النص المفهرس
صفحات 41-60
٣٩
: (مَن صلَّى على جنازةٍ في المسجد فلاشيء عليه)).
هكذا في بعض النسخ والروايات القديمة ، وفي بعضها الآخَرِ :
((فلاشيء له)»، وفي نسخة الخطيب البغدادي: ((فلاشيء عليه، أو:
فلاشيء له. شك أبو علي اللؤلؤي». واللؤلؤي: هو راوية ((سنن أبي
داود)» عن مؤلّفه، كما هو معروف.
ويؤكِّدُ روايةَ ((فلاشيء له)) أنها كذلك في رواية ابن العبد وابن داسه
عن أبي داود(١)، وأنها كذلك عند عبد الرزاق، عن معمر والثوري ،
وأحمد والطحاوي في ((معاني الآثار))، وكذلك عند أبي داود الطيالسي
فى «مسنده»(٢) وزاد عن صالح مولى التوأمة قوله: ((أدركت رجالاً ممن
أدركوا النبيَّ## وأبا بكر إذا جاؤوا فلم يجدوا إلا أن يصلوا في المسجد
رجعوا فلم يصلُّوا)).
ولفظ ابن أبي شيبة في ((مصنفه))(٣): ((مَن صلَّى على جنازة في
المسجد فلاصلاة له . قال - أي صالح - : وكان أصحاب رسول الله
وَ* إذا تضايَقَ بهم المكانُ رَجَعوا ولم يصلّوا)).
عن كتاب واحد. بل أنَّى له أن يفهمَ ويدركَ هذه المراميَ في معترك المسائل
العلمية ! .
وقد حسَن ابنُ القيم الحديث في ((زاد المعاد)» ٥٠١:١، وانظر أيضاً كلامه في
حاشيته على (تهذيب سنن أبي داود)) للمنذري (٣٦٠٣) وصحّحْ منه النقل عن
ابن عبدالبر في ((التمهيد)) ٢٢١:٢١ من قوله ((والصحيح: فلا شيء عليه)» إلى:
والصحيح: فلا شيء له، هكذا في ((التمهيد)).
(١) انظر ((سنن أبي داود)) (٣١٩٤) بتحقيقي.
(٢) ((المصنّفَ)) ٥٢٧:٣ (٦٥٧٩)، وأحمد ٤٤٤:٢، ٤٥٥، والطحاوي ٤٩٢:١،
والطيالسي ٣٠٤ (٢٣١٠).
(٣) ٣٦٤:٣.
٤٠
وقد روى البيهقي في ((سننه الكبرى)) (١) الحديث من طريقين إلى
عبد الرزاق بلفظه المذكور ، وفي أحدهما زيادة عن صالح نفسه قال :
« فرأيت الجنازة تُوضَع في المسجد، فرأيت أبا هريرة إذا لم يجد
موضعاً إلا في المسجد انصرف ولم يصلِّ عليها)). وليست في الرواية
المطبوعة لمصنف عبد الرزاق .
وكذلك رواية ابن ماجه(٢) من طريق ابن أبي ذئب، ولفظه: «فليس
له شيء )).
ولذا قال الخطيب - وهو هو -: ((المحفوظ: فلاشيء له))، كما في
((نصب الراية))(٣).
فمن أخذ من الأئمة بالرواية الأولى (( فلاشيء عليه)) : أجاز الصلاة
على الجنازة في المسجد من غير كراهةٍ فيها . وهو مذهب الإمام
الشافعي وغيره.
ومن أخذ منهم بالرواية الثانية ((فلاشيء له)): كره الصلاة عليه في
المسجد، وهو مذهب الإمام أبي حنيفة وغيره(٤).
(١) ٤ :٥٢.
(٢) ٤٨٦:١ (١٥١٧).
(٣) ٢٧٥:٢.
(٤) نبهني إلى هذا المثال فضيلة شيخنا العلامة الجهبذ المحدث مولانا الشيخ
حبيب الرحمن الأعظمي رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جناته، حين قرأت
عليه هذه الرسالة، كما ذكرت في المقدمة. وبما أن هذا أول مثال أذكره فلا
يفوتني أن أنبه إلى أن ما أذكره من أدلة المثال هو ما يتعلق به الغرض وتقتضيه
المناسبة، لاأنني أذكر المثال وأستوفي أدلته، فلكل إمام أدلة أخرى، كما
أنني لا أهدف إلى إبراز رجحان دليل إمام على دليل إمام آخر. معاذ الله !.
********* -٩٧٦٩ ********
٤١
المثال الثاني: حديثُ تَنَحنُح النبيِّ ◌َ* أو تسبيحِهِ لما استأذن عليه
عليّ رضي الله عنه وهو في الصلاة ، لِيُعلمَه أنه في صلاة.
فقد اختلف الرواة في لفظه: ((تنحنح)) أو ((سبح))؟ انظر كتاب النسائي
وابن خزيمة (١) وبؤَّب عليه ((الرخصة في التنحنح .. إن صحَّت هذه
اللفظة فقد اختلفوا فيها)). وانظر حاشية السندي على النسائي،
و((التلخيص الحبير)) فكأن نسخة ابن حجر من النسائي فيها: فسبَّح.
ولهذا فقد اختلف الحكم الفقهي ، ففي مذهب الإمام أحمد: مَن
سبَّح للإعلام أنه في صلاة: لاشيء في صلاته ، أما من تنحنح فقيل
بفسادها، وقال متأخرو الحنابلةِ بكراهتها ، للاختلاف في فسادها
وصحتها(٢).
ولاشيء في التسبيح عند الشافعية مطلقاً ، والصحيحُ عندهم بطلانها
بالتنحنح إنْ بأنَ منه حرفان، كما في «المجموع)» (٣).
أما الحنفية : فلا شيء في التسبيح عندهم أيضاً، وتبطلُ الصلاة
بالتنحنح إن كان لغير عذر ، ومن العذر : تحسين الصوت بالتلاوة ،
والإعلامُ أنه في صلاة (٤).
المثال الثالث: روى البخاري(٥) - وغيره - عن ابن أبي ذئب، عن
مــ
(١) النسائي (الصغرى) ١٢:٣ (١٢١١ - ١٢١٣)، وابن خزيمة ٢: ٥٤ (٩٠٢ -
٩٠٤)، و((التلخيص الحبير)) ٢٨٣:١.
(٢) ((المغني)) ٧٠٧،٧٠٦:١، و((شرح منتهى الإرادات)) ٢٠١:١.
(٣) ١٠،٢١:٤
(٤) انظر حاشية ابن عابدين ٤١٦:١، وانظر فيها أيضاً كلام ابنِ أميرٍ حاجّ في
((حَلْبة المجلِّي)؛ فإنه وجيه فقهياً.
(٥) ٢٥٧:٢.
٤٢
الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي 19 أنه
قال: ((إذا سمعتمُ الإقامةَ فامشوا إلى الصلاة ، وعليكم بالسكينة والوقار
ولا تُسرعوا، فما أدركتم فصلُوا، وما فاتكم فأَتَقُّو!)) .
ورواه عبدالرزاق في «المصنف)» - وعنه الإمام أحمد في («المسند» - عن
معْمر، والحميديُّ في («مسنده)) عن ابن عيينة، كلاهما عن الزهري، عن
سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أيضاً بلفظ: ((ومافاتكم فاقضوا))(١).
وفي («المسند» أيضاً عن أنس من طُرُق عن أبي هريرة مرفوعاً:
((وَلْيَقْضِ ماسَبَقه))، ومثلُه في أبي عَوَانة(٢).
وهذا الاختلاف اليسير بين الروايتين في كلمة واحدة: ((فأتمو!»
و(«فاقضوا)»: ترتَّب عليه اختلافٌ ذو أهمية من الناحية الفقهية. بيانه: أن
المصلِّيَ المسبوقَ إذا أدرك صلاةَ الركعةِ الرابعة مع الإمام، فكيف
يُصلِّي الركعاتِ الثلاثَ التي لم يدركها ؟ .
فعلى مقتضى الرواية الأولى ((فأتموا)) : يعتبر المصلي الركعةَ التي
أدركها مع الإمام - يعتبرها ركعة أولى بالنسبة إليه، وإنْ كانت ركعةً
رابعةً بالنسبة إلى إمامه ، فإذا سلَّم الإمام قام وأتى بركعة ثانية ، لأنه
قام (يتمُّ) صلاته، فيقرأ فيها الفاتحةً وسورةً، ولا يقرأ دعاء الافتتاح ،
بل يقرأ فيها ما يقرؤه في الركعة الثانية كما لو كان منفرداً، فإذا صلى
الركعة الثانية كذلك ، قعد للتشهد ، ثم قام يتم صلاته ، فيصلي
الركعتين الباقيتين ، ويقرأ فيهما الفاتحة فقط . وهذا مذهب جماعة من
العلماء ، منهم الإمام الشافعي رضي الله عنه .
سعد
(١) ((المصنف)) ٢٨٧:٢ (٣٣٩٩)، ((المسند» لأحمد ٢: ٢٧٠، والحميدي ٤١٨:٢
(٩٣٥).
(٢) ((المسند)) ٢٤٣:٣، ٢٥٢، ((صحيح)) أبي عوانة ١٠٩:٢.
٤٣
وعلى مقتضى الرواية الثانية («فاقضوا)): يعتبرُ المصلي الركعةَ التي
أدركها مع الإمام - يعتبرها ركعةً رابعةً بالنسبة إليه وإلى إمامه، فإذا سلّم
الإمام قام وأتى بركعةٍ يَعتبرها الركعة الأولى ، لأنه قام ( يقضي )
مافاته ، فيقرأ فيها الاستفتاح والفاتحة وسورة، كما يقرأ في الركعة
الأولى لو كان منفرداً، وبعدها يقعد للتشهد ، ثم يقوم فيقرأ الفاتحةَ
وسورةً، وفي الركعة الأخيرة يقرأ الفاتحة فقط. وهذا مذهب جماعة من
العلماء منهم الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه. وهذا عملٌ بمقتضى
الروايتين : قضاءٌ من حيثُ القراءةُ، إتمامٌ من حيث القعود(١).
وثمةَ أحكامٌ أخرى عديدة تترتَّب على مثل هذا الاختلاف بين
كلمتين ، لا يُلقي الراوي له بالاً ولا اهتماماً، أما لو كان فقيهاً عارفاً
بالأحكام المترتبة على الفرق بين هاتين الكلمتين - مثلاً - فإنه يتقيَّد
باللفظ ، ولا يُبدله بغيره وهو يزعم أنه يروي بالمعنى ، وأن الرواية
بالمعنى جائزة ! .
والأمثلة كثيرة ، والتَّتَبُّعُ لها ينفي حصرَها في عددٍ معين ، وأذكر
مثالاً تَمَّ الوهَم فيه على إمام جبلٍ من أئمة الحديث ، حين تصرّف
بروايته بحجة أنه روى بالمعنى .
وأنقل كلام الخطيب في ((الكفاية)) بشيء من الطَّول، وأصلُه للقاضي
الرامَهُزْمُزيِّ في «المحدِّث الفاصل)»(٢).
قال الخطيب: ((والمستحبُّ له - أي للراوي - أن يُوردَ الأحاديثَ
-
(١) وانظر أحكاماً أخرى تترتب على هذا الاختلاف في الرواية في ((البحر الرائق)»
٤٠٠:١ - ٤٠٣ و(حاشية ابن عابدين)) ١: ٥٩٦.
(٢) ((الكفاية)) ص ١٦٧ - ١٦٨، ((المحدث الفاصل)) ص ٣٨٩ - ٣٩٠.
.$}
٤٤
بألفاظها، لأن ذلك أسلمُ له ....
فإنْ كان ممن يروي على المعنى دون اعتبار اللفظ : فيجبُ أن يكونَ
تَوَقِّيه أشدَّ، وتحرُّزُه أكثر، خوفاً من إحالة المعنى الذي به يتغيَّرُ الحكم.
ثم رَوَى من طريق موسى بن سهل بن كثير، عن ابن عُلَيَّةَ، عن
عبدالعزيز بن صُهَيب، عن أنس بن مالك قال: نهى رسول الله ﴾ أن
يَتَزَعْفَرَ الرجُلِ.
ثم رواه من طريق شُعْبة، عن ابن عُلَية، بلفظ: أن النبي صلّ نهى
عن التزعفُر .
ثم أسند إلى ابن عُلَيَةَ أنه قال: (( رَوَى عني شعبةُ حديثاً واحداً
فأوهَم فيه، حدَّثْتُه عن عبد العزيز بن صُهيب، عن أنس، أن النبي بَلَّ
نهى أن يتزعفر الرجل، فقال شعبة: إن النبي 18 نهى عن التزعفر !.
قلت - هو الخطيب -: أفلا ترى إنكارَ إسماعيلَ على شعبةً روايته
هذا الحديثَ عنه على لفظ العموم في النهي عن التزعفر، وإنما نُهيَ
عن ذلك للرجال خاصة، وكان شعبة قَصَد المعنى ولم يَفطن لِما فَطِنَ
له إسماعيل، فلهذا قلنا: إن رواية الحديث على اللفظ أسلم من روايته
بالمعنی)).
قلت: ((وشعبةُ شعبةُ)) كما قال الرامَهُرْمُزي، لكن كان شعبةُ يَعرِفُ
الإسماعيلَ ابنِ عُلَيَّةَ فضلَه عليه في الفقه، فلذا كان يلقبه: ريحانة الفقهاء
وسيد المحدثين .
وأما شعبة: فقال عنه الحافظ ابن عبدالهادي في ((التنقيح))(١): ((شعبة
(١) كما في ((نصب الراية) ٤: ١٧٤.
ww.y
٤٥
لم يكن من الحذَّاق في الفقه)). حتى إن عدم حذق شعبة للفقه حَمَله
على أن يتكلّم في راوٍ ثقة روى حديثاً ، رأى شعبة أنه يُعارض حديثاً
آخر في الباب ، فتكلم فيه شعبة لذلك، وطَعَن فيه غيرُ شعبة تبعاً
لشعبة! انظر ذلك في المصدر المذكور !.
وقد أسند الخطيب - عقب ماتقدم - إلى محمد بن المنكدر قوله:
(«الفقيه الذي يحدِّث الناسَ : إنما يَدخلُ بين الله وبين عباده، فلينظر
بما يدخل ! » .
وآثاراً أخرى بهذا المعنى ساقها بأسانيده ، ومنها قول الإمام إبراهيم
النخعي رحمه الله - وسيأتي بتمامه(١) -: ((وإنك لتجدُ الشيخَ يحدِّث
بالحديث فيحرِّفُ حلالَه عن حرامه ، وحرامَه عن حلاله ، وهو
لا يشعر)).
ولهذا فضَّل الأئمة مايتداوله الفقهاء على مايتداوله غيرهم ، وقد عقد
القاضي الرامَهُرْمُزي في «المحدِّث الفاصل)» (٢) فصلاً طويلاً بعنوان:
((القول في فضل مَن جمع بين الرواية والدراية)) ذكر أول خبر فيه عن
الإمام العَلَم وكيع بن الجراح أنه قال يوماً لأصحابه: ((الأعمشُ - أحبُ
إليكم - عن أبي وائل، عن عبدالله - بن مسعود -، أو: سفيان
- الثوري - عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبدالله؟.
فقالوا له: الأعمش، عن أبي وائل: أقرب! فقال وكيع: الأعمش
شيخ، وأبو وائل شيخ، وسفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن
علقمة، عن عبدالله: فقيه، عن فقيه، عن فقيه، عن فقيه».
(١) صفحة ٨٠.
(٢) ص ٢٣٨. والقصة في ((معرفة علوم الحديث)) للحاكم ص١١، و((المدخل إلى
السنن الكبرى للبيهقي ص ٩٦،٩٥، وانظر التعليق عليه.
٤٦
وذكر الخطيب في آخر ((الكفاية)) بعض مرجِّحات الأخبار، وقال(١):
((ويرجِّح بأن يكون رواته فقهاء، لأن عناية الفقيه بما يتعلّق من الأحكام
أشدُّ من عناية غيره بذلك)) وساق قصة وكيع المذكورة ، وزاد قول
وكيع في آخرها: ((وحديثٌ تداوله الفقهاء خير من أن يتداوله الشيوخ».
ثم روى من طريق إبراهيم بن سعيد الجوهري، عن وكيع أنه قال:
((حديث الفقهاء أحبُّ إليَّ من حديث الشيوخ)).
قلت: ولهذا القول قصة من وكيع نفسه كقصته السابقة، وجوابه أعمّ
من هذا اللفظ، والقصة عند ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل))(٢).
وجواب وكيع: ((كان حديث الفقهاء أحبَّ إليهم من حديث المشيخة)».
وهذا من وكيع رحمه الله حكاية عن أئمة الحديث عامةً، لا عن نفسه
خاصة، لقوله في الأول: أحبُّ إليَّ، وقوله في الثاني: أحبَّ إليهم.
وقد أدرك ابن حبان رحمه الله أهمية هذا فجعل له حظاً من القبول
والترجيح، فقال في مقدمة ((صحيحه)) (٣) ماملخصه: ((وأما زيادةُ الألفاظ
في الروايات فإنا لانقبل شيئاً منها إلا عمَّن كان الغالب عليه الفقه ، لأن
أصحابَ الحديث الغالبُ عليهم حفظ الأسامي والأسانيد دون المتون ،
فإذا رفع محدِّث خبراً - وكان الغالب عليه الفقه - لم أقبلْ رفعه إلا من
كتابه ، وكذلك لا أقبلُ عن صاحب حديث حافظ متقن أتى بزيادة لفظة
في الخبر ، لأن الغالب عليه إحكام الإسناد ، هذا هو الاحتياط في
قبول الزيادات في الألفاظ)).
(١) ص ٤٣٦.
(٢) ٢٥:٢.
(٣) ١٥٩:١ من «الإحسان)).
٤٧
وأما النقطة الرابعة: فهي إثبات ضبطه من حيثُ العربيةُ.
ومعنى ذلك: ضرورةُ تحرِّي: كيف نَطَق النبي* بهذه الكلمة،
مرفوعةٌ أو منصوبةٌ أو مجرورة أو نحو ذلك؟(١) ومعلوم لدينا دقةُ اللغة
العربية وما يترتب من آثار هامة فيها على اختلافٍ نَخوي أو لغويّ يسير.
ومحلُّ هذه الضرورة : ما إذا اختلف نقلُ الرواة لهذه الكلمة ، كما
(١) وهذا الضبط إنما يُؤخذ من حكاية العلماء له، وتنبيههم إلى اختلاف الرواة
له، فمردُّه إلى النقل أو التلقي، لا إلى الضبط المطبعي. وهذا واضحٌ
لايَحتاج طالبُ علمٍ إلى التنبيه إليه.
لكن دعاني إليه ماأحكيه للقراء (من المضحك المبكي) نقلاً عن شيخنا علامة
حمص ونادرتها شيخ القراء وأمين الفتوى فيها المقرىء المفسر الفقيه الورع
الشيخ عبدالعزيز عيون السود المتوفّ سخر الرابع عشر من صفر ١٣٩٩ رحمه
الله تعالى، حكى لي ذلك من قُرابة تسع سنوات في منزلي بحلب، قال:
«دخل عليَّ المسجد قُبيل أذان الظهر رجلٌ لا أعرفه، ثم سُمِّي لي - وسماه لي
شيخنا، وهو الشيخ ناصر الألباني ! - فجلس ينتظر الأذان، فلما قال المؤذن:
الله أكبر الله أكبر - بفتح الراء - قال هذا الرجل بانتفاضة وغضب: هذا خطأ،
هذا بدعة! فقال شيخنا: ماهو الخطأ والبدعة؟ فقال: هذا مخالفٌ لما في
صحيح مسلم! فكرر عليه شيخنا السؤال: ماذا في صحيح مسلم؟ فقال
الرجل: الذي في صحيح مسلم: الله أكبر الله أكبر - بضم الراء -. فقال له
شيخنا بأدبه المعروف وسكونه: تلقَيْتُم صحيحَ مسلم عن شيوخكم، عنٍ
شيوخهم إلى الإمام مسلم أنه رَوَى الحديث بضم الراء، أو هو ضبط
المطبعة؟! قال شيخنا: فسكتَ وسكتُ، وصلَّى وانصرف)». فليعتبر العقلاء !.
مع أن هذا الرجل ليس له من الشيوخ إلا شيخ واحد - من علماء حلب -
بالإجازة، لا بالتلقي والأخذ والمصاحبة والملازمة !.
وفي ((الإلماع)) للقاضي عياض ص ٢٨ أن المعتصم العباسي قال للإمام
أحمد: كلّم ابن أبي دؤاد، فأعرض عنه الإمام بوجهه وقال: كيف أُكلِّم مَن لم
أره على باب عالم قطّ؟ !.
٤٨
تقدَّم في الحديث عن النقطة الثالثة ، لأننا إذا أثبتنا أحد الوجوه المنقولة
للكلمة الواحدة : فقد نفينا الخلافَ الفقهي ، وإن اختلفت الروايات
حَصَل الاختلاف الفقهي ولابدَّ .
وأنقل نصاً لابن قتيبة هو من جيد بيانه، فيه بيانٌ عام لأهمية هذا
الأمر ، ثم أَثَنّي بالأمثلة ، لبيان أهميته على وجه الخصوص .
قال رحمه الله في أوائل كتابه ((تأويل مشكل القرآن))(١).
((ولها - أي: وللعرب - الإعرابُ الذي جعله الله وَشْياً لكلامها،
وحلية لنظامها، وفارقاً في بعض الأحوال بين الكلامين المتكافئين،
والمعنيين المختلفين ، كالفاعل والمفعول ، لا يفرّق بينهما إذا تساوت
حالاهما في إمكان الفعلِ أن يكون لكل واحد منهما ، إلا بالإعراب .
ولو أن قائلاً قال: هذا قاتلٌ أخي - بالتنوين - وقال آخر : هذا قاتلُ
أخي - بالإضافة - لدلَّ التنوين على أنه لم يقتله ، ودلّ حذف التنوين
على أنه قد قتله .
ولو أن قارئاً قرأَ: ﴿فَلَا يَحْزُنِكَ قَوْلُهُمُ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾
وترك طريق الابتداء بـ ((إنا)) وأعمل القولّ فيها بالنصب على مذهب من
ينصب ((أن)) بالقول كما ينصبها بالظن - يريد فتحَ همزةٍ أَنَّ وكسرَها -
لقلبَ المعنى عن جهته، وأزاله عن طريقته ، وجعل النبيَّ عليه السلام
محزوناً لقولهم: إن الله يعلم مايسرون ومايعلنون ! وهذا كفر ممن
تعمَّده، وضَرْبٌ من اللحن لا تجوز الصلاة به، ولايجوز للمأمومين أن
یتجۇَّزوا به.
وقد قال رسول الله #: ((لا يُقتلُ قرشي صبراً بعد اليوم)». فمن رواه
(١) ص١٤ - ١٦.
٤٩
جزماً - أي: لا يقتلْ - أوجب ظاهرُ الكلام للقرشي أن لايُقتلَ إن ارتدَّ،
ولا يُقتَصَّ منه إن قَتَل.
ومن رواه رفعاً - أي: لايقتلُ - انصرف التأويل إلى الخبر عن
قريش: أنه لايرتدُّ منها أحد عن الإسلام فيستحقَّ القتل(١). أفما تَرَى
الإعرابَ كيف فرّق بين هذين المعنيين !.
وقد يفرِّقون بحركة البناء في الحرف الواحد بين المعنيين. فيقولون:
رجل لُغْنة إذا كان يلعنه الناس، فإن كان هو الذي يلعن الناس قالوا :
رجل لُعَنة ، فحركوا العين بالفتح .
ورجل سُبّة: إذا كان يسبّه الناس ، فإن كان هو يسبُّ الناس قالوا :
رجل سُبَبّة. وكذلك: هُزْأَةُ وهُزَأَة، وسُخْرة وسُخَرَة، وضُحْكة
وضحكة، وخُذعة وخُدَعة))(٢).
أما الأمثلة الخاصة الواقعية فيمكن التمثيل لذلك بما يلي:
إذا ذبح الجزارُ شاةً ذبحاً شرعياً، فخرج من بطنها جنينٌ ميِّتٌّ، فهل
يَحلُّ أكله دون تذكية، أو لا يحلُّ إلا بتذکیة وذبح له؟.
يردُ في هذا الصدد قولُ النبي : ((ذكاة الجنين ذكاة أمه)). وقد
اختلفت الرواية فيه، قال ابن الأثير في ((النهاية)) (٣): (يُروى هذا
الحديث(٤) بالرفع والنصب، فمن رَفَعه جعله خبر المبتدأ الذي هو
(١) الحديث رواه مسلم ١٤٠٩:٣ (٨٨) وغيره، والرواية بالرفع (لا يقتلُ) فـ «لا»
نافية وليست ناهية .
(٢) ولفضيلة الأخ الأستاذ عبدالوهاب طويلة مجلدٌ مطبوع سماه «أثر اللغة في
اختلاف المجتهدين».
(٣) ١٦٤:٢.
(٤) أي كلمة (ذكاة)) الثانية الواردة في جملة ((ذكاة أمه)).
٥٠
((ذكاة الجنين))، فتكون ذكاءً الأم هي ذكاءً الجنين، فلا يحتاج إلى ذبح
مستأنَف، ومن نصب: كان التقدير عنده: ذكاة الجنين كذكاة أمه، فلما
حُذف الجازُّ نُصِب ـ المجرور - أو على تقدير: يُذَكَّى تذكيةً مثلَ ذكاةٍ
أمه، فَحَذَفَ المصدرَ وصِفَتَه، وأقام المضاف إليه مُقامه، فلابدَّ عنده من
ذبح الجنين إذا خرج حياً. ومنهم مَن يرويه بنصب الذكاتين، أي: ذكّوا
الجنينَ ذكاةً أمه)) انتهى كلام ابن الأثير.
((فعلى الروايتين الأخيرتين لابدَّ من تذكية الجنين ليحلَّ أكلُه،
والرواية الأولى تحتمل معنيين أحدهما: إغناء ذكاة الأم عن ذكاة
الجنين، والآخر أن ذكاة الجنين تكون على طِبْق ذكاة الأم بطريق التشبيه
البليغ)»(١) .
وقد أخذَ بمقتضى الرواية المشهورة - وهي رفع ((ذكاة)) في المرة
الأولى والثانية - الإمام الشافعي وغيره.
وأخذ بمقتضى الروايتين الثانيتين الإمام أبو حنيفة وغيره - ومنهم ابن
حزم الظاهري(٢) - وكلٌ من الطرفين أيَّد مذهبه بأدلةٍ أخرى. والله أعلم.
ثم رأيت القاضي عياضاً رحمه الله قال في كتابه البديع ((الإلماع)) (٣)
وهو ينبِّه إلى ضرورة الضبط والتقييد والشكل: ((وقد وقع الخلاف بين
(١) من ((النكت الطريفة)) للعلامة الكوثري رحمه الله ص ٦٢. فإن قيل: هذا
يحتاج إلى إثبات صحة رواية النصب. فالجواب هو ماسيأتي في آخر الرسالة
عند رة الشبهة الأخيرة حول السبب الرابع. وأكرر التنبيه الذي ذكرته تعليقاً
ص ٤٠ من أن ما أذكره من مذاهب العلماء وأدلتهم: هو ما تقتضيه المناسبة
وتُعين عليه، وإلا فلكل قول ومذهب أدلته الأخرى الكثيرة في كل مسألة.
(٢) انظر ((المحلى)» ٤١٩:٧.
(٣) صفحة ١٥٠.
٥١
العلماء بسبب اختلافهم في الإعراب:
١ - كاختلافهم في قوله عليه السلام: ((ذكاة الجنين ذكاة أمه))
فالحنفية ترجِّح فتح ((ذكاة)) الثانية، على مذهبها في أنه يُذَكَّى مثلَ ذكاة
أمه . وغيرهم من المالكية والشافعية ترجِّح الرفع، لإسقاطهم ذكاته.
٢ - وكذلك قوله عليه السلام ((لانُوْرَث، ما تركناه صدقةٌ)). الجماعة:
ترجّح روايتها برفع ((صدقة)) على خبر المبتدأ ، على مذهبها في أن
الأنبياء لاتُورَث، وغيرُهم من الإمامية يرجِّح الفتح على التمييز لما
تركوه صدقة: أنه لايورثُ دون غير ماترك صدقة (١). وإذا كان هذا : لم
يكن فرق بينهم وبين غيرهم ، ولم يكن معنىً لتخصيصه الأنبياء ، وقد
أجاز النحاس نصبه على الحال (٢).
٣ - وكذلك قوله في الحديث: ((هو لكَ عبد بن زمعة)). رواية
الجماعة رفع ((عبد)) على النداء، وَإِتْباع ((ابن)) له، على الوجهين في
نعت المنادى المفرد : من الضم والفتح .
والحنفية ترجّح تنوينَ ((عبد)) على الابتداء، أي: هو الولد لك
عبدٌ، وتَنصب ((ابن زمعة)) على النداء المضاف .
في كثير مما لا يُحصى من هذا)» .
٤ - ويمكن التمثيل بمثال آخر، وهو قوله {#: «في كلِّ سائمةِ إبلٍ
في أربعين: بنتُ لَبون، لايُفرَّق إبلٌ عن حسابها، مَن أعطاها مُؤتَجراً
(١) وعبارة شيخ الإسلام زكريا الأنصاري رحمه الله في ((فتح الباقي)) ١٢٠:٢ :
((والمعتزلي ينصبها - صدقة - تمييزاً، ويجعل ((ماتركنا)» مفعولاً ثانياً لـ
(نُوَرِّث)). أي: لانورِّث ماتركناه صدقةً، بل ملكاً).
(٢) وانظر توجيهاً آخر له عند ابن مالك في ((شواهد التوضيح)) ص ١٥٤.
٥٢
- أي: طالباً الأجرَ - فله أجرُها، ومَن منعها فإنا آخِذوها وشَطْرَ مالِه،
عزمةٌ من عَزَمات ربنا عزَّ وجل، وليس لآل محمد منها شيء)) رواه أبو
داود والنسائي(١).
فاختلف في ضبط ((وشطر ماله)) هل هو بفتح الشين والراء ، وهو
مضافٌ وما بعده مضاف إليه ؟ أو هو بضم الشين وكسرِ الطاء المشدَّدة
وفتح الراء (وشُطّرّ) على أنه فعل ماض مبنيّ لما لم يُسمَّ فاعله ، وما
بعده نائب فاعل ؟ .
ويختلف معنى الحديث بناءً على اختلاف الضبط ، إذْ أن معناه على
الوجه الأول (( وشَطْرَ ماله)): أنَّ منْ منع الزكاةَ عُوقب بأخذها من
ماله ، مضافاً إليها أَخْذُ نصف ماله أيضاً، وهذا هو الوجه المشهور ،
إلا أن جماهير الأئمة لم يعملوا به ، ولهذا الوجه صلةٌ بمسألة العقوبة
والتعزير بأخذ المال ، وقد ذكروا أن الإمام أحمد قد أخذ بشيء من
هذا، والله أعلم(٢).
ويكون معناه على الوجه الثاني « وشُطِّرَ مالُه)): أن يُجعلَ ماله
شطرين ، فيتخيّرَ عليه المصَدِّق - جابي الزكاة - ويأخذَ الصدقة من خير
الشطرين . وهذا مارجَّحه الإمام إبراهيم الحربي أحدُ أجلّة أصحاب
الإمام أحمد وكان يُقَاس به في علمه وورعه وزهده ، ونَسبَ الحربيُّ
الراويّ إلى الغلط في رواية الحديث .
(١) أبو داود ٢٣٣:٢ (١٥٧٥)، والنسائي (الصغرى) ١٥:٥ (٢٤٤٤).
(٢) انظر ((الحسبة في الإسلام)) ص ٣١ للإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى. وانظر
أيضاً ((شرح القاموس)) للزَّبيدي آخر مادة ((ش طر)». وتخريج الحديث في
((التلخيص الحبير" ١٦٠:٢، و((فتح الباري)) ١٢٣:١٧ آخر شرحه للحديث
الأول من كتاب التوحيد.
٥٣
وقبل أن أنتقل إلى الكلام عن السبب الثاني ، لابدَّ من التعرض
للحديث عن شبهتين تعيشان في أذهان كثيرين من الناس ، هما :
- إذا صحَّ الحديثُ فهو مذهبي .
- صحةُ الحديث كافيةٌ للعمل به .
ويَسْبِكون الشبهة الأولى كما يلي ، يقولون :
قال الإمام الشافعي رضي الله عنه : إذا صحّ الحديثُ فهو مذهبي ،
وها قد صحَّ الحديث ، فهو في الصحيحين - مثلاً - فإذا عَمِلنا به ،
نكون قد عملنا بسنة ثابتة ، وعملنا بمذهب إمام معتبر من أئمة
المسلمين ، ولا يليق بمنطق العلم أن نقول : مذهب الشافعي هو الذي
دُوِّن عنه في كتب مذهبه فقط !.
والجواب أن نقول: إن كلمة ((إذا صح الحديث فهو مذهبي)) قالها
الإمام الشافعي وغيرُه من الأئمة ، بل هي لسانُ حالِ كلِّ مسلمٍ عَقَل
معنى قول (( لا إله إلا الله محمد رسول الله)).
وقد نقل كلمةَ الشافعي هذه ابنُ كثير في ((تفسيره)) آخرَ بحثه في
الصلاة الوسطى وأنها صلاة العصر، وعلَّق بقوله: «هذا من سيادته
وأمانته، وهذا نَّفَس إخوانه من الأئمة رحمهم الله ورضي عنهم
آجمعین)» .
وقد قال الحافظ أبو زرعة العراقي في ((الأجوبة المرضية)» ص ٦٨:
((لا يسوغ عندي لمن هو من أهل الفهم ومعرفة صحيح الحديث من
سقيمه، والتمكّن من علمي الأصول والعربية، ومعرفة خلاف السلف
ومأخذهم، إذا وجد حديثاً صحيحاً على خلاف قول مقلَّده: أن يترك
ت
٥٤
الحديث ويعمل بقول إمامه))(١).
غير أن مرادهم من قولهم هذا هو : إذا صَلّحَ الحديث للعمل به فهو
مذهبي . وأدعُ توضيح هذا إلى عدد من الأئمة في مذاهبهم الثلاثة :
الحنفي والشافعي والمالكي ، فقد بيّنوا أن هذا هو المراد ، كما بينوا مَن
يَصلُح لذلك .
أما من الحنفية : فقد قال العلامةُ ابنُ الشِّخنة الكبيرُ الحلبيُّ الحنفيُّ
شيخ الكمالِ ابن الهمام رحمهما الله تعالى، في أوائل شرحه على
((الهداية)) مانصه: ((إذا صح الحديثُ وكان على خلاف المذهب ،
عُمِل بالحديث ، ويكون ذلك مذهبَه ، ولا يَخرج مقلِّده عن كونه حنفياً
بالعمل به ، فقد صحَّ عنه - عن الإمام أبي حنيفة - أنه قال: إذا صحّ
الحديث فهو مذهبي ، وقد حكى ذلك ابنُ عبد البر عن أبي حنيفة
وغيره من الأئمة)) . انتهى كلام ابن الشحنة .
ونقل كلامَه هذا ابنُّ عابدينَ(٢) وعلّق عليه بقوله: ((ونَقَله أيضاً الإمامُ
الشَّعْراني عن الأئمة الأربعة. ولا يخفى أن ذلك لمن كان أهلاً للنظر في
النصوص ، ومعرفةِ محكمها من منسوخها ، فإذا نظر أهلُ المذهب في
الدليل وعَمِلوا به: صحَّ نسبتُه إلى المذهب، لكونه صادراً بإذن صاحب
المذهب، إذْ لاشك لو عَلم بضعف دليله رَجَع عنه واتَّبع الدليلَ
الأقوى)» .
(١) وسيأتيك كلامُ ابن الشحنة بعد أسطر، وكلامُ ابن الصلاح ص ٦١، لكن تأملْ
وقع قول أبي زرعة هذا: (( ... ومعرفةِ خلاف السلف ومأخذهم)»، فإنه
صريح في الاطلاع على أدلة أقوالهم، وماذاك إلا للاستعانة بها في المحاكمة
بين أقوالهم. وهذا مقام علمي رفيع ندر المتأهّلون له، أو فُقدوا.
(٢) أول حاشيته ١: ٦٨.
٥٥
وقال أيضاً(١): ((ماصحّ فيه الخبر بلا معارض فهو مذهب للمجتهد
وإن لم ينصَّ عليه، لما قدمناه في الخطبة عن الحافظ ابن عبدالبر والعارف
الشعراني، عن كلّ من الأئمة الأربعة أنه قال: إذا صح الحديث فهو
مذهبي)».
وقد تعرّض ابنُ عابدينَ لهذا القول أيضاً في رسالته ((شرح رسم
المفتي)»(٢) ونَقَلَ كلامَ ابن الشحنة وقيّده بما فيَّده به في كلامه السابقِ
نَقْلُه عن ((حاشيته)) بالحرف الواحد، ثم زاد قيداً آخرَ فقال: ((وأقول
أيضاً: ينبغي تقييدُ ذلك بما إذا وافق قولاً في المذهب، إذْ لم يأذنوا في
الاجتهاد فيما خَرَج عن المذهب مما اتفق عليه أئمتنا ، لأنَّ اجتهادَهم
أقوى من اجتهاده، فالظاهر أنهم رأوا دليلاً أرجحَ مما رآه حتى لم
يعملوا به)) (٣).
وأُحبُّ أن ألِفِتَ النظر إلى أمرين :
أحدهما: أن بعضَ المغرِّرين نقل كلامَ ابن الشُّخنة هذا عن حاشية
ابن عابدين، وأوهمَ الناسَ أن ابن عابدين سكت عنه ، وأفهمَهم أن هذا
هو رأيُ علماءِ المذهب ، ولاسيما ابنُّ عابدين رحمه الله ، الذي هو
خاتمة المحققين المتأخرين في المذهب .
كما فَعَلوا مثلَ ذلك في نقلهم عباراتٍ كهذه عن (« الميزان الكبرى )»
للشَّعراني رحمه الله ، وتستَّروا وراء كلامه ، وقالوا للناس : إنه عالمٌ
معتبرٌ صوفيٍّ مقبولٌ كلامهُ عند أتباع أئمة المذاهب ! وهو كذلك .
(١) ٢٥٨:١.
(٢) ٢٤:١ من ((مجموع رسائل ابن عابدين)).
(٣) ثم قال ص ٢٥: «لكن ربما عدلوا عما اتفق عليه أئمتنا لضرورة ونحوها،
كما مر في مسألة الاستئجار على تعليم القرآن ونحوه من الطاعات)).
٥٦
ولكنه : كلام حقّ أُريد به باطل ، ولُبِّس ثوبَ باطل .
ثانيهما: أنَّ قولَ ابنِ عابدين رحمه الله في تعليقه على كلام ابن
الشِّخْنة: ((ولا يخفى أن ذلك لمن كان أهلاً .. )): قولٌ له أهميته البالغة،
إذْ أن كلمة (( ولايخفى)) هي بمنزلة قولنا نحن في مخاطباتنا اليوم:
وبَدَهي. فهو - رحمه الله - يعتبر هذا التقييد من الأمور البَدَهيات
المسلّمات، ومما لايجوز التغافل عنه أو التوقف في قبوله، فمن
البَدَهيات - مثلاً - أن قول القائل: الشمس طالعة، يفيد أن الوقت نهارٌ
لا ليل، فكذلك قول الإمام : إذا صح الحديث فهو مذهبي ، يفيد إفادة
بَدَهية مسلّمة لا توقُّف فيها : أن ذلك لمن كان أهلاً للنظر في النصوص
ومعرفة ناسخها ومنسوخها ، وغير ذلك ، فلا يجوز للجهلاء أو
( أنصاف ) المتعلِّمين المغرورين أن يتجرؤوا على هذا المقام ! .
وقد أغفل هؤلاء المغرِّرون المشوِّشون هذا القيد الذي لابدَّ منه ،
وإنا لله وإنا إليه راجعون .
ونقل كلامَ ابن الشِّحنة وتقييدَ ابن عابدين له في ((الحاشية)): العلامةُ
المفسِّرُ المحدثُ الفقيه فضيلة الشيخ عبد الغفار عيون السود الحمصيّ
الحنفي رحمه الله تعالى (المولود في صفر عام ١٢٩٠، والمتوفى ٢٧ من
شهر ربيع الثاني عام ١٣٤٩) في رسالته النافعة الماتعة «دفع الأوهام عن
مسألة القراءة خلف الإمام)» (١) وقال: ((هو تقييد حسن، لأنا نرى في
زماننا كثيراً ممن يُنسب إلى العلم مغتراً في نفسه، يظنُّ أنه فوق الثريا
وهو في الحضيض الأسفل ، فربما يطالع كتاباً من الكتب الستة - مثلاً -
فيرى فيه حديثاً مخالفاً لمذهب أبي حنيفة فيقول : إضربوا مذهب أبي
حنيفة على عُرض الحائط، وخذوا بحديث رسول الله ال# ، وقد يكون
(١) صفحة ١٥,
٥٧
هذا الحديث منسوخاً أو معارضاً بما هو أقوى منه سنداً ، أو نحو ذلك
من موجبات عدم العمل به ، وهو لايعلم بذلك، فلو فُوِّض لمثل هؤلاء
العملُ بالحديث مطلقاً: لضلّوا في كثيرٍ من المسائل، وأضلوا مَن أتاهم
من سائل))(١).
وهنا تثورُ ثائرة أدعياء الدعوة إلى العمل بالسنة فيقولون: هل يجوز
لكم أن تحكموا بالضلال على من يعمل بالسنة ويفتي الناس بها؟!
فنقول: نعم إذا لم يكن أهلاً لهذا المقام، فحكمنا عليه بالضلال لا
لعمله بالسنة، معاذ الله، بل لتجرّئه على ماليس أهلاً له .
وقد سَبَقَنا إلى هذا الحكم إمام من أئمة العلم بالحديث والفقه، هو
الإمام أبو محمد عبدالله بن وهب المصري أحدُ أجلاء تلامذة الإمام
مالك في المدينة المنورة، والإمام الليث بن سعد في مصر، قال رحمه الله:
(الحديث مَضِلَّة إلا للعلماء))(٢).
(١) ولِيُعلَم وَفْعُ هذا الكلام ومَن المراد به، أذكر سبب تأليف الشيخ لرسالته
المنقول عنها، كما حدَّثني به ابنُ أخيه شيخنا العلامة الشيخ عبد العزيز عيون
السود رحمه الله تعالى، قال لي: جاء رجل من طرابُلُس - الشام - إلى حمص،
وقال للشيخ - يريد عمَّه -: إنه ظَهَر عندنا رجل يقول: مَن لم يقرأ بفاتحة
الكتاب خلف الإمام فهو كافر! فقيل له في ذلك؟ فقال: لأن من لم يقرأها لم
تصحّ صلاته، ومن لم تصحّ صلاته فكأنه لم يُصلِّ، ومن لم يصلِّ فهو كافر !!.
وألحَّ هذا الرجل الطرابلسي في الرجاء أن يكتب له الشيخ - عبد الغفار - جواباً
شافياً، فكتب له هذا الرسالة في مجلس واحد خلال ساعتين، وسماها «دفع
الأوهام)) وأعطاها للرجل، ثم عَرَضها الشيخُ على بعض علماء حمص،
فقرَّظوها له، ثم طبعها، رحمه الله .
قلت: وكلام هذا (المتمجهد) يذكِّرنا بقول القائل:
حُجَجْ تَكَاسَرُ كالزُّجاج تَخالها حقاً، وكلُّ كاسِرٌ مكسورُ
(٢) كما في «ترتيب المدارك) ٩٦:١ للإمام القاضي عياض رحمه الله. وانظر=
٥٨
وقال الإمام ابن أبي زيد القَيْرواني رحمه الله: (( قال ابن عيينة :
(«الحديث مَضِلَّة إلا للفقهاء» يريد: أن غيرهم قد يحمل شيئاً على ظاهره
وله تأويلٌ من حديثٍ غيره، أو دليلٌ يخفى عليه، أو متروٌ أوجَبَ تَركّه
غيرُ شيء، مما لا يقوم به إلا من استبحر وتفقّه)»(١).
وأما من الشافعية : فقد تعرَّض لهذا القول باختصار الإمامُ النووي
رحمه الله في ((تهذيب الأسماء واللغات)) (٢) فقال: ((احتاط الشافعي
رحمه الله فقال ماهو ثابتٌ عنه من أوجهٍ من وصيته بالعمل بالحديث
الصحيح، وتَرْكِ قوله المخالفِ للنص الثابت الصريح ، وقد امتثل
أصحابُنا رحمهم الله وصيتَه وعملوا بها في مسائل كثيرةٍ مشهورة، كمسألة
التثويب في أذان الصبح ، واشتراط التحلّل في الحج بعذر المرض
ونحوهِ ، وغير ذلك مماهو معروف. ولكن لهذا شرطَ قلَّ من يتَّصفُ به
في هذه الأزمان(٣)، وقد أوضحتُه في مقدمة شرح المهذَّب)).
=
ماسيأتي ص ٧٣ فما بعدها.
(١) ((الجامع)) ص ١١٨، وأخذه منه شيخ المالكية للمتأخرين خليل بن إسحاق
الجُنْدي صاحب ((المختصر)) الشهير، فقاله في خاتمة كتابه ((الجامع)) أيضاً -
وهو مخطوط في دار الكتب الوطنية بتونس ..
وانظر تفسير هذا القول نحو ما تقدم للعلامة ابن حجر المكي في ((فتاويه
الحديثية)) ص ٢٨٣.
(٢) ٥١:١.
(٣) زمن النووي رحمه الله (٦٣١ هـ - ٦٧٦ هـ) لا أزماننا هذه !.
وقد يخطر ببال مغالط: أنه قد يوجد في ذلك الزمان أناسٌ يتطاولون إلى مقام
الاجتهاد، فتكون كلمة النووي هذه موجهةً إلى أولئك، لا إلى العلماء !.
وأقول: إن سيادة العلم والعلماء في ذلك الزمان - القرن السابع - الذي في
أوله مثلُ الفخر الرازي، ثم مثل ابن الصلاح، والمنذري، والعز ابن
عبدالسلام، والقُرطبيين: المفسر والمحدث، وابنَّيْ المنيِّر، وأبي الحسن ابن =