النص المفهرس

صفحات 41-60

٦ - باب
(المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَبَدِهِ))
قال (ح) يحتمل أن يكون المراد بذلك الإشارة إلى الحث على حسن
معاملة العبد مع ربه، لأنه إذا أحسن معاملة إخوانه فأولى أن يحسن معاملة
ربه من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى(٦٤).
قال (ع): فیه نظر وخدش من وجهين :
أحدهما: في قوله الإِشارة ممنوع، لأن الإِشارة ما ثبت بنظم الكلام
وتركيبه مثل العبارة، غير أن الثابت من الإِشارة [غير] مقصود من الكلام،
ولا سيق الكلام له، فهل نجد في هذا الكلام هذا المعنى الثاني؟!
قوله: الأولى ممنوع أيضاً، ومن أين الأولوية في ذلك وهي موقوفة على
تحقيق المدعى، والدعوى غير صحيحة لأنا نجد كثيراً من الناس يسلم
الناس من لسانهم ويدهم، ومع هذا لا يحسنون المعاملة مع الله تعالى (٦٥).
قلت: لا يمنع ذلك الحث المذكور فطاح الاعتراض والله أعلم.
قوله: ((واْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ)).
قال (ح): المراد بالناس هنا المسلمون كما في الرواية الموصولة ((مَنْ سَلِمَ
المُسْلِمونَ)) والمسلمون هم الناس في الحقيقة، ویمکن حمله على عمومه على
إرادة شرط، وهو إلا بحق وإرادة هذا الشرط متعينة على كل حال(٦٦).
(٦٤) فتح الباري (٥٣/١).
(٦٥) عمدة القاري (١٣٢/١).
(٦٦) فتح الباري (٥٤/١).
- ٤١ -

قال (ع): فیه نظر من وجوه :
الأول: يلزم أن يكون غير المسلمين من بني آدم ليسوا بإنسان حقيقة
وليس كذلك، بل الناس تكون من الإِنس والجن قاله في العباب.
الثاني: استعمال الإِمكان هنا غير سديد بل هو عام قطعاً.
الثالث: تخصيصه الشرط بهذا الحديث غير موجه بل هو عام، فبهذا
الشرط يخرج عن العموم، ولما في حق المسلم والذمي فعلى عمومه(٦٧).
قلت: أعرضت عن جوابه لوضوحه.
قوله :
(٦٧) عمدة القاري (١٣٤/١).
- ٤٢ -

٧ - باب
من الإِيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه
قال (ح): أورد الكرماني أنه قدم لفظه من الإِيمان بخلاف الذي قبله
حيث قال: حب الرسول من الإِيمان ونحوه، وقال: ذلك إما للإِهتمام بذكره
وإما للحصر.
قال (ح): هو توجيه حسن إلا أنه يرد عليه أن الذي بعده أليق
بالإِهتمام والحصر معاً، أو هو حب الرسول، فالظاهر أنه أراد التنويع أو
اهتم بحب الرسول فقدمه(٦٨).
قال (ع): هذا لا يرد على الكرماني وإنما يرد على البخاري، حيث لم
يقل باب من الإِيمان حب الرسول، ويمكن أن يجاب عنه فإنه إنما يدل لفظ
حب الرسول للاهتمام بذكره والاستلذاذ باسمه. انتهى فانظره
قوله :
وتعجب!(٦٩).
(٦٨) فتح الباري (٥٧/١).
(٦٩) عمدة القاري (١٣٩/١) قال البوصيري في مبتكرات اللآلي والدرر
(ص٢٦ - ٢٧) إن قول أظنه إلا صادراً منه من غير ترو، لأن البخاري أورد
الترجمة من غير تعليل ولا بيان نكتة التقديم، وإنما حملها عليه الكرماني، مع أن
المعروف في البلاغة أن لتقديم المعمولات في الكلام أسراراً كثيرة بحسب المقامات
كما في التلخيص وغيره فلا يعلم من البخاري مذهب في هذه الاعتبارات، وربما
كانت نكتة غيرها مما فات السكالي والقزويني، فكيف يعترض على البخاري
بشيء نسبه إليه غيره؟ فتأمله .
- ٤٣ -

٨ - باب
بغير ترجمة وذكر فيه حديث عبادة بن الصامت في البيعة إلى أن قال
(ح): وقال عياض: ذهب أكثر العلماء إلى أن الحدود كفارات، واستد لوا
بهذا الحديث، ومنهم من وقف لحديث أبي هريرة أن النبي وجل قال: ((لا
أَدْرِي الْحُدُودُ كَفَّارَة لِأَهْلِهَا أُمْ لَا)) لكن حديث عبادة أصح إسناداً، ويمكن
أن يكون حديث أبي هريرة ورد أولاً قبل أن يُعْلِمَهُ الله تعالى أن الحدود
کفارة، ثم أعلمه بعد ذلك انتھی کلامه.
وفيه نظر سنذكره وذلك أن حديث أبي هريرة الذي ذكره أخرجه البزار
والحاكم من رواية معمر عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي
هريرة(٧). وهو صحيح أخرجه أحمد عن عبدالرزاق عن معمر (٧١). ورجاله
رجال الصحيح، لكن قال الدارقطني: أن عبدالرزاق تفرد بوصله، وأن
هشام بن یوسف رواه عن معمر وأرسله.
قلت: وقد وصله آدم بن أبي أياس عن ابن أبي ذئب أخرجه الحاكم(٧٢)
أيضاً فقويت رواية عبدالرزاق وإذا كان صحيحاً فالجمع الذي ذكره القاضى
عیاض حسن، لكن القاضى ومن تبعه جازمون بأن حديث عبادة هذا كان
(٧٠) رواه البزار (١٥٤٣ كشف الأستار) والحاكم (٣٦/١) وقال البزار: لا نعلم رواه
عن ابن أبي ذئب إلا معمر.
قلت ترد عليه رواية الحاكم الآتية، فإنها من رواية آدم بن أبي إياس عن ابن أبي
ذئب.
(٧١) لم أره عند أحمد في المسند، ولا نسبه إليه الهيثمي في المجمع.
(٧٢) رواه الحاكم (٤٥٠/٢).
- ٤٤ -

بمكة ليلة العقبة لما بايع الأنصار رسول الله والقر البيعة الأولى بمنى،
وأبوهريرة إنما أسلم بعد ذلك بسبع سنین عام حنین، فکیف یکون حديثه
متقدماً؟!
وقالوا في الجواب عنه: يمكن أن يكون أبوهريرة ما سمعه من النبي وَّ
وإنما سمعه من صحابي آخر كان سمعه من النبي والإ قديماً ولم يسمع بعد
ذلك من النبي # الحديث الذي يدل على أن الحدود كفارة كما سمعه
عبادة .
قلت: وفي هذا الجواب تعسف ويبطله أن أباهريرة صرح بسماعه من
النبي ◌َ﴿، وأن الحدود لم تكن نزلت آنذاك، والحق عندي أن حديث أبي
هريرة صحيح وهو سابق على حديث عبادة، والمبايعة المذكورة في حديث
عبادة على الصفة المذكورة إنها وقعت ليلة العقبة، ونص بيعة العقبة هو ما
ذكره ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي أن النبي وَ شهر قالٍ لمن حضر من
الأنصار: ((أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَخْنَعُونَ مِنْهُ نِسَاءَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ)) فبايعوه
على ذلك، وسيأتي في كتاب الفتنَ من وجه أخر قال: بايعنا رسول الله وَله
على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره .. الحديث.
وأصرح من ذلك في هذا المراد ما أخرجه أحمد والطبراني من وجه آخر
عن عبادة في قصة جرت له مع أبي هريرة عند معاوية بالشام فقال:
يا أباهريرة إنك لم تكن معنا إذ بايعنا رسول الله وسلم على السمع والطاعة في
المنشط والكسل، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن نقول
بالحق ولا نخاف في الله لومة لائم، وعلى أن ننصر رسول الله إذا قدم علينا
يثرب فنمنعه مما نمنع منه أنفسنا وأزواجنا وأبناءنا بولنا الجنة، فهذه بيعة
رسول الله طير التي بايعناه عليها.
وعند الطبراني له طرق أخرى وألفاظ قريبة من هذه، فوضح بهذا أن
الذي وقع في بيعة العقبة ما ذكر.
- ٤٥ -

وصدرت بعد ذلك مبايعات أخرى سيأتي ذكرها في كتاب الأحكام،
منها المبايعة على مثل بيعة النساء، والذي يؤكد أنها متأخرة ما جاء في بعض
الطرق أنها كانت في فتح مكة، وآية النساء كانت نزلت قبل ذلك بسنتين
بعد الحديبية فسيأتي في الحدود من رواية سفيان بن عيينة عن الزهري في
حديث عبادة هذا أن النبي عليه لما بايغهم قرأ الآية كلها، وفي تفسير سورة
الممتحنة فتلا عليه آية النساء ﴿أَنْ لايُشْرِكْنَ بِالَّلِهِ شَيْئًاً﴾.
وللنسائي من طريق الحارث بن فضيل عن الزهري في أول هذا
الحديث: ((أَلَا تُبَايِعُونِي عَلَى مَابَايَعَ عَلَيْهِ النِّسَاءُ أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئاً ... ))
الحديث .
وللطبراني من وجه آخر: بايعنا رسول الله وفر على ما بايع عليه النساء
يوم فتح مكة ... الحديث.
وهذه الطرق يحتمل أن تتعلق بقوله: بايعنا، وبقوله: بايع.
ولمسلم من طريق أبي الأشعث عن عبادة: أخذ علينا رسول الله (وَل﴾
كما أخذ على النساء.
ففي هذه الطرق كلها دلالة ظاهرة على أن هذه المبايعة بهذه الصفة إنما
صدرت بعد بيعة العقبة بمدة ولاسيما الطريق المفسرة بأنها كانت في فتح مكة
وذلك بعد إسلام أبي هريرة قطعاً.
ويؤيده ما أخرجه ابن أبي خيثمة من طريق أيوب عن عمرو بن شعيب
عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله وَّهِ: ((أَبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ لاتُشْرِكُوا بِالَّلهِ
شيئاً ... )) فذکر نحو حدیث الباب ورجاله موثوقون.
وقد قال إسحاق بن راهويه: إذا صح الإِسناد إلى عمرو بن شعيب فهو
کأیوب عن نافع عن ابن عمر .. انتهى.
وإذا كان عبدالله بن عمرو حضر هذه المبايعة وليس هو من الأنصار ولا
- ٤٦ -

ممن حضر بيعة العقبة ظهر تغاير البيعتين.
ومثله ما رواه الطبراني من حديث جرير: بايعنا رسول الله وَلل على مثل
ما بايع عليه النساء ... فذكر الحديث، وإسلام جرير متأخر عن إسلام
أبي هريرة وإنما وقع الإلتباس لأن عبادة حضر البيعتين، وكانت بيعة العقبة
من أعظم ما یمتدح به، وکان یذکرها إذا حدث تنوبها بسابقتیه كما ذكرها في
قصة توبته في الحدیث الطويل، ورجح شهودها على شهود بدر، فلما حدث
بالبيعة التي وقعت على مبايعة النساء ذكر أنه شهد العقبة وبايع فيها فتوهم
من لم يقف على حقيقة ذلك أنهما جميعاً وقعا في ليلة واحدة.
ونظير ما وقع من هذا التوهم ما أخرجه أحمد من طريق محمد بن
إسحاق عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن أبيه عن جده وكان
أحد النقباء قال: بايعنا رسول الله وَالر بيعة الحرب، وكان عبادة من الإثنی
عشر الذين بايعوا في العقبة الأولى على بيعة النساء وعلى السمع والطاعة في
العسر واليسر ... الحديث.
ووقع ذكر بيعة النساء في ليلة العقبة.
وفي رواية أخرى لابن إسحاق من طريق الصنابحي عن عبادة، وهذا
ظاهر في اتحاد البيعتين لكن فيه وهم، وسيأتي في كتاب الأحكام من وجه
آخر عن يحيى بن سعيد على الصواب ليس فيه ذكر بيعة النساء والحرب،
وإنما أذن فيها بعد الهجرة وذلك بعد بيعة العقبة فيحمل الأمر على أن عبادة
حضر البيعات كلها، وكان يجمعها تارة ويفرد بعضها أخرى، والعلم عند
الله تعالى.
وحاصل ما تأولته أن قول عبادة إني من النقباء الذين بايعوا رسول الله
* أي ليلة العقبة على الإيواء والنصر والسمع والطاعة كما تقدم ثم قال:
وقال: بايعنا ... الخ أي في وقت آخر وليس ذلك تفسيراً لبيعة العقبة.
- ٤٧ -

ويؤيده الإِتيان بالواو العاطفة في قوله: وقال: بايعناه وقد ارتفع بهذا
التفسير الذي نهجت طريقه الإشكال الذي بين حديثي عبادة وأبي هريرة.
وأنه ﴿ كان يقول: ((أُوَّلاً لا ادري الْخُدُودُ كَفَّارِة لَأَهْلِهَا اُمْ لا)) حتى سمعه
أبو هريرة منه ثم أعلمه الله أن الحدود كفارة فسمعه عبادة بسماعه منه بعد
ذلك ولم يسمعه أبوهريرة(٧٣).
قال (ع): ويبطله أن أباهريرة صرح بسماعه من النبي مر بعدما سمعه
من صحابي آخر فلذلك صرح بالسماع وهذا غير ممنوع ولا محال(٧٤).
قال (ح): هذا لا يغير شيئاً لأنه يبقى الإِشكال الأول على حاله إذا
بنينا على أن حديث عبادة متقدم وحديث أبي هريرة متأخر.
قال (ع): الثاني يحتمل أنه صرح بالسماع من النبي وَل# لتوقفه بالسماع
من صحابي آخر فإن الصحابة كلهم عدول لا يتوهم فيهم الكذب(٧٥).
قال (ح): قوله: الصحابة كلهم عدول مسلم، لكن لا يعرف عن
أحد منهم ولا عمن بعدهم من أهل الصدق أن يقول: سمعت النبي *،
ومراده أنه سمع ذلك ممن سمعه منه، ولو وجد ذلك لما بقی معنی ما یفصل
المنقطع من المتصل، ولو اطرد هذا التجوز لما تميز حديث المدلس إذا صرح
من حديثه إذا عنعن.
قال (ع): وقوله: والحدود لم تكن نزلت إذ ذاك لا يلزم منه أن الحدود
تكون كفارات في المستقبل(٧٦).
قال (ح): فينحل إلى أن التقدير من أذنب ذنباً بعد أن نزلت الحدود
(٧٣) فتح الباري (٦٦/١-٦٧).
(٧٤) عمدة القاري (١٥٨/١).
(٧٥) عمدة القاري (١٥٨/١).
(٧٦) عمدة القاري (١٥٨/١).
- ٤٨ -

ثم أقيم عليه حده فهو كفارة له، ولا يخفى ما فيه من التعسف.
قال (ع): وقوله: الحق عندي أن حديث أبي هريرة صحيح غير
مسلم، فإن الحديث أخرجه الحاكم وقد علم مساهلة الحاكم في باب
التصحيح، وقول الدارقطني أن هشام بن يوسف أرسله، إلى أن قال:
وحديث عبادة أصح، فلا يساوي حديث أبي هريرة حتى يقع بينهما
التعارض فيحتاج إلى الجمع(٧).
قال (ح): لا يلزم من نسبة الحاكم إلى المساهلة في التصحيح أن يكون
کل حدیث صححه تساهل فيه، بل ينظر في السند فإن كان من رجال
الصحيح له ولم يكن فيه علة خفية قادحة فهو صحيح كما قال، والأمر هنا
كذلك في الرجال، والعلة التي ذكرها الدارقطني غير قادحة فإن الوصل عند
كثير من المحدثين وجميع أهل الفقه والأصول مقدم على الإِرسال، سلمنا أن
الإِرسال مقدم لكنه في رواية معمر وقد ذكرنا أن آدم وصله ولم يعارضه فيه
معارض، وأما دعواه أن الجمع لا يكون إلا في المتعارضين وأن شرط
المتعارضين أن يتساويا في القوة، فهو شرط لا مستند له فيه بل إذا صح
الحديثان وكان ظاهرهما التعارض وأمكن الجمع بينهما فهو أولى من الترجيح .
قال (ع): والدليل على أن عبادة كان ممن بايع ليلة العقبة، فذكر طرفا
مما تقدم في سياق (ح) وأتعب نفسه في ذلك فإن (ح) ما نفى أن يكون عبادة
شهد ليلة العقبة حتى يستدل عليه.
قال (ع): وإستدلاله بقراءة النبي وسلم آية النساء لا حجة له فيه لاحتمال
أن يكون عبادة لما صار يحدث بحديث ليلة العقبة كان يذكر فيه قراءة النبي
* آية النساء لأنه حضر البيعتين(٧٨).
(٧٧) عمدة القاري (١٥٨/١).
(٧٨) عمدة القاري (١٥٩/١).
( ٤ - انتقاض الاعتراض جـ ١ )

قال: ولا يخفى تعسفه وما تقدم حمله عليه أقرب فهو أولى.
قال (ع): وتمسك هذا القائل بما وقع في حديث الصنابحي في الحديث
المذكور من زيادة قوله: ولا ينتهب على أن هذه البيعة متأخرة، لأن بيعة
الحرب إنما شرعت بعد ليلة العقبة، والإِنتهاب فرع مشروعية الحرب، وهذا
التمسك فاسد لأن الإنتهاب أعم من أن يكون في المغانم وغيرها(٧٩).
قال (ح) لكنه المتبادر [فالتمسك] وهذا التمسك به صحيح، ولو لم
يكن في هذا الكتاب إلا هذا الموضع لكان في غاية الدلالة على التحامل،
والتغيير في وجوه المحاسن وطمس معالم الصواب والله المستعان.
قوله :
(٧٩) عمدة القاري (١٥٩/١).

٩ - باب
فِإِن تأبُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا
الزّكاةَ فَخَلُوا سَبِيلَهُمْ﴾
قال (ح): مُنَّوَّن في الرواية والتقدير [هذا] بابُ تفسير قوله تعالى ﴿فَإِنْ
تَابُوا .. الخ) وتجوز الإِضافة، والتقدیر باب تفسير قوله تعالى، وإنما كان
الحديث تفسيراً للآية، لأن المراد بالتوبة في الآية قوله: ﴿فَإِنْ تَأْبُوا﴾ الرجوع
عن الكفر إلى الإِيمان، وفسره بقوله: ((حَتَّى يَشْهَدُوا أَنّ لا إله إلّ الَّلهُ.
الخ))(٨٠).
قال (ع): فیه نظر من وجوه:
الأول: باب هو منون في الرواية دعوى بلا برهان، فمن قال من
المشائخ الكبار ممن يعتمد كلامهم: إن هذه رواية، على أن الرواية إذا
خالفت الدراية لا تقبل، اللهم إلا إذا وقع نحو هذا في الألفاظ النبوية
فحينئذ يجب تأويلها على وفق الدراية، وقد قلنا: إن هذا بمفرده لا يستحق
الإِعراب إلا إذا قدرنا [نحو] هذا باب بالتنوين أو بالإِعراب بلا تنوين بتقدير
الإِضافة إلى الجملة، ثم استمر في المناقشة بمثل هذه الإِيرادات التي
يمجها سمع كل من له فهم قدر ورقة، فمن أراد أن يضيع الزمان في غير
فائدة فليراجعه من كتابه(٨١) .
قوله :
(٨٠) فتح الباري (٧٥/١).
(٨١) عمدة القاري (١٧٨/١).
- ٥١ -

١٠ - باب
من الدين الفرار من الفتن
قال (ح): عدل المص عن الترجمة بالإِيمان مع كونه یترجم بذلك لأکثر
الأبواب مراعاة للفظ الحديث، ولما كان الإِيمان والإِسلام في عرف الشرع
عنده مترادفين، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ الَّلِهِ الْإِسْلَامِ﴾ صح
إطلاق الدين في موضع الإِيمان (٨٢).
قال (ع): فإن قلت: لم لم يقل باب من الإِيمان الفرار من الفتن كما ذكر
في أكثر الأبواب الماضية والآتية.
قلت: إنما قال ذلك ليطابق الترجمة الحدیث بذکره في الباب فإن المذكور
فيه الفرار بالدين من الفتن، ولا يحتاج أن يقال لما كان الإيمان والإِسلام عنده
مترادفين وقال الله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ الَّلهِ الإِسْلَامُ﴾ أطلق الدين في موضع
الإِسلام. انتهى (٨٣). فانظر كيف أخذ كلام (ح) الموجز فأسهب فيه ولم يزد
عليه من جهة المعنى إلا أنه أوهم أن المناسبة الأولى من تصرفه، والثانية من
تصرف غيره ولا يحتاج إليها.
قال (ح): قوله: ((أَمِرْتُ أَنْ أَقَاتِلَ النَّاسَ)) يعني أمرني الله عز وجل لأنه
لا آمر لرسول الله وسلم إلا الله، وقياسه في الصحابي إذا قال: أمرت،
فالمعنى : أمرني رسول الله (ێے، ولا يحتمل أن یرید أمرني صحابي آخر لأنهم
(٨٢) فتح الباري (٦٩/١).
(٨٣) عمدة القاري (١٦٠/١-١٦١).
- ٥٢ -

من حيث إنهم مجتهدون لا يحتجون بأمر مجتهد آخر، وإذا قال التابعي
احتمل.
والحاصل أن من اشتهر بطاعة رئيس إذا قال ذلك فهم منه أن الآمر له
ذلك الرئیس(٨٤).
قال (ع): أخذ كلام الکرماني وقلبه، وذلك أن الکرماني قال: إذا قال
الصحابي أمرت فهم منه أن الرئيس أمره، فجعل الكرماني قوله: فإن
الرئيس علة لقوله فهم منه وجعله هذا القائل حاملًا وداعياً.
وقوله: من حیث إنهم مجتهدون، لا دخل له هنا لأن الحيثية تقع قیداً،
وهذا القيد غير محتاج إليه هنا لأن المدعى ههنا أن الصحابي إذا قال: أمرت
فمعناه أمرني رسول الله * من حيث إنه هو الآمر فيهم والمشرع، ولیس
المعنى أمرني رسول الله من حيث إني مجتهد. وهذا كلام في غاية
السقوط (٨٥).
قلت: أقول بالموجب، وقوله: هذا إشارة إلى الكلام القريب ففيه غفلة
عن المراد، وهو تقسيم القائل إلى مجتهد وغير مجتهد، فإذا أورد الصحابي
(٨٤) فتح الباري (٧٦/١).
(٨٥) عمدة القاري (١٨١/١) وقال البوصيري في مبتكرات اللآلي (ص٢٨) بعد أن
نقل نص كلام الحافظ بن حجر: إن من المقطوع به أن النسخة التي نقل منها
العيني كلام ابن حجر محرفة تحريفاً لا يقبل الإصلاح، لأن ما اعترض به العيني
عليه لا ينصب على عبارة ابن حجر التي نقلتها، وهي نظيفة لا يحتاج فهمها إلى
إعمال فكر ولا إشكال في منطوقتها ولا في مفهومها بل زاد على الكرماني علة نفي
أن يراد في الفاعل أن يكون صحابياً مثله حيث لا يكون الآمر مجتهداً مثله،
والمجتهد لا يقلد غيره كما هو مقرر في كل كتاب من كتب الأصول، وهو مبني على
أن للصحابي أن يجتهد زمنه { وهو الحق، بل هو واقع كثيراً، علمناه من الوقائع
الكثيرة .
= ٥٣ -

الكلام في مساق الاحتجاج دل على أنه اجتهد في ذلك الحكم فاحتج له
بقوله: أمرت، فلو فرض أن آمره صحابي أخر للزم تقليد المجتهد للمجتهد
وهو باطل، فتعين أن يكون آمره الرسول لأنه المشرع، وإذا لم يورده
الصحابي في مقام الاحتجاج جاز أن یکون الآمر به غیر الرسول کأبي بكر أو
غيره، ممن له الحكم بطريق الاجتهاد والمأمور مقلد، وإنما جاء قوله ممن
اشتهر ... الخ تذييلًاً للكلام المتقدم وتقوية له فلينظر المتأمل وينصف
المناظر.
ومن العجائب أن (ع) يعيب على من يأخذ كلام غيره ويتصرف فيه
موهماً أنه من تصرفه حتى في هذا الباب بعينه، ولم نسمع بأحد اعتمد ذلك
في شرحه غيره حتى إنه یزید علی غیره بأن یکتب كلام السابق حتى قول
السابق.
قلت، فيكتبها موهماً أنه هو القائل، فإن تعمد فهي سرقة قبيحة، وإن
غفل عن مثل ذلك فناهيك.
وأما قوله: هذا القيد غير محتاج لأنا قلنا: إن الصحابي إذا قال: أمرت
فمعناه أمرني النبي # أن ذلك لم يخف على (ح) وإنما أراد تنقيح المناط بأن
حمل قول الصحابي أمرت على ذلك محله ما إذا أورد الحديث مجيباً لمن سأله
عن الحكم على سبيل بيان مسنده فحينئذ يحمل قوله: أمرت على أن آمره
يشرع له تقليده بخلاف إذا كان بصدد الرواية خاصة فإن المجتهد يحق له
أن يروي عن مجتهد آخر شيئاً من اختیار ذلك المجتهد ولا يجوز له أن یورد
كلامه في مقام الاحتجاج لأن المجتهد لا يقلد مجتهداً آخر، فمن لا يفهم
هذا القدر مع وضوحه كيف يدعي أنه كلام في غاية السقوط فالله المستعان.
قوله :
- ٥٤ -

١١ - باب
من قال إن الإيمان هو العمل لقوله تعالى:
﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِئْتُمُوهَا بِا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
قال (ح): قال النووي بعد أن حكى ما ذكره البخاري في قوله تعالى:
﴿لَنَسْأَلَنْهُمْ أَجْمَعِينِ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في الآية وجه آخر وهو المختار
والمعنی: ((لَنَسْالنھمْ)) عن أعمالهم کلها التي يتعلق بها التكليف، وقول من
خصه بلفظ التوحيد دعوى لا دليل عليها فلا تقبل، وأما الحديث الذي
أخرجه الترمذي عن أنس فهو ضعيف(٨٦).
قلت: لتخصيصهم وجه من جهة التعميم في قوله: ((أجمعين)) بعد أن
تقدم ذكر الكفار إلى قوله: ﴿وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾
فيدخل فيه الكافر والمسلم، فإن الكافر مخاطب بالتوحيد بلا خلاف،
بخلاف باقي الأعمال ففيها الخلاف، فمن قال إنهم مخاطبون يقول إنهم
مسؤولون عن الأعمال کلها، ومن قال إنهم غير مخاطبین یقول: إنما يسأل
عن التوحيد فقط، فالسؤال عن التوحيد متفق عليه، فهذا دليل التخصيص
فحمل الآية عليه أولى بخلاف الحمل على جميع الأعمال لما فيه من
الاختلاف(٨٧).
قال (ع): هذا القائل قصد بكلامه الرد على النووي ولكنه تاه في
كلامه، فإن النووي لم يقل بنفي التخصيص لعدم التعميم في الكلام وإنما
(٨٦) شرح النووي على صحيح البخاري (ص١٦٨-١٦٩).
(٨٧) فتح الباري (٧٨/١).
- ٥٥ -

قال: دعوى التخصيص بلا دليل خارجي لا يقبل، وإنما قال ذلك لأن
الكلام عام في السؤال عن التوحید وغيره، فمن خصه بالتوحید یحتاج إلى
دليل، فإن استدلوا بالحديث فهو ضعيف، وهذا القائل فهم أن النزاع إنما
هو من جهة التعميم في قوله ((أجمعينَ)) وليس كذلك، وإنما هو في قوله ((عَمَّا
كَانُوا يَعْمَلُونَ)) فإن العمل هنا أعم من أن يكون توحيداً أو غيره، وتخصيصه
بالتوحيد تحكم، قوله: فيدخل فيه المسلم والكافر غير مسلم، لأن الضمير
في قوله: (لَنَسْأَلَنَّهُمْ)) يرجع إلى «المُسْتَهْزئينَ الَّذِينَ جَعَلوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾
وهم ناس مخصوصون، ولفظ ((أجْمَعينَ)) وقعت تأكيداً للضمير المذكور في
النُّسْبَةِ مع الشمول في أفراده المخصوصين ثم تعليل هذا القائل، فإن
الكافر .... الخ ليس له دخل في صورة النزاع على ما لا يخفى (٨٨).
قلت: لا يخفي ما في كلامه من الخبط والتحامل ودعواه أن الضمير في
(لَنَسْأَلَتْهُمْ)) للمستهزئين مردود بل هو راجع إلى المشركين المذكورين في قوله
تعالى ﴿فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينِ، إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾
﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرآنَ عِضِينَ، فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنْهُمْ أَجْمَعِينْ﴾ فذكر المستهزين
وقع استطراداً، وفائدته التحريض على امتثال الأمر بالصدع المأمور به .
قوله: سئل أي العمل أفضل؟ قال: ((إِيَانٌ بالَّلِهِ وَرَسُولِهِ)) قيل: ثم
ماذا؟ قال: ((الْجْهَادُ في سَبيلِ اللهِ)) قيل: ثم ماذا؟ قال: ((حَجَّ مَبُرُورٌ)).
قال الكرماني: الإِيمان لا یتکرر کالحج، والجهاد قد يتكرر، والتنوين
ليس للإفراد الشخصي(٨٩) والتعريف للكمال لأن الجهاد لو وقع مرة ثم احتيج
إليه فلم يقع لم يكن أفضل.
(٨٨) عمدة القاري (١٨٥/١) وفي عمدة القاري ((ثم تفريع هذا القائل)) بدل ثم
((تعليل هذا القائل)).
(٨٩) كذا في النسخ الثلاث والذي في الفتح وعمدة القاري فالتنوين للافراد الشخصي
وهو الصواب.
- ٥٦ -

قال (ح): فيه نظر لأن من جملة وجوه التنكير التعظيم وهو يفيد
الكمال، ومن جملة وجوه التعريف العهد وهو يعطي الإِفراد الشخصي فلم
يسلم الفرق، وقد أخرج الحديث الحارث ابن أبي أسامة عن إبراهيم بن
سعد بسند البخاري فيه ولفظه ((ثُمَّ جهادٌ)) فوافى بين الثلاثة في التنكير،
فظهر أن التنكير والتعريف فيه من تصرف الرواة (٩٠).
قال (ع). هذا التعقيب فاسد لأنه لا يلزم من أن التعظيم من جملة
وجوه التنکیر أن یکون دائماً للتعظيم إلى آخر كلامه الذي من تأمله عرف
قصوره وإقدامه على الدفع بالصدر إلى غير ذلك(٩١)
(٩٠) فتح الباري (٧٨/١) ومبتكرات اللآلي والدرر (ص٢٨-٢٩).
(٩١) عمدة القاري (١٨٨/١-١٨٩).
- ٥٧ -

١٢ - باب
من قال إن الإيمان هو العمل لقوله تعالى:
﴿لِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونْ﴾
قال (ح): يحتمل أن يكون قائل ذلك المؤمن الذي رأى قرينه ويحتمل
أن يكون كلامه انقضى عند قوله: ((الفَوْزُ العَظيمْ)» والذي بعده ابتدأ من
قول الله عز وجل، أو بعض الملائكة لا حكاية عن قول المؤمن والاحتمالات
الثلاثة مذكورة في التفسير، ولعل هذا هو السر في إبهام المصنف القائل (٩٢).
قال (ع): المفسرون ذكروا في قائل هذه الثلاثة أقوالاً:
الأول: المؤمن ..
الثاني : الله.
الثالث: بعض الملائكة.
فلا يحتاج أن يقال في هذا يحتمل لأنه يوهم أنه من تصرفه ولا يصح
ذلك.
وقوله: ولعل هذا هو السر لا يصح من وجهين:
أحدهما: أن البخاري لم يقصد ما ذكره هذا الشارح قط لأن دعواه من
ذكر هذه الآية بيان إطلاق العمل على الإِيمان ليس إلاّ.
والثاني: ذكر فعل وإبهام فاعله من غير مرجح له ومن غير قرينة على
تعیینه غیر صحیح(٩٣).
(٩٢) فتح الباري (٧٨/١).
(٩٣) عمدة القاري (١٨٦/١).
- ٥٨ -

قلت: انظروا واحمدوا اللّه على العافية، والعجب من جزمه بأن
البخاري ما أراد ذلك وتأكيده هذه الشهادة بالنفي بقوله قط، وبقوله ليس
إلَّ، وأما وجهه الثاني فجوابه أن القرينة موجودة.
قوله :
- ٥٩ -

١٣ - باب
إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة
قال (ح): في قول سعد إني لا أراه مؤمناً: وقع بضم الهمزة هنا في رواية
أبي ذر وغيره، وكذا في الزكاة وفي رواية الإسماعيلي وغيره.
وقال القرطبي : جازماً به، وهو بمعنى أظنه.
وقال النووي: بفتحها بمعنى أعلمه، ولا يجوز ضمها لقوله بعد ذلك
ثم غلبني ما أعلم منه، ولأنه راجع النبي ◌َّير مراراً، فلو لم يكن جازماً
بإعتقاده لما تكرر. انتهى (٩٤).
ولا دلالة فيما ذكر على تعين الفتح لجواز إطلاق العلم على الظن في مثل
هذا كقوله تعالى: ﴿فإن علمتموهن مؤمنات﴾ لكن لا يلزم من إطلاق العلم
أن لا تكون مقدماته ظنية فيكون نظرياً لا يقينياً(٩٥).
قال (ع): بل الذي ذكره يدل على تعيين الفتح لأنه أقسم وأكد، واللام
وصاغة في صور الإِسمية، وراجع النبي ◌َّه ونسب العلم بنفسه فدل على
أنه کان جازماً باعتقاده، واللزوم الذي ذکرہ (ح) لا یساعده لأن سعداً کان
وقت الأخبار عالمً (١٦).
قلت: انظروا في تحامله وأي السبيلين أولى بالقبول من يوصل إلى
الجمع بين الأمرين أو من اقتصر على أحدهما، لأن محصل الكلام أن سعداً
(٩٤) شرح النووي على صحيح البخاري (ص١٧٢).
(٩٥) فتح الباري (٨٠/١).
(٩٦) عمدة القاري (١٩٤/١).
٦