص في كلب الصيد والماشية والزرع ونحوها .
فالتسبيع هو المناسب لأيام التشدُّد ، والتثليث هو الموافق لأيام
التخفيف ، وهو آخر الأمرين )).
فأنت ترى أن المسألة ليست قاصرة على حديث التسبيع ، ورواية
((وعفُّروه الثامنة بالتراب)) ولاعلى فتوى أبي هريرة وعمله فقط ، بل
تتعدَّى ذلك إلى كل ما يتصلُ بهذا الحيوان من أحكام ، لينظر إلى
فحوى مقصود الشارع من خلالها .
هذا ، وقد تعب علماء الأصول رحمهم الله في تحقيق وجوه
الترجيح بين المتعارضين ، وتعرضوا لها في كتبهم ، وأقدمُهم في هذا
الإمامُ الشافعي رحمه الله في ((الرسالة))(٢) فإنه قال مخاطباً لمُحاوره :
((إن أصل مانبني نحن وأنتم عليه: أن الأحاديث إذا اختلفَتْ لم
تذهب إلى واحد منها دون غيره إلا بسبب يدلُّ على أن الذي ذهبنا إليه
أقوى من الذي تركنا . قال - محاوره - : وما ذلك السبب ؟ قلت
(١) في «النكت الطريفة)) ص ١١٩.
(٢) صفحة ٢٨٤.

١٣٣
- الشافعي - : أن يكون أحدُ الحديثين أشبهَ بكتاب الله ، فإذا أشبه
كتابَ الله كانت فيه الحجة .. فإن لم يكن فيه نصُّ كتاب الله كان
أَوْلاهما بنا الأثبتَ منهما ، وذلك أن يكون مَن رواه أعرفَ إسناداً
وأشهرَ بالعلم وأحفظَ له . أو يكونَ رُوي الحديثُ الذي ذهبنا إليه من
وجهين أو أكثر ، والذي تركْنا من وجه ، فيكون الأكثرُ أولى بالحفظ
من الأقل . أو يكونَ الذي ذهبنا إليه أشبهَ بمعنى كتاب الله أو أشبه بما
سواهما من سنن رسول الله، أو أولى بما يعرف أهل العلم، أو أصحّ
في القياس، والذي عليه الأكثر من أصحاب رسول الله )).
ثم عَرَض الإمام الحازمي رحمه الله لهذا في مقدمة كتابه « الاعتبار
في الناسخ والمنسوخ من الآثار)) فذكر خمسين وجهاً من وجوه
الترجيح(١) مع ذكرٍ أمثلةٍ على أكثرها، وقال في ختام كلامه : « وَثَمَّ
وجوه كثيرة أضربْنا عن ذكرها كيلا يطولَ بها هذا المختصر)).
فجاء الحافظ العراقي رحمه الله، ونقل كلمته هذه (٢) وقال: (وجوه
الترجيحات تزيد على المئة، وقد رأيت عدَّها مختصراً، فأبدأ
بالخمسين التي عدّها الحازمي، ثم أسرد بقيتها على الولاء" وسَرَدها
مائة وجه وعشرة وجوه، وقال(٣): ((وَثُمَّ وجوه أخر للترجيح، في
بعضها نظر - أي: وبعضها الآخر مقبول ــ وفي بعض ماذُكر نظر أيضاً)).
وقد صنّف الشوكاني في ((إرشاد الفحول)) (٤) المرجّحات إلى أثنى
عشر صنفاً رئيسياً، فجاء عددها جملةً ١٦٠ وجهاً، وذكر في ختام
كلامه على كل صنف أن هناك وجوهاً كثيرة غيرَ التي ذكرها .
(١) من صفحة ٩ - ٢٣.
(٢) في ((حاشيته على ابن الصلاح)) ص ٢٤٥.
(٣) في آخر كلامه ص ٢٥٠.
(٤) صفحة ٢٧٦ - ٢٨٤.
wwwwwww
www-wI --- W

١٣٤
ومن هنا ندرك جهلَ بعض الناس - أو تجاهلَهم - حينما يُذكر لهم
حديثان متعارضان في الظاهر ، يبادرون إلى ترجيح الحديث المروي
في الصحيحين على الآخر غير المرويِّ فيهما، دون أيّ اعتبار لأيّ
وجه آخر من هذه الوجوه، في حين أن الحافظ العراقي رحمه الله لما
ذكر هذه الوجوه ذكر أن الوجه الثاني بعد المائة - من أصل ١١٠
وجوه ـ كونُ الحديث المرويٍّ في الصحيحين راجحاً على حديث آخر
غيرِ مرويٍّ فيهما ! .
فيكون هؤلاء قد أهدروا مائة وجه ووجهاً من وجوه الترجيح ،
غافلين أو متغافلين ـ وأحلاهما مرّ !..
ولما ذكر الشوكاني المرجِّحات التي ترجع إلى الإسناد عدَّها اثنين
وأربعين وجهاً، وعدَّ الوجه الحادي والأربعين منها (( تقديم الأحاديث
التي في الصحيحين على الأحاديث الخارجة عنهما)) .
فلا يستخفَّنك المشوِّشون بقولهم : إن ابن الصلاح جعل الحديث
المتفق عليه أصحَّ الأحاديث مقدَّماً على ما انفرد به البخاري ، وما انفرد
البخاري بروايته جعله مقدماً على ما انفرد مسلم بإخراجه .. وهكذا .
فالحافظ العراقي الذي جعل مارواه الشيخان في هذه المرتبة
المتأخرة، جعل ماجعل في كتابه الذي وضعه على كتاب ابن الصلاح،
فكلامُ ابن الصلاح وترتيبه أمامَه وقريبٌ منه ، فلايقال : إنه غفل عنه
وغاب عن ذهنه! لا، إنما تلك المراتب في وادٍ ضيق، وكلام العراقي
والأصوليين في وادٍ فسيح .
وللبحث مجال آخر إن شاء الله تعالى ويسّر .
بل إن الإمام صاحب الصحيح نفسه يشعرنا بطريقةٍ عرْضِه لأحاديثٍ
الباب أنه يترك هذا الحديث الذي أخرجه في صحيحه، ويعمل بهذا،
كما فعل مسلم رحمه الله، فإنه أخرج أولاً في «صحيحه» أحاديث القيام
٠٥٨٠

١٣٥
للجنازة(١) ثم أعقبها بالأحاديث الناسخة له عنده(٢). وقد نصَّ الإمام
القرطبي المفسِّر رحمه الله في ((تفسيره)» (٣) على أن مسلماً يختم الباب
بالحديث الذي يختار حكمه .
والمخالفُ متفقٌ معنا على أنا ملزمون بتصحيح مسلم للحديث،
لابفهمه للحديث واختياره .
أما البخاري فإنه أخرج أحاديث القيام للجنازة فقط ، ولم يعرِّج
على مايدلُّ على نسخه .
وثمةً تنبيه آخر ، أنقله من كلام العلامة البَنُّوري رحمه الله تعالى في
(معارف السنن)»(٤) قال: ((وقد قلتُ قديماً وأقول: هؤلاء الأئمةُ الكبار
أربابُ الصحاح : من البخاري ومسلم وغيرهما قد انحازوا إلى جهةٍ:
تفقُّهاً واجتهاداً ، أو اتُّباعاً لأئمتهم في دقائق الفقه والاجتهاد وغوامض
المسائل ، واختاروا جانباً في الخلافيات ، ثم لما ألَّفوا أخرجوا في
تآليفهم مايوافق مذاهبهم الفقهية وسَرَى فقههم إلى الحديث(٥)، وتَرَكوا
ماعداها، حيثُ لم يذهبوا إليها، إلا مَن التزم إخراجَ أحاديثٍ
الفريقين، كالإمام الترمذي غالباً، وكابن أبي شيبة وعبد الرزاق في
مصنفيهما، وأحمد في مسنده .. )) انتهى .
(١) ٦٥٩:٢ (٧٣ - ٨١).
(٢) ٦٦١:٢ (٨٢ - ٨٤). وهذا مثال من الأمثلة الكثيرة التي نبّه إليها الحاكم
في كلمته التي سبق نقلها ص ٦١ تعليقاً.
(٣) ٢١٢:٣. لا كما فهمه (المفهرس) له فيما ضخّم به ((الطبقات)» للإمام مسلم
١ :١١٧: أن مسلماً يختم الباب باللفظ الذي يختاره.
(٤) ٣٧٩:٦ - ٣٨٠.
(٥) هذه الجملة من الكلمات الذهبية المأثورة التي قالها إمام العصر محمد أنور
الكشميري رحمه الله. انظرها فى التعليق على ((نصب الراية)) ١٧:٢.

١٣٦
ومن أمثلة سَرَيان فقههم إلى حديثهم : المثالُ الذي تقدم قبل
أسطر: القيام للجنازة وعدمه. فالإمام مسلم روى أحاديث القيام لها،
ثم روى أحاديث نسخ القيام، وكذا النسائي (١)، أما الإمام البخاري
فلم يَروِ إلا أحاديث القيام لها ، لأن مااستدل به مسلم على النسخ لم
يفهم منه البخاري ذلك ، فأعرض عن إخراجه ، فيكون قد أخرج
مسلم والنسائي مافَقِهاه ، وأعرض البخاري عما لم يَرَه .
فَسَرى فقههم إلى حديثهم .
ومثال آخر: حديث أبي هريرة ((من صلَّى على جنازة في المسجد
فلاشيء له)) تقدم(٢) تخريجه من مصادر كثيرة لكن مسلماً لم يخرجه ،
وأخرج حديث عائشة رضي الله عنها (٣): ما أسرعَ مانسيَ الناسُ!
ماصلَّى رسول الله * على سُهيل بن البيضاء إلا في المسجد. ومثله
النسائي(٤).
فهذا اختيارهما وفقههما . أما أبو داود فأخرج أولاً حديث عائشة
هذا ، وختم الباب بحديث أبي هريرة(٥). فهذا اختياره وفقهه أيضاً .
وابن ماجه عَكَس الترتيب(٦): أخرج أولاً حديث أبي هريرة، وثنَّى
وختم بحديث عائشة وقال: ((حديث عائشة أقوى)) فهذا اختياره وفقهه.
وحينئذ : فليس تقليدهم واتباعهم فيما فقهوا بأولى من اتباع أو
تقليد الأئمة الفقهاء: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد فيما فقهوا،
(١) ((الكبرى)) ٦٢٥:١ - ٦٢٧.
(٢) صفحة ٣٩.
(٣) ٦٦٨:٢ (٩٩).
(٤)
((الكبرى)» ٦٣٩:١.
٥٣٠:٣ - ٥٣١ (٣١٨٩ - ٣١٩١).
(٥)
(٦) ٤٨٦:١ (١٥١٧ - ١٥١٨).

١٣٧
بل اتباع هؤلاء أولى من اتباع أولئك، وقد تقدم قول الإمام الترمذي:
الفقهاء أعلم بمعاني الحديث. وهذا واضح لاخفاء فيه.
كما أن ترجيحَ حكم دليلُه حديثٌ رواه البخاري ، على حكم آخرٌ
دليلُه حديثٌ آخر رواه أبو داود - مثلاً -: هذا الترجيح غير صحيح،
لأنه في الحقيقة ترجيح لمذهب البخاري الذي اختار حديثاً من
أحاديث المسألة فرواه ، على المذهب الآخر الذي اختار حديثاً آخر
ورد في المسألة نفسها ! وهذا غير مايريده المشوّشون .
وفي هذا المرتَع الخِصْب لوقوع اختلاف الأئمة في فقههم يمكننا أن
ندركَ صعوبةً الاجتهادِ في حكم فقهي واحد ، ويمكننا أن ندركَ أيضاً
إلى أيّ مستوىّ علميٍّ رفيع وصل إليه أئمتنا رضي الله عنهم ، مع
تذكيري أن هذا الذي أذكره إنما هو بمثابة خطوط عريضةٍ ومبادىء
أوليةٍ للزاوية التي أتحدث عنها ، فضلاً عن زوايا العلوم الأخرى
للمجتهد ، وما أكثرها! وسيأتي الحديث عنها إن شاء الله(١).
وفي ختام حديثي عن هذا السبب الثالث أنقلُ نصاً في أمر يسير لم
يَشتهرْ فيه الخلاف، ولم تتناوله أقلام العلماء بكتابةِ رسائلَ مفردةٍ فيه،
كما تناولتْ غيرَه من مسائل العلم ، ككون البسملة آيةً من أول كل
سورة قرآنية - سوى براءة - وقراءة المقتدي خلف إمامه ، ورفع الأيدي
عند الركوع والرفع منه ....
إنما وقع اختياري له لأنه جامع للمسالك الثلاثة التي سبق الحديث
عنها ، في مسألة واحدة .
قال الإمام النووي رحمه الله(٢): ((ومذهبنا - الشافعية - استحباب
(١) صفحة ١٧٧.
(٢) في ((شرح صحيح مسلم)» ١٤ : ٨٠ تحت (باب استحباب خضاب الشيب =

١٣٨
خضاب الشيب للرجل والمرأة بصفرة أو حمرة، ويحرمُ بالسواد على
الأصح، وقيل: يكره كراهةَ تنزيه، والمختار التحريم، لقوله {ص124 - في
الحديث المشروح فيه -: ((واجتنبوا السواد)). هذا مذهبنا.
وقال القاضي - عياض - : اختلف السلف من الصحابة والتابعين في
- فعل - الخضاب وفي جنسه ، فقال بعضهم : ترك الخضاب أفضل ،
ورَوَوْا حديثاً عن النبي الله في النهي عن تغيير الشيب، لأنه وَ لو لم
يغيِّر شيبه . رُوي هذا عن عمر وعليّ وأبيّ وآخرين رضي الله عنهم .
وقال آخرون : الخضاب أفضل ، وخَضَب جماعة من الصحابة
والتابعين ومن بعدهم ، للأحاديث التي ذكرها مسلم وغيره .
ثم اختلف هؤلاء : فكان أكثرهم يخضِب بالصُّفرة ، منهم ابن عمر
وأبو هريرة وآخرون ، وروي ذلك عن عليّ - أيضاً - .
وخضب جماعة منهم بالحِنَّاء والكَتَم ، وبعضهم بالزعفران .
وخضب جماعة بالسواد ، روي ذلك عن عثمان والحسن والحسين
ابني عليّ وعقبة بن عامر وابن سيرين وأبي بُرْدة وآخرين .
قال القاضي - عياض -: قال الطبراني (١): الصواب أن الآثار
المروية عن النبي وقال* بتغيير الشيب وبالنهي عنه: كلّها صحيحة، وليس
فيها تناقض، بل الأمرُ بالتغيير لمن شّيبُه كشيب أبي قُحافة - وكان
أبيضَ جداً لاجمالَ فيه - والنهيُّ لمن له شَمَط فقط - أي : شيب
قليل - .
قال - الطبراني(١) -: واختلاف السلف في فعل الأمرين : بحسب
اختلاف أحوالهم في ذلك، مع أن الأمر والنهي في ذلك ليس للوجوب،
11
بصفرة أو حمرة، وتحريمه بالسواد)».
(١) لعل صوابه: الطبري؟.