النص المفهرس
صفحات 1-20
فِالْخْلَافِ الأَثِمَّةِ الْفُقَصَاءِ بقَلم محمّد عوامة أن الحادثةِ الشَّرِق فِي ◌َخْلَافِ الأَئِمَّةِ الْقُقَهَاءِرَضِاللَّهُ عَهُم بقلم محمّد عوامة حقوق الطبع محفوظة للمؤلف الطبعة الرابعة ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧م قامَت بطباعته وإخراجه دار البشائر الإسلاميّة للطبَاعَة وَالنشرَ وَالتَّوزيع الله هدَاء إلى رُوع الأسْنَاذِ الحُجَّةِ المُحُدِّثِ الْأُصُولِيِ الفَقَيْهِاللّغَوَيّ النَّظَّار الشيخ عبد الفتّاح أبو غدة رَحِمَهُ اللَّه تَعَالى المتوفى سحر الأحد التاسع من شوال - ١٤١٧ هـ من تلميذه محمّد عَوّامة مِنْكَ أَسْتَفَدْنَا حُسْنَهُ، وَنظَامَهُ لَا تُنْكِنْ إِهْدَاءَ نَا لَكَ مَنْطِقًا يَتْلُو عَلَيْهِ وَحْيَهُ وَكَلَامَهُ فَاللَّهُ عَنَّوَجَلّ يَشْكُرُ فِعْلَمَنْ ابن طَبَّاطَبَا . . ....... ....... .... .... ٥ ٨ المجيد تقدمة الطبعة الثانية - والرابعة معاً -: الحمد لله ربِّ العالمين الآمر بقوله: ﴿﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةٌ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآيِفَةٌ لِيَنَّفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَتِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾. والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين سيدنا محمدِ بنِ عبد الله النبيِّ الأُمِّ، القائل: «يَحمِلُ هذا العلمَ من كلِّ خَلَفِ عُدولُه، يَنْفُون عنه تحريفَ الغالين، وانتحالَ المبطِلين ، وتأويلَ الجاهلين)»(١). وبعد : فهذه هي الطبعة الثانية - والرابعة(٢) - من ((أثر الحديث الشريف)) أَقدِّمها إلى السادة القراء بعد مدة طويلة من نفادها، وإلحاح كثيرٍ على تقديمها وإعادة نشرها . (١) رواه نحو العشرة من الصحابة، وهو مختلف في قبوله ورده، ونُقل عن الإمام أحمد تصحيحه، وأظنه أراد مطلقَ القبول لا الصحةَ الاصطلاحية، وقال العلائي في ((بغية الملتمس)) ص ٣٤: حديث حسن غريب صحيح. (٢) وكانت الطبعة الثالثة تصويراً للطبعة الثانية، أُضيف إليها الملحق الذي تجده ٠ ٠ ٠٨٥ ٢٠٣ ٦ ومعلومٌ لدى جماهير القراء لهذه الصفحات مافي موضوعها من خُطورة وأهمية، وما من قارىء لها إلا وهو مُثْنِ عليها وقادحٌ لها، ومع ذلك : فلا تَسمع الأقوالَ من كلِّ جانب فلا بدَّ من مُثْنٍ عليك وقادحٍ (١) وحسبي أنني قَدَّمتُ ما أعتقدُ أنه دفاعٌ عن خطٌّ سلفِ الأمة وخلفها، وحاولتُ تثبيت الوجهة الصحيحة في نفوس شبابنا، ورددتُ عن معتقدهم شُبهاتِ أناس عاشوا في عصر اضطرابٍ في الفكر والسياسة والاقتصاد ... وعصر الثورة على كل مألوف، فأحبُّوا إدخالَه على المفاهيم الدينية، فصار - عندهم - الخروجُ عن المألوف عند علمائنا المتأخرين محبوباً لديهم، مرغوباً فيه، يُعتبر القائمُ به - أُوْ قل: القائم بوِزره - مجدّداً في الدين، داعيةً إسلامياً، تُخلَع عليه الألقاب، وتنْسج (٢) له الدعايات وقد لقيتْ هذه الصفحاتُ الوجيزةُ قبولاً ورضاً عند سادة من أهل العلم والفضل، ومِن عِلْية هؤلاء ومَن أعتزُّ بقبولهم ورضاهم بها: شيخنا العلامة الكبير، مرجع أهل العلم والفضل، والرأي والنُّبل في شبه القارة الهندية خاصةً، ومن جميع عارفيه عامة، شيخُ الحديث الشيخ محمد زكريا الكانْدِهْلِوي، (المتوفَّى غُرة شعبان ١٤٠٢ هـ ودفين البقيع) رحمه الله تعالى، فقد تفضَّل بالاستماع إلى فِهْرِسها من أحد تلامذته - وأنا جالس بحضرته - فَسُرَّ بها وقال لتلميذه: يجب قراءتها بتمامها، ثم تفضَّل بالاستماع إليها كاملة - وهو على سرير مرضه - < (١) من أبيات للإمام محمد مرتضى الزبيدي شارح ((الإحياء)) و((القاموس)). (٢) وهذه رزيّة من كبرى الرزايا التي دخلت على العلم، والتفصيل فيها والتحذير منها من واجبات أهل العلم. ٧ عوَّضه الله الجنة، ثم زادني تفضلاً بإملاء كلمة يجدُها القارىء قريباً. ثم كان من فضل الله تعالى ومزيد توفيقه أن اطلع عليها لمناسبة علمية (١) مربِّي العلماء والأجيال سليل الفقه والفقهاء العلامة الحجة الأستاذ الشيخ مصطفى الزرقاء حفظه الله تعالى وأمتع المجامع العلمية والفقهية بحياته سليماً معافى، فنالتْ رضاه وإعجابه، والحمد لله، وتفضَّل بكتابة كلمة كريمة، على زحمة أعماله العلمية، جزاه الله خيراً، وقد أثقل كاهلي بعبء (بناء الجسر العلميّ) فإنه أمر عظيمُ الأهمية في ذاته، وكثيرُ المعوِّقات في هذا الزمن الذي استسهل فيه أهلُه الروايةَ وأعرضوا عن الدراية! أسألُ الله عز وجل الإعانة عليه والتوفيق فيه. وسيجد القارىء كلمته قريباً آخر هذه المقدمة. كما لقيتُ بسببها أذىّ أُحتسبُ أجري على الصبر عليه عند الله ربٍّ العالمين، مالكِ يوم الدين والفَصْلِ والجزاء. - قالوا: إنها عداءٌ مكشوف لأهل الحديث، ومحادّة لهم ومضادَّة !. ومعاذ الله أن يكون شيء من هذا، ولو حرفاً واحداً يخطّه قلمي أو يتلفَّظُ به لساني، فإن كان تقديرُ الفقه والفقهاء، وبيانُ فضلهم في فهم الشريعة على السداد - سواء أكانوا محدثين أم علماءَ فقه - يُعَدُّ مضادَّة للحديث، فالجواب : وكم مِن عائب قولاً صحيحاً وآفتُه من الفهم السقيم وحسبي أن هناك وقفةٌ تكون عما قريب بين يدي رب العالمين، ينتصفُ الله تعالى فيها للمظلوم من الظالم. (١) انظر مقدمة رسالته («الفقه الإسلامي ومدارسه)»، طبع دار القلم والدار الشامية، الطبعة الأولى سنة ١٤١٦. ٨ والله يعلم مني أني ماكتبت هذه الصفحاتِ إلا دفاعاً عن الحديث الشريف سندِ الشريعة الغَرَّاء: أن يعبث بها العابثون باسم: الحديث الشريف والسنة المطهرة . أوَليس الفقهُ الإسلامي ثمرةً الكتاب والسنة، وتنسيقاً بين أحكامهما، فكيف يكون الدفاع عن الثمرة عداءً لأصلها؟! لكن الأمر على خلاف ذلك عند الجهلة راكبي رؤوسهم سفاهةً وحُمقاً، فإنهم يرون كلَّ دفاع عن إمام فقيه، أو عن الفقه: تعصباً، وتقليداً أعمى .. وماشئتَ من نَبْذ ونَبْز بالألقاب، لإعراض الناس عن هذا الرجل والاستفادة من علمه وكتبه، وليظهر هو المتحرِّرَ علمياً وفكرياً ..! حتى كأنهم يريدون أن يُدخلوا على العلم والدين المصطلحَ الزائغ: فلان تقدميٌّ وفلان رجعيٌّ !!. لقد جاءني شابٌ عاملُ ميكانيك في معمل نسيج في بلدنا حلب، وكان مجيئه عقب صلاة العشاء في ليلة من ليالي الشتاء الطويلة، وهو يتكلّم بأعصاب باردة - كعادة أولياء أمره - ومكثَ إلى الساعة الثانيةَ عشْرةَ ليلاً، فلم أخرج معه بنتيجة - والحمد لله - لأنه جاهلٌ لايفهم ضابطاً علمياً أَوقِفُه عنده، وما حَمَلني على الصبر عليه هذه الفترة الطويلة إلا مراقبة الله تعالى والشعور بالمسئولية . كان يحمل بيده ورقةً فيها حديثُ الإمام مسلم في ((صحيحه)» في الوضوء من لحوم الإبل، وكلامُ النووي رحمه الله في اختياره العملَ بالحديث مخالفاً مذهبه، وفيها: إذا صح الحديث فهو مذهبي، وفيها ذِكْرٌ للكمال ابن الهُمَام وعبد الحي اللَّكنوي رحمهما الله. ويريد هذا (العامل العالم!) أن يُلزِمَ أبا حنيفة والشافعيَّ بالقول بوجوب الوضوء من لحوم الإبل، لأنهما قالا: إذا صح الحديث فهو ٩ مذهبي، وقد صح الحديث . وكان من (عِلْمِهِ) أنه حينما قرأ عليَّ اسم ابن الهُمَام، قرأه هكذا: ابنِ الهَمَّام! وحينما قرأ عليَّ اسم اللكْنوي، قرأه: اللكْنَوي !!. وأنا أسأل القراءَ بالله: أيُّ غيور على سنة النبي الكريم صلّ، وعلى فقه الإسلام المستَمَدُّ من الكتاب والسنة: يصبر على هؤلاء العابثين المغرّرين المشوِّشين، وهؤلاء المخدوعون أثرٌ من آثارهم !!. ومَنْ هو المتعصبُ حقاً: الذي يحدُّ من نشاط هؤلاء الخادعين المخدوعين، ويصحح مفاهيمهم لهذا الدين؟! أم هم هؤلاء الخادعون المضلّلون لشبابنا، المجرّئون لهم على مقام الاجتهاد والمجتهدين، يتركونهم يعبثون بقداسة الإسلام؟ !. وهذه هي إحدى بلايا هؤلاء المتهورين: أنهم يقرؤون مخالفة من الإمام النووي - مثلاً - والسبكي ونحوهما لمذهبهم الشافعي، ومخالفة من العيني وابن الهمام وأمثالهما لمذهبهما الحنفي، ومخالفة من ابن تيمية وابن القيم وأمثالهما لمذهبهم الحنبلي، ويحتجون بذلك على أن الأئمة المجتهدين يقع منهم الخطأ، ولاتجوز متابعتهم، فعلينا مخالفتهم، كما حصل لهؤلاء العلماء! وهذا صحيح من حيثُ الجملةُ، لكنه مدخولٌ من حيثُ إنه قياس مع الفارق، فمَن مِن هؤلاء النابتة مثل: النووي والسبكي والعيني وابن الهمام وابن تيمية وابن القيم؟؟ !. - وآخر: يمشي في الناس ويُشهِّر ويُشَنِّع، وهو إن أراد أن يكتب مسألةً أو يتحدَّث بها، لا يتعدَّى طوره: مراجعةَ كتابٍ واحد، إنْ دَرَى كيف يُراجع فيه، واستطاع أن يقرأ صواباً، وأن يفهم ما يقرأ فهماً صحيحاً !. - وثالثٌ آخر: اعتاد أن يَخرُجَ على الناس بين الحين والآخر بكتابٍ ١٠ من تأليفه أو تحقيقه، ويُخصِّصَ مقدمته للسباب والشتائم، والإقذاع والوقيعة، لا يريد أن يوجدَ في الدنيا مَن يُمسكُ قلماً إلا وهو خاضعٌ أمامه، وارثٌ من إقذاعه وبذاءته، أَعْشَتْه غطرَسَتُه عن أنْ يَرى غيرَه أهلاً لعلم أو رأي أو فهم. وينطبق على منهجه قولُ بعض أهل العلم: تَفتحون للناس باب الاجتهاد، وتُلزِمونھم باتباعكم !!. فسوَد ثمانيَ صفحات من هذه البذاءة، في مقدمته لرسالة نعمان الآلوسي ((الآيات البيّنات)) بحيثُ يَرباً عن مجاراته في مثلها زملاؤه في مهنته، أو أبناءُ شارعه ومحلَّته، اللهم إلا مَن تخرَّج في مدرسته وعلى يديه في وقيعته: فنعم. وليس فيما كتب علمٌ يُجاب عنه أو يُفَهَّم إياه، إلا كلمتان لابن الصلاح والتقي السُّبْكي رحمهما الله تعالى، وقد أجبتُ عنهما بحمد الله، وبيَّنت جهله(١)، فإنه نادى على نفسه بتصديقٍ مايقوله فيه عارفوه: إنه لا يفقه في علم الأصول نَقيراً ولا قِطميراً. ثم رأيته في مقدمة أخرى لكتاب آخر، فسَّر كلمةٌ لي بغير مايفيده سِباقها ولِحَاقها وسياقها، ولا أدري هل هو جهل أو تجاهل؟ وأحلاهما مر (٢). - ورابع في المسمَّى، وهو ثالث في العدد، لأنه بوقٌ وصَدىّ لمن قبله، قد ردّد بذاءته وكرَّر إقذاعه زاعماً أن هذا الكتاب قد حذَّر منه العلماء !! مع أن الكتاب - والحمد لله - يمثّل رأي جماهير الأمة: علمائها ومتعلِّميها (١) صفحة ٧٠، ٩٥ _٩٨. (٢) صفحة ٧١. ١١ على مدى القرون المتطاولة(١). ثم إنه يزعم أنه متحرِّر غير مقلِّد ولامتعصِّب! ولا أدري ما الذي جعله يلتوي ويغيِّر منطقه عما سلف؟ !! حقيقة ذلك عند عالم الغيب والشهادة. وبعدُ ثانيةً : فهذا مايسَّر الله تعالى إضافته، تشييداً للحق الذي أعتقده، وهدماً للباطل الذي أجتنبه، أرجو من فضل الله الكريم أن يجعل فيه الهداية في قلوب المنصفين والقارئين له بقصد الاستفادة، وأما من يقرؤه عناداً أو انتقاداً فيكفيهم حرمانُ الاستفادة، ولاشأن لي بهم بعد اليوم: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ فَيَذْهَبُ جُفَاءٍ وَأَمَّا مَا يَنَفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِ اَلْأَرْضِ﴾ . اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولمشايخنا ولأهلينا وأولادنا وذرياتنا وللمسلمين، وصلَّى الله وسلّم على سيدنا ومولانا محمد، وعلى آله وصحبه، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين. والحمد لله رب العالمين. في المدينة المنورة ١٦/ من شعبان ١٤٠٦ هـ ٢٢/ من شعبان ١٤١٦ هـ وكتبه محمّد عَوَّاسَة (١) وانظر الملحق الآتي ص ١٩٩ - ٢٠٣، لترى أن هذا الكتاب يلتقي تماماً مع الملحق في التوجُّه، بل إنهما يغترفان من معدن واحد، واحكم بعد ذلك: هل حذَّر من هذا الكتاب العلماء أو الجهال؟ !. ١٢ كلمة مولانا محمد زكريا الكاندهلوي رحمه الله تعالى بِسْمِ اللهِ الرّمِ الرَّّيِ الحمد لله الذي توالتْ علينا نَعماؤه، واتصلتْ بنا آلاؤه، والصلاة والسلام على سيد خلقه محمد الذي تمَّ حُسْنه وبهاؤه، وعمَّ لنصح الخلق جهده وبلاؤه، وعلى آله وأصحابه الذين اقتبسوا نور حديثه، ونالهم ضياؤه، وعلى من اتّبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد : فإن الله تعالى جعل في هذه الأمة حُفَّاظاً للكتاب المبين، ولسنن سيد الأولين والآخرين، وَ*، وخصَّ بمزيد كرامته منهم أصحابَ الحديث والفقه، الذين ميَّزوا بين القوي والضعيف، واستنبطوا من الحسن والصحيح، فاستخرجوا الأحكام فيما لم يجدوا فيه النص الصريح، واختاروا ماترجَّح عندهم بعد تتبّع الأخبار، وإعمال الأفكار، وصرف الأعمار، في دَرْك الناسخ والمنسوخ من الآثار، وخاضوا في لُجَج المباني ودرك المعاني، فَمَهروا الأبواب والفصول، وأخذوا الفروع من الأصول، أمطر الله تعالى عليهم شآبيبَ الرحمة والرضوان، وأسكنهم بُحبوحَة الجنان. وكان لهم شأنٌ كبير في تطبيقٍ ماتعارض، وترجيح ما اختلف، وتوضيح ما أشكل، وتفسيرٍ ماأَجْمِل، لكنهم مع اتُّحاد المقصود، وائتلاف القلوب، اختلفوا في كثير من المسائل والأحكام، للاختلاف ١٣ في وجوه الترجيح، وطرق الاستنباط. وكان هذا الخلاف أمراً طَبَعياً لازماً ليس فيه أيُّ نُكْر وشناعة، بل هو رحمة للأمة، كما تقرر عند العلماء الأعلام. وحيث إن الناس أعداءٌ لما جهلوا، جَعَل مَن لامِساس له بالعلم والفهم يعترض على الأئمة الفقهاء، ويقعُ فيهم بلسان حديد، ولأجل ذلك صنَّ المتقدمون منهم والمتأخرون كتباً ورسائل في أسباب الخلاف، كـ(رفع الملام عن الأئمة الأعلام)) للحافظ الكبير، والعلامة الناقد البصير أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحرّاني، وكـالبداية المجتهد)» للقاضي أبي الوليد ابن رُشْد القرطبي رحمهما الله تعالى. ولي رسالةٌ في هذا الموضوع في الأُرْدُوية صنَّقَتُها في عُنْفوان شبابي وسمَّيْتُها بـ((اختلاف الأئمة)) انتفع بها الناس كثيراً، والحمد لله تعالى على ذلك . ويرجع الفضل في هذا العصر إلى أخينا الفاضل العلامة الشيخ محمد عوامة، فإنه ألقى محاضرة قيمة حول هذا الموضوع قبل ثلاث سنوات في جامع الروضة بحلب، ثم جعلها في رسالة مستقلة بعد حذف وإبرام، سماها ((أثر الحديث الشريف في اختلاف الأئمة الفقهاء». وحيث إني لاأكاد أستطيع المطالعة بنفسي، لضعفٍ في البصر، وأمراض تعترض الإنسان، في الكِبَر، سمعتُها من بعض أحبابي، فوجدتها مفيدة جداً، وهي - مع وَجازتها- جامعةٌ للفوائد العليّة، وناظمةٌ للفرائد السَّنية. واستفدت منها فابتهج روحي، وفرح بها قلبي، وهي حَرِيَّة بأن يطالعها كلُّ مدرس وطالب، فإنها مجنّبةٌ عن الزيغ والطغيان، ومنْجِيةٌ ١٤ عما يقع في شأن الأئمة من أهل العدوان، وأصحاب الحرمان. والله تعالى أسأل أن يوفقنا وجميعَ المسلمين لما يحبُّ ويرضى، ويحيينا على ملة مَن جاء بالنور والهدى، ويميتنا على دينه الذي أنار به الذُّجی. وصلى الله تعالى على خير خلقه محمد وآله وأصحابه أجمعين. وأنا العبد الفقير محمد زكريا بن محمد يحيى تحريراً في المدينة المنورة تاريخ ١٥ من شعبان ١٤٠١ هـ الكاندهلوي ١٥ تقدم بقَلمْ مُصْطفى حْمَد الزّرِقَاء الحمد لله القائل في محكم كتابه : ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآيِفَةٌ لِيَنَفَقَّهُواْ فِىِ الدِّينِ .. ) الآية، والصلاة والسلام على خاتم أنبيائه محمد القائل: «نضَّر الله امرءاً سمع منا شيئاً - وفي رواية: حديثاً - فبلَّغه كما سمع، فربَّ مبلّغ أوعى من سامع ... )). وفي رواية: «فربَ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، وربَّ حامل فقه ليس بفقيه)). رواه الترمذي. والقائل في شأن صحابته: ((وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ» رواه الترمذي أيضاً. والقائل: ((وأقضاهم عليّ)). رواه ابن ماجه. هذه النصوصُ الشريفة وأمثالها تشيرُ إلى أن العلم بالدين لا يكفي فيه ضبط نصوصه وحفظها، بل هذا هو الخطوة الأولى فقط إلى مرتبةٍ أعلى هي التفقُّه في فهم تلك النصوص، وهي المرتبة المقصودة. وهي مرتبة يتفاوت فيها الناس، من الصحابة - عليهم رضوان الله - فمَنْ بعدهم. وبعد: فقد اطلعتُ على كتاب (أثر الحديث الشريف في اختلاف الأئمة الفقهاء) للأستاذ الجليل الشيخ محمد عوامة، فوجدته كتاباً جليل القدر كمؤلّفه حفظه الله. ١٦ وأرى في هذا الكتاب النفيس إيضاحاً شاملاً لدلالات الحديث النبوي البليغ: (ربَّ مبلِّغ أوعى من سامع). وقد استضاف فيه المؤلف (إن صح التعبير) عشراتٍ من كبار علماء الإسلام عبر العصور، ناقلاً عباراتِهم البديعةَ في شأن الفقه بالحديث النبوي، وضارباً من فقههم الأمثلة الواضحة على كثير من القضايا، ومجلياً أسبابَ اختلافهم في استنباط فروع الأحكام. وقد أعجبتني غزارة مادة الكتاب وماتدلُّ عليه سعة اطلاع مؤلفه، وعُمق فهمه وحسن تنسيقه، حتى اجتمع له في هذا الكتاب على لطف حجمه مايندر أن يجده الباحث في الكتب الكثيرة. وزاد من إعجابي بالكتاب أن مؤلفه متمكّن من السنة النبوية ورجالها، وقد حقق قبلاً ((تقريب التهذيب)) للحافظ ابن حجر، و((الكاشف)) للإمام الذهبي، وسواهما، وهو يبني بكتابه هذا جسراً بين علمي الرواية والدراية: رواية الحديثِ وفقهه . وأستطيع أن أقول بحق: إنه كتاب مفقُّه لقارئه في الحديث ودلالاته. فجزاه الله عن علمه ودينه خير الجزاء ونفع به . وبهذه المناسبة أستحسن أن أنقل هنا في ختام كلمتي هذه كلمةً بليغةٌ عن اختلاف الأئمة ومزاياه، مميزاً بين الاختلاف المضرِّ المفرِّق لصفوف الأمة، والاختلاف المفيد النافع، للإمام أبي بكر ابن العربي في ((أحكامه الصغرى)» عند قوله تعالى: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ ... ) الآية. إذ قال رحمه الله مانصه: ((ولا تفرقوا)): يعني في العقائد: وقيل: لا تَحاسَدوا ... وقيل المراد: التخطئة في الفروع، أي: لا يخطّىءْ أحدكم صاحبه، وليمضٍ كلُّ واحد على اجتهاده، فإن الكلَّ معتصمٌ بحبل الله، وعاملٌ بدليله. والتفرُّقُ ١٧ المنهيُّ عنه هو ماأدى إلى الفتنة والتشتيت؛ وأما الاختلاف في الفروع فهو من محاسن الشريعة، لقوله عليه السلام: ((إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد))(١). إن هذ الكتاب النفيس - على مزاياه - لا يخلو من بعض نقاط هي محلُّ نزاع ومناقشة. فالمؤلف حفظه الله ركّز على جواز العمل بالحديث الضعيف بشروطٍ بيَّها، وقد فصّل تفصيلاً وافياً مواقفَ العلماء من هذه المسألة. ولكن تبقى القضية - أي العمل بالحديث الضعيف مع الشروط التي يشترطها من يأخذ به - محلّ نزاع غيرَ مسلّم بها، وإن كان الواقع أنه لا يوجدُ مذهب فقهي من المذاهب الأربعة لم يستند فقهاؤه إلى بعض الأحاديث الضعيفة التي تلقَّاها الفقهاء بالقبول، كحديث النهي عن بيع الكالىء بالکالیء. وختاماً أدعو الله أن يزيد النفع بهذا الكتاب الجليل، ويجزيّ مؤلفه خير الجزاء. وصلى الله تعالى على سيدنا ومولانا محمد رسول الله إمام الهدى، وعلى آله وصحبه الكرام الطاهرين، ومن تبع سنتهم ويهداهم اهتدى. التوقيع مُصَّطفى ◌ٌ حْمَد الزِّقَاء ١٤١٦/١/١٥ mـ (١) متفق عليه، أخرجه الشيخان وغيرهما (انظر الأحكام الصغرى، بتحقيق سعيد أحمد إعراب، من منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم - ايسسكو)١٤١٢، هـ / ١٩٩١ م، ج١ ص / ١٥٣. ١٨ بِسْمِلُهُ الرَّمِ الرَّحَِّ الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأكمل التسليم على سيدنا ومولانا محمد رسول الله، إمام الأئمة المجتهدين، وسيد الهادين والمهتدين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أمابعد : فإن النواةَ الأُولى لهذه الرسالة هي محاضرة ألقيتُها في جامع الروضة بحلب ــ عَمَره الله بالعلم والعمل - مساء الخميس الثالث من صفر الخير عام ١٣٩٨ . وقد رغب كثير من الإخوة بطباعتها وتقديمها لجمهور القراء، لتكون سَدّاً لحاجة الكثير منهم، وإجابةً عن كثيرٍ من تساؤلاتهم، وتسديداً لحَيرة الحائر منهم، إن شاء الله عز وجل. فاستجبتُ لرغبتهم، وزدتُ فيها من الأمثلة والشواهد والتوضيح ما يسّره الله عز وجل، أما العناصر الرئيسية للمحاضرة فتركتها كما هي، دون زيادة . وإحياءً لسنةٍ علميةٍ لسلفنا الصالح، فقد عرضتُ ماكتبته على بعض شيوخي الأعلام، عَرَضتها على فضيلة سيدي العلامة المحقق المتكلِّم المفسِّر المحدِّث الصوفيِّ الأجلِّ الأستاذ الشيخ عبدالله سراج الدين حفظه الله تعالى بخير وعافية، فأكرمني بالموافقة والثناء عليها خيراً.