النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
النكت على ابن الصلاح
الثالث: خروج الصحيح المختلف فيه عن هذا التعريف.
تنبيه :
نازع بعضهم في تعريف الصحيح والحسن والضعيف بحد أو رسم، وقال
الذي يقتضيه كلام القدماء أنه لا يعرف بذلك، بل بما نص عليه أئمة الحديث في
تصانيفهم: إما بتصريحه في كل حديث كدأب الترمذي، أو بالتزام ذكر الصحيح
كالبخاري ومسلم وابن خزيمة وابن حبان ، والمستخرجات على الصحيح(١).
قلت: وأيا ما كان فالتحديد مقتنص من استقراء كلامهم في ذلك، فلا معنى
لإنكاره(٢). وأما قول بعضهم: ((الحديث الصحيح هو الذي يجوز العمل به))، فهذا
تعريف للشيء بحكمه، وأيضًا يدخل فيه الحسن، بل وبعض أقسام الضعيف.
انتھی .
١٨ - (قوله): ولا يكون شاذًّا (*).
أي من شرط الحكم على الحديث بالصحة ألا يكون شاذًا، والشاذ: أن يروي
(١) الاستخراج أن يعمد حافظ إلى صحيح البخاري مثلاً فيورد أحاديثه حديثًا حديثًا بأسانيد
لنفسه غير ملتزم فيها ثقة الرواة - وإن شذ بعضهم حيث جعله شرطًا - من غير طريق البخاري
إلى أن يلتقي معه في شيخه أو في شيخ شيخه، وهكذا ولو في الصحابي كما صرح به
بعضهم.
فتح المغيث ٣٤/١.
(٢) في الأصل ((إنكارهم)). والمثبت من د.
(*) المقدمة : ١٠ .

١٠٢
النكت على ابن الصلاح
الثقة حديثًا مخالفًا لرواية من هو أحفظ منه [وأضبط](١) (٢). هلا اكتفى بقوله:
((الضابط)) عن قوله: ((ولا يكون شاذًا))، لأن الضبط عبارة عن موافقة الثقات فيما
يروونه، فإن (٣) خالفهم لم يكن ضابطًا، وهذا معنى الشاذ؟، فالجواب عن ذلك:
أن مخالفة الثقات على قسمين : غالبة ، ونادرة. فمتى خالف الثقات فيما رواه
غالبًا لم يكن حافظًا، ومتى خالفهم نادرًا ولو في حديث واحد كانت مخالفته
شذوذًا، فاحتاج المصنف أن يذكر في حد الصحيح السلامة من الشذوذ وكون
الراوي ضابطًا .
فإن قيل (ع ١٢): هلا اكتفى بذكر السلامة من الشذوذ عن اشتراط الضبط في
الراوي؛ لأن الشاذ هو الفرد المخالف، وإخلال الضبط يوجد لمخالفة الثقات غالبًا،
فحيث جعلنا الشذوذ يمنع من الحكم على الحديث بالصحة وهو المخالفة في فرد
واحد، فبطريق أولى أن يمنع من خالف في أفراد كثيرة غالبة على رواية الثقات،
وهو الذي قيل: إنه يحصل به اختلال الضبط؟ .
فالجواب: أنه أراد أن ينص عليها حتى يعلم ذلك بطريق المنطوق (٤).
(١) سقط من د.
(٢) هذا تعريف ابن الصلاح، وهناك تعاريف أخرى:
عرفه الشافعي: بأنه مخالفة الثقة الثقات، وعند الخليلي: مفرد الراوي فقط، وعند
الحاكم: ما انفرد به ثقة من الثقات وليس له أصل بمتابع.
قال السخاوي: الأليق في حد الشاذ ما عرفه به الشافعي، ولذا اقتصر شيخنا في شرح
النخبة عليه .
مقدمة ابن الصلاح: ٧٠، فتح المغيث ١/ ١٩٣، ١٩٧.
(٣) فى الأصل ((فإنه)).
(٤) أجاب المؤلف عن التساؤل الثاني بغير ما أجاب في الأول، لأنه في الأول قد يكون الراوي =

١٠٣
النكت على ابن الصلاح
١٩ - (قوله): ولا معلَّلاً(*).
العلة: عبارة عن سبب غامض قادح مع أن الظاهر السلامة [منه](١): كالعلم
بأن الراوي غلط فيه، أو لم يسمع من الذي حدث به عنه (٢). وبعضهم(٣) أطلق
المعلل على إرسال حديث وصله الثقة الضابط، وجعل من أقسام الصحيح:
[الصحيح](٤) المعلل. قال الشيخ تقي الدين في الاقتراح: وفي هذين الشرطين نظر
= ضابطًا ويشذ، وأما في الثاني فإذا انتفى عنه الشذوذ كان ضابطًا من حيث إنه لا يخالف
الثقات غالبًا. ومع ذلك فإن الضبط ليس هو الموافقة وعدم المخالفة غالبًا، بل إن قوة الحفظ
والإتقان في الأصل ضبط ، ورد الأخطاء إلى صوابها عند القلب والتلقين، وتمييز الصواب
من الخطأ ، واستحضار المحفوظ عند اللزوم، وحفظ الكتاب وصونه عن أن يتطرق إليه
تزوير. فمن لم يستحضر حين يشاء، ولم يصن كتابه عن التغيير لم يكن ضابطًا وإن لم
توجد المخالفة .
(*) المقدمة : ١٠.
(١) سقط من الأصل وع.
(٢) انظر: نكت ابن حجر ٢/ ٧١٠، فتح المغيث ٢٢٠/١.
(٣) المشار إليه هو أبو يعلى الخليلي فإنه قال: ((أما الحديث الصحيح المعلول فالعلة تقع
للأحاديث من أنحاء شتى لا يمكن حصرها، فمنها أن يروي الثقات حديثًا مرسلاً وينفرد به
ثقة مسنداً، فالمسند صحيح وحجة ولا تضره علة الإرسال، ثم مثل له بحديث رواه
أصحاب مالك كلهم في الموطأ عن مالك قال: بلغنا عن أبي هريرة عن النبي ◌َّه قال:
(للملوك طعامه وشرابه ولا يكلف من العمل ما لا يطيق)»، ثم ذكر أن مالكاً رواه عن محمد
ابن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة، فاتصل ، ثم قال: فقد صار بتبين الإسناد صحيحًا
يعتمد عليه، وهذا من الصحيح المبين بحجة ظهرت.
انظر: منتخب الإرشاد (١: ل/ ٤، ٥).
(٤) سقط من ع.

١٠٤
النكت على ابن الصلاح
على مقتضى مذهب(١) الفقهاء؛ فإن كثيراً من العلل التي يعلل (٢) بها المحدثون لا
تجري على أصول [الفقهاء](٣) (٤)، وقال في شرح الإلمام: ((الذي تقتضيه قواعد
(١) في الاقتراح المطبوع اختار المحقق كلمة ((نظر)) بدل ((مذهب)).
وأشار إلى الخلاف، وفي الاقتراح (رسالة الماجستير). ((مذهب)) دون الإشارة إلى الخلاف
. وما أثبته اتفقت عليه النسخ كلها .
(٢) في ع ((تعلل)) وهي غير منقوطة في الأصل ود، وما أثبته من الاقتراح.
(٣) سقط من الأصل.
(٤) قال الحافظ العراقي: ((والجواب أن من يصنف في علم الحديث إنما يذكر الحد عند أهله لا من
عند غيرهم من أهل علم آخر، وفي مقدمة مسلم: ((أن المرسل في أصل قولنا وقول أهل
العلم بالأخبار ليس بحجة))، وكون الفقهاء والأصوليين لا يشترطون في الصحيح هذين
الشرطين لا يفسد الحد عند من يشترطهما، على أن المصنف قد احترز عن خلافهم، وقال
بعد أن فرغ من الحد وما يحترز به عنه: ((فهذا هو الحديث الذي يحكم له بالصحة بلا
خلاف بين أهل الحديث، وقد يختلفون في صحة بعض الأحاديث لاختلافهم في وجود
هذه الأوصاف فيه، أو لاختلافهم في اشتراط بعض هذه الأوصاف كما في المرسل. انتهى
كلامه، فقد احترز المصنف عما اعترض به عليه فلم يبق للاعتراض وجه. أهـ كلام
العراقي. وقال الأبناسي: ((وجوابه أن قول المصنف ((عند أهل الحديث)) يخرج نظر
الفقهاء)) .
ومثال العلل التي أشار ابن دقيق العيد إلى أن المحدثين يعملون بها الحديث ولا تعد علة عند
الفقهاء: إذا أثبت الراوي عن شيخه شيئًا فنفاه من هو أحفظ أو أكثر عددًا أو أكثر ملازمة
منه، فإن الفقيه والأصولي يقولان: المثبت مقدم على النافي فيقبل، والمحدثون يسمونه
شاذًا لأنهم فسروا الشذوذ المشترط فيه هنا بمخالفة الراوي في روايته من هو أرجح منه عند
تعسر الجمع بين الروايتين، ووافقهم الشافعي على التفسير المذكور، بل صرح بأن العدد
الكثير أولى بالحفظ من الواحد؛ أي لأن تطرق السهو إليه أقرب من تطرقه إلى العدد
الکثیر، وحينئذ فرد قول الجماعة بقول الواحد بعید.
انظر: التقييد والإيضاح: ٢٠، نكت الأبناسي (ل/ ٢أ)، نكت ابن حجر: ٢٣٥ -٢٣٦،
فتح المغيث ١/ ١٤،١٣.

١٠٥
النكت على ابن الصلاح
الأصوليين والفقهاء أن العمدة في تصحيح الحديث على عدالة الراوي وجزمه
بالرواية، [ونظرهم يميل إلى اعتبار التجويز الذي يمكن معه صدق الراوي](١) وعدم
غلطه، فمتى حصل ذلك وجاز ألا يكون غلطًا، وأمكن الجمع بين روايته ورواية من
خالفه (٥ ١٠) بوجه من الوجوه الجائزة لم يترك حديثه، وأما أهل الحديث فإنهم قد
يروون (٢) الحديث من رواية الثقات العدول، ثم تقوم لهم علل فيه تمنعهم من الحكم
بصحته كمخالفة جمع كثير له أو من هو أحفظ منه، أو قيام قرينة تؤثر في أنفسهم
غلبة الظن(٣) بغلطه (٤) ولم يجر ذلك على قانون واحد يستعمل في جميع
الأحاديث، ولهذا أقول: إن من حكى عن أهل الحديث أو أكثرهم أنه إذا تعارض
رواية مرسل ومسند، أو واقف ورافع، أو ناقص وزائد أن الحكم للزائد ، فلم نجد
(هذا في)(٥) الإطلاق فإن ذلك ليس قانونًا مطردًا، وبمراجعة (٦) أحكامهم الجزئية
(١) سقط من ع.
(٢) في د ((يرون)).
(٣) في د ((ظن)).
(٤) علم العلل من أغمض أنواع علوم الحديث وأدقها، لذا لم يتصد للكلام فيه إلا الحافظ الفهم
المتبحر في الصنعة من الجهابذة النقاد- كابن مهدي وابن القطان وابن المديني والبخاري.
وهو علم خفي لا يدركه كل واحد، لذا كان بعض الحفاظ يقول: معرفتنا بهذا كهانة عند
الجاهل.
قال السخاوي : ... ولهذا تري الجامع بين الفقه والحديث كابن خزيمة والإسماعيلي
والبيهقي وابن عبد البر لا ينكر عليهم بل يشاركهم ويحذو حذوهم، وربما يطالبهم الفقيه أو
الأصولي العاري عن الحديث بالأدلة، هذا مع اتفاق الفقهاء على الرجوع إليهم في التعديل
والتجريح كما اتفقوا على الرجوع في كل فن إلى أهله، ومن تعاطى تحرير فن غيره فهو
متعنت أهـ بلفظه . فتح المغيث ١/ ٢٣٢ .
(٥) في النسخ كلها ((فهذا)) والصواب ما أثبته .
(٦) في النسخ كلها ((مراجعة)) والصواب ما أثبته.

١٠٦
النكت على ابن الصلاح
يعرف صواب ما نقول (١)، وأقرب الناس إلى اطراد هذه القواعد بعض أهل
الظاهر(٢). انتهى.
وقال أبو الحسن بن الحصار الأندلسي (٣) في تقريب المدارك على موطأ مالك(٤):
((إن للمحدثين أغراضًا في طريقهم احتاطوا فيها وبالغوا في الاحتياط ولا
يلزم (أ١٣) الفقهاء اتباعهم على ذلك، كتعليلهم الحديث المرفوع بأنه قد روي
موقوفًا أو مرسلاً (٥) ، وكطعنهم في الراوي إذا انفرد بالحديث أو بزيادة فيه أو لمخالفة
(١) نعم، ليس هذا في الإطلاق، وليس هذا نقصًا من هذه القواعد أو اضطرابًا فيها، بل منتهى
الدقة والقوة والصلاحية. قال السخاوي: ((ومن هنا يتبين أنه لا يحكم في تعارض الوصل
والرفع مع الإرسال والوقف بشيء معين، بل إن كان من أرسل أو وقف من الثقات أرجح
قدم وكذا بالعكس. وقال في موضع آخر: وإلا فالحق حسب الاستقراء من صنيع متقدمي
الفن كابن مهدي والقطان وأحمد والبخاري عدم اطراد حكم كلي، بل ذلك دائر مع
الترجيح، فتارة يترجح الوصل وتارة الإرسال، وتارة يترجح عدد الذوات على الصفات
وتارة العكس، ومن راجع أحکامهم الجزئية تبين له ذلك.
فتح المغيث ١/ ١٧١، ١٩٤.
(٢) شرح الإلمام.
(٣) هو الشيخ الفقيه الفاضل أبو الحسن علي بن محمد بن محمد الأنصاري الخزرجي الإشبيلي
الأندلسي الفاسي الشامي المعروف بابن الحصار المالكي، حدث عنه المنذري، قال ابن
حجر: ((كان إمامًا كبير الصيت في أمور الفقه والدين والحديث وغير ذلك))، له : ((ناسخ
القرآن ومنسوخه))، ((البيان في تنقيح البرهان)) ( .... ٦١١هـ).
التكملة لوفيات النقلة ٣٠٩/٢، ٣١٠، تجريد الوافي (ل/ ٢٠٢ أ)، نيل الابتهاج: ٢٠٠.
(٤) ذكره له في صلة الصلة باسم ((المدارك في رفع الموقوف ووصل المقطوع من حديث مالك)).
(٥) قوله في سياق الانتقاد في التمثيل لأغراض المحدثين التي قال: إنهم بالغوا في الاحتياط
فيها، كتعليلهم الحديث المرفوع بأنه قد روي موقوفًا أو مرسلاً ليس بمعيب لهم ولا يلزم من
صنيعهم هذا المجازفة ، فإن الحديث إذا روي مرفوعًا ومن جهة أخرى موقوفًا أو مرسلاً عد
ذلك عندهم علة، فقد يرفع الراوي الحديث الموقوف سهواً أو جهلاً، وكل له مكانته في =

١٠٧
النكت على ابن الصلاح
من هو أعدل منه وأحفظ. قال: وقد يعلم الفقيه صحة الحديث بموافقة الأصول أو
آیة من کتاب الله تعالى، فيحمله ذلك علی قبول الحدیث والعمل به واعتقاد صحته،
وإذا لم یکن في سنده كذاب فلا بأس بإطلاق القول بصحته إذا وافق كتاب الله تعالى
وسائر أصول الشريعة(١). وقال ابن عبد البر: ((سأل الترمذي البخاري عن حديث
أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - في البحر ((هو الطهور ماؤه ... )) (٢) فقال:
= الاستدلال، فلزم التعليل بمثل هذا التباين في الحديث الواحد.
وقوله أيضًا: ((وكطعنهم في الراوي إذا انفرد بالحديث أو بزيادة فيه أو لمخالفة من هو أعدل
منه)): هذا أيضًا ليس بمطعن ، إذ أن هذا من الدقة التي تميز بها هذا العلم الشريف، ومن
التحري والاحتياط ومزيد العناية في تصفية الأحكام المشتقة من السنة مما قد يعلق بها مما لا
يصح أو ليس في مستوى الاحتياط المطلوب، فإن انفراد الراوي بشيء لم يشاركه فيه أحد
ولم يتابعه فيه غيره مما يؤثر في النفس الظن باحتمال غلطه، بخلاف ما لو شورك، فإن ذلك
مما يعضده ويقويه ويبعد عنه شبهة الغلط، ثم الانفراد ينقسم عندهم إلى قسمين: من ينفرد
ويحتمل انفراده، ومن لا يحتمل انفراده، لأن الراوي إذا لم يكن بذاك الضابط المتقن اليقظ
وتفرد، تطرق إلى حديثه الغلط والسهو بخلاف المتقن الضابط المتيقظ إذا تفرد غلب على
الظن عدم خطئه. وكذلك إذا خالف الراوي من هو أعدل منه كان عندهم مؤثرًاً لأن الأعدل
أقوى ومعه مزيد الاحتياط والتحري.
انظر: فتح المغيث ١/ ١٣، ١٤، ١٦٩، ١٧٤، ١٩٣، ١٩٨.
(١) هذا المنهج غیر کاف في تصحیح الحدیث ولیس بمرضى عند علماء الحديث، ولو كان بعض
الفقهاء يرونه نافعًا؛ حيث إنه يقتضي تصحيح الأحاديث التي فيها الضعفاء والمتروكون، ثم
إنه إذا وافق الحديث ظاهر القرآن وأصول الشريعة وليس في سنده كذاب؛ فقد يكون ضعيفًا
وعليه فلا يقال: إنه صحيح، ولكن يقال: معناه صحيح يوافق آية كذا أو أصل كذا، ولا
يطلق القول بصحته. وهذا إن سلم فيما ورد فيه شيء من القرآن فكيف بالأحكام المستقلة
بها السنة مما لم يرد في القرآن ما يدل عليها، كتفاصيل الصلاة والزكاة مثلاً وما أشبه ذلك.
ثم إذا كان الحديث يوافق ظاهر الآية مع عدم صحته فلم لا يقال في هذه الحالة: إن العمل
بظاهر القرآن؟ !.
(٢) أخرجه أبو داود في الطهارة باب الوضوء بماء البحر ١/ ٦٤، والترمذي أيضًا باب ما جاء في
ماء البحر أنه طهور ١/ ١٠٠، ١٠١، والنسائي أيضًا باب الوضوء بماء البحر ١/ ١٧٦ ،
=

١٠٨
النكت على ابن الصلاح
صحيح(١) . قال : ((وما أدري ما هذا من البخاري، وأهل الحديث لا يحتجون بمثل
إسناده، ولكن الحديث عندي صحيح من جهة أن العلماء تلقوه بالقبول (٢) ، قال ابن
الحصار: ((ولعل البخاري رأى رأي الفقهاء)) (٣). انتهى.
= وفي الصيد باب ميتة البحر ٧/ ٢٠٧، وابن ماجه باب الوضوء بماء البحر ١٥٤/١، ١٥٥،
ومالك في الموطأ كتاب الوضوء ٤٤/١، ٤٥، وأحمد في مسنده ٢٣٧/٢ و ٢٩٣، وابن
خزيمة في صحيحه في الطهارة ٥٩/١، والدارمي أيضًا ١/ ١٥١، وعبد الرزاق ١/ ٩٣،
وابن حبان كما في موارد الظمآن: ٦٠، وابن الجارود في المنتقى: ٢٥، والبيهقي ٣/١،
والحديث قد علل بأربعة أوجه من العلل :
الأول: الجهالة في سعيد بن سلمة والمغيرة بن أبي بردة.
الثاني : الاختلاف في اسم سعيد بن سلمة .
الثالث: التعليل بالإرسال.
الرابع: التعليل بالاضطراب.
وقد أجيب عن الأول بأن الجهالة قد ارتفعت برواية الجُلاح بن كثير عن سعيد ، وبرواية
يحيى بن سعيد ويزيد القرشي وحماد عن المغيرة.
وعن الثاني بترجيح رواية مالك أنه سعيد بن سلمة من بني الأزرق، وعن الثالث بأنه قد
أُسنده سعید بن سلمة، وهو وإن كان دون يحيى بن سعيد فالرفع زيادة مقبولة عند أهل
الأصول وبعض أهل الحديث.
وعن الرابع: بترجيح رواية مالك كما جزم به الدار قطني وغيره.
ولذلك صححه ابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان وابن منده والبغوي.
انظر: نصب الراية ١/ ٩٧، ٩٨، التلخيص الحبير ٩/١، ١٢، نيل الأوطار ٢٤/١، ٢٥،
وفي الإمام شرح الإلمام كلام موسع على هذا الحديث ابتداء من (ل/ ٤).
(١) العلل الكبير (ل/ ٧أ).
(٢) قد تقدم في الصفحة الماضية أن الحديث صح، وأن العلل التي علل بها قد ردت، فهل صحة
الحديث من هذه الجهة أو من جهة تلقي العلماء له بالقبول؟
(٣) لا يلزم أن يكون البخاري رأى رأي الفقهاء، فقد تكون صحة الحديث راجعة إلى صحة =

١٠٩
النكت على ابن الصلاح
وظاهر كلام ابن عبد البر أن الصحة توجد أيضًا من تلقي أهل الحديث بالقبول
والعمل به، وإن لم يوقف له على إسناد صحيح. وقد قال في التمهيد : «روي عن
جابر بإسناد ليس بصحيح أن النبي ثم قال: ((الدينار أربعة وعشرون قيراطًا))(١).
قال: وهذا وإن لم يصح إسناده ففي قول جماعة العلماء وإجماع الناس على
معناه ما يغني عن الإسناد فيه)). وقريب منه ما ذكره الشافعي في الرسالة في حديث
((لا وصية لوارث))(٢):
= سنده عنده، وقد تقدم الرد على العلل التي علل بها الحديث، فلم لا يقال إنه صححه بهذا
الاعتبار؟ ، على أن البخاري منهجه في هذا منهج المحدثين فكيف يتخلى عنه إلى رأي
الفقهاء وهو فارس هذا الميدان وإمامه؟ ! .
قال الزيلعي : ... وفي كتاب المزي توثيقهما (أي سعيد بن سلمة والمغيرة بن أبي بردة)
فزالت جهالة الحال أيضًا، ولهذا صححه الترمذي وحكى عن البخاري تصحيحه. وقال
ابن حجر: وتعقب ابن عبد البر الترمذي بأن الحديث لو كان صحيحاً عند البخاري لأخرجه
في صحيحه، قال: ((وهذا مردود؛ لأنه لم يلتزم الاستيعاب))، انظر: نصب الراية:
٩٨/١، التلخيص الحبير ٩/١، ١٢.
(١) لم أقف على تخريج هذا الحديث بعد بحث متواصل.
(٢) روي من حديث أبي أمامة، وعمرو بن خارجة، وأنس ، وعلي، وابن عباس ، وجابر
وعبد الله بن عمرو، وزيد بن أرقم، والبراء، وأبي قلابة، وابن عمر.
أما حديث أبي أمامة: فأخرجه أبو داود في الوصايا ٣/ ٢٩٠، والترمذي أيضًا ٤٣٣/٤،
وابن ماجه ١٥٩/٢، وأحمد في مسنده ٢٦٧/٥، والطيالسي أيضًا في مسنده : ١٥٤،
وسعيد بن منصور في سننه ١/ ١٠٧، وابن أبي شيبة في مصنفه ١٤٩/١١، والبيهقي في
الوصايا ٦/ ٢٦٤ من طريق أبي داود.
وأما حديث عمرو بن خارجة: فأخرجه الترمذي في الوصايا ٤٣٤/٤، والنسائي أيضًا
٢٤٧/٦، وابن ماجه ١٥٩/٢، وأحمد فى مسنده ١٨٦/٤، ٢٣٨، ٢٣٩، والدارمي
٣٠٢/٢، والدار قطني ٤/ ١٥٢، وعبد الرزاق في مصنفه ٩/ ٧٠، والطبراني في الكبير
٣٢/١٧، ٣٤، والبزار وأبو يعلى كما في الدراية ٢/ ٢٩٠، وابن أبي شيبة ١٤٩/١١، =

١١٠
النكت على ابن الصلاح
•
= والبيهقي ٦ / ٢٦٤ .
وأما حديث أنس: فأخرجه ابن ماجه ١٥٩/٢، والدار قطني ٤/ ٧٠ .
وأما حديث علي: فأخرجه ابن أبي شيبة ١٤٩/١١، والدار قطني ٤ / ٩٧.
وأما حديث جابر: فأخرجه الدار قطني ٤ / ٩٧ .
وأما حديث عبد الله بن عمرو: فأخرجه الدار قطني أيضاً ٤/ ٩٨ .
وأما حديث زيد بن أرقم والبراء: فأخرجهما ابن عدي في الكامل (ج ٨ ل/ ٢٢٣ -٢٢٤)،
(ج ٣ ل / ١٧٦).
وأما حديث أبي قلابة: فأخرجه الدارمي ٢/ ٣٠١ .
وأما حديث ابن عمر: فأخرجه الحارث بن أبي أسامة كما في الدراية ٢/ ٢٩٠ .
درجة الحدیث :
حديث أبي أمامة حسنه أحمد والترمذي وقواه ابن خزيمة وابن الجارود، وهو وإن كان عن
إسماعيل بن عياش فهو عن شامي وروايته عن الشامیین صحيحه. وقال ابن حجر : وهو
حسن الإسناد، وقال في موضع آخر : إسناده قوي.
وحديث عمرو بن خارجة سنده ثقات إلا شهر بن حوشب فمختلف فيه، وثقه أحمد وابن
معين والعجلي ويعقوب بن شيبة، وقال النسائي وابن عدي: ليس بالقوي، وقال ابن
عون: ترکوه، وقال أبو حاتم: لا بأس به.
قلت: حديثه علی هذا حسن.
وفي إحدى طرق النسائي عنه عتبة بن عبد الله المروزي وهو صدوق .
وسند ابن ماجه ثقات إلا أن سعيد بن أبي عروبة رغم ثقته وحفظه کان کثیر التدليس وتغير
بأخرة ورمي بالقدر، وقد عنعن في هذا الحديث. وهو من رجال الصحيحين.
وأما حديث أنس فسنده ثقات رجال الصحيحين غير محمد بن شعيب وقد وثقه أبو داود
ودحیم والعجلي وابن عدي وابن حبان.
وأما حديث علي فقال فيه الحافظ في التلخيص : ضعيف.
وأما حديث ابن عباس ففي التلخيص: سنده حسن، لكنه قال في الفتح: رجاله ثقات إلا
أنه معلول، فقد قيل: إن عطاء هو الخراساني، قلت: عطاء وإن لم يدرك ابن عباس فإن
يونس بن راشد وصله عنه عن عكرمة عن ابن عباس، أخرجه الدارقطني ٩٨/٤ .
=

١١١
النكت على ابن الصلاح
إن إسناده منقطع، لكن استفاضته بين النقلة وأهل المغازي جعلته (ع ١٣)
حجة(١)، (٢) وكذا قول الأستاذ أبي إسحاق الإسفرائيني (٣).
= وأما حديث جابر فصوب الدار قطني إرساله.
وأما حديث عبد الله بن عمرو ففي إسناده سهل بن عمار متهم، كذبه الحاكم كما في الميزان
٢/ ٢٤٠، وفي إسناد ابن عدي حبيب المعلم قال النسائي: ليس بالقوي، ووثقه أحمد وابن
معین وأبو زرعة فحدیثه حسن.
وأما حديث زيد بن أرقم والبراء فضعفه ابن عدي بعد روايته له.
وأما حديث أبي قلابة فمرسل.
وأما حديث ابن عمر فقال الحافظ: إسناده ضعيف.
انظر: نصب الراية ٤٠٣/٤، الدراية ٢٩٠/٢، التلخيص الحبير ٩٢/٣، فتح الباري
٣٧٢/٥.
(١) الرسالة: ١٤٢، ١٤٣.
(٢) تبين مما سلف أن الحديث له طرق منها الحسن ومنها الضعيف، وأن حديث أبي أمامة من
الحسن، وكذا حديث عمرو بن خارجة علي رأي. وكذا حديث ابن عباس ، أما ما ذكره
الشافعي في الرسالة من أن إسناده منقطع فإنه يريد حديث ابن عباس لأجل أن عطاء
الخراساني لم يدرك ابن عباس، فحكم الإمام - رحمه الله - على هذا الطريق بعينه ليس إلا ،
فلم لا يقال إن الاستدلال بهذا الحديث وجعله ناسخًا أو مخصصًا لآية الوصية لصحة بعض
طرقه وتقويته في البعض الآخر؟، قال الحافظ في التلخيص: مجموعها يقتضي أن
للحديث أصلاً، بل جنح الشافعي في الأم إلى أن هذا المتن متواتر، فقال: ووجدنا أهل
الفتيا ومن حفظنا عنهم من أهل العلم بالمغازي من قريش وغيرهم لا يختلفون في أن النبي
◌َّ﴾ قال عام الفتح: ((لا وصية لوارث)) ويأثرونه عمن حفظوه منه ممن لقوه من أهل العلم،
فكان نقل كافة عن كافة فهو أقوى من نقل واحد. أهـ. لقد اشتهر عند الكثيرين ضعف هذا
الحديث وأن اعتباره إنما جاء من حيث تلقيه بالقبول فحسب، وقد ظهر - بحمد الله - أن بعض
طرقه حسنة استقلالاً والبعض مقوى بغيره، وکثرتها تدل على أن له أصلاً .
(٣) هو أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الإسفرائيني الملقب ركن الدين الفقيه الشافعي
المتكلم الأصولي. قال عبد الغافر الفارسي عنه: ((أحد من بلغ حد الاجتهاد من العلماء =

١١٢
النكت على ابن الصلاح
في أصوله(١): ((تعرف صحة الحديث باشتهاره عند أئمة الحديث ولم ينكروه)).
وكذلك ابن فورك(٢) في صدر كتابه مشكل الحديث(٣). ومثله حديث: ((في الرقة
ربع العشر، وفي مائتي درهم خمسة دراهم)) (٤) (٥) ، ونحوه.
= لتبحره في العلوم واستجماعه شرائط الإمامة)). له: ((جامع الحلي))، ((رسالة في أصول
الفقه)) (٤١٨٠٠٠٠ هـ).
طبقات الشيرازي ١٢٦، الأنساب ٢٢٥/١، تبيين كذب المفتري ٢٤٣، وفيات الأعيان
٢٨/١، طبقات السبكي ٢٥٦/٤، البداية والنهاية ١٢ /٢٤.
(١) هو الكتاب المشار إليه في ترجمته، وسألت عنه أهل الاختصاص فلم يعرفوا شيئًا عن
وجوده .
(٢) هو الأستاذ أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك المتكلم الأصولي الأديب النحوي الواعظ
الأصبهاني. قال السبكي عنه: الإمام الجليل والحبر الذي لا يجارى فقهاً وأصولاً وكلامًا
ووعظًا ونحوّاً. له: ((غريب القرآن)»، «التفسير». ( ...- ٤٠٦ هـ).
تبيين كذب المفتري: ٢٣٢، وفيات الأعيان ٢٧٢/٤، العبر ٩٥/٣، الوافي بالوفيات
٣٤٤/٢، طبقات السبكي ١٢٧/٤، شذرات الذهب ١٨١/٣.
(٣) مشكل الحديث: ص٦، فإنه قال: ((فمن أقسام المرتبة الأولى من هذه الأخبار مما يدخل في
باب المستفيض الذي تلقاه أهل العلم بالقبول ولم ينكره منكر وهو حديث الصورة.
(٤) أخرج الفقرة الأولى منه البخاري في الزكاة باب زكاة الغنم ١٤٦/٢ في حديث طويل عن
أنس، وأبو داود أيضًا باب في زكاة السائمة ٢١٤ إلى ٢٢٤ والنسائي كذلك باب زكاة الإبل
١٧/٥ إلى ٢٣، وأحمد في مسنده ١/ ١٢، ولم أجده بالتمام المذكور.
(٥) تعريف الصحيح واحترازاته في: الإرشاد (ل / ٤ب)، الاقتراح ١٥٢ - ١٥٥، الخلاصة :
٣٥، مختصر ابن كثير: ١٧، المقنع (ل/ ١أ)، محاسن الاصطلاح: ٨٣، التقييد
والإيضاح: ٢٠، الشذا الفياح (ل/ ٢أ)، نكت ابن حجر ٢٣٤/١ -٢٣٧، النكت الوفية
(ل/ ١٠ وما بعدها)، فتح المغيث ١/ ١٠، ١٥، تدريب الراوي ١/ ٦٣، البحر الذي زخر
(ل/ ١١أ)، توضيح الأفكار ٢٤،٧/١.
وانظر لتمثيل المؤلف للحديث المشهور المستفيض في: البحر المحيط له: ٢٤٩/٤، حيث
نقله أيضًا عن الأستاذ أبي إسحاق وابن فورك.

١١٣
النكت على ابن الصلاح
٢٠ - (قوله): فهذا هو الحديث الذي يحكم [له](١) بالصحة بلا خلاف بين
أهل الحديث(*) .
[قيل(٢): إنما قيد نفي الخلاف بأهل الحديث](٣) لأن بعض المعتزلة يشترط
العدد في الرواية كالشهادة .
قلت: حكي ذلك عن بعض أهل الحديث أيضًا (٤) . قال ابن السمعاني في
القواطع: ((عندنا الخبر الصحيح ما حكم أهل الحديث بصحته، قال: وذكر الحاكم
الحافظ أن صفة الحديث الصحيح أن يرويه عن رسول الله تَّ صحابي مشهور
بالصحبة، ويروي عنه تابعيان عدلان(٥) ، ثم يتداوله أهل الحديث بالقبول إلى
زماننا (٦) ، وقد قالوا: إن الصحيح لا يعرف بالرواية من الثقات فقط، وإنما يعرف
بالفهم والحفظ وكثرة السماع، وليس للمعرفة به معين (٧)، مثل المذاكرة مع أهل
الفهم(٨) والمعرفة ليظهرما يخفى من علة (٩) الحديث، ثم قال ابن السمعاني:
(١) سقط من الأصل ود . وأثبته من ع والمقدمة.
(*) المقدمة : ١١ .
(٢) لعله يقصد العراقي فإن هذا الكلام عنده بنصه. انظر: التقييد والإيضاح: ٢٠.
(٣) سقط من ع.
(٤) إذا كان المؤلف استدرك على العراقي تفسيره تقييد ابن الصلاح نفي الخلاف بأهل الحديث
لأن بعض المعتزلة يشترطون العدد في الرواية كالشهادة بأن أورد - أي المؤلف - عليه وجود
اشتراط العدد عند بعض أهل الحديث أيضًا، فإن العراقي لم يغفل ذلك بل قال بعد حكايته
عن بعض متأخري المعتزلة اشتراط العدد في الرواية: على أنه قد حكي أيضًا عن بعض
أصحاب الحديث. انظر: التقييد والإيضاح ٢١،٢٠.
(٥) كلام الحاكم هذا قاله في المدخل إلى الإكليل: ١١ .
(٦) في القواطع ((وقتنا)).
(٧) في النسخ الثلاث ((معنى)). وما أثبته من القواطع.
(٨) في القواطع ((العلم)).
(٩) في الأصل وع ((علم)).

١١٤
النكت على ابن الصلاح
والشرط الذي شرطوه وهو: ((أن يرويه اثنان من التابعين)) لا يعرفه الفقهاء (١) ، لأن
رواية الواحد عندهم مقبولة، وإذا (٢) كان ثقة حكم بصحة الخبر، وقد ذهب بعض
المتكلمين إلى اشتراط العدد وليس بشيء، وأما المحدثون فليس العدد عندهم شرطًا
في الصحة، إلا أنهم يسمون ما نقله الواحد عن الواحد: الصحيح الغريب، وما
نقله الاثنان فما زاد وتداوله أهل الرواية بالقبول على ما مضى من القرون: الصحيح
المطلق، أو الصحيح المشهور))(٣)، هذا لفظه. وبقي على المصنف أن البخاري
ومسلمًا(٤) أضافا إلى ذلك شروطًا أخر، فعلت به رتبة حديثهما؛ فمما شرطه
البخاري: ثبوت السماع، ولم يكتف بإمكان اللقاء والمعاصرة، وهذا لا يدخل في
ضابط المصنف(٥) .
٢١ - (قوله): وقد يختلفون في صحة بعض الأحاديث لاختلافهم في وجود
(١) ولا يعرفه المحدثون أيضًا، ذلك أن قول الحاكم هذا رده أهل العلم بالحديث وكتبوا في ذلك
مبينين انفراد الحاكم بهذا المذهب، من ذلك ما كتبه الحازمي وابن طاهر في شروطهما وعبد
الغني المصري في كتابه الذي بين فيه أوهام الحاكم في المدخل .
(٢) فيع ((وإن)).
(٣) قواطع الأدلة (١/ ١٣٣ ب).
(٤) في الأصل وع ((مسلم)).
(٥) السنن الأبين: ٧٣٥ وما بعدها، وانظر لموضوع اشتراط العدد في الصحيح عند غير أهل
الحديث في: المعتمد ١/ ٦٢٢، التقييد والإيضاح ٢٠، ٢١، الشذا الفياح (ل/ ٢أ)، نكت
ابن حجر ٢٣٨/١، ٢٤٦، البحر الذي زخر (ل/١٦، ١٧)، تدريب الراوي ٧٣/١،
٧٤، توضيح الأفكار ١/ ٢٠، ٢١.
وقول الزركشي بأن البخاري أضاف شرط ثبوت السماع وهو غير داخل في ضابط
المصنف، غير مسلم فإنه ليس بشرط زائد بل هو تفسير لشرط الاتصال.

١١٥
النكت على ابن الصلاح
هذه الأوصاف فيه، أو لاختلافهم في اشتراط بعضها كما في المرسل(١) (*).
هذا مثال للثاني(٢) (٣)، ومثله قبول المستور (٤)، وكذلك اختلفوا في (٥)
الصحيح: هل من شرطه أن يكون خالصًا من الشذوذ مطلقًا أم لا؟ والتحقيق أن
الشاذ الذي يخالف الصحيح هو الشاذ المنكر أو الذي لم ينجبر شذوذه بشيء من
الأمور المذكورة (٦) في (٧) انجبار المعلل والشاذ (٨).
وأما سبب اختلافهم في أنه ((هل اجتمعت فيه هذه الشروط أو انتفى بعضها؟))
(أ١٤) فهذا هو الأغلب، كما إذا كان الحديث من رواية ما اختلف في كونه من
(١) في ع ((المراسل)).
(*) المقدمة : ١١.
(٢) في ع ((الثاني)).
(٣) أي تمثيله بالمرسل هو لقوله ((لاختلافهم في اشتراط بعضها)).
(٤) المستور هو من روى عنه اثنان فصاعدًا ولم يوثق وهو مجهول الحال.
انظر: فتح المغيث ٣٢٢/١.
(٥) في د ((في أن)).
(٦) في الأصل ((المذكور)).
(٧) في الأصل ود(من)). والمثبت من ع.
(٨) الشاذ عندهم يطلق على شيئين: أن ينفرد الصدوق بما لا متابع له ولا شاهد ولم يكن عنده
من الضبط ما يشترط في المقبول.
ثانيًا: أن يبلغ تلك الرتبة في الضبط لكنه خالف من هو أرجح منه في الثقة والضبط، وهذا
القسم الثاني سماه بعضهم منكراً، وقول المؤلف - رحمه الله -: ((إن الشاذ الذي يخالف
الصحيح هو الشاذ المنكر أو الذي ... )) إلخ، يفهم منه وجود نوع من الشاذ لا يخالف
الصحیح، وبذلك يمكن أن یکون صحیحًا شاذًا)» وقد مال إليه ابن حجر، ونازع في ترك
تسمية الشاذ صحيحًا وقال: غاية ما فيه رجحان رواية على أخرى، والمرجوحية لا تنافي
الصحة، وأكثر ما فيه أن يكون هناك صحيح وأصح، فيعمل بالراجح ولا يعمل بالمرجوح
=

١١٦
النكت على ابن الصلاح
شرط الصحيح كالعلاء بن عبد الرحمن(١) ، أو حماد بن سلمة(٢) فيقولون فيه:
حديث صحيح على شرط مسلم، وليس بصحيح على شرط البخاري، لكون
هؤلاء عند مسلم ممن اجتمعت فيهم الشروط المعتبرة، ولم يثبت ذلك عند
البخاري. وكذا حال البخاري فيما حدثه عن عكرمة (٣) وإسحاق بن محمد
الفَرْوي(٤) ، وعمرو بن مرزوق(٥) ، .
= لأجل معارضته له لا لكونه لم يصح طريقه، ولا يلزم من ذلك الحكم عليه بالضعف، وإنما
غايته أن يتوقف عن العمل به، ويتأيد بمن يقول: ((صحيح شاذ)).
انظر: فتح المغيث ١/ ١٥، ١٩٨.
(١) هو العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي - بضم المهملة وفتح الراء بعدها قاف - أبو شبل -
بكسر المعجمة وسكون الموحدة-المدني، وثقه أحمد وابن سعد والترمذي وقال أبو حاتم:
صالح روى عنه الثقات . وقال النسائي: ليس به بأس، وكذا ابن عدي، وقال ابن معين:
ليس بحجة، وقال أبو زرعة: ليس بالقوي، قال ابن حجر: صدوق ربما وهم / زم ٤ .
ميزان الاعتدال ٣/ ١٠٢، تهذيب التهذيب ١٨٦/٨، تقريب التهذيب ٩٢/٢.
(٢) هو: حماد بن سلمة بن دينار البصري أبو سلمة، ثقة عابد أثبت الناس في ثابت وتغير حفظه
بآخره، من كبار الثامنة، مات سنة سبع وستين/ خت م ٤.
ميزان الاعتدال ١ / ٥٩٠، تقريب التهذيب ١٩٧/١.
(٣) هو: عكرمة بن عبد الله البربري أبو عبد الله المدني مولى ابن عباس، ثقة ثبت عالم بالتفسير،
لم يثبت تكذيبه عن ابن عمر، ولا يثبت عنه بدعة، من الثالثة، مات سنة سبع ومائة،
وقيل: بعد ذلك /ع.
ميزان الاعتدال ٩٣/٣، مقدمة الفتح: ٤٢٥، تقريب التهذيب ٣٠/١.
(٤) هو إسحاق بن محمد الفروي المدني الأموي مولاهم، صدوق، کف فساء حفظه، من
العاشرة، مات سنة ست وعشرين / خ ق ت.
ميزان الاعتدال ١٩٨/١، تقريب التهذيب ١/ ٦٠، مقدمة الفتح: ٣٨٩.
(٥) هو: عمرو بن مرزوق الباهلي أبو عثمان البصري، ثقة له أوهام، من صغار التاسعة، مات
سنة أربع وعشرين / خ د.
ميزان الاعتدال ٣/ ٢٨٧، مقدمة الفتح : ٤٣٢، تقريب التهذيب ٧٨/٢.

١١٧
النكت على ابن الصلاح
وغيرهم [ممن](١) لم يخرج له مسلم، وهم: أربعمائة وأربعة وثلاثون شيخًا، وعدد
من احتج مسلم ولم يحتج بهم البخاري ستمائة وخمسة وعشرون(٢).
٢٢ - (قوله): ومتى قالوا: هذا حديث صحيح، فمعناه ما اتصل سنده مع
سائر الأوصاف المذكورة(*) .
جعل المصنف مدار الحكم بصحة الحديث على الحكم بصحة الإسناد المستكمل
للشرائط، وقد أوردوا علیه أمرین:
أحدهما: أنهم يقولون في المرسل: صحيح في الجملة، وإن لم يكن صحيحًا
محتجًا به (٣) ، وكذلك غير المرسل من الأحاديث المختلف في صحتها، ولم يشترط
جميع تلك (د ١١) الأوصاف المذكورة.
الثاني: أن السند (٤) قد يكون صحيحًا مع الحكم على المتن بالضعف، ومثاله ما
(١) سقط من ع.
(٢) ذكر السخاوي أن الذين انفرد البخاري بالإخراج لهم دون مسلم أربعمائة وخمسة وثلاثون
رجلاً، وبالنسبة للذين انفرد بهم مسلم ستمائة وعشرون رجلاً .
انظر: فتح المغيث ٢٥/١، تدريب الراوي ٩٢/١.
وانظر: للموضع عمومًا: مختصر ابن كثير: ١٧، التقييد والإيضاح: ٢١،٢٠، الشذا
الفياح (ل/ ٢أ)، النكت الوفية (ل/ ١٣)، توضيح الأفكار ٢٢،٢١/١.
(*) المقدمة: ١١.
(٣) كيف تكون صحة المرسل الإجمالية مع عدم کونه صحيحًا محتجًا به؟
فإن کان اکتسب الصحة بالشروط التي ذكرها الشافعي في الرسالة، فإنه يصبح حينئذ
صحیحًا محتجا به، ولا يسوغ نفي الصحة والاحتجاج عنه.
(٤) في ع ((المسند)).

١١٨
النكت على ابن الصلاح
أخرجه مسلم في صحيحه عن أنس قال: ((صليت خلف النبي ◌َّه، وأبي بكر،
وعمر فكانوا (١) يستفتحون الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، لا
يذكرون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في أول قراءة ولا في آخرها))(٢) فهذا
الحديث سنده صحيح ومتنه ضعيف لوجود العلة فيه، وهو: أن الأكثرين إنما قالوا
فيه: ((فكانوا (ع ١٤) [يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين، من غير تعرض
لنفي البسملة، وهكذا اتفق الشيخان على إخراجه، فمن رواه كاللفظ المتقدم،
وفهم من قوله: ](٣) (كانوا يستفتحون بالحمد)) أنهم كانوا لا يبسملون فصرح به
وأخطأ، لأنه قد ثبت عن.
٠
(١) في النسخ ((وكانوا)) والمثبت من صحيح مسلم.
(٢) أخرجه بهذا اللفظ مسلم في الصلاة باب حجة من قال لا يجهر بالبسملة ١١١/٤، وأبو
عوانة في مسنده ٢/ ١٣٥، وأحمد في مسنده ٢٢٣/٣ - ٢٢٤، والبيهقي في سننه في
الصلاة باب من قال لا يجهر بها ٢ / ٥١،٥٠.
وأما الفقرة الأولى دون قوله ((لا يذكرون ... إلخ)) فلها روايات كثيرة وطرق عديدة انظر
تخريجها في: البخاري باب ما يقول بعد التكبير ١٨٩/١، وفي جزء القراءة خلف
الإمام: ٣٣ -٣٥، ومسلم باب حجة من قال: لا يجهر بالبسملة ٤ /١٠٠، وأبو داود
باب من لا يرى الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ٤٩٤/١، والترمذي باب ما جاء في
افتتاح القراءة بالحمد لله رب العالمين ١٥/٢، ١٦، والنسائي باب ترك الجهر ببسم الله
الرحمن الرحيم ١٣٤/٢، ١٣٥، وابن ماجه باب افتتاح القراءة ١/ ٢٧١، ٢٧٢ .
وابن خزيمة باب افتتاح القراءة بالحمد لله رب العالمين ١/ ٢٤٨، ٢٥٠، وابن أبي شيبة باب
من كان لا يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ١/ ١٤٠، ٤١١.
والدارمي باب كراهية الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ٢٢٦/١، ٢٢٧ .
والطحاوي في معاني الآثار ٢٠٢/١، ٢٠٣، وأبو عوانة أيضًا ١٣٤/٢، وابن الجارود
٧١، الدار قطني ١/ ١٣٤، ٣١٦.
(٣) سقط من ع.

١١٩
النكت على ابن الصلاح
أنس(١) أنه سئل عن الافتتاح بالبسملة فذكر أنه لا يحفظ فيه شيئًا عن
رسول الله وَ اخِ(٢).
والجواب: أن في قول ابن الصلاح: ((مع سائر الأوصاف)) ما يدفع هذا
الاعتراض لأن من جملتها انتفاء العلة، وهي هاهنا موجودة، فليس صحة الإسناد
وحده مقتضيًا(٣) للصحة حتى يرد هذا. نعم، ينبغي التأمل والنظر بين قولهم ((هذا
حديث صحيح))، و ((هذا إسناد صحيح))، وبينهما فرق فإن الثاني يريدون به اتصال
الإسناد وعدم انقطاعه، لا جودة الرجال فربما كان متن الحديث ضعيفًا وإسناده
(١) في الأصل ((عن النبي عَ
.(({
(٢) التمثيل بحديث أنس في مسلم لما سنده صحيح ومتنه ضعيف فيه وقفة، فإن الفقرة المعللة
وهي قوله (( لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها» بيان من
الراوي لما فهمه من لفظ أنس فيعد من قبيل المدرج لا المعلل، فهو إدراج تفسيري ، غير أن
الراوي لم يفصل بينه وبين أصل المتن فحصل الالتباس وهذاغير جائز، فإن شرط الإدراج
بيانه وفصله عن المتن، لكن بعدما تبين أنه مدرج رفع الالتباس، فلا يكون والحالة هذه من
قبيل المعلل. ثم إن نفي الراوي للبسملة يحتمل الأمرين: الجهر بها، أو من أصلها جهراً
وسرّاً. وليس هناك ما يدل على أنه أراد نفيها أصلاً. ثم وجدت للطيبي في الخلاصة شيئًا
من ذلك، قال في ص ٧٢: فعلل قوم هذه الرواية بأن نفي مسلم البسملة صريحًا أينما نشاء
من قوله: ((كانوا يفتتحون بسورة يذكر فيها الحمد)) كما يقال: قرأت البقرة، ثم انضم إلى
هذا أمور، منها: أنه ثبت عن أنس أنه سئل عن الافتتاح بالبسملة فذكر أنه لا يحفظ فيها
شيئًا عن رسول الله، أقول: في قول ابن الصلاح: ((فعلل قوم هذه الرواية)) إشارة إلى أنه
غير راض عن تخطئتهم مسلمًا .. إلى أن قال: فأين العلة؟، ولعل المعلل مال إلى مذهبه،
والإذعان للحق أحق من المراء . اهـ بلفظه.
وأحسن من رأيته توسع في دراسة هذا الحديث هو ابن حجر في النكت ٧٤٩/٢، ٧٧٠ .
(٣) في الأصل ((مقتضى))، والمثبت من دوع .

١٢٠
النكت على ابن الصلاح
جيدًا(١)، بخلاف قولهم: ((حديث صحيح)) (٢) .
٢٣ - (قوله): وكذلك إذا قالوا في حديث: ((إِنه غير صحيح)) فليس ذلك
قطعًا بأنه كذب في نفس الأمر؛ إِذ قد يكون صدقًا، وإنما المراد أنه لم يصح
(*)
إِسناده على الشرط المذكور
.
فیه أمران :
الأول: أنه قد اعترض عليه في هذا وقيل: قد رأينا كثيراً من الأئمة يقولون ((هذا
حدیث إسناده صحيح ومتنه غیر صحیح، أو إسناده غیر صحیح ومتنه صحیح، أو
إسناده مجهول ومتنه مجهول لا یعرف، أو إسناده صحيح ومتنه صحیح، أو إسناده
ضعيف ومتنه ضعيف، وأيضًا لهم الموضوعات، ويقولون: ((من فلان إلى فلان الله
أعلم من وضعه))، فهذا يدل على أنه في نفس الأمر غير صحيح.
وقد سئل المصنف - رحمه الله تعالى - عن هذا في فتاويه وأجاب : الذي يرد من
هذا علی ذلك قولهم: ((إسناده صحيح ومتنه غیر صحیح)).
(١) في الأصل وع ((جیده))، وما أثبته من د.
(٢) انظر: الإرشاد (ل/ ٤ب)، الخلاصة: ٣٦، المقنع (ل/ ١أ)، فتح المغيث ١/ ٨٧، ٨٨،
البحر الذي زخر (ل/ (أ)، فتح المغيث ١/ ٨٧، ٨٨، البحر الذي زخر (ل/ ١٣)، تدريب
الراوي ٢٩٦/١، توضيح الأفكار ٢٤/١، ٢٨.
وغير خاف أن تفصيل المؤلف - رحمه الله - بين قولهم: ((هذا حديث صحيح))، و((هذا إسناد
صحيح)) بما قرره في هذا التفريق ليس عليه الأمر عند المحدثين، فإن قولهم ((هذا إسناد
صحيح)) يريدون به اتصال الإسناد وعدم انقطاعه، وجودة الرجال أيضًا، وليس كما قال
المؤلف من أنه لا يدخل في ذلك جودة الرجال، وإنما يفرق المحدثون بين الأمرين، بأن
قولهم: «إسناد صحیح)) أي من الطريق المذکور فقط، وقولهم: (حديث صحيح) أي حكم
على الحديث من جميع طرقه .
(*) المقدمة: ١١.