النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
النكت على ابن الصلاح
قال(١): فهذا كلام الخطيب والبيهقي ولهما المنتهى في التحقيق، ومحلهما من
العلم مطلقًا، ثم منصوص(٢) الشافعي ومذهبه معروف.
وأما قول القفال(٣) في أول شرح التلخيص(٤) : قال الشافعي في الرهن
الأصغر: ((مرسل ابن المسيب عندنا حجة))(٥)، فهو محمول على ما ذكره الخطيب
والبيهقي، قال(٥) : وهذا النوع وقع في ابن الصلاح مختصراً مع أنه من أجل
الأنواع(٦) . انتهى.
وما حكاه عن الخطيب وغيره من تصحيح أنه ليس بحجة مستقلة، ذكره الشيخ
أبو إسحاق(٧)، والشافعي إنما قال في مختصر المزني: ((وإرسال سعيد عندنا حسن
(١) القائل هو النووي.
(٢) في د ((بنصوص)).
(٣) هو: محمد بن علي بن إسماعيل القفال الكبير الشاشي أبو بكر. قال الحاكم: ((هو الفقيه
الأديب إمام عصره بما وراء النهر للشافعيين وأعلمهم بالأصول وأكثرهم رحلة في طلب
الحديث)). له: ((أدب القاضي))، ((دلائل النبوة))، ((تفسير القرآن)) (٢٢١ -٣٦٥هـ).
الأنساب ١٠/ ٤٧، تبيين كذب المفتري: ١٨٢، وفيات الأعيان ٣/ ٣٣٨، سير النبلاء
٢٨٣/١٦، شذرات الذهب ٣/ ٥١.
(٤) التلخيص في فروع الشافعية لأبي العباس أحمد بن محمد بن القاص الطبري المتوفى سنة
٣٣٥ - وستأتي ترجمته بعد ورقات-، وهو مختصر ذكر فيه في كل باب مسائل منصوصة
ومخرجة، وهو أجمع کتاب في فنه للأصول والفروع على صغر حجمه.
انظر: كشف الظنون ١/ ٤٧٩، هدية العارفين ٦/ ٤٧ .
(٥) الأم: كتاب البيوع: الرهن الصغير ٣/ ١٨٨. وانظر جامع التحصيل : ٤٦.
(٦) الإرشاد للنووي (ل/ ١٧ ب-١٨/ أ-ب).
قلت: وقع أيضًا نوع المرسل مختصراً عند ابن حجر في نكته على خلاف عادته في التوسع.
(٧) اللمع: ٤١.

٤٨٢
النكت على ابن الصلاح
في بيع اللحم بالحيوان)) (١) (أ / ٧٦)، عقب أثر الصديق فيه(٢)، وقول ثلاثة من
التابعین، وظاهره أنه رجح به .
وأما تأويل كلامه في الرهن الصغير بما سبق فيدل له كلام الشافعي في الرسالة،
ولو جعل على ظاهره لكان له في المسألة قولان، فحصل في كلام ابن الصلاح
أمور:
منها: دعواه أن الشافعي يرى الاحتجاج بالمرسل لسعيد(٣)، وقد عرفت مراد
الشافعي في الترجيح به.
ومنها: دعواه أن العلة عنده في قبول مرسله کونه روي مسنداً، وقد سبق من
كلام الشافعي أعم من ذلك، وقيل : إنما رجح به الشافعي لكونه من كبار التابعين،
ولم يتفرد به الشافعي، وقد قال یحیی بن معین: أصح المراسیل عندنا مرسل سعيد،
وكذلك قال أحمد بن حنبل(٤) .
ومنها: إطلاقه أن هذا الحكم لا يختص عنده بمرسل سعيد وقد عرفت أن
الشافعي خصه بمراسیل كبار التابعين .
(١) مختصر المزني بآخر الأم ٨/ ٧٨، وانظر أيضاً السنن الكبرى ٥/ ٢٩٦، جامع التحصيل ٤٥
و ١٠٣.
(٢) («هو أنه كره بيع اللحم بالحيوان)). أخرجه الشافعي ، ومن طريقه البيهقي في المعرفة
٤/ ٣١٦، وفي السنن ٥/ ٢٩٧. والثلاثة من التابعين المؤكد بهم مع أثر الصديق مرسل
ابن المسيب هم: القاسم بن محمد، وعروة بن الزبير، وأبو بكر بن عبد الرحمن.
(٣) في د ((سعيد)).
(٤) جامع التحصيل : ٤٦.

٤٨٣
النكت على ابن الصلاح
وذكر البيهقي في رسالته إلى الشيخ أبي محمد الجويني أن الشافعي لم يخص
مرسل ابن المسيب بالقبول، بل يقبل مرسله ومرسل غيره من كبار التابعين كالحسن
وابن سيرين وعطاء بن أبي رباح(١) وسليمان بن يسار(٢) إذا اقترن (٣) بها ما يؤكدها
من الأسباب، قال: وإنما ترك الشافعي مراسيل من بعد كبار التابعين كالزهري
ومكحول والنخعي ومن في طبقتهم ورجح به بعض قول الصحابة إذا اختلفوا،
وترك مراسيل كبار التابعين ما لم يقترن به ما يشده(٤) من الأسباب التي ذكرها في
الرسالة أو وجد من الحجج ما هو أقوى منها، قال: وقد احتج الشافعي في أحكام.
القرآن(٥) مرسل الحسن البصري: ((لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل)»(٦) .
(١) هو: عطاء بن أبي رباح - بفتح الراء والموحدة - واسم أبي رباح أسلم القرشي، مولاهم
المكي، ثقة فقيه فاضل، لكنه كثير الإرسال، من الثالثة، مات سنة أربع عشرة على
المشهور، وقيل: إنه تغيربآخره ولم یکن ذلك منه./ع.
تقريب التهذيب ٢/ ٢٢ .
(٢) تقدم.
(٣) في الأصل: ((اقرن)).
(٤) في د: ((یسده)).
(٥) ليس في أحكام القرآن للشافعي المطبوع مستقلاً ، وعزاه إليه العلائي أيضًا في جامع
التحصيل: ١٠٤.
(٦) أخرجه البيهقي في سننه في النكاح باب لا نكاح إلا بشاهدين عدلين ٧/ ١٢٥، وانظر:
جامع التحصيل : ١١٤ - ١٠٥، بيان الوهم والإيهام (١ / ١/ ١٢٢أ).
وروي موصولاً من حديث عائشة أخرجه البيهقي ٧/ ١٢٥، والدار قطني ١/ ٢٢٥،
٢٢٦، ٢٢٧، ومن حديث ابن عباس أخرجه البيهقي أيضًا ٧/ ١٢٤، والدارقطني
٢٢١/٣ -٢٢٢، ومن حديث عمران بن الحصين أخرجه البيهقي ٧/ ١٢٥، وعبد الرزاق
٦ /١٩٦.
ورواه الدار قطني عن عمران بن حصين عن ابن مسعود ١/ ٢٢٥ وعن ابن عمر.
وحديث عائشة إسناده الأول: فيه أبو الخصيب وهو مجهول كما قال الدار قطني بعد
تخريجه. والثاني: صححه ابن حبان قال: ((ولا يصح في ذكر الشاهدين غير هذا الخبر))،=

٤٨٤
النكت على ابن الصلاح
وقال : فهذا وإن كان منقطعًا دون النبي تمّ فإن أكثر أهل العلم يقولون به،
وهو ثابت عن ابن عباس وغيره من الصحابة فأكد مرسله بقول صحابي وقوى
الأكثر، كما أكد مرسل سعيد في النهي عن بيع اللحم بالحيوان بقول الصديق وبأنه
روي من وجه آخر مرسلاً (١) ، وقال بمرسل الحسن في كتاب الصرف في النهي عن
بيع الطعام بالطعام(٢)، وقال بمرسل طاوس في كتاب الزكاة والحج والهبة وغير
وقال ابن حزم: ((ولا يصح في هذا الباب شيء غير هذا السند)). والثالث: فيه محمد بن
یزید بن سنان وأبوه، وهما ضعيفان.
وأما حديث ابن عباس ففيه عبد الله بن الفضل، وهو ضعيف.
وحدیث عمران بن حصین فیه عبد الله بن محرز، وهو متروك.
وحديث ابن عمر فيه ثابت بن زهير، قال البخاري: منكر الحديث.
انظر: المحلى ٩/ ٤٦٥، نصب الراية ٣/ ١٦٧، التلخيص الحبير ٣/ ١٦٢.
(١) تقدم قريبًا.
(٢) هو حديث: ((لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق ولا البر بالبر ولا الشعير بالشعير
ولا التمر بالتمر ولا الملح بالملح إلا سواء بسواء ... )) الحديث أخرجه الشيخان موصولاً.
ولم أجد للحسن مرسلاً في بيع الطعام بالطعام صريحًا، ووجدت مرسله في بيع اللحم
بالحيوان على قول من يقول بعدم سماعه من سمرة سوى حديث العقيقة، فيكون هذا
مرسلاً.
وهو عند البيهقي في السنن ٥/ ٢٨٨، ٢٩٦. المعرفة ٤/ ٣١٧، التلخيص ١٠/٣، نصب
الراية ٤/ ٣٩.
ومما يساعد على أن المراد مرسله في بيع ((اللحم بالحيوان)) أن سياق كلام المؤلف في المرسل
الذي انضم إليه ما يؤكده فإن الشافعي يقول به. وهذا كذلك فإن البيهقي قال في السنن
٥/ ٢٩٦ - بعد إيراده لرواية الحسن عن سمرة ـ ((هذا إسناد صحيح))، ومن أثبت سماع
الحسن البصري من سمرة بن جندب عده موصولاً، ومن لم يثبته فهو مرسل جيد يضم إلى
مرسل سعيد بن المسيب والقاسم بن أبي برزة مقول أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

٤٨٥
النكت على ابن الصلاح
ذلك، وبمرسل عروة بن الزبير وأبي أمامة [ أسعد بن](١) سهل بن حنيف وعطاء
ابن أبي رباح وعطاء بن يسار (٢) وسليمان بن يسار وابن سيرين وغيرهم من كبار
التابعين في مواضع من كتبه حين اقترن(٣) بها ما يؤكدها ولم يجد ما هو أقوى
[منها)(٤) ، وترك ما لم يجد فيه ذلك كما ترك ذلك في مرسل سعيد ، كمرسله ((أنه
عليه الصلاة والسلام فرض زكاة الفطر مدين من حنطة))(٥)، و ((أنه عليه الصلاة
والسلام [قال] (٦): ((لا بأس بالتولية في الطعام قبل أن يستوفى))(٧)، وأنه عليه
الصلاة والسلام قال: ((دية كل ذي عهد في عهده ألف دينار))(٨) .
و «أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((من ضرب أباه فاقتلوه))(٩).
(١) ليس في النسختين، وقد تقدم مراراً كما أثبته هنا .
(٢) هو: عطاء بن يسار الهلالي، أبو محمد المدني مولى ميمونة، ثقة فاضل، صاحب مواعظ
وعبادة، من صغار الثالثة، مات سنة أربع وتسعین، وقیل بعد ذلك/ع.
تقریب التهذيب ٣٢/٢ .
(٣) في الأصل: ((اقرن)).
(٤) سقط من الأصل.
(٥) أخرجه أبو داود في المراسيل، باب زكاة الفطر (ل/٨أ)، والبيهقي في المعرفة ٣/ ٣٢٩،
وفي سننه كتاب الزكاة ، باب من قال يخرج من الحنطة في صدقة الفطر نصف صاع ٤/
١٦٩، والطحاوي في معاني الآثار باب مقدار صدقة الفطر ٢/ ٤٥، ٤٦.
قال الشافعي : ((حديث مدين خطأ))، قال البيهقي: ((هو كما قال فالأخبار الثابتة تدل على
أن التعدیل بمدین کان بعد رسول الله تمپ)».
(٦) سقط من الأصل.
(٧) أخرجه أبو داود في المراسيل، باب التولية (ل / ١١ ب) عن ابن المسيب.
(٨) أخرجه أبو داود في المراسيل، باب دية الذمي (ل/ ١٤ ب): عن ابن المسيب.
(٩) أخرجه أبو داود في المراسيل، باب في بر الوالدين (ل/ ٢٤ب).

٤٨٦
النكت على ابن الصلاح
قال: وعلى هذا فتخصیص مرسل ابن المسيب بالقبول دون من عداه من كبار
التابعين على أصل الشافعي وإن قاله صاحب التلخيص(١) . انتهى. يعني ابن
القاص(٢) .
وحكى إمام الحرمين عن الشافعي أن مراسيل الحسن البصري(٣) عنده
مستحسنة، حكاه [عنه](٤) ابن الرفعة (٥) في المطلب(٦) في الكلام على قبض المبيع ،
قال: ((ولهذا احتج به في الأم))(٧) .
(١) هذا النص الطويل الذي عزاه المؤلف إلى رسالة البيهقي إلى الجويني لم أجده في المطبوعة
ضمن الرسائل المنيرية. ونقله السيوطي عن المؤلف عن البيهقي بطوله في البحر
(ل/ ١٨٥، ١٨٦أ).
(٢) هو: أحمد بن أبي أحمد الطبري أبو العباس ابن القاص الشيخ الإمام الجليل، قال ابن
السمعاني: ((إمام عصره وصاحب التصانيف)).
له: ((المفتاح))، ((أدب القاضي))، ((المواقيت)) ( .... ٣٣٥هـ).
الأنساب ٣٠٣/١٠، وفيات الأعيان ١ / ٥١، طبقات السبكي ٥٩/٣.
(٣) في البرهان لإمام الحرمين ((مرسلات ابن المسيب حسنة)) ولم أجد فيه هذا الوصف لمرسلات
الحسن. انظر: البرهان ١/ ٦٣٩.
(٤) سقط من الأصل.
(٥) هو: أحمد بن محمد بن علي المعروف بابن الرفعة، الشيخ الإمام شيخ الإسلام نجم الدين
أبو العباس. قال السبكي: ((شافعي الزمان ومن ألقت إليه الأئمة مقاليد السلم والأمان)).
له: ((الكفاية في شرح التنبيه))، ((كتاب مختصر في هدم الكنائس)) ( .... ٧١٠هـ).
طبقات السبكي ٩/ ٢٤، الدرر الكامنة ١/ ٣٠٣، البدر الطالع ١١٥/١.
(٦) المطلب شرح فيه الوسيط في الفروع لأبي حامد الغزالي.
كشف الظنون ٢/ ٢٠٠٨.
(٧) الأم ٣/ ٧٢.

٤٨٧
النكت على ابن الصلاح
وقال ابن حزم: ((ادعى بعضهم أن الحسن البصري كان إذا حدثه بالحديث أربعة
من الصحابة أرسله، قال: ((فهو أقوى من المسند))(١).
ومنها: دعواه أن [من](٢) مراسيل سعيد ما لم يوجد مسنداً بحال، وقد سبق
كلام البيهقي في ترك الشافعي بعض مراسيل سعيد.
وقال ابن دقيق العيد في شرح العنوان(٣): ((هذا التتبع لم تظهر صحته لوجدان
غير حديث مرسل من رواية سعيد لم يوجد من جهة غيره كما تتبعه الحفاظ، وإن
وجد فمن وجه لا یصح)).
[وقال أيضًا] (٤): ((ذلك الوجه الآخر إما أن يكون معتمدًا أولا، فإن كان
معتمدًا فهو الحجة، وإلا فلا أثر له)) (أ/ ٧٧).
وقال الشيخ تاج الدين الفزاري(6): ((قد اشتهر استثناء مراسيل سعيد لأنها
وجدت مسانيد، فعلى هذا لا معنى للاستثناء لأن الاحتجاج إنما وقع بالمسند لأنها
(١) إحكام الأحكام: ١٣٥/١.
(٢) ليست في النسختين، والظاهر سقوطها، ولابد منها لاستقامة المعنى.
(٣) لم أعثر غلى من نسبه إليه، ويحتمل أن يكون محرفًا عن ((شرح العيون)) له، ((انظر: كشف
الظنون ص: ١١٨٨ .
(٤) في الأصل: ((قال وأيضًا)).
(٥) هو: عبد الرحمن بن إبراهيم بن ضياء الفزاري الشيخ تاج الدين المعروف بابن الفركاح،
فقيه أهل الشام كان إمامًا مدققًا نظارًاً.
له: ((الإقليد لدر التقليد))، ((شرح العجيز))، ((شرح الورقات للجويني)» (٦٢٤ -٦٩٠هـ).
العبرة: ٣٦٧، طبقات السبكي ١٦٣/٨، البداية والنهاية ١٣/ ٣٢٥، شذرات الذهب
٤١٣/٥.

٤٨٨
النكت على ابن الصلاح
وجدت مسانيد، قال: ولم يقل الشافعي إنه يحتج بمرسل سعيد كيف كان، وإنما
أثنى على مراسيله لأنه يرسل عن أبي هريرة، وغيره يرسل عمن لا يعرف.
وقال الكيا الطبري: ((لما قال الشافعي: إن مرسل سعيد حجة روجع في الفرق
بينه وبين غيره، فقال: ((لأني(١) تتبعت مراسيله فوجدتها مسانید [فقيل له: وجدت
مجموعها أو أكثرها، فإن قال وجدت مجموعها مسانيد](٢)، فلا أثر للمرسل
[إذًا](٣) ؛ إذ الاعتماد على المسند، وإن قال وجدت أكثرها فهذا مقام لا يقنع فيه
بالمعظم، فإن كل حديث يطلب إسناده في عينه من غير إغفال شرط لوجود الشرط
في غيره، وسيأتي جواب هذا.
١٣٣ - (قوله): ((ومن أنكر هذا زاعمًا أن الاعتماد حينئذ يقع على المسند
دون المرسل فيقع(٤) لغوًّا، فجوابه (٥) أن بالمسند يتبين صحة الإِسناد الذي فيه
الإرسال حتى يحكم له مع إرساله بأنه [إِسناد](٦) صحيح)) (*) .
قلت: يشير إلى اعتراض القاضي أبي بكر على احتجاج الشافعي بالمرسل إذا
روي مسندًا من وجه آخر بأن العمل حينئذ على المسند، وأجاب المصنف بأنا لا
نسلم أن العمل بالمسند فقط، بل بالمسند یتبین صحة إسناد الإرسال حتى يحكم له
(١) في د: ((إني)).
(٢) سقط من د.
(٣) سقط من الأصل.
(٤) في الأصل: ((فيتبع)).
(٥) في الأصل: ((فجرابه)).
(٦) سقط من الأصل.
(*) المقدمة : ٤٩ .

٤٨٩
النكت على ابن الصلاح
مع إرساله بأنه صحيح الإسناد.
قال المصنف في حاشيته وتبعه النووي في الإرشاد (١): وقسم(٢) منه أن
الحديث الذي يقع عليه ذلك في إسناده يكون له إسنادان صحيحان، أحدهما
المرسل، فيكتسب بذلك قوة لا وجود لها على تقدير المصير إلى أنه لم يصح إلا
ذلك الإسناد المتصل الذي زعم المخالف أنه [به](٣) ثبت الحديث لا غير، وزاد
النووي في مختصره من الفوائد: أنه لو كان في المسألة حديثان صحيحان لو (٤)
عارضهما حديث صحيح [جاء من طريق واحد وتعذر الجمع رجحناهما عليه
وعملناهما (٥) دونه(٦).
وقد اعترض على هذا الجواب بأن الإسناد الذي فيه إرسال يحتمل أن يكون هو
الإسناد المتصل الذي هو صحيح](٧)، ويحتمل أن يكون إسنادًا آخر غير صحيح
احتمالاً على السواء، ومع هذا الاحتمال لا يتبين بالإسناد المتصل كون الإسناد
الذي فيه الإرسال صحيحًا، إذ بالشك في كونه هو الإسناد الصحيح أو غيره لا
يرتفع عنه الاحتمال الذي هو قادح في صحته وموجب (٨) لضعفه(٩) عند من يقول
(١) في النسختين: ((الإرسال))، والصواب ما أثبته.
(٢) ليست مقروءة في الأصل.
(٣) سقط من د.
(٤) في الإرشاد: ((حتى لو).
(٥) في الأصل: ((وعملناها))، والتصويب من الإرشاد.
(٦) الإرشاد (ل/١٦ ب).
(٧) سقط من د.
(٨) في د: ((يوجب)).
(٩) في د: ((بضعفه)).

٤٩٠
النكت على ابن الصلاح
بضعفه، فلا يتبين به صحته بوجه، وهذا ظاهر عند من له مذاق بما يصلح أن يتبين به
(د ٤٩) الأمر وما لا يصلح.
وقول النووي: ((فيكون(١) في المسألة(٢) حديثان صحيحان حتى يقدم على ما
صح من طريق واحدة))، عجيب فإنه سيأتي في النوع الحادي عشر(٣) أن الحديث إذا
روي مسندًا ومرسلاً أن القول بأن ذلك ليس بقادح، وفي الترجيح أيضًا بالرواية من
طريقين على ما روي من طريق بعد صحتهما نظر تكاد تخالفه استعمالات الفقهاء
واستدلالاتهم، فقد أخذ الشافعي ((بحديث ابن عباس في التشهد))(٤)، وحديث
ابن مسعود(٥) أکثر طرقًا، ونحوه.
ومنهم من أجاب عن الإشكال السابق بأن الاحتجاج(٦) بالمسند إنما ينهض (٧) إذا
كان في نفسه حجة، ولعل الشافعي أراد بالمسند هنا مالا ينهض بنفسه، فإذا ضم إلى
المرسل قام به المرسل وصار حجة، وهذا ليس عملاً بالمسند بل بالمرسل إذا زالت
التهمة عنه، وسكت المصنف عن اعتراضهم في الاعتماد عليه إذا جاء من وجه آخر
مرسلاً، فإن ضم الضعيف إلی مثله لا یفید کما في شهادة الفاسق مثله.
(١) في د: ((یکون)).
(٢) في د: ((الملة)).
(٣) أي: المعضل، انظر: المقدمة: ٥٤ .
(٤) أخرجه مسلم في التشهد ٤/ ١١٨، ١١٩، وأبو داود أيضاً: ١/ ٥٩٤، والترمذي
٢/ ٨٣، والنسائي ٣/ ٤١، وابن ماجه ١/ ٢٩١، ٢٩٢.
(٥) أخرجه البخاري في التشهد: ٢١١/١، ومسلم کذلك ١١٥/٤ إلى ١١٨، وأبو داود:
٥٩١/١، ٥٩٢، والترمذي ٢/ ٨١ والنسائي ٤٠/٣، ٤١، وابن ماجه ١ / ٢٩١.
(٦) في دزيادة: ((السابق)).
(٧) في د: ((نهض)).

٤٩١
النكت على ابن الصلاح
وقد (أ/ ٧٨) يجاب بما سبق في الحديث الضعيف إذا تعددت طرقه أنه
يرتقي(١) إلى رتبة الاحتجاج به، وغرض الشافعي من هذه الأشياء حرف واحد وهو
أنا(٢) إذا جهلنا عدالة الراوي للأصل لم يحصل عليه الظن بصدق الخبر، فإذا
انضمت هذه القرائن إليه قوي بعض القوة، فيجب العمل به دفعًا للضرر المظنون .
١٣٤ - (قوله): في رد المرسل: ((وهو قول جماهير حفاظ الحديث ونقاد
الأثر))(*) .
هكذا قاله الخطيب (٣) ، وفي كلام ابن عبد البر في التمهيد ما يقتضي أن كلهم
مجمعون [عليه](٤) (٥) ، لكن قال القاضي أبو بكر في التقريب : الجمهور على
قبول المرسل ووجوب العمل به إذا كان المرسل ثقة عدلاً، وهو قول مالك وأهل
المدينة وأبي حنيفة وأهل العراق، وكذلك نقله الرازي في المحصول عن
الأكثرين(٦)، وينبغي أن يكون مرادهم أكثر أهل الأصول ومراد ابن الصلاح، كذا
قيل، وفيه نظر، فإن المرسل حجة عند مالك كما نقله ابن عبد البر والقاضي أبو بكر
وغيرهما، وكذلك عند أحمد كما نقله ابن عبد البر والقاضي [أبو بكر](٧)، وروى
(١) في الأصل: ((يترقى)).
(٢) في د: ((لنا)).
(*) المقدمة : ٤٩ .
(٣) الكفاية: ٣٨٤.
(٤) سقط من الأصل.
(٥) التمهيد ١/ ٦،٥.
(٦) المحصول /٢ / ٦٥٠.
(٧) سقط من الأصل.

٤٩٢
النكت على ابن الصلاح
الخطيب في الجامع عن أحمد أنه قال: ((ربما(١) كان المرسل أقوى من المسند))(٢).
ونقل ابن الحاجب في مختصره إجماع التابعين على قبول المرسل (٣) ، لكنه مردود،
وغايته أنهم كانوا يرسلون، ولكن من قال: إنهم أجمعوا على قبوله؟
فإن قلت: يؤيد دعوى ابن الحاجب قول الإمام محمد بن جرير الطبري(٤):
((إنكار المرسل بدعة حدثت بعد المائتين))(٥).
قلت: إن ثبت عنه فمراده حدث القول به لما احتیج إلیه، لأن أحدًا قبل ذلك لم
يكن يعمل به، فلما تطاول الزمن احتيج إلى إنكاره فكانت بدعة واجبة، ولولا هذا
التأويل لعارضناه بكلام مسلم بن الحجاج الذي نقله ابن الصلاح(٦).
(١) في الأصل: ((لربما)).
(٢) الجامع لأخلاق الراوي ٢/ ٢٤٨، وعبارته: ((وربما كان المنقطع أقوى إسنادًا.
وانظر: الكفاية ٣٨٤، ٣٨٧، جامع التحصيل ٢٧، ٣٧، نكت ابن حجر ٢/ ٥٤٦،
٥٥٢، فتح المغيث ١ / ١٣٥، ١٣٦، تدريب الراوي ١/ ١٩٨.
المعتمد ٢ / ٦٢٨، العدة لأبي يعلى ٣/ ٩٠٩، ٩١٧، البرهان ١ / ٦٣٤، المستصفى:
١٩٥، الوصول إلى الأصول ٢/ ١٧٧، الإحكام للآمدي ٢/ ١١٢، ١١٣، روضة الناظر
٦٤، ٦٥، شرح الكوكب المنير ٢ / ٥٧٦، ٥٧٧.
(٣) مختصر ابن الحاجب ٢/ ٤٧ .
وانظر: محاسن الاصطلاح : ١٤١ .
(٤) محمد بن جرير بن يزيد، أبو جعفر الطبري الإمام العلم المجتهد عالم العصر.
قال الذهبي: «كان من أفراد الدهر علماً وذكاء وكثرة تصانيف، قل أن ترى العيون مثله»
(٢٢٤ - ٣١٠ هـ). انظر: تاريخ بغداد ٢/ ١٦٢، طبقات الفقهاء: ٩٣، سير النبلاء
٢٦٧/١٤، طبقات الداودي ٢ / ١٠٦ .
(٥) جامع التحصيل: ٧٠، البحر المحيط (٣/ ١٤ ب)، نكت ابن حجر ٢ / ٥٦٧.
(٦) المقدمة: ٤٩، ٥٠.
=

٤٩٣
النكت على ابن الصلاح
واعلم أن بعض الخصوم نسب الشافعي للتفرد برد المرسل، وقال ابن عبد البر:
((إن ابن جرير أشار بكلامه السابق إليه))، وقد حكى أبو داود السجستاني قريبًا من
ذلك في رسالته التي كتبها إلى أهل الأمصار في سبب كتابة السنن، فقال: ((وأما
المراسيل فقد كان يحتج بها العلماء فيما مضى مثل سفيان الثوري ومالك بن أنس
والأوزاعي حتى جاء الشافعي فتكلم فيه، وتابعه على ذلك أحمد بن حنبل
وغيره(١). انتھی.
وهذا مردود فقد قال سعيد بن المسيب وهو إمام التابعين: إنه ليس بحجة، كذا نقله
عنه [الحافظ أبو عبد الله](٢) الحاكم(٣)، ونقله ابن الأثير في مقدمة جامع الأصول عن
الزهري والأوزاعي(٤)، [و](٥) صح ذلك عن عبد الله بن المبارك وغيره(٦).
وفي مقدمة صحيح مسلم عن عبد الله بن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أنه لم
يقبل مرسل بعض التابعين، وكان من الثقات المحتج بهم في الصحيحين(٧). وصح
قال العلائي في الرد على قول ابن جرير: «وقول محمد بن جرير : لم يزل العمل بالإرسال
=
وقبوله حتى حدث بعد المائتين القول برده - مردود بقول من رده قبل المائتين كالأوزاعي
وشعبة والليث بن سعد وعبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد القطان وغيرهم)).
جامع التحصيل : ٧٥.
(١) رسالة أبي داود إلى أهل مكة: ص٢٤.
(٢) سقط من د.
(٣) المدخل إلى الإكليل: ص١٨ .
(٤) مقدمة جامع الأصول: ١٨/١.
(٥) سقط من د.
(٦) البحر المحيط ٤ / ٤٠٧ .
(٧) مقدمة صحيح مسلم ١/ ٨٠، ٨١.

٤٩٤
النكت على ابن الصلاح
فيه أيضًا عن ابن سيرين أنه قال: ((كانوا لا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة
قالوا: سموالنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ عنهم وإلى أهل البدع فلا
يؤخذ عنهم))(١) ، وكان يحيى بن سعيد القطان - ووفاته قبل الشافعي - شديد
الإنكار للمرسل، فروى ابن أبي حاتم عن أحمد بن سنان(٢) عنه أنه كان لا يرى
إرسال الزهري وقتادة شيئًا، ويقول: هو بمنزلة الريح، ويقول هؤلاء قوم حفاظ
كانوا إذا سمعوا الشيء علقوه(٣)، وقال: ((سعيد بن المسيب عن أبي بكر(٤) ذاك
شبه الريح»(٥).
وقال: ((مالك عن سعيد بن المسيب أحب إلي من سفيان عن إبراهيم وكل
ضعيف))(٦)، وقال: (( سفيان عن إبراهيم: لا شيء)) (٧)، وقال: ((مرسلات أبي
(١) مقدمة صحيح مسلم ١/ ٨٤. وعلل الترمذي الملحق بالجامع ٧٤٠/٥ .
(٢) هو: أحمد بن سنان بن أسد بن حبان - بكسر المهملة بعدها موحدة - أبو جعفر القطان
الواسطي، ثقة حافظ، من الحادية عشرة مات سنة تسع وخمسين، وقيل قبلها / خ م د كن
ق.
تقريب التهذيب ١٦/١ .
(٣) مراسيل ابن أبي حاتم: ٣، مقدمة الجرح والتعديل ١/ ٢٤٦.
وانظر: جامع التحصيل: ١٠١، تهذيب التهذيب ٩/ ٤٥١، البحر الذي زخر
(ل/ ١٩٤ أ)، تدريب الراوي ١/ ٢٠٥.
(٤) الصديق رضي الله عنه.
(٥) مراسيل ابن أبي حاتم: ٤، ٧٢، تقدمة الجرح والتعديل ١/ ٢٤٣.
(٦) العلل للترمذي الملحق بالجامع ٥/ ٥٧٠ -٥٧١ .
مراسيل ابن أبي حاتم ٤، ٥، تقدمة الجرح والتعديل ١/ ٢٤٣، الكفاية: ٣٨٧، جامع
التحصيل: ١٠٠، البحر الذي زخر: (ل/ ١٩٣أ)، تدريب الراوي ١/ ٢٠٥.
والمراد بسفيان هنا: الثوري.
(٧) المراسيل: ٥، تقدمة الجرح والتعديل ١/ ٢٤٤، الكفاية ٣٨٧، التمهيد ١/ ٣٤، جامع
التحصيل ١٠٢، البحر الذي زخر (ل/ ١٩٣أ).

٤٩٥
النكت على ابن الصلاح
إسحاق الهمداني(١) عندي لا شيء، والأعمش والتيمي(٢) ويحيى بن أبي كثير(٣))
يعني مثله (٤)، وقال: ((مرسلات ابن أبي خالد، يعني إسماعيل ابن أبي خالد ليس
بشيء))(٥)، وقال: ((مرسلات ابن عيينة شبه الريح)).
ثم قال: (إي والله)(٦) وسفيان بن سعيد(٧)، وقال: كان شعبة يضعف إبراهيم
عن علي(٨) ، هذه أقوال یحیی بن سعيد، وناهيك به.
وفي هذا القول الذي قاله عن شعبة من تضعيفه (أ/٧٩)، إبراهيم عن علي
تعقب على أبي عمرو، فإنه روى أثراً عن إبراهيم عن علي ((في الذي يراجع ولم
(١) هو: عمرو بن عبد الله الهمداني أبو إسحاق السبيعي - بفتح المهملة وكسر الموحدة، مكثر ثقة
عابد ، من الثالثة، اختلط بآخره، مات سنة تسع وعشرين ومائة، وقيل قبل ذلك / ع.
سير أعلام النبلاء ٥/ ٣٩٢، تهذيب التهذيب ٨/ ٦٣، تقريب التهذيب ٢/ ٧٣.
(٢) هو: إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمي يكنى أبا أسماء الكوفي العابد ثقة إلا أنه يرسل
ويدلس، من الخامسة ، مات سنة اثنتين وتسعين وله أربعون سنة/ع. تقريب التهذيب
١/ ٤٥، ٤٦.
(٣) في النسختين: ((يحيى بن كثير))، والصواب ما أثبته من المراسيل والكفاية.
(٤) انظر: مصادر تعليقة (٢)، وعلل الترمذي الملحق بالجامع ٧٥٤/٥، جامع التحصيل :
١٠٢، تدريب الراوي ١/ ٢٠٥.
(٥) انظر: مصادر التعليقة السابقة، وتدريب الراوي ١/ ٢٠٥، وكذا العدة لأبي يعلى
٩٢١/٣.
(٦) في النسختين: ((إني رأيته))، والتصويب من المراسيل والكفاية.
(٧) المراسيل: ٦، تقدمة الجرح والتعديل ١/ ٢٤٤، الكفاية ٣٨٧، علل الترمذي الصغير
٧٥٤/٥، جامع التحصيل: ١٠٠، البحر الذي زخر (ل/ ١٩٣أ)، تدريب الراوي
٢٠٥/١.
(٨) المراسيل ٦، ١٠، تقدمة الجرح والتعديل ١/ ١٣٠، جامع التحصيل: ١٠٢، البحر الذي
زخر (ل/ ١٩٣أ).

٤٩٦
النكت على ابن الصلاح
تعلم البراءة فتزوجت، فإن(١) الأول أحق بها))(٢). قال ابن عبد البر: ((وأجمعوا أن
مراسيل إبراهيم صحاح))(٣)، ومراده بالمرسل المنقطع لما تقدم.
وقال ابن أبي حاتم: ((سمعت أبي وأبا زرعة يقولان: لا يحتج بالمراسيل ، وإنما
تقوم الحجة بالأسانيد الصحاح المتصلة، وبقولهما (٤) أقول)(٥).
وقال الترمذي في علله: ((والحديث إذا كان مرسلاً فلا يصح عند أكثر أهل
الحديث ، قد ضعفه غير واحد منهم، قال: ومن ضعفه فإنما ضعفه من قبل أن
هؤلاء الأئمة قد حدثوا عن الثقات وغير الثقات، فإذا روى أحدهم حديثًا وأرسله
لعله أخذه عن غير ثقة، قال: وقد احتج بعضهم بالمراسيل، وحكاه عن إبراهيم
النخعي)» (٦) .
١٣٥ - (قوله): ((وفي صدر صحيح مسلم: [المرسل] (٧) في أصل قولنا
وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة))(*) .
اعترض عليه فیما نقله ، فإن مسلمًا إنما ذكره في أثناء کلام خصمه الذي رد
(١) في د: ((قال)).
(٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، كتاب الطلاق، باب ارتجعت فلم تعلم حتى نكحت ٦/
٣١٣، ٣١٤، وابن أبي شيبة أيضًا، باب ما قالوا في الرجل يطلق امرأته فيعلمها الطلاق ثم
يراجعها ولا يعلمها الرجعة حتى تزوج ٥/ ١٩٥ .
أما سند عبد الرزاق فصحيح، وسند ابن أبي شيبة حسن.
(٣) التمهيد ١/ ٣٠.
(٤) في د: ((بدلهما)).
(٥) مراسيل ابن أبي حاتم: ص٧، جامع التحصيل : ٣١.
(٦) علل الترمذي الملحق بالجامع ٥/ ٧٥٣، ٧٥٥.
(٧) سقط من د.
(*) المقدمة : ٥٠.

٤٩٧
النكت على ابن الصلاح
عليه اشتراط ثبوت اللقاء في الإسناد المعنعن، فقال: فإن قال: ((قبلته لأني
وجدت(١) رواة الأخبار قديمًا وحديثًا يروي أحدهم عن الآخر الحديث ولما يعاينه
وما سمع منه شيئًا قط، فلما رأيتهم استجازوا رواية الحديث بينهم هكذا على
الإرسال من غير سماع، والمرسل من الروايات في أصل قولنا وأهل العلم بالأخبار
ليس بحجة، احتجت لما وصفت من العلة(٢) إلى البحث عن سماع راوي کل خبر
عن راويه(٣) ، إلى آخر كلامه)) (٤).
وأجيب: بأنه وإن حكاه عن لسان خصمه لكن لما لم يعترض عليه بشيء فكأنه
ارتضاه، فلهذا ساغ لابن الصلاح عزوه إليه، ويؤيده قول الترمذي: ((الحديث إذا
كان مرسلاً فإنه لا يصح عند أكثر أهل الحديث))(٥) .
١٣٦ - (قوله): ((وابن عبد البر حافظ المغرب ممن حكى ذلك عن
(جماعة (٦)) أصحاب الحديث))(*) .
أي في كل الأمصار، ونقله عن سائر أهل الفقه أيضًا، قال: ((الإجماع(٧) على
(١) في د: ((وجدته)).
(٢) في النسختين: ((العلم))، والمثبت من مقدمة مسلم.
(٣) في الأصل: ((رواية)).
(٤) مقدمة صحيح مسلم ١ / ١٣١ - ١٣٢ .
(٥) العلل الملحق بالجامع ٥/ ٧٥٣.
(٦) مطموسة في د.
(*) المقدمة : ٥٠.
(٧) في الأصل: ((الإجماع)).

٤٩٨
النكت على ابن الصلاح
الحاجة إلى عدالة (د ٥٠) المخبر وأنه لابد من علم ذلك))(١).
وقال ابن خلفون في المنتقى: ((ولا اختلاف أعلمه بينهم أنه لا يجوز العمل
بالمرسل إذا كان مرسله غير متحرز يرسل عن غير الثقات))(٢).
١٣٧ - (قوله): ((والاحتجاج به - أي مطلقًا - مذهب مالك وأبي حنيفة
وأصحابهما في طائفة وهي رواية عن أحمد))(*) .
فيه أمور :
أحدها: هذا الكلام يحتمل ثلاثة أشياء:
أحدها: وهو الظاهر ، أنه هو والمسند سواء.
وثانيها: أنه يحتج به مع احتمال كونه أولى من المسند، ونقله ابن عبد البر (٣)
عن [ابن](٤) خويز منداد المالكي البصري(٥)، ولكن المراد هو الأول(٦).
(١) التمهيد ٦/١.
(٢) نقل المؤلف هذا النص نفسه في البحر المحيط (١٣/ ١٣ ب) وعزاه لابن عبد البر، ونقله ابن
حجر في نكته ٢/ ٥٥٢ وعزاه لأبي الوليد الباجي. وكذا فعل العلائي في جامع التحصيل :
٤٠.
(*) المقدمة : ٥٠.
(٣) التمهيد ٥/١.
(٤) سقط من الأصل.
(٥) هو: محمد بن أحمد بن إسحاق بن خويز منداد، ويقال أيضاً خواز منداد أبو عبد الله
البصري المالكي تفقه بالأبهري وسمع الحديث، و کان من کبار علماء المذهب. له کتاب کبیر
في الخلاف، وكتاب في أصول الفقه، وفي أحكام القرآن.
ترتيب المدارك ٤ / ٦٠٦، الديباج المذهب / ٢٦٨ .
(٦) ذكر المؤلف أن للكلام السابق ثلاثة احتمالات، ولم يذكر إلا اثنين.

٤٩٩
النكت على ابن الصلاح
الأمر الثاني: أن ابن الصلاح أطلقه، وشرطه عندهم أن يكون مرسله ثقة
يرسل عن الثقات وغيرهم، فلا خلاف أنه لا يجوز العمل بالمرسل، قاله ابن
عبد البر (١) وغيره من المالكية(٢)، وأبو بكر الرازي من الحنفية(٣)، وعلى هذا (فصل
النزاع)(٤) في هذه المسألة من حيث المعنى، فإن الشافعي يقبله حينئذ كما سبق، ثم
الخلاف في المرسل الذي لا عيب فيه سوى الإرسال، فأما إذا انضم إلى كونه مرسلاً
ضعف راومن رواته فهو حينئذ أسوأ حالاً من المسند الضعيف، لأنه يزيد عليه
بالانقطاع، ولا خلاف في رده وعدم الاحتجاج به، قاله أبو الحسن بن القطان في
الوهم والإيهام(٥) ، وكذا أبو الحسين(٦) في المعتمد(٧) وخلائق من المالكية والحنفية،
منهم القاضي عبد الوهاب والمازري والباجي(٨) وشمس الأئمة السرخسي.
(١) التمهيد ١/ ٢ و ١٧ .
(٢) كالقاضي عبد الوهاب وأبي الوليد الباجي.
(٣) نكت ابن حجر ٢/ ٥٥١، فتح المغيث ١ / ١٣٦.
(٤) في الأصل: ((يقبل لا نراع)) وفي د: ((فصل لا نراع))، ولعل ما أثبته هو الصواب.
(٥) بیان الوهم والإيهام (ل/ ١ ١/ ١٤٢ ب).
(٦) هو: محمد بن علي بن الطيب أبو الحسين البصري القاضي شيخ المعتزلة وصاحب
التصانيف على مذاهبهم. قال الذهبي : «ليس بأهل للرواية، وله تصانيف وشهرة بالذكاء
والديانة على بدعته)). له: ((تصفح الأدلة))، ((نقض الشافي)) ( .... ٤٣٦ هـ).
تاريخ بغداد ٣/ ١٠٠، شرح العيون ٣٨٧، ميزان الاعتدال ٣/ ٦٥٤.
(٧) المعتمد ٢/ ٦٣٧ .
(٨) هو: سليمان بن خلف بن سعدون البطليوسي الباجي أبو الوليد القاضي المالكي الحافظ
العلامة ذو الفنون ، قال الذهبي : ((برع في الحديث وعلله ورجاله، وفي الفقه وغوامضه
وخلافه، وفي الكلام ومضايقه)). له: ((المنتقى شرح موطأ مالك))، ط ((الحدود)) ط،
(التعديل والتجريح )خ (٤٠٣ - ٤٧٤هـ).
الصلة ١ / ١٩٧، ترتيب المدارك ٤/ ٨٠٢، تذكرة الحفاظ ٣/ ١١٧٨.

٥٠٠
النكت على ابن الصلاح
الثالث: ما نقله عن مالك هو المشهور عنه فيما نقله أبو داود(١) ، وابن
عبد البر(٢) ، وابن حزم(٣)، وغيرهم، ولكن نقل أبو عبد الله الحاكم عنه أنه ليس
بحجة(٤).
١٣٨ - (قوله): ((ثم (إِنا لم)(٥) نعد في أنواع المرسل ... ))(*) إلى آخره.
فیه أمور :
أحدها: حاصله تخصيص (أ ٨٠) الخلاف السابق بمرسل التابعين فمن دونهم،
أما مرسل الصحابة فمقبول أي بالإجماع كما صرح به بعضهم، لكن حكى الخطيب
وغيره عن بعض العلماء أنه لا يحتج به كمرسل غيرهم إلا أن يقول: لا أروي إلا ما
سمعته عن رسول الله ◌َّ أو عن صحابي لأنه قد يروي عن غير صحابي(٦) .
قال النووي: ((وهذا مذهب الأستاذ أبي إسحاق الإسفرائني، والصواب
(١) رسالة أبي داود إلى أهل مكة : ٢٤.
(٢) التمهيد ١/ ٢.
(٣) الإحكام في أصول الأحكام ٢/ ١٩٢ -١٩٣.
(٤) المدخل إلى الإكليل : ص١٨، وقد تقدم رد ابن دحية عليه .
وانظر: الإرشاد (ل/ ١٧أ) جامع التحصيل: ٢٧، شرح علل الترمذي ٢٧٨/١، المقنع
(ل/ ١٥)، نكت ابن حجر ٢/ ٥٤٦ -٥٥٤، فتح المغيث: ١٣٥ - ١٣٦، تدريب الراوي
١٩٨/١.
العدة لأبي يعلى ٣/ ٩٠٩، البرهان ١ / ٦٣٤، المستصفى: ١٩٥، الوصول إلى الأصول
٢/ ١٧٧، الإحكام للآمدي ٢/ ١١٢، ١١٣، روضة الناظر: ٦٤ - ٦٥، شرح الكوكب
المنير ٢/ ٥٧٦ -٥٧٧، شرح تنقيح الفصول: ٣٧٩ - ٣٨٠، المحصول ١ / ٦٥٠.
(٥) في النسختين: ((إن ما لم)) والتصحيح من المقدمة.
(*) المقدمة: ٥٠ .
(٦) الكفاية : ٣٨٥.