النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
النكت على ابن الصلاح
قلت: في إدخاله في أنواع الحديث تسامح كثير؛ فإن أقوال التابعين ومذاهبهم لا
مدخل لها في الحديث، فكيف يكون نوعًا منه؟ نعم، يجيءهنا ما بين في الموقوف
من أنه إذا كان ذلك لا مجال للاجتهاد فيه أن یکون في حکم المرفوع، وبه صرح ابن
العربي وادعى أنه مذهب مالك، ولهذا أدخل عن سعيد بن المسيب صلاة الملائكة
خلف المصلي(١) .
١١٨ - (قوله): ((في كلام الشافعي والطبراني)) (*).
وكذلك في كلام أبي بكر الحميدي والدار قطني(٣).
١١٩ - (قوله): ((أحدها: قول الصحابي ((كنا نفعل كذا)) ... )) (*) إلى
آخره.
حاصله: حكاية قولين: الوقف مطلقًا، والتفصيل بأن تضيفه إلى زمان
= ١٩٤/١، توضيح الأفكار ١/ ٢٦٥.
(١) نص الحديث: عن سعيد بن المسيب أنه كان يقول: ((من صلى بأرض فلاة صلى عن يمينه
ملك وعن شماله ملك، فإذا أذن وأقام الصلاة صلى وراءه من الملائكة أمثال الجبال)).
أخرجه مالك في الموطأ في النداء، باب النداء في السفر وعلى غير وضوء ١ / ٩٤.
قال السيوطي: هذا مرسل له حكم الرفع فإن مثله لا يقال من جهة الرأي، وقد ورد موصولاً
ومرفوعًا، فأخرجه سعيد بن منصور في سننه وابن أبي شيبة في المصنف والبيهقي في السنن
عن سلمان الفارسي.
انظر: تنوير الحوالك ١/ ٩٤، ٩٥، السنن الكبرى ١/ ٤٠٥، المصنف ١/ ٢١٨، ٢١٩،
وإسناده صحيح، رجاله رجال الصحيحین.
(*) المقدمة : ٤٣ .
(٢) أي التعبير بالمقطوع عن المنقطع وجد في كلام المذكورين.
وانظر: نكت ابن حجر ٢/ ٥١٤.
(*) المقدمة : ٤٣ .

٤٢٢
النكت على ابن الصلاح
النبي ◌َ﴾(١) أو لا، وأهمل مذاهب: أحدها: أنه مرفوع مطلقًا، وبه قال الحاكم (٢)
ورجحه من الأصوليين الإمام الرازي (٣) (٤) (٥).
وقال ابن الصباغ (٦) في العدة: إنه الظاهر، ومثله بقوله عائشة: ((كانت اليد لا
تقطع في الشيء التافه)»(٧)، وحكاه النووي في شرحه على البخاري والوسيط عن
(١) هذا ما ذهب إليه الخطيب في كفايته ص: ٤٢٣ .
(٢) في معرفة علوم الحديث ص: ٢٢.
(٣) في الأصل زيادة: ((وقال الإمام الرازي)) وهي مشطوب عليها في د.
(٤) هو: محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري، الإمام فخر الدين أبو عبد الله
الرازي ابن خطيب الري، قال السبكي: «ذو الباع الواسع في تعليق العلوم، والاجتماع
بالشاسع من حقائق المنطوق والمفهوم، والارتفاع قدرًا على الرفاق)).
له: ((مفاتيح الغيب في التفسير،ط، ((المحصول)) ط، ((معالم أصول الدين)) ط
(٥٤٤ - ٦٠٦ هـ).
وفيات الأعيان ٣/ ٣٨١، البداية والنهاية ١٣/ ٥٥، طبقات السبكي ٨١/٨، لسان الميزان
٤/ ٤٢٦، طبقات المفسرين ٢/ ٢١٣ - ٢١٤، الفتح المبين: ٤٧ .
(٥) المحصول: ٤/ ٦٤٣ .
وهذا المذهب نسبه العراقي إلى الآمدي، وهو الذي اعتمده الشيخان في صحيحيهما، وأكثر
منه البخاري.
انظر: الإحكام للآمدي ٢/ ٨٧ - ٨٨، التقييد والإيضاح: ٦٧، النكت لابن حجر
٥١٥/٢.
(٦) هو: عبد السيد بن أبي ظاهر محمد بن عبد الواحد البغدادي الشافعي المعروف بابن الصباغ
أبو النصر الإمام المقدم. قال الذهبي: ((كان ثبتًا حجة دينًا خيرًا))، له: ((الشامل في الفقه)»،
((الكامل))، ((تذكرة العالم» (٤٠٠ - ٤٧٧هـ).
وفيات الأعيان ٢/ ٣٨٥، العبر ٣/ ٢٨٧، نكت الهميان: ١٩٣، طبقات السبكي
١٢٢/٥، البداية والنهاية ١٢/ ١٢٦، شذرات الذهب ٣٥٥/٣.
(٧) أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده: رقم الحديث ١٩٥ -١٩٦. وابن أبي شيبة في
المصنف: كتاب الحدود ٩/ ٤٧٦ - ٤٧٧. وعبد الرزاق في كتاب الحدود : باب في كم تقطع
يد السارق ١٠/ ٢٣٤ -٢٣٥. والبيهقي في الكبرى: باب ما يجب فيه القطع=

٤٢٣
النكت على ابن الصلاح
ظاهر كلام كثير (٤١٥) من المحدثين والفقهاء، قال: وهو قوي؛ فإن ظاهره أنه فعله
على وجه يحتج به، ولا يكون إلا برفعه.
والثاني: التفصيل بين أن يكون ذلك الفعل مما لا يخفى غالبًا فمرفوع، وإلا
فموقوف، وبه قطع الشيخ أبو إسحاق وغيره، حكاه النووي في أوائل شرح
مسلم (١) .
وقال غيره: أما إذا كان في القصة اطلاعه ◌َّ ، فلا شك في رفعه، كقول ابن
عمر: ((كنا نقول - [و](٢) رسول الله تَّه حي: أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر
وعمر وعثمان ويسمع ذلك رسول الله تَّه فلا ينكره)). رواه الطبراني في المعجم
الكبير(٣)، وأصله في الصحيح .
=
٨/ ٢٥٥ - ٢٥٦.
كلهم من قول عائشة، غير الصنعاني أخرجه من قول عروة بن الزبير لا ذكر فيه لعائشة. وقد
فصل البيهقي بين قول عروة وقول عائشة، قال: وهذا الكلام الأخير (أي إن اليد لا تقطع
في الشيء التافه): من قول عروة فقد رواه عبدة بن سليمان وميز كلام عروة من كلام عائشة
رضي الله عنها.
لکن ابن أبي شيبة ساقه مسندا عن عروة عن عائشة من قولها، وسنده صحيح، رجاله رجال
الصحيحين. أما عبد الرزاق فقد جمع بين الفقرتين بسند صحيح إلى عروة من قوله. وانظر
أيضًا فتح الباري ١٢ / ١٠٤ .
(١) مقدمة شرح صحيح مسلم ١/ ٣٠.
(٢) سقط من الأصل.
(٣) أخرجه بهذا اللفظ الطبراني في الكبير ١٢/ ٢٨٥ -٢٨٦، وكذا في الأوسط كما في مجمع
الزوائد ٩/ ٥٨، وابن أبي عاصم في السنة ٢ / ٥٦٧ -٥٦٨، قال الهيثمي في سند الطبراني
وأبي يعلى : رجاله وثقوا، وفيهم خلاف.
وأما سند ابن أبي عاصم فصحيح، رجاله ثقات.
وروي بألفاظ أخرى متقاربة: أخرجه البخاري في المناقب باب فضل أبي بكر ٥/ ٥، وفي
مناقب عثمان بن عفان ٥: ١٨، وأبو داود في كتاب السنة ٥/ ٢٤ -٢٦، والترمذي في
المناقب باب في مناقب عثمان ٥/ ٦٢٩ - ٦٣٠ .
=

٤٢٤
النكت على ابن الصلاح
والثالث: إن ذكره الصحابي في معرض الحجة، حمل على الرفع، وإلا فعلى
الوقف، حكاه القرطبي في أصوله(١) .
وأحمد في مسنده ٢/ ١٤، وفي فضائل الصحابة ١/ ٨٦، ٩٠ و٩٢، والطبراني في الكبير
١٢/ ٢٨٥ و٣٠٢ و ٣٤٥، وابن أبي عاصم في السنة ٢/ ٥٦٦ -٥٦٩، وخيثمة بن سليمان
في فضائل الصحابة كما في فتح الباري ٧/ ١٦ - ١٧، والبزار في مسنده كما في كشف
الأستار ٢/ ٢٢٤، والخطيب في الكفاية ٤٢٢ كلهم من حديث ابن عمر، وأخرجه أحمد
في مسنده ١/ ١١٥ و١٢٥، وفي فضائل الصحابة ١/ ٧٦ - ٨٠و٨٤، والطبراني في الكبير
١/ ١٠٦، وابن أبي عاصم في السنة ٢ / ٥٦٩، وابن - عبد البر في الاستيعاب ٢/ ٥١ -٥٢
عن علي.
وهذا الحديث مع إخراج البخاري له وصحة بعض طرقه الأخرى فإن متنه حوله كلام، فقد
طعن فيه ابن عبد البر مستنداً إلى كلام ابن معين فيمن يذكرون أبا بكر وعمر وعثمان
ويسكتون، وذكر أن هذا الحديث خلاف قول أهل السنة إن عليًا أفضل الناس بعد الثلاثة
وأنه مجمع عليه، فدل هذا الإجماع على أن حديث ابن عمر غلط وإن كان السند إليه
صحيحاً، وقد رد على الأول بأن ابن معين أنكر رأي قوم وهم العثمانية الذين يغالون في
حب عثمان وينتقصون - عليًا، وعلى الثاني بأنه لا يلزم من سكوتهم إذ ذاك عن تفضيله عدم
تفضيله على الدوام، وبأن الإجماع المذكور إنما حدث بعد الزمن الذي قیده ابن عمر،
فيخرج حديثه عن أن يكون غلطًا .
قال ابن حجر: ((والذي أظن أن ابن عبد البر إنما أنكر الزيادة - التي وقعت في رواية عبيد الله
ابن عمر، وهي قول ابن عمر: ثم نترك أصحاب رسول الله مي ... إلخ)).
انظر: فتح الباري ٧ / ١٦ - ١٧ .
(١) لعل المراد به أبو العباس أحمد بن عمر شارح مسلم المتقدم . وقد نقل المؤلف عن القرطبي
في هذا المبحث شيئًا في البحر المحيط ٤/ ٣٧٩، ٣٨٠ . والمؤلف لم يذكره بشيء يميزه،
وهذا النقل يوجد أيضًا عند ابن حجر في نكته ٢/ ٥١٦، والسخاوي في فتح المغيث
١/ ١١٦، والسيوطي في البحر الذي زخر (ل/ ١٣٦ ب).
وانظر للمذاهب المذكورة في قول الصحابي: ((كنا نفعل كذا ... )) علوم الحاكم : ٢٢٠،
والكفاية : ٤٢٢، والإرشاد (ل/ ١٤أ)، مختصر ابن كثير: ٣٩، المقنع (ل/ ١٢ب)،
التقييد والإيضاح: ٦٦ -٦٧، الشذا الفياح (ل/ ١٥أ)، نكت ابن حجر ٥١٥/٢ -٥١٦،
فتح المغيث ١/ ١١٣ -١١٦، تدريب الراوي ١ / ١٨٤، توضيح الأفكار ١/ ٢٧٣ -٢٨٠، =

٤٢٥
النكت على ابن الصلاح
١٢٠ - (قوله): ((وذكر الحاكم في حديث المغيرة بن شعبة ... ))(*) إلى آخره.
وتبع الحاكم في ذلك أبو عمرو عثمان بن سعيد المقرئ، وحكاه المصنف عن
الخطيب أيضًا .
قيل(١) : ولم يوجد في الجامع هذا، وإنما فيه حديث قرع الأظافير من حديث
أنس، ولم يتعرض لكونه موقوفًا، وهو عجيب؛ فقد سبق نقله عنه في الموقوف(٢) .
وحديث المغيرة رواه البيهقي في المدخل عن شيخه الحاكم في الأمالي من طريق
محمد بن حسان(٣) عن محمد بن سيرين عن المغيرة بن شعبة، ثم قال: قال أبو عبد
الله: محمد بن حسان هو أخو هشام بن حسان (٤)
= وكتب الأصول: المعتمد ٢ / ٦٦٦ - ٦٦٨، العدة لأبي يعلى ٣/ ٩٩٢، المحصول ١ /
٦٤٣، الإحكام للآمدي ٢/ ٩٩، المسودة: ٢٩٧، شرح الكوكب المنير ٢/ ٤٨٣. البحر
المحيط ٤ / ٣٧٩ _ ٣٨٠.
(*) المقدمة : ٤٤ .
(١) القائل هو البلقيني في محاسن الاصطلاح ص: ١٢٧، ولفظه: ((ما ذكر عن الخطيب أنه ذكر
في جامعه نحو ما ذكر الحاكم لم أقف عليه في جامع الخطيب فلينظر، نعم وجدت في جامع
الخطيب حديث القرع بالأظافير من حديث أنس ولم يتعرض لقوله موقوفًا)) اهـ.
واعترض أيضًا مغلطاي بأن الخطيب إنما رواه من حديث أنس، ورده ابن حجر بأن المصنف
إنما قصد أن الحاكم والخطيب ذكرا أن ذلك من قبيل الموقوف وإن ذكر النبي عمّ فيه.
نکت ابن حجر ٢/ ٥١٨.
(٢) وقد تقدم عند قولة ابن الصلاح رقم ١١٢. وأن الخطيب أخرجه من حديث أنس كما قال
البلقيني ومغلطاي، لكنه ذكر الوقف وليس كما قال البلقيني.
(٣) لم أعثر على ترجمته، وسيأتي قول الحاكم فيه: غريب الحديث.
(٤) هو: هشام بن حسان الأزدي القردوسي - بالقاف وضم الدال - أبو عبد الله البصري، ثقة ،
من أثبت الناس في ابن سيرين وفي روايته عن الحسن وعطاء مقال لأنه قيل: كان يرسل
عنهما، من السادسة، مات سنة سبع أوثمان وأربعين/ع.
الثقات لابن حبان ٧/ ٥٦٦، الكاشف ٣/ ٢٢١، تقريب التهذيب ٢/ ٣١٨.

٤٢٦
النكت على ابن الصلاح
غريب الحديث))(١).
قال البيهقي: ((وقد رويناه في الجامع من حديث محمد بن المنتصر(٢) عن أنس
ابن مالك»(٣).
قال السهيلي : ((ومعنى الحديث أن بابه الكريم ليس له حلق)).
وقال غيره: ((بل ذلك أدبًا وإجلالاً))(٤) .
١٢١ - (قوله): ((الثاني: قول الصحابي: ((أمرنا بكذا))))(*).
فيه أمور :
أحدها: حاصله حكاية قولين: الرفع والوقف، وفاته حكاية ثالث، وهو
التفصيل بين أن يكون الراوي أبا بكر الصديق فيحمل على أن الآمر النبي عمّه ؛ لأن
أبا بكر رضي الله تعالى عنه لا يقول: أمرنا، إلا وآمره النبي ◌َّ (لأن غير النبي) (٥)
لا يأمره ولا يلزمه أمر غيره، [ولا تأمر عليه أحد من الصحابة، وأما غير أبي بكر
الصديق إذا قال: أمرنا، فإنه يجوز أن يكون أمر النبي ◌َّ أو غيره](٦)؛ لأن أبا بكر
(١) هكذا في النسختين والمدخل، وفي فتح المغيث نقلاً عن المدخل: ((وهو حسن الحديث)).
انظر: فتح المغيث ١ / ١١٩ .
(٢) هو: محمد بن مالك بن المنتصر، مجهول من الخامسة / بخ.
ميزان الاعتدال ٤/ ٢٣، تقريب التهذيب ٢/ ٢٠٤.
(٣) المدخل للبيهقي ، باب توقير العالم والعلم (ل/ ٤٦ ب).
(٤) انظر: توضيح الأفكار ١/ ٢٦٧ - ٢٧٧ .
(*) المقدمة : ٤٥ .
(٥) في د: ((ومعنى ذلك لأن غير النبي ... )).
(٦) سقط من د.

٤٢٧
النكت على ابن الصلاح
تأمر على الصحابة ووجب عليهم امتثال أمره، وهذا المذهب غريب جداً [قد](١)
حكاه ابن الأثير في مقدمة جامع الأصول(٢).
وقد ضعف بأن غير أبي بكر كان أميرًا في زمن، وكان أبو بكر بن حكيم في
بعض الغزوات، لكن إمارة غير (أ٤٦) أبي بكر لم تعلم إلا في الحروب.
الثاني: خرج بقيد الصحابي ما إذا قال التابعي ذلك، قال الغزالي: (([وهو](٣)
یحتمل الوقف والإرسال، قال: لكنه لا يليق بالعالم أن يطلق ذلك إلا وهو يريد من
تجب طاعته))(٤) .
قال ابن الأثير: ((والاحتمال في قول التابعي أظهر منه في قول الصحابي))(٥).
وجزم ابن الصباغ في العدة بأنه مرسل، (وحكى فيما إذا قال ذلك سعيد بن
المسيب، هل يكون حجة؟ وجهين)(٦) .
الثالث: لو صرح(٧) بالأمر كقوله: ((أمرنا رسول الله عم ◌ّ ... )) فهو مرفوع بلا
خلاف لانتفاء الإشكال.
(١) سقط من الأصل.
(٢) مقدمة جامع الأصول ١ / ٩٤.
استغرب المؤلف هذا المذهب الذي حكاه ابن الأثير، لكن ابن حجر قال بعد حكايته: ((وهو
مقبول)) النكت ٢/ ٥٢١ .
(٣) سقط من د.
(٤) المستصفى ١/ ١٣١.
(٥) جامع الأصول ١ / ٩٥.
(٦) سقط من د.
(٧) في د: ((صر)).

٤٢٨
النكت على ابن الصلاح
لكن حكى القاضي أبو الطيب (١) والشيخ أبو إسحاق وغيرهم عن
داود(٢) وبعض المتكلمين أنه لا يكون حجة حتى ينقل لنا لفظه، وهذا
ضعيف باطل، إلا أن يريدوا: لا يكون حجة في الوجوب كما هو ظاهر
تعلیلهم(٣).
١٢٢ - (قوله): ((وهكذا قول الصحابي ((من السنة كذا ... ))، فالأصح أنه
مسند مرفوع)) (*) .
.
مقابل الأصح خلاف الكرخي (٤).
(١) الطبري تقدم.
(٢) هو: داود بن علي بن خلف أبو سليمان البغدادي المعروف بالأصبهاني، مولى أمير المؤمنين
المهدي، رئيس أهل الظاهر الإمام البحر الحافظ العلامة. قال الخطيب : ((صنف الكتب
وکان إمامًا ورعا ناسكا زاهدًا وفي كتبه حديث كثير، لكن الرواية عنه عزيزة جدًا)) . له:
((الأصول))، ((الذب عن السنة والأخبار))، ((إبطال القياس)) (٢٠٠ - ٢٧٠هـ).
تاريخ بغداد ٣٦٩/٨، المنتظم ٥/ ٧٥، سير أعلام النبلاء ١٣ / ٩٧، طبقات السبكي
٢٨٤/٢، المعتبر: ٢٦٤، لسان الميزان ٢/ ٤٢٢.
(٣) انظر: علوم الحاكم: ٢٠، الكفاية: ٤٢٠، المقنع (ل/ ١٣أ)، نكت ابن حجر ٢/ ٥٢٠،
٥٢٣، فتح المغيث ١/ ١٢٣، تدريب الراوي ١ / ١٨٨، البحر الذي زخر (ل/ ١٢٧)،
توضيح الأفكار ١/ ٢٦٩، المعتمد ٢ / ٦٦ -٦٦٧، البرهان ١ / ٦٥٠، أصول السرخسي
١/ ٣٨٠، ٣٨١، العدة ٣/ ٩٩٢، المسودة ٢٩٦، المحصول ١ / ٦٤٠، الوصول إلى
الأصول ٢ / ١٩٨، ١٩٩، المستصفى ١٥٤، شرح الكوكب المنير ٢/ ٤٩٠. البحر
المحيط : ٤ / ٣٧٥، ٣٧٦.
(*) المقدمة: ٤٥.
(٤) هو: عبيد الله بن الحسين بن دلال بن دلهم أبو الحسن البغدادي الكرخي الحنفي الشيخ الإمام
الزاهد مفتي العراق وشيخ الحنفية، قال الخطيب: ((إليه انتهت رياسة أصحاب
أبي حنيفة ... وكان مع غزارة علمه وكثرة روايته عظيم العبادة))، قال الذهبي: ((وكان
رأسًا في الاعتزال)). (٢٦٠، ٣٤٠هـ). تاريخ بغداد ١٠/ ٣٥٣، الأنساب ١١/ ٧٥، المنتظم
٣٦٩/٦، سير النبلاء ١٥/ ٤٢٦، الجواهر المضيئة ٢/ ٤٩٣، لسان الميزان ٤ / ٩٨.

٤٢٩
النكت على ابن الصلاح
والصيرفي (١) وحكاه إمام الحرمين في البرهان عن المحققين، قالوا: يحتمل أن يريد
سنة غير الرسول فلا تحمل على سنته(٢) . وجزم [به](٣) ابن حزم في كتاب الإحكام،
فقال: ((قول الصحابي)) من السنة كذا، أو أمرنا بكذا)) ليس بمسند ، ولا يقطع (٤) بأنه
قوله عليه الصلاة والسلام، وإنما يعني به السنة عنده على ما أداه إليه اجتهاده، واحتج
بما في البخاري عن ابن عمر أنه قال: ((أليس حسبكم سنة نبيكم(٥) لَ﴾ إن حبس
أحدكم عن الحج طاف(٦) بالبيت وبالصفا والمروة، ثم حل من كل شيء حتى
(يحج (٧) قابلاً) فيهدي (٨) أو يصوم إن لم يجد هديًا)(٩).
قال أبو محمد(١٠): ((ولا خلاف بين أحد من الأمة (١١) كلها أنه عليه الصلاة
(١) هو: محمد بن عبد الله أبو بكر الفقيه الشافعي المعروف بالصير في، قال السبكي: ((كان
يقال: إنه أعلم خلق الله تعالى بالأصول بعد الشافعي)). له: ((شرح الرسالة))، ((كتاب في
الإجماع))، ((كتاب في الشروط)) ( .... ٣٣٠هـ)، تاريخ بغداد ٥/ ٤٤٩، طبقات
الشيرازي: ١١١، وفيات الأعيان ٣/ ٦٣٦، الوافي بالوفيات ٣/ ٣٤٦، طبقات السبكي
٣/ ١٨٦، شذرات الذهب ٢/ ٣٢٥.
(٢) البرهان ١ / ٦٤٩.
(٣) سقط من د.
(٤) في الأصل: ((منقطع)).
(٥) هكذا في الأصل، ود، وكذا في الإحكام، وفي صحيح البخاري ((رسول الله)).
(٦) في الأصل، ود: ((فطاف))، والمثبت من البخاري والإحكام.
(٧) هكذا في النسختين ، وفي البخاري والإحكام ((يحج عامًا قابلاً))، والمؤلف اختصره كعادته.
(٨) في د: «فهدي)).
(٩) أخرجه البخاري في أبواب المحصر باب الإحصار في الحج ٣/ ١١، والترمذي في الحج،
باب ما جاء في الاشتراط في الحج ٣/ ٢٧٩، والنسائي في المناسك باب ما يفعل من حبس
في الحج ولم يكن اشترط ٥/ ١٦٩ .
وابن حزم في الإحكام ١/ ١٩٤ من طريق البخاري والدار قطني ٢/ ٢٣٤ .
(١٠) أي: ابن حزم.
(١١) في النسختين: ((الأئمة)) والمثبت من الإحكام.

٤٣٠
النكت على ابن الصلاح
والسلام إذ صد عن البيت لم يطف به ولا بالصفا والمروة.
بل أحل حيث كان بالحديبية، وهذا الذي ذكره ابن عمر لم يقع [منه](١) قط (٢).
وقد روي عن ابن عباس أنه قرأ بأم القرآن على الجنازة في الصلاة وجهر وقال: إنها
سنة))(٣) .
وعن أنس أنه أفطر في منزله في رمضان قبل أن يخرج إلى السفر، وقال: إنها
سنة)»(٤) (٥) . انتهى .
وخرج بالصحابي التابعي، وللشافعي فيه قولان: هل هو مرفوع أو موقوف؟
(١) هكذا في النسختين، وكذا في نكت ابن حجر نقلاً عن ابن حزم وليس في الإحكام المطبوع.
(٢) لم يتعقب المؤلف ابن حزم وغيره ممن حملوا قول الصحابي: ((من السنة كذا)) على غير سنة
النبي ◌َّه ولعله اكتفى بترجيح ما ذهب إليه ابن الصلاح في قوله قبل قليل: ((مقابل
الأصح))، لكن ابن حجر تعقبه فقال: إن أراد أنه لم يقع من فعله فمسلم ولا يفيده، وإن
أراد أنه لم يقع من قوله فممنوع .. وما المانع منه؟ بل الدائرة أوسع من القول أو الفعل
وغيرهما وبه ينتقض استدلاله، ويبقى ما كان على ما كان.
نکت ابن حجر ٢ / ٥٢٧،٥٢٦.
(٣) أخرجه البخاري في الجنائز، باب قراءة فاتحة الكتاب على الجنازة ٢/ ١١٢، وأبو داود في
باب ما يقرأ على الجنازة ٣/ ٥٣٧، ٥٣٨، والترمذي أيضاً ٣/ ٣٤٦، والنسائي ٤/ ٧٤،
٧٥، والحاكم ١/ ٣٥٨.
وابن حزم في الإحكام ١ / ١٩٥ من طريق البخاري.
(٤) أخرجه الترمذي في الصيام باب من أكل ثم خرج يريد سفراً ٣/ ١٦٣، بإسنادين الأول
منهما فيه عبد الله بن جعفر بن نجيح والد علي بن المديني وهو ضعيف .
والثاني: صحيح، وأخرجه أيضًا الدارقطني في الصيام ٢/ ١٨٧، ١٨٨، والبيهقي في
سننه ٤ / ٢٤٧.
وللشيخ الألباني رسالة صغيرة في تصحيح هذا الحديث والرد على من ضعفه.
(٥) الإحكام في أصول الأحكام ١/ ١٩٤، ١٩٥ باختصار وتصرف.

٤٣١
النكت على ابن الصلاح
وحكاهما القاضي أبو الطيب وجهين، وأشهرهما: أنه موقوف على بعض
الصحابة، وثانيهما : أنه مرفوع مرسل.
قال النووي في شرح المهذب: ((والأصح الوقف))(١).
قلت: وينبغي أن يستثنى من موضع الخلاف سعيد بن المسيب على قاعدة
الشافعي، فإن قوله: ((من السنة))، لا يبعد حمله على المرسل، ويحتمل أن يريد به
سنة بعض الصحابة، وهذا هو الذي يقتضيه صنیع الشافعي في روايته عن سعيد
((من السنة تعاقل المرأة والرجل إلى ثلث الدية))(٢) ولم يعمل به، وهو مشكل على
قبوله مراسیله.
وقد ذكر الكيا الهراسي فيه احتمالين في كتاب بعض مفردات أحمد(٣).
١٢٣ - (قوله): ((ولا فرق بين أن يقول ذلك في زمان النبي ◌َّ أو
بعده»(*).
قلت: يقتضيه(٤) تساوي الأمرين، وهذا صحيح بالنسبة إلى أصل الاحتجاج
(١) المجموع شرح المهذب ١ / ٩٧.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في الديات ٩/ ٣٥٩، وابن أبي شيبة في باب القصاص من الرجال
والنساء ٩/ ٣٠١، لكن بدون لفظ: ((من السنة)).
(٣) انظر للموضوع: الكفاية ٤٢٠، ٤٢١، الإرشاد (ل/ ١٥أ)، المقنع (ل/١٣أ)، التقييد
والإيضاح: ٦٨، النكت لابن حجر: ٢/ ٥٢٣، ٥٣٠، فتح المغيث ١/ ١٠٧، ١١٢،
تدريب الراوي ١ / ١٨٨، البحر الذي زخر (ل/ ١٤٧-١٤٨) توضيح الأفكار ٢٦٥/١ .
٢٦٨، والمعتمد ٦٦٨/٢، البرهان ٦٤٩/١، العدة ٩٩١/٣ -٩٩٧، الوصول إلى الأصول
١٩٧/٢، المحصول --- / ٦٤١ - ٦٤٢، المستصفى: ١٥٥ المسودة: ٢٩٤، شرح
الكوكب المنير ٢ / ٤٩٠. البحر المحيط ٣٧٦/٤ -٣٧٨.
(*) المقدمة : ٤٥ .
(٤) في د: ((يقضيه))، وفي حاشيتها: ((لعله قضية)).

٤٣٢
النكت على ابن الصلاح
إلى أنهما يتفاوتان في القوة، والظاهر أن ذكره ذلك في زمن النبي ◌َّه أبعد عن
الاحتمال من ذكره بعده، فإنه يحتمل أن يكون الآمر والناهي من أدرك الخلفاء،
لكن احتمال إرادته النبي (١) بَّ أظهر، [قلت](٢): والخلاف في هذا قريب منه في
الذي قبله .
((فائدة)):
ويلتحق بقول الصحابي ((من السنة كذا)): ((لا تلبسوا [علينا](٣) سنة نبينا)). كما
رواه أبو داود عن عمرو بن العاص في عدة أم الولد (٤) .
وقوله: ((أصبت السنة))، كما رواه الدارقطني عن عمر (أ٥٦) في المسح على
الخفين(٥)، وكذا قوله: ((سنة أبي القاسم - ◌َّ ـ ((في حديث ابن عباس في متعة
(١) في د: ((للنبي)).
(٢) سقط من د.
(٣) سقط من د.
(٤) أخرجه أبو داود في الطلاق باب في عدة أم الولد ٢/ ٧٣٠، عن عمرو بن العاص قال: ((لا
تلبسوا علينا سنة نبينا، عدة المتوفي عنها أربعة أشهر وعشر))، يعني أم الولد.
وأخرجه ابن ماجه كذلك ١/ ٦٤٢، ولفظه: ((لا تفسدوا علينا سنة نبينا عَّة)).
والحديث إسناده ثقات إلا مطر الوراق، وهو وإن ضعفه غير واحد فقد أخرجه له مسلم.
وقال الذهبي : ((وغيره أتقن للرواية منه، ولا ينحط حديثه عن رتبة الحسن)). سير النبلاء
٤٥٣/٥.
(٥) الحديث هو: عن عقبة بن عامر أنه وفد إلى عمر بن الخطاب وعليه خفان من تلك الخفاف
الغلاظ ، فقال له عمر: متى عهدك بلبسهما، فقال: لبستهما يوم الجمعة، فقال له عمر:
أصبت السنة .
أخرجه الدار قطني في باب الرخصة في المسح على الخفين وما فيه ١ / ١٩٦، =

٤٣٣
النكت على ابن الصلاح
الحج(١).
وأقربها (٢) للرفع: ((سنة أبي القاسم))، ثم: ((ولا تلبسوا))، ثم: ((أصبت
السنة))(٣).
وأما حديث أبي هريرة في الخارج من المسجد بعد الأذان: ((أما هذا فقد عصى
أبا القاسم)» (٤)، وقوله: ((من لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله))(٥)، فحكى
= والحديث في إحدى طريقيه ثقات غير الحكم بن عبد الله البلوي، قال الذهبي: ((لا يعرف))،
لكن هذا وثقه يحيى بن معين، ميزان الاعتدال ١ / ٥٧٦، والطريق الآخر فيه زيادة على ما
ذكر: محمد بن أحمد بن الجنيد لم أجده ، والمفضل بن فضالة مقبول.
(١) الحديث عن أبي جمرة الضبعي قال: تمتعت فنهاني ناس عن ذلك فأتيت ابن عباس فسألته
عن ذلك فأمرني بها، قال: ثم انطلقت إلى البيت فنمت فأتاني آت في منامي فقال عمرة
متقبلة وحج مبرور، قال: فأتيت ابن عباس فأخبرته بالذي رأيت فقال: الله أكبر سنة أبي
القاسم تَ﴾، وهو لفظ مسلم.
أخرجه البخاري في الحج، باب التمتع والإقران والإفراد بالحج ٢/ ١٧٥، ١٧٦، ولفظه:
((سنة النبي ◌َّه. ومسلم فيه أيضًا، باب جواز العمرة في أشهر الحج ٨/ ٢٢٧.
(٢) في الأصل: ((أقربهما)).
(٣) انظر: محاسن الاصطلاح : ١٢٨.
(٤) تقدم تخريجه .
(٥) أول الحديث: عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يقول: ((شر الطعام طعام الوليمة يدعى
إليها الأغنياء ويترك الفقراء، ومن ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله)).
هذا لفظ البخاري أخرجه في النكاح باب من ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله ٧/ ٣٢،
ومسلم فيه، باب الأمر بإجابة الداعي إلى الدعوة ٩/ ٢٣٦، ٢٣٧ من عدة طرق آخرها
مرفوع.
وأبو داود في الأطعمة باب ما جاء في إجابة الدعوة ٤/ ١٢٥، وابن ماجه في النكاح باب
إجابة الداعي ١ / ٥٩١، وأحمد ٢/ ٦١ و٢٤١ -٢٦٧، ومالك في النكاح ٢/ ٧٧،
والدارمي في الأطعمة ٣١/٢، وانظر تخريجه في الذهب الإبريز للزركشي
(ج ٦ل/ ١٠٠).

٤٣٤
النكت على ابن الصلاح
المنذري عن بعضهم أنه موقوف، وذكر ابن عبد البر أنه مسند عندهم، قال: ((ولا
يختلفون في هذا وذاك أنهما مسندان (٥ ٤٣) مرفوعان))، ويلتحق به قول [عمار](١)
في صوم يوم الشك(٢) .
١٢٤ - (قوله): ((الثالث :... )) (*) إلى آخره.
ما اختاره في تفسير الصحابي سبقه إليه الخطيب(٣) [و](٤) كذلك الأستاذ
أبو منصور البغدادي، قال: ((إذا أخبر الصحابي عن سبب وقع في عهد النبي ◌َّه،
أو أخبر عن نزول آية فيه فذلك مسند، لكن قال الحاكم في المستدرك : ((تفسير
الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل عند البخاري ومسلم حديث مسند))(٥) .
والتحقيق أن يقال : إن كان ذلك التفسير مما لا مجال للاجتهاد فيه فهو في
(١) في د: ((بياض)).
(٢) وهو: ((من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم ◌َّ)) ذكره البخاري تعليقًا في الصوم، باب
قول النبي ◌َّه: ((إذا رأيتم الهلال فصوموا ٣/ ٣٤، وأخرجه أبو داود في باب كراهية صوم
يوم الشك ٢/ ٧٤٩، والترمذي أيضاً ٣/ ٧٠، والنسائي: ١٥٣/٤، وابن ماجه ١/ ٥٠٠،
٥٠۵، والدارمي ١/ ٣٣٥.
والحديث سنده ثقات رجال الصحيحين، غير أن أبا خالد الأحمر وإن كان من رجال
الصحيحين لكنه ((صدوق يخطئ)) ((فيما قال ابن حجر، أما الذهبي فذكره فيمن تكلم فيه
وهو موثق، وقال عنه: ثقة مشهور، قال ابن معین وحده: ليس بحجة. اهـ.
لذا يكون الحديث حسنًا في أقل أحواله في نقد ابن حجر، أما عند الذهبي فيكون صحيحًا،
والله أعلم.
(*) المقدمة: ٤٥، والمذكور في التفريع الثالث هو قوله: ((ما قيل من أن تفسير الصحابي حديث
مسند، فإنما ذلك في تفسير يتعلق بسبب نزول آية أو نحو ذلك ...
(٣) في الجامع ٢/ ٢٩١، ٢٩٢.
(٤) سقط من د.
(٥) المستدرك ١/ ٢٧، ١٢٣، ٥٤٢ .

٤٣٥
النكت على ابن الصلاح
حكم المرفوع، وإن كان يمكن(١) أن يدخله الاجتهاد فلا يحكم عليه بالرفع (٢).
ومما أهمله المصنف ويليق ذكره هنا تأويل الصحابي الخبر على أحد محتمليه ،
وقال الشيخ أبو إسحاق في اللمع: ((إذا احتمل اللفظ أمرين احتمالاً واحدًا فصرفه
إلى أحدهما، كما روي (٣) عن عمر أنه حمل قوله عَّه: ((الذهب بالذهب ربًا إلا
هاء وهاء))(٤) على القبض في المجلس. فقد قيل: يقبل لأنه أعرف بمعنى الخطاب،
وفيه نظر عندي»(٥) : انتھی.
وقال شيخه القاضي أبو الطيب: ((يجب قبوله على المذهب كتفسير ابن عمر
(١) في د: ((يمكنه)).
(٢) انظر أيضاً: علوم الحاكم: ٢٠. الإرشاد (ل/ ١٥ ب)، المقنع (ل/ ١٣ ب)، نكت ابن
حجر ٢/ ٥٣٠، ٥٣٣، فتح المغيث ١/ ١١٩، ١٢٠، تدريب الراوي ١/ ١٩٢، ١٩٣،
توضيح الأفكار ١/ ٢٨٠، ٢٨٢.
قال ابن حجر: «وأما إذا فسر آية تتعلق بحكم شرعي فيحتمل أن يكون ذلك مستفاداً عن
النبي ◌َّه وعن القواعد ، فلا يجزم برفعه، وكذا إذا فسر مفردًا فهذا نقل عن اللسان خاصة
فلا يجزم برفعه، وهذا التحرير الذي حررناه هو معتمد خلق كثير من كبار الأئمة كصاحبي
الصحيح والإمام الشافعي وأبي جعفر الطبري وأبي جعفر الطحاوي وأبي بكر بن مردويه
في تفسيره المسند، والبيهقي وابن عبد البر في آخرين. إلا أنه يستثنى من ذلك ما كان المفسر
له من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - من عرف بالنظر في الإسرائيليات، كمسلمة أهل
الكتاب مثل عبد الله بن سلام وغيره ... فمثل هذا لا يكون حكم ما يخبر به من الأمور التي
قدمنا ذكرها الرفع لقوة الاحتمال . والله أعلم. النكت ٢/ ٥٣٢، ٥٣٣.
(٣) في د: ((یروی)).
(٤) أخرجه البخاري في البيوع، باب بيع الشعير بالشعير ٣/ ٩٦، ٩٧، ومسلم في الربا
١١/ ١٢، وأبو داود في باب الصرف ٦٤٣/٣، والترمذي أيضًا ٣/ ٥٤٥، والنسائي في
باب بيع التمر بالتمر ٧/ ٢٧٣، وابن ماجه ٢/ ٣٥، وأحمد ٣٥/١، ٤٥.
كلهم مع ذكر القصة إلا النسائي.
(٥) اللمع: ٢٠، مبحث ما يجوز تخصيصه ومالا يجوز.

٤٣٦
النكت على ابن الصلاح
التفرق بالأبدان دون الأقوال))(١) .
١٢٥ - (قوله): ((الرابع من قبيل(٢) المرفوع: الأحاديث التي قيل في
أسانيدها عند ذكر الصحابي: ((يرفع الحديث، أو يبلغ به، أو ينميه(٣)، وحكمه
حكم المرفوع عند أهل العلم)) (*) . انتهى.
قال الخطيب أبو بكر: ((لا يختلفون في ذلك))(٤)، ولك أن تقول: ما الحكمة في
عدول التابعي عن قوله عن الصحابي(٥): ((قال)) أو ((سمعت)) إلى ذلك (٦)، وقد أشار
إلى الجواب الحافظ المنذري، فقال: ((يشبه أن يكون التابعي قد تحقق أن الصحابي رفع
له الحديث إلى النبي ◌َّ غير أنه شك هل قال له: ((سمعت رسول الله عَّ )) - أو ((قال
رسول الله ◌َيْه)) ، فلما لم يمكنه الجزم بما قاله له أتى بلفظ يرجع الحديث إلى رسول
اللّه ◌ِ))(٧).
١٢٦ - (قوله): ((وإِذا قال الراوي عن التابعي: يرفعه أو يبلغ به
(١) يعني في حديث: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا))، وقد تقدم تخريجه.
(٢) في النسختين: ((قبل))، والمثبت من المقدمة.
(٣) في الأصل: ((أينميه)).
(*) المقدمة : ٤٦.
(٤) الكفاية : ٤١٦ .
(٥) في النسختين: ((الصحابة))، وما أثبته أنسب، وهو ما عند ابن حجر في النكت ٢/ ٥٣٧ .
(٦) هكذا فيهما، والمعنى واضح.
(٧) نقل التساؤل وجوابه عن المنذري ابن حجر في النكت ٢/ ٥٣٧، وأضاف ابن حجر
رحمه الله أن من صنع ذلك يحتمل أن يكون صنعه طلبًا للتخفيف وإيثارًا للاختصار، أو
للشك في ثبوته.

٤٣٧
النكت على ابن الصلاح
مرفوع))(*).
هكذا جزم به، وينبغي أن يطرقه خلاف من قول التابعي ((من السنة كذا))، وقد
سبق فيه قولان أو وجهان، لكن الصحيح أنه موقوف، وهنا مرفوع مرسل، والفرق
أن ((يرفع الحديث)) أبلغ في الرفع من ((السنة كذا))(١).
بقي من الأنواع مثل قول أبي قلابة عن أنس ((من السنة إذا تزوج البكر أقام(٢)
عندها سبعًا))، قال أبو قلابة(٣): ((ولو شئت لقلت: إن أنسًا رفعه إلى النبي ◌ِمَّهُ))(٤).
(*) المقدمة : ٤٧ .
(١) انظر: الكفاية ٤١٥، ٤١٦، الإرشاد (ل/٥٩أ)، مختصر ابن كثير: ٣٩، المقنع
(ل/ ١٣ب)، التقييد والإيضاح: ٦٧، نكت ابن حجر ٢/ ٥٣٥، فتح المغيث ١٢٠،
١٢١، البحر الذي زخر (ل/١٤٦)، تدريب الراوي ١/ ١٩١.
شرح الكوكب المنير ٢/ ٤٨٦ .
(٢) في النسختين: ((فأقام))، والمثبت من البخاري.
(٣) هو: عبد الله بن زيد بن عمرو أو عامر الجرمي أبو قلابة البصري، ثقة فاضل كثير الإرسال،
قال العجلي: ((فيه نصب يسير))، من الثالثة، مات بالشام هاربًا من القضاء سنة أربع ومائة،
وقيل بعدها/ع. الكاشف ٢/ ٨٨، تقريب التهذيب ١/ ٤١٧ .
(٤) لفظ الحديث كاملاً: ((من السنة إذا تزوج الرجل البكر على الثيب أقام عندها سبعًا وقسم،
وإذا تزوج الثيب على البكر أقام عندها ثلاثًا ثم قسم ((قال أبو قلابة: ولو شئت لقلت إن
أنسًا رفعه إلى النبي عَّ ، وقال عبد الرزاق: أخبرنا سفيان عن أيوب وخالد، قال خالد:
ولو شئت قلت: رفعه إلى النبي تمّ . هذا سياق البخاري أخرجه في النكاح، باب إذا
تزوج الثيب على البكر ٧/ ٤٣، ٤٤، وأخرجه مسلم في باب قدر ما تستحقه البكر والثيب
من إقامة الزوج ١٠/ ٤٥، ٤٦، وليس فيه قول أبي قلابة بل قول خالد كما ذكره
البخاري عن عبد الرزاق.
وأبو داود في باب المقام عند البكر ٢/ ٥٩٥، وفيه: ((ولو قلت رفعه لصدقت، ولكنه قال:
((السنة كذلك))، دون تسمية قائله.

٤٣٨
النكت على ابن الصلاح
اختلفوا في هذا ونحوه، فجزم(١) النووي في شرح مسلم أنه مرفوع، وأن معناه: لو
شئت أن أقوله بناء على الرواية بالمعنى لقلته، ولو قلته كنت صادقًا(٢) .
وقال ابن دقيق العيد: ((یحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون ظن رفعه ((من السنة)) لفظًا فيجوز عنه مرفوعًا.
الثاني: أن يكون رأى أن قول أنس: ((من السنة)) في حكم المرفوع.
فلو شاء لعبر عنه بأنه مرفوع على حسب اعتقاده أنه في حكم المرفوع. قال:
والأول أقرب ، لأن قوله ((من السنة)) يقتضي أن يكون مرفوعًا بطريق اجتهادي
محتمل، وقوله: ((إنه رفعه)) نص في رفعه، وليس للراوي أن ينقل ما هو ظاهر
محتمل إلى ما هو نص غير محتمل)).
ومنها: ترك الصحابي رواية كما رواه البخاري في كتاب اللباس عن سعيد بن
المسيب عن أبي هريرة رواية: ((الفطرة خمس))، أو ((خمس من الفطرة))(٣) (أ ٦٦).
(١) في د: ((فخرج)).
(٢) مقدمة شرح مسلم ١/ ٣١.
(٣) صحيح البخاري كتاب اللباس باب قص الشارب ٧/ ٢٠٦، وتتمته: (( ... الختان
والاستحداد ونتف الإبط وتقليم الأظافر وقص الشارب)).
وأخرجه أيضًا أحمد ٢/ ٢٣٩، وبين أن سفيان كان تارة يكني وتارة يصرح، وأخرجه مسلم
والترمذي والنسائي وابن ماجه تصريحًا. ووقع في رواية مسدد: ((يبلغ به)) ومن طريقه
أبو داود. قال ابن حجر: ((وقد تقرر في علوم الحديث أن قول الراوي: رواية أو يرويه
أويبلغ به ونحو ذلك محمول على السماع)). انظر: فتح الباري ٣٣٦/١٠.

٤٣٩
النكت على ابن الصلاح
النوع التاسع: المرسل
١٢٧ - (قوله): ((وصورته التي لا خلاف فيها: حديث التابعي الكبير الذي
لقي جماعة من الصحابة وجالسهم كعبيد الله بن عدي بن الخيار، ثم سعيد بن
المسيب وأمثالهما، إِذا قال: قال رسول الله (وَّةٍ))(*).
اعلم أن هذا الذي ذكره أخذه من كلام أبي عمر بن عبد البر، فإنه قال: «هذا
الاسم واقع بالإجماع على حديث التابعي الكبير عن النبي مثله، مثل أن يقول:
عبيد الله بن عدي بن الخيار(١)، أو أبو أمامة بن سهل(٢) بن حنيف(٣)، أو عبد الله بن
(*) المقدمة: ٤٧، وانظر لتعريف المرسل:
مقدمة معرفة السنن والآثار (أل/١٦ب)، الكفاية: ٢١، الإرشاد (ل/ ١٥أ)، الاقتراح:
١٩٢، جامع التحصيل، مختصر ابن كثير: ٣٩، شرح علل الترمذي ١ / ٢٧٨، المقنع
(ل/ ١٣ ب)، التقييد والإيضاح ٧٠، ٧١، الشذا الفياح (ل/ ١٦أ)، نكت ابن حجر
٥٤٠/٢، النكت الوفية (ل/ ١١٢ب)، فتح المغيث ١/ ١٣٠، البحر الذي زخر
(ل/ ١٥٤ ب)، تدريب الراوي ١/ ١٩٥، توضيح الأفكار ١/ ٢٨٣، المعتمد ٢ / ٦٢٨،
العدة ٣/ ٦٠٩، البرهان ١/ ٦٣٢، اللمع: ٤١، المستصفى: ١٩٥، الأحكام للآمدي
١١٢/٢، روضة الناظر: ٦٤، البحر المحيط (٣/ ١٢ ب)، سلاسل الذهب: ٢٧٠،
شرح الكوكب المنير ٢/ ٥٧٤ .
(١) هو: عبيد الله بن عدي بن الخيار - بكسر المعجمة وتخفيف التحتانية - بن عدي بن نوفل
ابن عبد مناف القرشي النوفلي المدني، قتل أبوه ببدر، وكان هو في الفتح مميزًا فعد في
الصحابة لذلك، وعده العجلي وغيره في ثقات التابعين، مات في آخر خلافة الوليد بن
عبد الملك / خ م د س.
أسد الغابة ٣/ ٣٤١، تقريب التهذيب ١/ ٥٣٦.
(٢) في الأصل، ود: ((أبو أمامة سهل بن حنيف)) والتصحيح من التمهيد ومصادر ترجمته.
(٣) هو: أسعد بن سهل بن حنيف - بضم المهملة - الأنصاري أبو أمامة معروف بكنيته، معدود
في الصحابة، له رؤية، لم يسمع من النبي ◌َّه، مات سنة مائة وله اثنتان وتسعون /ع.
أسد الغابة ١ / ٧٢، تقريب التهذيب ١ / ٦٤.

٤٤٠
النكت على ابن الصلاح
عامر بن ربيعة (١)، ومن كان مثلهم، قال رسول الله ثمّه ، وكذلك من دون هؤلاء
كسعيد بن المسيب وسالم بن عبد الله وأبي سلمة بن عبد الرحمن والقاسم بن محمد
ومن كان مثلهم، وكذلك علقمة بن قيس ومسروق بن الأجدع والحسن وابن سيرين
والشعبي وسعيد بن جبير، ومن كان مثلهم الذين صح لهم لقاء جماعة من
الصحابة ومجالستهم، ونحوه مرسل من هو دونهم، كحديث ابن شهاب
وقتادة وأبي (٢) حازم(٣) ويحيى بن سعيد (٤) عن النبي تَُّ، يسمى مرسلاً كمرسل
كبار التابعين .
وقال آخرون: حديث هؤلاء عن النبي ◌َُّ، يسمى منقطعًا لأنهم لم يلقوا (٥)
من الصحابة إلا الواحد والاثنين، وأكثر روايتهم(٦) عن التابعين))(٧). انتهى.
وإنما ذكرت هذا لأني رأيت كثيراً من الناس يتوهمون أن ابن الصلاح أبو عذرة
هذا القول(٨)، ويوجهون المؤاخذة علیه، وليس كذلك.
(١) هو: عبد الله بن عامر بن ربيعة العنزي، حليف بني عدي، أبو محمد المدني، ولد على عهد
النبي ◌َّ، ولأبيه صحبة مشهورة، ووثقه العجلي، مات سنة بضع وثمانين /ع.
الكاشف ٩٩/٢، تقريب التهذيب ١/ ٤٢٥ .
(٢) في الأصل: ((وأبو)).
(٣) هو: سلمة بن دينار، أبو حازم الأعرج الأثور التمار المدني القاضي، مولى الأسود بن
سفيان ، ثقة عابد من الخامسة، مات في خلافة المنصور /ع.
تهذيب التهذيب ٤/ ١٤٣، تقريب التهذيب ١/ ٣١٦.
(٤) هو: يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري المدني، قال ابن سعد: ((كان ثقة كثير الحديث حجة
ثبتًا من الخامسة، مات سنة أربع وأربعين أو بعدها/ع. تهذيب التهذيب ١١/ ٢٢١،
٢٢٤، تقريب التهذيب ٢/ ٣٤٨ .
(٥) في النسختين: ((يبلغوا))، والمثبت من التمهيد، وقد نقله المؤلف كذلك في البحر المحيط.
(٦) في النسختين: ((رواياتهم))، والمثبت من التمهيد، وقد نقله المؤلف كذلك في البحر المحيط.
(٧) التمهيد ١/ ١٩، ٢١، باختصار وتصرف.
(٨) يقال: فلان أبو عذر فلانة إذا كان افترعها واقتضها، وأبو عذرتها. وقولهم: ما أنت بذي
عذر هذا الكلام، أي: لست بأول من اقتضه. لسان العرب ٤/ ٥٥٢ .