النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ النكت الوفية بما في شرح الألفية لعلَّ هؤلاءِ الذينَ كَرِهوهُ استندوا إلى النَّهي كحديث أبي سعيدِ الذي ذكرَهُ، رواهُ مسلم في أواخرٍ كتابِهِ قبلَ كتابٍ التفسيرِ بقليلٍ(١)، ولم يبلغهُم خبرُ الإباحة . قولُه: / ٢٧٢أ / (وجَوَّزهُ أو(٢) فَعلهُ)(٣)، أي: وجَوَّزَهُ بالقول أو الفعلِ ((جماعةٌ))، أي: قالَ بعضُهم: إنَّه جائزٌ. وفعلَهُ بعضُهم، فعلمنا بفعلِهم له أنَّه عندَهم جائزٌ؛ لأنَّهم كانوا لا يُقدمونَ على غيرِ الجائزِ، وعبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((وممنْ روِّينا عنه إباحةَ ذلكَ أو فعلَهُ))(٤) إلى آخره . قولُه : (لأبي شاهٍ)(٥) رأيتُ على حاشيةٍ كتابٍ ابنِ الصلاح بخطُ لا أعرفهُ ما صورتُهُ: ((وقعَ في ((المشارقِ)) المقروءِ على الصغاني، والترمذيِّ المقروءِ على القاضي عياضٍ، وعليهما خطَّاهما بالتاءِ المثناةِ من فوق، والمحدثونَ من فضلاءٍ مصرَ لا يروونَهُ إلا بالهاءِ، وكذا سمعَهُ الحافظُ زينُ الدينِ العراقيُّ))(٦). (١) صحيح مسلم ٢٢٩/٨ (٣٠٠٤) (٧٢). وأخرجه أيضًا: أحمد ١٢/٣ و ٢١ و٣٩ و٤٦ و ٥٦، والدارمي (٤٥٦)، والنسائي في الكبرى (٨٠٠٨)، وفي فضائل القرآن، له (٣٣). (٢) في (ب): ((إذ)) (٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٦٢. (٤) معرفة أنواع علم الحديث : ٢٩٢. (٥) شرح التبصرة والتذكرة ٤٦٣/١. (٦) قال النووي في (شرح صحيح مسلم) ٥٠٦/٣:( هو بهاء تكون هاء الوقف والدرج، ولا يقال بالتاء ... )). وقال الحافظ ابن حجر في الفتح ٢٠٦/١: ((هو بهاء منونة))، وقال في مكان آخر ١٢ /٢٠٨: ((وحكي السلفي أن بعضهم نطق بها بتاء في آخره وغلطه، وقال: هو فارسيٍّ من فرسان الفرس الذين بعثهم كسرى إلى اليمن)) انظر: الإصابة ٤/ ١٠٠. ١٢٢ النكت الوفية بما في شرح الألفية قولُه: (وزالَ ذلك الخلافُ)(١) قالَ ابنُ الصلاح: ((ولولا تَدويتُهُ في الكتبِ الدرسَ في الأعصرِ الآخرةِ))(٢). قولُه : (فقالَ له : اكتبْ )(٣) في بعضِ الرواياتِ بيانُ سببٍ السؤال كما سيأتي قريبًا، وأخرجَ ابنُ سعد(٤) هذا الحديثَ وزادَ أَنَّه كانَ يُسمي صحيفتَهُ تلكَ الصادقةَ ، رأيتُهُ بخطِّ بعضٍ أصحابنا . وقال البلقينيُّ في ((محاسنِ الاصطلاحِ)): ((أعلى من رُوي ذلك عنه من الصحابة: عمرُ بنُ الخطابِ، ثم عثمانُ بنُ عفان. أسند الرامهرمزيُّ في كتابِهِ ((الفاصل))(٥) بإسنادٍ ذكرَهُ عن عمرَ بن أبي سُفيانَ: أَنَّه سمع عمرَ بنَ الخطابِ يقولُ: ((قيّدوا العلمَ بالكتابِ))، وفي كتابِ المَرْزُبانيّ من حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ راشدٍ ، قال: قال / ٢٧٢ب/ عثمانُ بنُ عفانَ رضي الله عنه(٦): ((قيّدوا العلمَ، قلنا: وما تقييدُهُ؟ قالَ: تعلَّموه وعلِّموهُ واستنسخوهُ))، وجاء عن طلحةَ بنِ عبيدِ اللَّه ما يقتضي جوازَ كتابةٍ غيرِ القرآنِ ، وأسندَ الرامهرمزيُّ عن عبدِ اللهِ بنِ محمدِ بنِ عَقيلٍ، قالَ: كنتُ أذهبُ أنا وجعفرٌ إلى جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ ومعنا ألواحٌ صغارٌ نكتبُ فيها الحديث))(٧)، وأسندَ المَرْزُبانيُّ بسندٍ - قيل: إنَّه جيدٌ - عن عبدِ اللَّهِ بنِ بريدةَ: ((أنَّ أناسًا(٨) من أهلِ الكوفةِ كانوا في سَفرٍ، ومعهم شَدَّادُ بنُ أوس، فقالَ رجلٌ: حَدِّثْنا (١) شرح التبصرة والتذكرة ٤٦٣/١. (٢) معرفة أنواع علم الحديث : ٢٩٤. (٣) شرح التبصرة والتذكرة ٤٦٣/١. (٤) الطبقات ٣٧٣/٢ و٢٦٢/٤ و٤٩٤/٧. (٥) المحدّث الفاصل: ٣٧٠ - ٣٧١. (٦) لم ترد في (ب). (٧) المحدّث الفاصل: ٣٧٠ - ٣٧١. (٨) في (ف): ((ناسًا)). ١٢٣ النكت الوفية بما في شرح الألفية عن رسول اللَّهِ وَله، فقالَ: ائتوني بصحيفةٍ ودواةٍ، فأتوه بِهما فقالَ: اكتبْ: سمعتُ رسول اللَّه ◌ِ. فذكر حديثًا))، وجاء نحوُ ذَلِكَ عن ابنِ عباسٍ، وأبي أمامةَ ، وعتبانَ رضي اللَّه عنهم، وقد سبقَ في الأصلِ ذكرُ أنسٍ، وعنهُ رواياتٌ : إحداها : أسندَها الرامهرمزيُّ(١) وغيرُهُ(٢)، أنَّه كانَ يأمرُ بنيهِ أَنْ يُقيّدوا العلمَ بالکتاب . وأخرى أسندَها الرامهرمزيُّ(٣) وغيرُهُ(٤)، عن هبيرةَ بنِ عبد الرحمانِ ، وأسندها البغويُّ في ((معجمه الكبير)) عن يزيد الرقاشيّ: (( كنا إذا أكثرنا على أنسٍ بنِ مالك ألقى إلينا مخلاةً))(٥)، وفي رواية الرّقاشيّ: ((أتانا (٦) بمخالٍ فألقاها إلينا، وقال: هذه أحاديثُ كتبتُها عن رسولِ اللَّه ◌َ))، وفي /٢٧٣أ/ رواية الرقاشيّ: ((سمعتُها من رسولِ اللَّهِ وَّهِ وكتبتُها(٧) وعرضتُها)). وعن أبي هُريرةَ رضي اللَّه عنه نحو ذَلِكَ، وعن أنس أيضًا: ((كَتْبُ العلمِ فريضةٌ )). وأمّا عبدُ اللَّهِ بنُ عمرو بنِ العاصِ فإنَّه إنَّما كتبَ بإذنِ النبيّ وَِّ، جاءتْ عنه رواياتٌ مسندةٌ : منها من روايةٍ عمرو بن شعيبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّه عبدِ اللهِ بن عمرٍو: ((قلت: يا رسول اللهِ، أكثُبُ ما أسمعُهُ منك؟ قالَ: نعمْ، قلتُ: في الغَضَبِ والرضا؟ قال: نعم، فإني لا أقولُ إلا حقًّا)). (١) المحدّث الفاصل: ٣٦٨. (٢) ابن سعد في ((الطبقات)) ٢٢/٧. (٣) المحدّث الفاصل: ٣٦٨. (٤) بحشل في ((تاريخ واسط)): ٧١. (٥) هي ما يوضع فيه الحشيش والنبات إذا قطع. لسان العرب مادة (خلا). (٦) في جميع النسخ الخطية: ((ألقى إلينا)) ولعل الصواب ما أثبتنا، والله أعلم. (٧) لم ترد في (ب). ١٢٤ النكت الوفية بما في شرح الألفية وأسندَهُ الرامهرمزيُّ(١) بنحوِهِ، وفي بعضِ طرقِهِ: ((قالتْ لي قريشٌ: إنَّ رسولَ اللَّهِ،فَلَّهِ يتكلمُ فِي الرّضا والغَضبِ، فلا تكتُب، فسألتُ رسولَ اللَّهِ وَّةِ، فقالَ: اكتُبْ ، فوالذي نفسي بيده ما يخرجُ مني إلا حقٌّ))، وحديثُ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرو صحيحٌ، ولذلك خَرَّجَهُ الحاكمُ في ((مستدركِهِ))(٢) وله شواهدُ . وقد جاءَ عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرو رضي الله عنه(٣) أنَّه قال: ((ما آسى (٤) على شيءٍ إلَّ على الصادقةِ ، والصادقةُ صحيفةٌ استأذنتُ فيها النبيَّ نَّهِ أَنْ أَكتبَ فيها ما أسمعُ منه فأُذِنَ لي)) رواهُ الرامهرمزيُّ(٥) منْ طريقٍ ليثِ بنِ أبي سُليمٍ، عن مجاهدٍ . وأسند عن مجاهد، قال: ((رأيتُ عندَ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرو صحيفةً فذهبتُ أتناولُها ، فقال: مَهْ يا غلامَ بني مخزومٍ، قلتُ: ما كنتَ تَمنَعُني شيئًا، قالَ: هذه /٢٧٣ ب/ الصادقةُ فيها ما سمعتُهُ من رسول اللَّه وَله، ليس بيني وبينَهُ فيها أحدٌ))، وكان عبدُ اللَّهِ بنُ عمرو بسببِ الكتابةِ كثيرَ الحديثِ؛ ولذلك قالَ أبو هريرةَ: ((ما أحد ... )) الأثرَ(٦)، وقال: ((كنتُ(٧) أعي بقلبي، وكانَ يَعِي هوَ بقلبِهِ ويكتُبُ بیده))(٨) . (١) المحدّث الفاصل: ٣٦٥. (٢) المستدرك ١/ ١٠٥. (٣) لم ترد في (ب). (٤) في ((محاسن الاصطلاح)):((أتينا))، وهو خطأ . (٥) المحدّث الفاصل: ٣٦٧. (٦) أخرجه: البخاري ٢٦/١ (١١٣)، والرامهرمزي في ((المحدّث الفاصل)): ٣٦٨. (٧) في (ف): ((وأنت)). (٨) أخرجه: أحمد ٤٠٣/٢، والرامهرمزي في ((المحدّث)): ٣٦٩. ١٢٥ النكت الوفية بما في شرح الألفية ومنها: عن عمرو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبيِّ ◌َله: ((قيِّدوا العلمَ بالكتابِ))(١) . ومنها: ما رواهُ عبدُ اللَّهِ بنُّ المؤملِ، عن ابن جريج، عن عطاءٍ، عن عبدِ اللَّهِ ابن عمرو رضي الله عنهما: ((قلتُ: يا رسولَ الله، أَقَيِّدُ العلمَ؟ قالَ: نعم، قلتُ: وما تقييدُهُ؟ قال: الكتابُ))(٢)، ورواهُ ابنُّ فارسٍ في كتابٍ ((مآخذ العلم))، ثم قالَ: ((لم يروه عن ابن جريج - يعني: عن عطاءٍ - إلا عبد الله بن المؤمَّل))، وقد رُوِي ذلك عن أنسٍ رضي اللَّه عنه، قال الرامهرمزيُّ في ((الفاصل))(٣): ((حدَّثنا محمدُ بنُّ بهرامَ الأرجانيُّ، حدثنا لوين، حدثنا عبدُ الحميدِ بنُ سليمانَ، عن عبدِ اللهِ بنِ المثنى، عن عمِّهِ ثمامةَ، عن أنس رضي اللَّه عنه، قال: قالَ رسول اللَّه ◌َلتِ: ((قيدوا العلم بالكتابٍ)). قال لُوين: لم يروِهِ غيرُ هذا الشيخ)). وما جاءَ في السُّنةِ جاء في القرآنِ أيضًا، قال ابنُ فارسٍ: ((أعلى ما يحتجُ بهِ في ذلك قولُه تعالى: ﴿تّ وَاَلْقَلَمِ وَمَا يَسْظُرُونَ﴾(٤)، قال الحسنُ البَصريُّ: ن: الدواةُ، والقلمُ: القلمُ))(٥). وقد ندبَ اللَّهُ إلى الكتابة في قوله: ﴿فَأَكْتُبُوٌ﴾(٦)، وفي (١) أخرجه: الرامهرمزي في ((المحدّث الفاصل)»: ٣٦٥، وابن الجوزي في ((العلل المتناهية)) ٧٨/١. (٢) أخرجه: الرامهرمزي في ((المحدّث الفاصل)): ٣٦٤. (٣) المحدّث الفاصل: ٣٦٨. (٤) القلم: ١. (٥) هذا الأثر أسنده إلى الحسن البصري الطبري في ((تفسيره)) (٢٧٦٩) وكذا أسنده عن ابن عباس وقتادة (٢٦٧٦٨) و(٢٦٧٦٩). وأسنده عبد الرزاق في ((تفسيره)) (٣٢٧٢) إلى الحسن وقتادة أيضًا ، وكذا أسنده إلى ابن عباس (٣٢٧٣) مطولًا . (٦) البقرة : ٢٨٢. ١٢٦ النكت الوفية بما في شرح الألفية قوله: ﴿ وَلَا تَسْتَمُوْاْ أَن /٢٧٤أ/ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾(١))). انتهى ذلك(٢). قلتُ: وعند ابنٍ سعدٍ في ((الطبقاتِ))(٣): ((أخبرنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو هلالٍ، قالَ : قيلَ لقتادَةً: يا أبا الخطابِ ، أنكتبُ ما نسمعُ؟ قالَ: وما يمنعُكَ أنْ تكتبَ وقد أنباكَ اللطيفُ الخبيرُ: أنَّه قد كتبَ، وقرأ ﴿فِ كِتَبِّ لَّا يَضِلُّ رَبِّ وَلَا يَسَى﴾ (٤))). وقد تقدّم في الوجادةِ حديثُ عمرَ، وعمرو بن شُعيب ، عن أبيهِ، عن جَدِّهِ : ((أيُّ الخَلقِ أعجبُ إيمانًا؟))، وفي آخرِه: (( يجدونَ صحفًا فيها كتابٌ يؤمنونَ بما فيها)). انتهى. رجعَ إلى المحاسنِ: ((ومن صحيحِ حديثٍ رسولِ اللَّهِ وَّهِ في ذلك حديثُ: (اكتُبُوا لأبي شاهٍ)) في ((الصحيحين))(٥)). قلتُ: خَرَجَهُ البخاريُّ في كتاب ((العلم))(٦) عن أبي هريرةَ رضي اللَّه عنه بلفظٍ : ((اكتبوا لأبي فلانٍ))، وفيه(٧) من حديث ابنِ عباسٍ - رضي اللَّه عنهما - قال: لما اشتدَّ برسولِ اللَّهِ وَ لّهِ وجعُهُ قال: ((ائتوني بكتابٍ أكتبُ لكمْ كتابًا لا تضلوا بعده ... )) الحديثَ. انتهى . (١) البقرة: ٢٨٢. (٢) أي: انتهي كلام البلقيني، وهو في محاسن الاصطلاح: ٢٩٦ - ٢٩٩. (٣) طبقات ابن سعد ٧/ ٢٣٠. (٤) طه : ٥٢. (٥) صحيح البخاري٣٨/١-٣٩ (١١٢)، صحيح مسلم ١١٠/٤-١١١(١٣٥٥)، وتفصيل طرقه في تحقيقنا لشرح التبصرة والتذكرة ٤٦٣/١. (٦) صحيح البخاري ٣٨/١-٣٩ (١١٢). (٧) أي: في كتاب العلم من صحيح البخاري، وهو فيه ٣٩/١ (١١٤). ١٢٧ النكت الوفية بما في شرح الألفية رجعَ، لكنَّ الأحاديثَ السابقةَ أصرحُ من حديثٍ أبي شاهِ في تعميمِ الإذنِ لجوازٍ (١) أنْ يُدَّعى فيهِ أَنَّه واقعةُ عينٍ . وأسندَ الرامهرمزي(٢) وغيرُهُ(٣) عن عَبَاية بن رفاعة (٤)، عن(٥) رافع بن خديج رضي اللَّه عنه، قالَ: مرَّ علينا رسولُ اللَّهِ وَلَه يومًا ونحنُ نتحدثُ .. فذكرهُ إلى أَنْ قالَ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّا نسمعُ منكَ أشياءً أفنكتبها؟ قالَ: ((اكتبوا ذَلِكَ ولا حرجَ))، وعن عائشةَ رضي اللَّه عنها، قالتْ: دعا رسولُ اللَّهُ بِهِ عليًّا رضي اللَّه عنه بأديمٍ ودواةٍ فأملى عليهِ وكتبَ حتَّى ملأُ الأديمَ. /٢٧٤ ب / وعن عليٍّ رضي اللَّه عنه: إذا كتبتُمُ الحديثَ فاكتبوهُ بسندِه(٦)، وقال بعضُ مَنْ صنَّفَ منَ المتأخرينَ في اعتراضاتٍ على ابنِ الصلاحِ: ((وفي ((أدبِ الدنيا والدين))(٧) للماورديٍّ: رُوِيّ أنَّ رجُلًا شكا إلى رسولِ اللَّهِ وَّةِ النِّسيانَ، فقالَ: ((استعملْ يدكَ)) أي: اكتبْ حتى ترجعَ إذا نسيتَ إلى ما كتبتَ))، والعجبُ من محدثٍ يتركُ نقلَ الحديثِ من کتبهِ، ويعدلُ إلى غيرها ، فالحديثُ أخرجَهُ الترمذيُّ(٨) في باب(٩) ((الرخصة في كتابةِ العلمِ (١) في (ب): ((يجواز)). (٢) المحدّث الفاصل: ٣٦٩. (٣) الطبراني في «الكبير)) (٤٤١٠)، وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) ١/ ١٥١: ((وفيه أبو مدرك، روى عن رفاعة بن رافع، وعنه بقية، ولم أر من ذكره)). (٤) في جميع النسخ الخطية و((المحدّث الفاصل)): ((رافع))، والصواب ما أثبته تبعًا لتهذيب الكمال ٨٠/٤ (٣١٣٧). (٥) في جميع النسخ الخطية زيادة: ((أبيه))، والصواب ما أثبته تبعًا لمعجم الطبراني. (٦) أخرجه الذهبي في(( ميزان الاعتدال)) ٤/ ٩٨، وحكم عليه بالوضع. (٧) أدب الدنيا والدين: ٦٦. (٨) الجامع الكبير (٢٦٦٦)، وأخرجه الخطيب في (تقييد العلم)): ٦٦، ٦٧. (٩) في (أ) و(ب): ((كتاب))، والتصويب من (ف) و((جامع الترمذي)). ١٢٨ النكت الوفية بما في شرح الألفية فقالَ: ((حدَّثنا قتيبةُ، حدَّثنا الليثُ، عنِ الخليلِ بنِ مرةً، عن يحيى بن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ رضي الله عنه، قالَ: كانَ رجلٌ من الأنصارِ يجلسُ إلى رسولِ الله فيسمعُ منَ النبيِّ وَّهِ الحديثَ فيعجبُهُ ولا يحفظُهُ، فشكا ذَلِكَ إِلى رسولِ اللَّهِ وَِِّّ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ ، إني أسمعُ منك الحديثَ فيعجبني ولا أحفظُهُ، فقالَ رسولُ اللَّهِ وَّ: ((استعنْ بيمينكَ)) وأومأ بيده إلى الخطّ. قالَ الترمذيُّ : وفي البابِ عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرو، وهذا حديثٌ ليسَ إِسنادُهُ بذلك(١) القائم، سمعتُ محمدَ بنَّ إسماعيلَ يقولُ: الخليلُ بنُ مُرَّةَ منكر الحديثِ)). وفي المسألةِ مذهبٌ ثالثٌ: وهو أنْ يكتبَ، فإذا حفظَ محاةُ. رواهُ الرامهر مزيُّ(٢)(٣) عن عبد الرحمانِ بنِ سلمةَ الجُمحيِّ. ومحمد بن سيرينَ كان لا يرى بكتابةِ الحديثِ بأسًا، فإذا حفظَهُ محاهُ(٤). وعاصمُ بنُ ضمرةً كانَ يسمعُ الحديثَ ويكتُبُه /١٢٧٥(٥) فإذا حفظَهُ دعا بمقراضٍ فقرضهُ(٦). وهشامُ بنُ حسّان اتفقَ له أنَّه لم يكتبْ إلا حديثًا واحدًا ثم محاهُ(٧)، وكذا جرى لخالدِ الحذَّاءِ، وحماد بن سلمةً(٨)، وممنْ أباحَ ذلك مطلقًا أبو المَليح(٩)، ومنْ مُلح ما قال: (١) في (ف): ((بذاك)). (٢) من قوله: ((وفي المسألة مذهب ثالث ... )) إلى هنا تكرر في (ف). (٣) المحدّث الفاصل: ٣٨٢ (٤) المحدّث الفاصل: ٣٨٢ (٥) من قوله: ((بأسًا، فإذا حفظه ... )) إلى هنا لم يرد في (ف). (٦) المحدّث الفاصل: ٣٨٢ (٧) المحدّث الفاصل: ٣٨٣ (٨) المحدّث الفاصل: ٣٨٢ (٩) أبو المليح بن أسامة بن عمير، أو عامر بن عمير، بن حنيف بن ناجية الهذلي، اسمه عامر، وقيل: زيد. وقيل: زياد. ثقة، توفي سنة (٩٨) هـ، وقيل: (١٠٨) هـ. التقريب (٨٣٩٠). ١٢٩ النكت الوفية بما في شرح الألفية يعيبونَ(١) علينا أن نكتبَ العلمَ وندوّنَهُ، وقد قال الله عز وجل: ﴿عِلْمُهَا عِندَ رَبِ فِ كِتَبٍ لَّا يَضِلُ رَبِّ وَلَا يَنْسَى﴾(٢)، ورَوَى الرامهرمزيّ(٣) ذلك عن قتادةً . وجاء عن معاويةَ بنِ قرةَ: ((مَن لم يكتبِ العلمَ لم يُعدَّ علمُهُ علمًا))(٤)، وأسند الرامهرمزيُّ(٥) إلى عبدِ اللَّهِ بن دينار قال: ((كتبَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ إلى أهلِ المدينةِ: انظروا ما كانَ من حديثٍ رسولِ اللَّهِ وَلِّ فاكتبوهُ، فإني خفتُ دروسَ العلم وذهابَ العلماءِ))؛ وعن يزيدَ الرقاشيّ: ((حججتُ مع عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ فحدَّثتُهُ بأحاديثَ عن أنسٍ بنِ مالكٍ فكتبها، وقال: ليس عندي مالٌ فأعطيكَ، ولكنْ أفرضُ لكَ في الديوانِ، ففرضَ له أربعمائةٍ دِرهمٍ (٦))). انتهى كلامُ البلقينيّ(٧) وتصرّفتُ في بعضِهِ . قولُه: (وهذا الاستدلالُ)(٨)، أي: ما يتعلقُ بالسَّهميِّ ((منَ الزوائدِ))، وأمّا حديث أبي شاهٍ ففي كتابٍ ابنِ الصلاحِ(٩). قولُه : (أَنَّ أبا هريرةَ كانَ يكتُبُ)(١٠) يحتملُ أنْ تكونَ الكتابةُ على حقيقتِها ، (١) في جميع النسخ الخطية: ((يعتبون))، والتصويب من مصادر التخريج. (٢) طه: ٥٢. وهذا الأثر أخرجه: الخطيب في (تقييد العلم)): ١١٠، وابن عبد البر في ((جامع بيان العلم)) ١/ ٧٣. (٣) المحدّث الفاصل: ٣٧٢ (٤) تقييد العلم: ١٠٩. (٥) المحدّث الفاصل: ٣٧٣ - ٣٧٤. (٦) المحدّث الفاصل: ٣٧٢. (٧) محاسن الاصطلاح: ٣٠٠ - ٣٠٢. (٨) شرح التبصرة والتذكرة ٤٦٤/١. (٩) معرفة أنواع علم الحديث : ٢٩٣. (١٠) شرح التبصرة والتذكرة ٤٦٤/١. ١٣٠ النكت الوفية بما في شرح الألفية وأَنَّه كتبَ بعد موتِ النبيِّ وَّهِ، ويحتملُ أنْ تكون مجازًا بأنَّه أمر من يكتب(١)، ويحتملُ أنْ يكونَ من نقلَ عنهُ أنَّه كتبَ استند إلى /٢٧٥ب/ قوله: ((حفظتُ عن رسولِ الله وَّهِ جِرابينٍ ... ))(٢) الأثرَ، وهذا لا يدلُّ على كتابتِهِ حقيقةً، فإنَّه محمولٌ على أنَّ علمهُ نوعانٍ: منه ما يُلِّغهُ، ومنه ما يخشى الفتنةَ من تبليغِهِ ، ويحتملُ أنَّه يريدُ أنَّ كل نوعٍ منهما لو كُتبَ لكانَ ملءَ(٣) جرابٍ، ويحتملُ أنْ يكونَ مكتوبًا مَحشوًّا في جرابٍ حقيقةً، ولكن بخطّ غيرِهِ، واللَّهُ أعلم . قولُه : (لخوفٍ اختلاطِهِ بالقرآنٍ)(٤)، أي: بسببٍ أَنَّه لم يكنِ اشتدَّ إلفُ الناسِ له، وكثرَ حُفَّظُهُ والمعتنونَ به، فلما ألفَهُ الناسُ وعرفوا أساليبَهُ وكمالَ بلاغاتِهِ ، وحسنَ تناسبُ فواصلِهِ وغاياتِهِ، صارتْ لهم ملكةٌ يميزونَهُ بها عن غيرِهِ، فلم يُخشَ اختلاطُهُ بعدَ ذلك(٥) . قولُه(٦): (وخيفَ اتكالُهُ)(٧) قالَ ابنُ الصلاح: ((وأخبرنا أبو الفتحِ بنُ عبدِ المُنْعِمِ الفَرَاوِيُّ(٨) قراءةً عليهِ بنيسابورَ - جَبَّرها الله - وقال: أخبرنا أبو المعالي الفارسيُّ، أخبرنا الحافظُ أبو بكرٍ البَيْهَقيُّ، أخبرنا أبو الحسينِ بنُ بِشْرانَ ، أخبرنا (١) من قوله: ((ويحتمل أن تكون مجازًا بأنه أمر من يكتب)) لم ترد في (ف). (٢) أخرجه: البخاري ٤١/١ (١٢٠)، والحديث هو: ((حفظت من رسول اللَّه وَّةِ وعاءين فأما أحدهما فبثته، وأما الآخر فلو بثئته قُطع هذا البلعوم)». (٣) في (أ): ((وملء الأرض)). (٤) شرح التبصرة والتذكرة ٤٦٤/١. (٥) توضيح الأفكار ٣٦٥/٢ - ٣٦٦. (٦) لم ترد في (ب). (٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٦٤. (٨) هذه النسبة إلى فراوة، وهي بليدة مما يلي خوارزم، وضبطها بعضهم: بضم الفاء، وبعضهم بفتحها. انظر: الأنساب ٤ /٦١٥، ووفيات الأعيان ٤ /٢٩١، وتبصير المنتبه ١١٠٠/٣، ومعجم البلدان ٤ / ٢٤٥. ١٣١ النكت الوفية بما في شرح الألفية أبو عمرو بن السّماك، حدَّثنا حَنبلُ بنُ إسحاقَ، حدَّثنا سليمانُ بنُ أحمدَ، حدَّثنا الوليدُ ، هو ابنُّ مسلم، قال: كان الأوزاعيُّ يقولُ: كانَ العلمُ كريمًا يَتَلاقاةُ الرجالُ بينَهم ، فلما دخَل في الكُتُبِ دَخَل فيه غيرُ أهلِهِ))(١). قولُه: (فربَّما كتبوه معهُ)(٢) قال شيخُنا: ((الذي يظهرُ لي أنَّ من ذلك قراءةً بعضِ الشواذٌّ : ((فلما خرّ تبينتِ الجنّ(٣) أنْ (٤) لو /٢٧٦أ/ كانُّوا يعلمون الغيبَ ما لبثوا حولًا في العذاب المهين))، واللَّهُ أعلم))(٥). قولُه: (ما يُستعجَمُ)(٦)، أي: يوجدُ مُشكلًا شديدا على الفَهْم غيرَ(٧) منقادٍ له، كما يشتدُّ العجمُ - أي: النَّوى - على المضغ، فيكونُ بذلك كأنَّه طالبٌ لإعجامِ نفسِهِ بألا يفهمَ. قولُه: (لا ما يفهم)(٨)، أي: منْ غيرِ إشكالٍ(٩). (١) معرفة أنواع علم الحديث : ٢٩٤. والأثر أخرجه من طريق الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي: الخطيب في ((تقييد العلم)): ٦٤، وابن عبد البر في ((جامع بيان العلم)) ٦٨/١، وأخرجه: الدارمي (٤٧٣) من طريق ابن المبارك، عن الأوزاعي . وانظر: محاسن الاصطلاح: ٣٠٢. (٢) شرح التبصرة والتذكرة ٤٦٤/١. (٣) في (ب) و(ف): ((تبينت الإنس أنَّ الجنَّ ... )). (٤) لم ترد في (ب). (٥) الآية من سورة سباً: ١٧، وانظر معجم القراءات القرآنية ١٥٠/٥. (٦) التبصرة والتذكرة (٥٦١). (٧) لم ترد في (ب). (٨) التبصرة والتذكرة (٥٦١). (٩) عبارة: ((قوله: (لا ما يفهم)، أي: من غير إشكال)) لم ترد في (ف). ١٣٢ النكت الوفية بما في شرح الألفية قولُه : (وَلِيكُ)(١) ، أي: وليكنْ ضبطُ المشكلِ في الأصلِ، وفي الهامشِ بأنْ تُعادَ كتابتُهُ في الهامشِ(٢) مع تقطيع حروفِهِ، فضبطُهُ فيه مُصاحبًا لتقطيعِ الحروفِ أنفعُ منْ ضَبْطِهِ فيه مجتمعَ الحروفِ . قلتُ : والمتبادر إلى الذهنِ أنَّ الشيخَ زادَ تقطيعَ الحروفِ، وأسقطَ قولَ ابنِ الصلاح أنَّ الكلمةَ تكتبُ في الهامشِ مفردةً - أي: غيرَ(٣) مقطّعةٍ الحروفِ(٤) - لكنْ يمكنُ تحميلُ كلامِهِ ذلكَ بتأويلِ دلّنا عليه قولُه: ((فهو أنفع))، أي: وليكن الضبطُ للمشكلِ في الأصلِ، وفي الهامشِ، وبعدَ(٥) كتابتِهِ فيه مجتمعَ الحروفِ . قلتُ : يكتُبُه في الهامشِ مع تقطيعِهِ لحروفِهِ ؛ فإنَّ تقطيعَهُ لها أنفعُ من كتابتِهِ إياها مجتمعةً كما قال ابنُّ الصلاحِ(٦) ، ولو قال: وفي الهامشِ بل يقطّعُ الحروفَ فهو أكملُ. كانَ أحسنَ، أي : وليكنْ ضبطُهُ في الأصلِ وفي الهامشِ مجتمعًا، كما قالَ ابنُ الصلاحِ، ولا يقتصرُ على ذلك بل إذا أرادَ المبالغةً في البيانِ فإنَّه يقطعُ الحروفَ ، فتقطيعُها أكملُ بيانًا من كتابتِها مجموعةٌ . قولُه : (يَنبغي لطالبِ العلمِ)(٧) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((ثم إنَّ على كَتَبَةٍ الحديثِ وطَلَبْتِهِ /٢٧٦ب/ صَرْفَ الهِمَّةِ إلى ضَبْطِ ما يكتبونَهُ، أو يُحصِّلونَهُ بخطّ (١) التبصرة والتذكرة (٥٦٣). (٢) في (ب) و(ف) بعد كلمة الهامش: ((مضبوطًا كائنًا ضبطه في الهامش)). (٣) لم ترد في (ب). (٤) معرفة أنواع علم الحديث : ٢٩٥. (٥) في (ب) و(ف): (( بعد )). (٦) معرفة أنواع علم الحديث : ٢٩٥. (٧) شرح التبصرة والتذكرة ٤٦٥/١. ١٣٣ النكت الوفية بما في شرح الألفية الغَيرِ(١) من مرويَّاتِهم على الوجْهِ الذي رووهُ شَكلًا ونَقْطًا يُؤْمَنُ معها (٢) الالتباسُ - قال : - وإعجامُ المكتوبِ يَمنعُ من استِعْجامِهِ، وشَكْلُهُ يَمْنعُ من إِشْكالِهِ))(٣). انتھی . والإعجامُ: إزالةُ العجمةِ، وهي الاستغلاقُ، والاستغلاقُ(٤): إيجادُها أو طلبُهُ . قولُه: (والصوابُ الإعجامُ)(٥) ليسَ كلامُ الأوزاعيّ خطأ، ففي ((الصحاح)) (٦): ((العَجْمُ النَّقْطُ بالسوادِ مثل التاءِ عليه نقطتانٍ، يقال: أُعجمتُ الكتاب))(٧)، وقال صاحبُ ((القاموس))(٨): (( وأعجم فلانٌ الكلام(٩) ، ذهب به إلى العُجْمةِ، والكتابَ نَقَطَهُ كَعَجَمه وعَجَّمه، وقولُ الجوهريِّ: لا تَقُلْ(١٠): عجمتُ، وهم)). انتهى . فأعجمهُ للإزالةِ، وعَجَمهُ جعلَ له عَجْمًا، أي: نَقْطًا، فمرادُ الأوزاعيّ أنَّ (١) قال الزركشي في ((نكته)) ٥٦٨/٣: ((قد استنكر بعض أهل اللغة إدخال الألف واللام على غير ... )). أقول: انظر بيان ذلك في ((تهذيب الأسماء واللغات)) ٦٥/٣. (٢) في (ف): ((معهما)). (٣) معرفة أنواع علم الحديث : ٢٩٤. (٤) في (ف): ((الاستعجام)). (٥) شرح التبصرة والتذكرة ٤٦٥/١. (٦) الصحاح مادة (عجم). (٧) في ((الصحاح)): ((الحرف)). (٨) القاموس المحيط مادة (عجم). (٩) زيادة من ((القاموس المحيط)). (١٠) في جميع النسخ الخطية: ((لا يقال))، والمثبت من ((القاموس المحيط)). ١٣٤ النكت الوفية بما في شرح الألفية النَّقْطَ نفسَهُ نورٌ، لا المصدر الذي هو الإعجامُ، قال شيخُنا: (( ولا يمنعُ(١) إطلاقُ العَجْمِ على الإعجامِ، غايتُهُ: أنْ يكونَ مصدرًا جاريًا على غيرِ فعلِهِ كالنباتِ مع الإنباتِ في قوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾(٢) ونحو ذلك)). قولُه : (أي: يُبيِّنُ)(٣) بدلٌ منَ النَّقْطِ . قولُه: (والشَّكْلُ)(٤) يقال: شَكَلَ الكتابَ: أَعْجَمَهُ وقَّدَهُ بالإعرابِ كـ ((أشكَلَه))، كأنَّهُ أزالَ عنه الإشكالَ، هكذا في «القاموس))(*) و((الصحاح))(٦)، وفي ((المُجمل))(٧): (( شَكلتُ الكتابَ أشْكلُهُ شَكْلًا، إذا قيدتَهُ بعلاماتِ الإعرابِ))، وقالَ أبو عبدِ اللَّهِ القزازُ: ((وشكلتُ الدابةَ أشكلُهُ شكلًا: شددْتُ /٢٧٧أ/ قوائمَهُ بالشكالٍ ، ومن هذا أخذ شكل الحروفِ؛ لأنَّه ضبطُها وتقييدُها فلا يلتبسُ إعرابُها ، وأشكلتُ الشيءَ إذا أزلتَ إشكالَهُ)). قولُه: (لا تُضْبَطُ)(٨) إلى آخره. هذا الحصرُ ليسَ على بابِهِ، بل مثلُ ((الحُ عرفة))(٩)، فإِنَّ نَفْعَ النَّقْطِ أعظمُ وأعمُّ من نفعِ الشكلِ. (١) في (ف): ((يمتنع). (٢) نوح: ١٧. (٣) شرح التبصرة والتذكرة ٤٦٥/١. (٤) المصدر السابق . (٥) القاموس المحيط مادة (شكل). (٦) الصحاح مادة (شكل). (٧) مجمل اللغة مادة (شكل). (٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٦٥. (٩) أخرجه: الطيالسي (١٣٠٩) و(١٣١٠)، والحميدي (٨٩٩)، وأحمد ٣٠٩/٤ و٣١٠ و٣٣٥، وأبو داود (١٩٤٩)، والترمذي (٨٨٩) و(٨٩٠)، وابن ماجه (٣٠١٥)، والنسائي ٢٦٤/٥ من حديث عبد الرحمان بن يعمر. ١٣٥ النكت الوفية بما في شرح الألفية قولُه : (إنما يُشْكَلُ ما يُشْكِلُ)(١) حسَّنَهُ ابنُ الصلاحِ وأتبعَهُ بقوله: (( وقرأتُ بخَطِّ صاحبٍ كتابٍ ((سماتِ الخطِّ ورُقُومِهِ))))(٢) فذكرهُ دليلًا عليه، فإنَّ قولُه: ((أهلُ العلم)) (٣) يقربُ منَ الإجماعِ. قولُه: (يُشكلُ الجميعُ)(٤) وجدتُ بخطِّ العلامةِ شمس الدينِ بنِ حَشَّانَ- رحمه الله: ((وجدتُ الحافظينِ شيخَ الإسلام السِّلفيَّ والمزِّيَّ يضبطان الأمورَ الواضحة، حتى إنَّ السّلفيَّ تكررَ له ضبطُ الخاءِ من ((أخبرنا))، والمزيُّ قد يسكِّنُ النُّونَ منْ ((عن))، وقد يُقالُ: إِنَّ مثلَ ذلك يكونُ عن غَيرِ قَصدٍ، بل تسبقُ إليه اليدُ، لكنَّ مُراعاةً ضبطٍ غيرِ ذلكَ مع الكثرةِ والوضوحِ مما يُقوي الاعتناءً به . قولُه: (وربَّما ظُنَّ أنَّ الشيءَ غيرُ مُشْكِلٍ)(٥) قال ابنُ الصلاحِ: ((وكثيرًا ما يَتهاونُ بذلك الوائِقُ بذهنِهِ وتيقُّظِهِ، وذلك وخيمُ العاقبةِ؛ فإنَّ الإنسانَ مُعرَّضٌ للنّسْانِ، وأولُ ناسٍ أولُ الناسِ))(٦). (١) شرح التبصرة والتذكرة (١/ ٤٦٥)، وانظر: المحدّث الفاصل: (٦٠٨)، والإلماع: (١٥)، ونكت الزركشي (٣/ ٥٦٩). (٢) معرفة أنواع علم الحديث : (٢٩٥). (٣) معرفة أنواع علم الحديث: (٢٩٥). (٤) شرح التبصرة والتذكرة (١/ ٤٦٥). (٥) شرح التبصرة والتذكرة (١/ ٤٦٦). (٦) معرفة أنواع علم الحديث: (٢٩٤)، وآخر قول ابن الصلاح إشارة إلى عجز بيت لأبي الفتح الپستي ، أوله : نسيتُ وعدكَ، والنسيان مُغتفر فاغفر فأول ناسٍ أول الناس انظر: الغيث المنسجم في شرح لامية العجم للصفدي (٢/ ٢٠٨)، وتكت الزركشي (٣/ ٥٦٥)، وفتح المغيث (٢/ ١٤٨). ١٣٦ النكت الوفية بما في شرح الألفية قولُه: (الجَنين)(١) رأيتُ عن ((تهذيبِ الأسماءِ واللغاتِ)) لشيخِ الإسلامِ النوويّ ما نصُّهُ: ((الروايةُ /٢٧٧ب/ المشهورةُ برفع ((ذكاة))، وبعضُ الناسِ ينصبُها، ويجعلُها بالنصبِ دليلاً لأصحابٍ أبي حنيفةً في أنَّه لا يحلُّ، ويقولون(٢): تقديرُهُ : كذكاةٍ أمهِ، حذفت الكافُ فانتصبَ. وهذا ليسَ بشيءٍ؛ لأنَّ الروايةَ المعروفةَ بالرفعِ، وكذا نقلهُ الخطابِيُّ وغيرُهُ، وتقديرُهُ على الرفع يحتملُ أُوجهًا ، أحسنُها: أنّ ((ذكاة الجنينِ)) خبرٌ مقدمٌ، و((ذكاة أمِّهِ)) مبتدأ، والتقديرُ: ذكاةُ أُمّ الجنينِ ذكاةٌ لهُ. ثمَّ ذكر شاهدًا، ثمّ قال: وذلك لأنَّ الخبر ما حصلتْ به الفائدةُ ، ولا تحصلُ إلا بما ذكرناهُ، وأما روايةُ النصبِ على تقديرٍ صحتها، فتقديرُها : ذكاةٌ الجنينِ حاصلةٌ وقتَ ذكاةٍ أمه، وأما قولُهم: تقديرُهُ: كذكاةٍ أمِّهِ، فلا يصحُ عندَ النحويينَ، بل هو لحنّ، وإنَّما جاءَ النصبُ بإسقاطِ الخافضِ في مواضعَ معروفةٍ عندَ الكوفيينَ بشرطٍ ليسَ موجودًا هلهنا، واللَّهُ أعلم))(٣). قولُه: (ولا قبلَهُ ولا بَعْدَهُ)(٤) إلى آخرِهِ. إِنْ قيلَ: الراوي والشيخُ مما يدلُّ على الشخصٍ، قيل: ذلك نادرٌ، والكلامُ في عمومِ الناسِ. قولُه: (بضبط)(٥) متعلقٌ بـ(( الالتباسِ))، أي: لأنَّهُ إذا ضبطَهُ في أثناءِ الأسطرِ ربما داخَلَهُ نقطُ غيرِهِ وشكلُهُ مما فوقَهُ وتحتَهُ، لا سيما عندَ دقةِ الخطِّ وضيقٍ (١) شرح التبصرة والتذكرة (١ / ٤٦٦). (٢) في جميع النسخ الخطية: ((ويقول))، والمثبت من ((تهذيب الأسماء واللغات)). (٣) تهذيب الأسماء (٣/ ١١١ - ١١٢)، وانظر في المسألة: الإلماع: (١٥٠)، والنهاية في غريب الحديث (٢ /١٦٤)، وفيض القدير (٥٦٣/٣)، وعون المعبود (٢٣/٣)، وبذل المجهود (١٣/ ٦٨-٦٩)، وسبل السلام (٤/ ١٨٥٥- ١٨٥٦)، ونيل الأوطار (٨ / ١٤٥ - ١٤٦). (٤) شرح التبصرة والتذكرة (١ / ٤٦٦). (٥) شرح التبصرة والتذكرة (١ / ٤٦٧). ١٣٧ النكت الوفية بما في شرح الألفية الأسطرِ، فيصيرُ بسببٍ ذلك مشكلًا. قولُه: (ولم يَتَعَرضا لتقطيع حروفِ الكلمةِ)(١) رُبَّما يشاحَحُ في هذا بأنَّ القاضي قال(٢): ((في الحروف /٢٧٨أ/ المشكلة))(٣)، فقد صرّح بالحروف بدليلٍ عطفٍ الكلماتِ عليها، أي: إذا كانَ في الكلمة حرف مشكل أو حرفان كُتب ذلك الحرفُ على الهامشِ، مثل: عبس، تُكتب الباء في الهامشِ مفردةً لئلا يظنّ أنَّها نونٌ، وكذا إذا كانت حروفُ الكلمةِ كلُّها مشتبهةٌ فإنَّهُ يرسمُ ذلك الحرفُ المشتبِهُ مفردًا، وكلُّ حَرفٍ فَرضناهُ منها وجدناهُ مشكلًا فيلزمُ أنْ نكتبَ جميعَ حروفِها مقطعةً، وإنما قال: ((أن يرسمَ ذلك الحرفَ)) فوحد ليشملَ الواحدَ، ويفهمَ منهُ ما فوقَهُ؛ لأنَّهُ لا يخرج عن كونِهِ حرفًا بانضمام غيرهِ إليه . وعبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((يُستحبُّ في الألفاظِ المشكلةِ أنْ يُكوّر(٤) ضَبْطُها، بأن يَضبطَها(٥) في مَثْن الكتابِ ثم يكتُبها قُبالةَ ذلك في الحاشيةِ مفردةً مضبوطةً ، فإِنَّ ذلك أبلغُ في إبانِها وأبعدُ من التِياسِها))(٦). فقولُه(٧): ((مفردةً)) يمكن حملُهُ (٨) على إفرادِ الكلمةِ نفسِها، ولو كانتْ مجتمعةً الحروفِ ، وعلى إفرادها مفردةَ الحروف، واللَّهُ أعلم. (١) شرح التبصرة والتذكرة (١ / ٤٦٧). (٢) لم ترد في (أ). (٣) الإلماع: (١٥٦ - ١٥٧). (٤) في (ف): ((يكون)). (٥) انظر: الاقتراح: (٣٨٦)، ونكت الزركشي (٣/ ٥٧٢). (٦) معرفة أنواع علم الحديث : (٢٩٥). (٧) من قوله: ((مفردة مضبوطة ... )) إلى هنا لم يرد في (ف). (٨) في (ف): ((حملها)). ١٣٨ النكت الوفية بما في شرح الألفية قولُه : ٥٦٤- وَيُكْرَهُ الْخَطُّ الدَّقِيقُ إِلَّا لِضِيقٍ رَقُّ أَوْ لِرَخَّالٍ فَلا ٥٦٥- وَشَرُّهُ التَّعْلِيقُ والْمَشْقُ، كَمَا شَرُّ الْقِرَاءةِ إذا مَا هَذْرَمَا المراد بالكراهةِ كراهةُ التَنْزِيهِ، ويستدلُّ لها بقولِ عمر رضي الله عنه في المشقِ، قياسًا على المشق؛ لأَنَّه لم يكرة إلا لما يؤدي إليه منَ الإلباسِ باختلاطٍ الحروفِ فلا يقرؤهُ إلا الفطنُ، كما أنَّه لا يقرأ الدقيقَ إلا قويُّ البصرِ . قولُه: (أو الرحالٍ /٢٧٨ب/ فلا)(١) كانَ يجبُ عليهِ إسقاطُ الفاءِ من ((فلا) ليوافقَ الضرب العروضَّ في القطع؛ فإنَّ العروض في الرجزِ إذا كانتْ مقطوعةً لزمَ أنْ يكونَ الضربُ مثلَها، إنْ كان الشطرانِ بيتًا واحدًا، وإنْ كانا بيتينٍ فلتوافق القافية ، فإِنَّ قافيةَ الأولِ متواترٌ، والثاني على ما استعملَهُ متراكبٌ ، اللهمَّ إلا أن يدّعى مع ذلك أنَّ كلَّ بيتٍ بمنزلةِ القصيدةِ الكاملةِ حتى لا تعتبرَ موافقتُهُ لما قبلَهُ ولا لما بعدَهُ. قولُه : (التعليقُ)(٢) الذي يظهرُ في تفسيرِهِ أنَّهُ خلطُ الحروف التي ينبغي تفرقتُها، وذهابُ(٣) أسنانِ ما ينبغي إقامةُ أسنانهِ، وطمسُ ما ينبغي إظهارُ بیاضِهِ، ونحو ذلكَ، وكأنَّ المَشْقَ إنما كُرِهَ لأَنَّهُ يجرّ غالبًا إلى التعليقِ، وكأنَّ الهذرمةَ كُرهتْ خوفًا مما تؤدي إليه غالبًا من خَفاءِ بعضِ الحروفِ . قولُه: (لابن أخيهِ حنبل)(٤) ليسَ هو ابنَ أخيهِ، وإنَّما هو ابنُ عمهِ، فإِنَّهُ خَبلُ بنُ إسحاقَ بنِ حَْلٍ، وأحمدُ بنُ محمد بنٍ حَبْلٍ، فإسحاقُ ومحمد والدُ (١) التبصرة والتذكرة (٥٦٥). (٢) المصدر السابق . (٣) في (ف): ((وإذهاب)). (٤) شرح التبصرة والتذكرة (١/ ٤٦٩). ١٣٩ النكت الوفية بما في شرح الألفية أحمدَ أخوانٍ(١)، وقد ذكرَ الشيخُ هذا على الصوابِ في ((تاريخِ الوفياتِ)). قال شيخُنا: ((قال بعضُهم ما معناهُ: إنَّ الذي يكتبُ الخطَّ الدقيقَ يكونُ قصيرَ الأملِ، أي: لا يأملُ أنْ يعيشَ طويلًا؛ لأَنَّه لو أمَّلَ ذلك خافَ ضعفَ البصرِ)). قولُه: (يَخُونُكَ)(٢) قال ابنُ الصلاح عقِبهُ: ((وبَلَغَنا عن بعضِ المشايخ أنَّهُ كانَ إِذا رأى خطًّا دقيقًا /١٢٧٩/ قال: هذا خطُّ مَنْ لا يُوقِنُ بالخَلَفِ (٣) من اللَّه تعالى (٤)))(٥) . قولُه : (الوَرَق أو الرِّق)(٦) لم يذكرِ ابنُّ الصلاحِ إلا الورَقَ، وهو في كلامِهِ بفتحِ الراءِ مرادًا بهِ القرطاسُ، وأما في كلامِ الشيخ فالظاهرُ أَنَّهُ أرادَ بالوَرقِ الدراهمَ فيكونُ مكسور الراءِ، والرقُّ القرطاسُ، وقد لا يلزمُ من ضيقٍ أحدهما ضيق الآخرِ . قولُه: (تحقيقُ الخَطِّ)(٧) يعني: يكتبُ كلَّ حرفٍ على ما يحقُّ له منَ التجويد . (١) انظر: سير أعلام النبلاء (١٣ / ٥١). (٢) شرح التبصرة والتذكرة (١ / ٤٦٨). (٣) قال الزركشي في ((نكته)) (٣/ ٥٧٢): ((بفتحتين - أي: الخلف - ما یخلف من بعد، يشير إلى أن داعيته الحرص على ما عنده من الكاغد، إذ لو كان يعلم أنه مستخلف لوسع». وانظر عن معنى الخلف: لسان العرب مادة (خلف)، وتاج العروس مادة (خلف). (٤) لم ترد في (ف). (٥) معرفة أنواع علم الحديث : (٢٩٥ - ٢٩٦). (٦) شرح التبصرة والتذكرة (١ / ٤٦٨). (٧) المصدر السابق . ١٤٠ النكت الوفية بما في شرح الألفية قولُه في قوله: (وَيُنْقَطُّ المُهْمَلُ)(١): (أسفلا)(٢) هو ظَرِفٌ حُذفَ ما يُضافُ إليه، ولم يُنوّ لفظُهُ ولا معناهُ، فهو نكرةٌ منونٌ لذلك، كما قرئ ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدٌ﴾(٣) بالجرِّ والتنوينِ، وهو في هذه الحالةِ مسلوخٌ منَ الظرفيةِ، قال سيبويه بعد النصفِ من كتابهِ في بابِ الظروفِ المتمكنةِ: ((أجروا هذا (٤)- يعني: حالَ التنوينِ مجرى الأسماءِ المتمكنة- لأنَّها تضافُ، وتستعملُ غيرَ ظرف))(٥). انتھی . ويجوزُ أنْ يكونَ نَوَى لفظَ المضافِ إليهِ فيكون منصوبًا، كما لو كانَ المضافُ إليهِ منطوقًا فهو غيرُ مُنوَّنٍ كما قرئ ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدٌ﴾ مكسورًا بغيرِ تنوينٍ، فيكون التقديرُ هنا : أسفله، ويجوزُ أنْ يكونَ تَرَكَ تنوينَهُ في الوجهِ الأولِ لأَنَّهُ غيرُ منصرفٍ للوصفِ ووزنِ الفعلِ، فتكون الألفُ للإطلاقِ ، ويجوزُ أنْ يكونَ منوَّنًا؛ لأنَّ الشعرَ يصرفُ فيه الممنوعُ ، وتكون الألفُ بدلَ التنوينٍ، وهو في هاتين الحالتينِ معربٌ، كما أنَّه معربٌ إذا لفظً بالمضاف إليه لبقائه في هذه الحالاتِ الثلاثِ على الأصلٍ؛ لأنَّهُ لم يكملْ فيها شبههُ بالحرف، ولو نُوي المعنى دونَ اللفظِ بُنِيَ على الضمِّ. قال المراديُّ: ((للشبهِ بحرفِ الجوابِ /٢٧٩ب/ في الاستغناءِ به عما بعدَهُ، مع ما فيهِ منْ شبهِ الحرفِ بالجمودِ والافتقار)). انتهى . (١) التبصرة والتذكرة (٥٦٦). (٢) المصدر السابق . (٣) الروم: (٤). (٤) في (أ)، و(ب): ((هذه)). (٥) الكتاب (٣/ ٢٨٩).