النص المفهرس

صفحات 641-660

٦٤١
النكت الوفية بما في شرح الألفية
هانئٌّ ومحمدُ بنُ شميرٍ الرعينيُّ، قالَ الدوريُّ، عن ابنٍ معينٍ: ((ثقةٌ))، وذَكرَهُ ابنُ
حبانَ في ((الثقاتِ))(١)، قالَ ابنُ يونسَ: ((يقالُ: توفيَ سنةَ ثلاثٍ ومائةٍ))، وقالَ
الحسنُ بنُّ عليّ الخلالُ(٢): ((ماتَ سنةَ اثنتينٍ)) - قالَ شيخنا - : ووثقةُ العجليُّ
والدار قطنيُّ، وقالَ ابنُ حبانَ: ((رَوَى عنْ عقبةً بنِ عامرِ الجهنيّ))(٢). انتهى.
فقد/١٢١٤/ بَانَ بهذا أنَّهُ ارتفعتْ جهالتُهُ وبانَتْ عدالتُهُ بروايةٍ غيرِ أبي
هانىّ، وتوثيقِ أهلِ الفنِّ لهُ، لكنَّ المقصودَ من سوقِ الشيخ لذلكَ عن ابنٍ
مسعودٍ إنَّما هو أنَّ منْ كانَ معروفًا في قبيلتِه لا يكونَ مجهولًا، ولو أنَّهُ ما رَوَى
عنهُ إلَّ واحدٌ، وقالَ الشيخُ في ((النكتِ)): إنَّهُ جَمعَ منْ رَوَى لهُ الشيخانِ أو
أحدُهما منْ غيرِ الصحابةِ، ولم يروٍ عنهُ إلا راوٍ واحدٌ، وقالَ: منهم عندَ البخاريِّ
جويريةُ بنُ قدامةً تفرّدَ عنهُ أبو جمرةَ رجّحَ شيخُنا في ((تهذيبِه))(٤): أنهُ جاريةُ عمّ
الأحنفِ، وممنْ صرّح بذلك ابنُ أبي شيبةً في ((مصنفِه))(٥)، وجاريةُ بنُ قدامةً
صحابيٌّ رَوَى عنهُ الأحنفُ بنُ قيسٍ، والحسنُ البصريُّ(٦) ثم ذكرَ عنهُ أشياءَ تدلُّ
على أنَّهُ منَ الشهرةِ بمحلٌ كبيرٍ قالَ الشيخُ: وزيدُ بن رباح الذي تفرّدَ عنهُ مالكٌ،
قالَ أبو حاتم: ((ما أرى بحديثِه بأسًا))(٧) وذَكرَهُ ابنُ حبان في ((الثقاتِ))(٨)، وقال
(١) الثقات ٥ / ١٨٣.
(٢) في تهذيب التهذيب: ((العداس)).
(٣) تهذيب التهذيب ٨ / ٩٥ - ٩٦.
(٤) تهذيب التهذيب ٢ / ٥٤ و٥٥ و١٢٥.
(٥) مصنف ابن أبي شيبة (٣٠٤٩٣) إلا أن الذي في المصنف: (( .. أبي حمزة، عن جويرية بن قدامة
السعدي .. )).
(٦) في (ف): ((الحسن بن علي)).
(٧) الجرح والتعديل ٣ / ٥٦٣.
(٨) الثقات ٦ / ٣١٨.

٦٤٢
النكت الوفية بما في شرح الألفية
ابنُّ البرَقي(١) والدارقطنيُ: ثقةٌ، وقالَ ابنُ عبدِ البرِّ: ((ثقةٌ مأمونٌ))(٢)، فانتفتْ عنهُ
الجهالةُ بتوثيقٍ هؤلاءٍ. قالَ: والوليدُ بنُ عبدِ الرحمانِ الجاروديُّ(٣) تفرّدَ عنهُ ابنُه
المنذرُ بنُّ الوليدِ، ذَكرَ شيخُنا أمورًا تخرجُه عن الجهالةِ ؛ منها : أنهُ نسبهُ فقالَ : ابنُّ
عبدِ الرحمانِ بن حبيبٍ بنٍ عامر بن حبيبٍ بنِ الجارودِ العبديُّ/٢١٤ب/ الجاروديُّ
البصريُّ، ومنها: أنَّ ابن حبانَ ذَكرَهُ في ((الثقاتِ))(٤)، ومنها: أنَّ الدارقطنيَّ قال:
ثقةٌ .
قالَ الشيخُ: ومنهم عندَ مُسلمٍ جابرُ بنُّ إسماعيلَ الحضرميُّ تفرَّ عنهُ عبدُ اللَّه
ابنُ وهبٍ، قالَ شيخُنا: إِنَّ(٥) ابنَ حِبانَ ذَكرَهُ في ((الثقاتِ))(٦)، وإنَّ (٧) ابنَّ خزيمةً
أخرجَ له في ((صحيحِه))(٨) وصرّحَ أنهُ ممن يحتجُ بهِ، قالَ: وخبَابٌ صاحبُ
المقصورة تفرّد عنهُ عامرُ بنُّ سعدِ بنِ أبي وقاصٍ، قالَ شيخُنا: قال ابنُ ماكولا : أدركَ
الجاهليةَ، وكذا قالَ ابنُ عبد البر في ((الاستيعاب)): ((خبابٌ مولى فاطمةً بنتِ عتبةً
ابنِ ربيعةً، أدركَ(٩) الجاهليةَ واختُلِفَ في صحبتِهِ))(١٠) وذَكرَهُ ابنُ منده وأبو نعيمٍ في
(١) الإمام الحافظ، أبو عبد الله، محمد بن عبد اللَّه بن عبد الرحيم بن سعيد الزهري، مولاهم
المصري، له كتاب ((الضعفاء))، توفي سنة (٢٤٩) هـ. انظر: سير أعلام النبلاء ١٣ / ٤٦.
(٢) التمهيد ٦ / ١٥.
(٣) في (ب): ((الجاروردي)).
(٤) ٩ / ٢٢٥.
(٥) لم ترد في (ب).
(٦) ٨/ ١٦٣.
(٧) لم ترد في (ب).
(٨) أخرج له ابن خزيمة في مختصر المختصر عند الحديثين (١٤٦) و(٩٦٩).
(٩) في (ف): ((إدراك)).
(١٠) الاستيعاب ١ / ٤٢٤ (بهامش الإصابة).

٦٤٣
النكت الوفية بما في شرح الألفية
الصحابةِ وساقَ ابنُ منده منْ طريقِ عبدِ اللَّهِ بنِ السائبِ بنِ خبابٍ، عن أبيه، عنْ
جدِّهِ رضي الله عنه(١) قالَ: ((رأيتُ رسولَ اللَّهِ وَّهِ متكئًا على سريرٍ ... ))(٢)
الحديث، فهذهِ أمورٌ أخرجتْهُ عن الجهالةِ وأوجبتْ ثقتَهُ.
قولُه : (في غيرِ حملِ العلمِ)(٣) ليس قيدًا، بل بيانٌ للواقع؛ فإنَّ الأُمرَ مفروضٌ
فيمنْ لم يروِ عنهُ العلمَ غيرُ واحدٍ، على أنَّهُ يُفهمُ ارتفاعَ الجهالةِ بالشهرةِ في العلمِ منْ
بابٍ الأولى (٤).
قولُه: (غير مقبولةٍ)(٥)، أي: لأُنَّ مجردَ الروايةِ عنهُ لا تكونُ تعديلًا .
قولُه: (تقبلُ مطلقًا)(٦) هذا يُشبهُ أنْ يكونَ قولُ مَنْ يجعلُ روايةَ العدلِ
/٢١٥أ/ عن الراوي تعديلاً لهُ، لكنَّ هذا أوسعُ؛ لأَنَّهُ ما شَرَطَ فيهِ عدالةَ الراويينِ،
ورأيتُ بخطِّ بعضٍ أصحابنا أنَّ ابنَ كثيرٍ عزاهُ لابن حبانَ(٧)، قال: فإنَّهُ حَكَى عن
الخطيبٍ(٨) أنَّ جهالةَ العينِ تزولُ بروايةِ اثنينٍ وأنّهُ لا تثبتُ عدالتُهُ بروايتِهما، قال:
((وعلى هذا النمطِ مشى ابنُ حبانَ وغيرهُ بل حَكَمَ له بالعدالةِ بمجرّدٍ هذه
الحالةِ ))(٩) . انتهى.
(١) لم ترد في (ب).
(٢) انظر: الإصابة ٢ / ٢٦٠.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ٣٥٤.
(٤) لم ترد في (ب).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ٣٥٤.
(٦) المصدر السابق .
(٧) اختصار علوم الحديث ١ / ٢٩٣ وبتحقيقي: ١٦٧.
(٨) الكفاية (١٤٩ ت، ٨٨هـ).
(٩) اختصار علوم الحديث ١ / ٢٩٣ وبتحقيقي: ١٦٧.

٦٤٤
النكت الوفية بما في شرح الألفية
قولُه: (الإمام سليم)(١) عبارةُ ابنِ الصلاح: ((وهو قولُ بعض الشافعيينَ، وبهِ
قَطَعَ منهم الإِمامُ سُليمُ بنُ أيوبَ الرازيُّ، قال: لأنَّ أمر الأخبارِ مبنيٌّ على حسنٍ
الظنِّ))(٢) إلى آخرٍ كلامِه.
قولُه : (ويشبهُ أن يكونَ العملُ على هذا)(٣) لم يبيّنْ وجه الشبهِ وليسَ بيّنًا،
ولعلهُ بناء على مثلٍ قولِه إنَّ البخاريَّ ومسلمًا رَوَيا عنْ مجهولِ العينِ مصيرًا منهما إلى
أنَّ الجهالةَ ترتفعُ بروايةٍ واحدٍ، والبيّنُ في كلامِ أهلِ الفنِّ أنهم لا يحتجونَ إلَّ
بمصرَّحِ بتوثيقه، ولا فرقَ بينَ القديمِ والحديثِ، وما ذكرهُ الشيخُ بعدَهُ من كلامٍ
الشافعيِّ بيِّنَّ في ذلكَ .
قولُه : (فيهِ نظر)(٤)، أي: في تسميتهِ مستورًا، وتوجيهُه النظرَ بكلامٍ الشافعيّ
ليسَ بواضحٍ، فإنَّ الحكمَ بشهادتِهما قد لا(٥) يخرجُهما عن السترِ، ولعلَّ الذي سوّعَ
الحكمَ أنَّ المحاكماتِ تكونُ فيها الأُخصامُ وهم(٦) يجتهدونَ في ردِّ حججٍ
أخصائِهم ويزيدونَ/٢١٥ب/ في البحثِ عنْ أحوالِهِمْ فالظاهرُ: أنهُ لولا عجزُهم عنْ
قادحٍ لما سكتوا عنهُ، وعجزُهم مع شدةِ بحثهم قرينةٌ مقويةٌ للحكم عليهم
بشهادتِهم، ولعلَّ هذا الذي قالهُ الشافعيُّ في جوابِ السؤالِ إنما بحثَهُ مع خصمٍ
فألزمَهُ بمقتضى قولِه . وقد أقرّ الشيخانِ(٧) البغويَّ(٨) على تسميةٍ من جُهِلتْ عدالتُّهُ
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ٣٥٥.
(٢) معرفة أنواع علم الحديث : ٢٢٣.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ٣٥٥.
(٤) التبصرة والتذكرة (٢٩٣).
(٥) لم ترد في (ب) و(ف).
(٦) في (ب): ((وهو)).
(٧) أي: الرافعي والنووي.
(٨) انظر: التهذيب في فقه الإمام الشافعي ٥ / ٢٦٣، وشرح السنة ١ / ٢٦٩.

٦٤٥
النكت الوفية بما في شرح الألفية
الباطنةُ مستورًا. وعبارةُ ((الروضةِ)): ((فرعٌ: ينعقد النكاح بشهادة المستورينَ على
الصحيحِ، والمستورُ(١) منْ عُرفتْ عدالتُهُ ظاهرًا لا باطنًا))(٢).
قولُه: (فعلى هذا)(٣) ليس ذلكَ بلازم كما بينتُ أنّهُ لا منافاةً بينَ السترِ
والحكمِ بقولِ مَنِ اتصفَ بالسترِ، ولا شكَّ أنَّ مَنْ خفي باطنُ حالِه يُسمَّى مستورًا
لذلك.
قولُه : (نعم في كلامِ الرافعيّ) مرادُه أنَّ عبارةَ الرافعيِّ موافقةٌ لقولِ البغويِّ،
وقد صرّحَ بذلكَ في ((النكتِ))(٥) وذلك أنها تقتضي أنهُ لا بدَّ منَ البحثِ عنِ الباطنِ
ليرجعَ فيهِ إلى المزكِينَ، وهذا حينئذٍ يغيّرُ في وجهِ ما نظرَ فيهِ منْ قولِ ابنِ الصلاحِ في
المستورِ .
قولُه: (ونقل الرويانيُّ(٦))(٧) مرادُه بذلك تأييدُ كلامِه، وليسَ مؤيدًا لهُ؛ فإِنّ
قولَ الشافعيّ: ((ولا يعرفُ حالهما)) يُحملُ على الباطنِ ليوافقَ ما قرّرهُ مِنْ(٨) عدمٍ
الاحتجاجِ بالمجهول، ويؤيدُ ذلكَ قولُ الشافعيّ: ((انعقدَ النكاحُ بهما في الظاهرِ))
أي: كما أنهما عدلانٍ في الظاهرِ نقولُ ينعقدُ/٢٢١٦/ في الظاهرِ، وقد كانَ الحالُ
يقتضي عدمَ الاعتدادِ بهما لكنْ فَعَلنا ذلك؛ لأنَّ شدةً البحثِ في مثل هذا تؤدي إلى
(١) في (ب): ((والمستورين)).
(٢) روضة الطالبين ٧ / ٤٦.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ٣٥٦.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ٣٥٦.
(٥) التقييد والإيضاح: ١٤٥.
(٦) هو أبو المحاسن، عبد الواحد بن إسماعيل بن أحمد الشافعي، توفي سنة (٥٠٢هـ).
انظر: وفيات الأعيان ٣ / ١٩٨، وسير أعلام النبلاء ١٩ / ٢١٠.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ٣٥٦.
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ٣٥٦.

٦٤٦
النكت الوفية بما في شرح الألفية
الحرجِ في أمرِ النكاحِ المفضي إلى العنتِ، وهو مما تعمُّ بهِ البلوى، وتكونُ في
مواضعَ ليسَ بها مَنْ فيهِ أهليةُ البحثِ، ومبناهُ على التراضي بخلافٍ الأحكام، ويزيدُ
هذا التأييدَ وضوحًا أنَّ الشيخَ محبي الدينِ صوّبَ في ((الروضةِ))(١) عدمَ الانعقادِ
بمستورِ الظاهرِ، فإنَّهُ قال: ((قال البغويُّ: لا ينعقدُ بمنْ لا تعرفُ عدالتُهُ ظاهرًا،
وهذا كأنهُ تصويرٌ بما لا يُعرفُ إِسلامُهُ ، وإلا فالظاهرُ أنّ(٢) حالَ المسلمِ الاحترازُ منْ
أسبابِ الفسقِ .
قلتُ: الحقُّ هو قولُ البغويّ وأنَّ مرادَهُ منْ لا يُعرفُ ظاهرُهُ بالعدالةِ وقد صرّحَ
البغويُّ بهذا، وقالهُ شيخُهُ القاضي حسينٌ، ونقلهُ إبراهيمُ المروذيُّ(٣) عن القاضي،
ولم يذكر غيرهُ، واللَّهُ أعلمُ))(٤). انتهى كلامُ ((الروضةِ)). وقد بَانَ من أنْ خفاءً
العدالةِ في الظاهرِ سَوَّغ إطلاقَ السترِ فكذلك خفاؤها في الباطنِ(٥).
قولُه : (والخلفُ في مبتدع ما كفرا)(٦) قالَ شيخُنا: منَ المعلومِ أنَّ كلَّ فرقةٍ
تردُّ قولَ مخالفِها، وربما كَفَّرَتَهُ، فينبغي التحري في ذلكَ ، والذي يظهرُ أنَّ الذي
يُحكمُ عليهِ بالكفرِ منْ كانَ الكفرُ صريحَ قولِه، وكذا منْ كانَ لازمَ قولِه: وعرضَ
عليهِ فالتزمهُ، أمّا منْ لم يلتزمْهُ(٧)، وناضلَ عنهُ، فإِنَّهُ لا يكونُ/٢١٦ب / كافرًا ولو
(١) روضة الطالبين ٧ / ٤٦.
(٢) في (ب) و(ف): ((فى)).
(٣) أبو إسحاق، إبراهيم بن أحمد بن محمد، صارت إليه الرحلة بمرو لتعلم المذهب، ولد سنة
(٤٥٣هـ)، وتوفي (٥٣٦هـ).
انظر: الأنساب ٤ / ٢٧٦.
(٤) روضة الطالبين ٧ / ٤٦ - ٤٧.
(٥) من قوله: ((وقد بان)) إلى هنا لم يرد في (ب) و(ف).
(٦) التبصرة والتذكرة (٢٩٤).
(٧) في (ب): ((يلزمه)).

٦٤٧
النكت الوفية بما في شرح الألفية
كانَ اللازمُ كفرًا. انتهى. وهو قولٌ حسنٌ، لكن لابدَّ أنْ يعرفَ الأمرَ الذي يكفرُ مَنْ
يعتقدُهُ، ويعرفَ ما هو الصريحُ منْ ذلكَ، وحينئذٍ يعرفُ الكافرَ منْ غيرِهِ، فكلُّ مَنْ
جَحَدَ مُجمَعًا عليهِ، معلومًا منَ الدينِ بالضرورةِ، كفرَ، سواءً كانَ فيهِ نصِّ أو لا،
ومعنى العلمِ بالضرورةِ: أنْ يكونَ ذلكَ المعلومُ(١) من أمور الإسلامِ الظاهرة التي
يشتركُ في معرفتها الخواصُّ والعوامّ، كالصلاةِ، والزكاةِ، والحجّ، وتحريمِ الخمرِ،
والزنا. هذا حاصلُ ما قال(٢) شيخُ الإسلامِ النوويُّ في ((الروضةِ))(٣) في بابي الردةِ
وتاركِ الصلاةِ، وعلّلوهُ بأنهُ لم يصدِّقِ الرسولَ وَلِّ فيما عُلمَ بالضرورةِ أنهُ منْ دِينِه
فتصديقُه في ذلكَ داخلٌ في حقيقةِ الإيمانِ .
قال الأصفهانيُّ(٤) في أولٍ تفسيرِ البقرةِ: وتحقيقُ القولِ فيهِ - أي: الكفر -
أنَّ(٥) ما نُقِلَ عن النبيِّ ◌َِّ أنهُ ذهبَ إليه وقالَ بهِ، فأمّا أنْ تعرفَ(٦) صحةَ ذلك النقلِ
بالضرورة أو بالاستدلال أو بخبرِ الواحدِ.
أما القسمُ الأولُ: فمن صدّقهُ في جميعِهِ(٧) فهوَ مؤمنٌ، ومنْ لم يصدّقْهُ في
جمیع ذلك سواءً كانَ مصدقًا في البعض أو لم يصدقهُ في شيءٍ منهُ فهو كافرٌ، ثمّ(٨).
(١) في (ف): ((من المعلوم)).
(٢) في (ب): (قوله)).
(٣) روضة الطالبين ٢ / ١٤٦ و١٠ / ٦٥.
(٤) شمس الدين، أبو الثناء، محمود بن عبد الرحمان بن أحمد بن محمد الشافعي، ولد سنة
(٦٧٤)هـ، كان بارعًا في العقليات، صحيح الاعتقاد، محبًّا لأهل الصلاح، صنف تفسيرًا كبيرًا،
توفي سنة (٧٤٩) هـ. انظر: شذرات الذهب ٦ / ١٦٥.
(٥) في (ف): ((أن الكفران)).
(٦) في (ف): ((يعرف)).
(٧) ((في جميعه)): لم ترد في (ف).
(٨) لم ترد في (ب).

٦٤٨
النكت الوفية بما في شرح الألفية
قالَ: وأمّا الذي عُلمَ بالدليلِ أَنَّهُ منْ دينِهِ مثلَ كونِه سبحانَهُ عالمًا بالعلم، أو بذاتِه -
إلى أن قال -/٢١٧أ/ فلم يكن إنكارُه والإقرارُ بهِ داخلًا في حقيقةِ الإيمانِ فلا يكونُ
كفرًا، والدليلُ عليهِ أنهُ لو كانَ داخلاً في حقيقةِ الإيمانِ لم يحكم النبيُّ نَّهِ بإيمانٍ
أحدٍ حتى يعرفَ(١) الحقَّ في تلكَ المسائلِ كلِّها، ولو كانَ الأمرُ كذلكَ لاشتهرَ،
وهو يرجعُ إلى ما قالهُ الإمام حجةُ الإسلامِ أبو حامد الغزاليُّ في كتابٍ ((التفرقةِ بينَ
الإسلام والزندقةِ)): ((الكفرُ هو تكذيبُ الرسولِ وَله في شيءٍ مما جاءَ بهِ، والإيمانُ
تصديقُهُ في جميع ما جاءَ بهِ، وذلكَ لأَنَّ جاحدَ ما ذُكِرَ ما كفرَ إلا لتضمّنٍ قولِه
تكذيبَ الرسولِ وَّرَ للعلم الضروري أنه قال ذلك، فإنَّ ظاهرَهُ مرادٌ فكلُّ ما كانَ
تكذيبًا لنبيّ منَ الأنبياءِ فهو كذلكَ)).
بقي عليكَ أنْ تعرفَ ما الجَحدُ الذي يصيرُ فاعلُهُ كافرًا، لأَنَّ كلَّ فرقةٍ تنسبُ
مخالِفتَها(٢) إلى التكذيبِ ، قال حجةُ الإسلامِ ما ملخصُهُ: فالحنبليُّ يكفّرُ الأشعريّ
زاعمًا أنَّهُ كذّبَ الرسولَ في إثباتِ الفوقِ للَّهِ تعالى في الاستواءِ على العرشِ،
والأشعريُّ يكفّرُه زاعمًا أنّهُ شبَّه وكذّب الرسولَ في أَنّهُ ليسَ كمثلهِ شيءٌ، والأشعريّ
يكفّرُ المعتزليّ زاعمًا أنهُ كذّبَ الرسولَ بَلِّ في جوازٍ رؤيةِ اللَّهِ/٢١٧ب/ عز وجل
وفي إثباتِ العلمِ والقدرةِ والصفاتِ لهُ، والمعتزليُّ يكفِّرُ الأشعريَّ زاعمًا أنَّ إثباتَ
الصفاتِ تكثيرٌ للقديم وتكذيبٌ للرسولِ وَّ في التوحيدِ، ولا ينجيكَ من هذه
الورطةِ إلّا أنْ تعرفَ حدَّ التكذيبِ والتصديقِ، فأقولُ: التصديقُ إنما يتطرقُ إلى
الخبرِ، وحقيقتُه: الاعترافُ بوجودٍ ما أخبرَ الرسولُ وَّةِ عنْ(٣) وجودِهِ، إلا أنَّ
(١) في (ف): ((حتى يعرف أنه يعرف)).
(٢) في (ب): ((مخالفيها)).
(٣) لم ترد في (ب).

٦٤٩
النكت الوفية بما في شرح الألفية
للوجودِ خمسَ مراتبَ، فإنَّ الوجودَ ذاتيٌّ وحسيٍّ وخياليٌّ وعقليّ وشبهيٌّ، وقد
نظمتُ أنا ذلك لِيهونَ حفظُهُ فقلتُ :
مراتبُ الوجودِ ذاتُ حسِّ ثمّ الخيالُ العقلُ شبهُ خمسٍ
فمن اعترفَ بوجودِ ما أخبرَ الرسولُ وَّه بوجودِه بوجهٍ منْ هذه الوجوه
الخمسةِ فليس بمكذِّبٍ على الإطلاقِ .
فالذاتيّ هو الوجودُ الحقيقيُّ الثابتُ خارجَ الحسِّ والعقلِ، ولكنْ يأخذُ الحسّ
والعقلُ صورتَهُ، فيسمى أخذُه إدراكًا، وهذا كوجودِ السماءِ والأرضِ والحيوانِ
والنبات، وهو ظاهرٌ.
والحسيُّ : ما يتمثلُ في القوةِ الباصرةِ منَ العينِ مما لا وجودَ لهُ خارجَ العينِ
فيكون موجودًا في الحسِّ، ويختصُّ به الحاسُّ، ولا يشاركُه فيهِ غيرُه، وذلكَ كما
يشاهدُ النائمُ (١)، بل كما يشاهدُهُ المريضُ المتيقظُ ، إذ قد/٢١٧أ/ تتمثلُ لهُ صورٌ لا
وجودَّ لها خارجَ حسِّهِ، كما تأخذُ قبسًا من نارٍ كأنه نقطةٌ، ثم تُحرّكُه بسرعةٍ حركةً
مستقيمةٌ فتراهُ خطًّا من نارٍ، وتحركُه حركةً مستديرةً فتراهُ دائرةً منْ نارٍ ، ولكنَّ ذلكَ
في أوقاتٍ متعاقبةٍ فلا يكونُ موجودًا في حالةٍ واحدةٍ ، وهو ثابتٌ في مشاهدتِكَ في
حالةٍ واحدةٍ، ومن الحسيِّ رؤيةُ جبريل عليه السلامُ في صورةٍ غيرِ صورتِه التي خَلَقْهُ
اللَّهُ عليها كصورةٍ دحيةَ مثلاً؛ فإن الصورةَ المخلوقَ عليها هي الذاتيةُ الموجودةُ في
الخارجِ وتلك حسيةٌ .
والخياليّ : هو صورةُ المحسوساتِ إذا غابتْ عنْ حسِّكَ فتكونُ موجودةً في
خيالِكَ، وذلكَ الذي في خيالِكَ(٢) ليسَ هو الذي في الخارج، فإنَّ خزانةً خيالِكَ لا
تسعُ السماواتِ والأرضينَ.
(١) في (ب): ((القائم)).
(٢) عبارة: ((في خيالك)) في (ف) فقط.

٦٥٠
النكت الوفية بما في شرح الألفية
والعقليُّ: هو أنْ يكونَ للشيءٍ روحٌ ومعنًى، فيتلقى العقلُ مجرّدَ معناهُ دون(١)
أن يُثبتَ صورتَهُ في خيالٍ أو حسّ أو خارجٍ، كاليدٍ، فإنَّ لها صورةً محسوسةٌ
ومتخيلةً، ولها معنّى هو حقيقةُ اليدِ وهو القدرةُ على البطشِ وذلك هو اليدُ العقليُّ،
ومعنى القلم(٢) ما تنتقشُ بهِ العلومُ.
والشبهيُّ: هو أن لا يكونَ نفسُ الشيءٍ موجودًا لا بصورته الحقيقيةِ لا في
الخارجِ ولا في الحسِّ ولا في الخيالِ ولا في العقلِ، ولكنْ يكونُ الموجودُ شيئًا آخرَ
يشبهُه في خاصيةٍ منْ خواصِّهِ وصفةٍ منْ صفاتهِ/٢١٨ب/ مثل جَعلِ النبيِّ وَّه
الحجرَ الأسود يمينَ اللهِ(٣)؛ لكونِه مثلَ اليمينِ لا في ذاتهِ ولا في صفاتِ ذاتِه بل في
عارضٍ منْ عوارضِه؛ وذلكَ أنهُ يُقَبَّلُ تقرّبًا إلى ربِّهِ كما أنَّ اليمينَ تقبّلُ تقربًا إلى ربِّها ،
أي: صاحبِها، فمن نزَّل قولًا من أقوالِ صاحبِ الشرع وَِّيه(٤) على درجةٍ منْ هذه
الدرجاتِ فهوَ منَ المصدقينَ، والتكذيبُ أنْ ينفيَ جميعَ هذه المعاني ويزعمَ أَنَّ ما
قاله وَ ◌ّرٍ لا معنى له وإنما هوَ كذبٌ محضّ، وغرضُه فيما قاله: التلبيسُ أو مصلحةٌ
دنيويةٌ، وذلكَ هوَ الكفرُ المحضُ، والزندقةُ، ولا يلزمُ الكفرُ للمتأولينَ ماداموا
يُلازمونَ قانونَ التأويلِ، وهو أن يقومَ البرهانُ على استحالةِ الظاهرِ، فالظاهرُ الأولُ
(١) لم ترد في (ف).
(٢) في (ب): ((العلم)).
(٣) فيما روي عن جابر رضي اللَّه عنه، قال: قال رسول اللَّه وَله: ((الحجر الأسود يمين اللَّه في
الأرض يصافح بها عباده)). أخرجه: ابن عدي في ((الكامل)) ١ / ٥٧٧، والخطيب في ((تاريخ
بغداد)) ٦ / ٣٢٦ بأسانيد كلها واهية، وانظر: السلسلة الضعيفة ١ / ٢٥٧ (٢٢٣).
وأخرجه: أحمد ٢ / ٢١١، وابن خزيمة (٢٧٣٧)، والحاكم ١ / ٤٥٧، وابن الجوزي في
(العلل المتناهية)) (٩٤٥) من طريق عبد اللَّه بن المؤمل، قال: سمعت عطاء يحدث عن عبد اللَّه
ابن عمرو، به، وهو ضعيف أيضًا لضعف عبد اللَّه بن المؤمل.
(٤) لم ترد في (ب).

٦٥١
النكت الوفية بما في شرح الألفية
الوجودُ الذاتيُّ فإنَّهُ إذا ثبتَ تضمّنَ الجميعَ، وإنْ تعذّرَ فالحسيُّ، فإنَّهُ إذا ثبتَ تضمّنَ
ما بعدَهُ، فإن تعذّرَ فالخياليُّ أو العقليُّ، فإن تعذرا فالوجودُ الشبهيُّ المجازيُّ، ولا
رخصةً في العدول عنْ درجةٍ إلى ما دونَها إلا بضرورةِ البرهانِ فيرجعُ الاختلافُ على
التحقيقِ إلى البرهانِ ، إذ يقولُ الحنبليُّ : لا برهانَ على استحالةِ اختصاصٍ الباري
تعالى(١) بجهةٍ فوق، ويقولُ الأشعريُّ - أي: للمعتزليّ -: لا برهانَ على استحالةٍ
الرؤيةِ وكانَ كلِّ واحدٍ لا يرتضي ما ينكرُهُ(٢)/٢١٩أ/ الخصمُ ولا يراهُ دليلًا قاطعًا،
وكيفَ ما كانَ فلا ينبغي أنْ يكفِّرَ كلُّ فريقٍ خصمَهُ بأنْ يراهُ غالطًا في البرهانِ ، نَعَمْ،
يجوزُ أنْ يسمِّيَّه ضالًّا أو مبتدعًا، أمّا ضالًّا فمن حيثُ إنّهُ ضلَّ عن الطريقِ عندَهُ، وأمّا
مبتدعًا فمنْ حيثُ إنّهُ أبدعَ قولًاً(٣) لم يُعهدْ منَ السلفِ التصريحُ بهِ، إذ منَ المشهورِ
فيما بينَ السلفِ أنَّ اللَّهَ تعالى يرى، فقولُ القائلِ: لا يرى . بدعةٌ، وتصريحُه بتأويلٍ
الرؤيةِ بدعةٌ ، ويقولُ الحنبليُّ : إثباتُ الفوقِ اللَّهِ تعالى مشهورٌ عندَ السلفِ ولم يذكره
أحدّ(٤) منهم أنَّ خالقَ العالَمِ ليسَ متصلًا بالعالمٍ ولا منفصلًا، وأنَّ جهةَ فوق إليه
كنسبةٍ جهةٍ تحت، وهذا قولٌ مبتدع.
ثم قالَ : منَ الناسِ منْ يُادرُ إلى التأويلِ بغلباتِ الظنونِ منْ غيرِ برهانٍ قاطعٍ، فأمّا ما
يتعلقُ منْ هذا الجنسِ بأصولِ العقائدِ المهمة فيجبُ تکفیرُ مَنْ يغيّرُ الظاهر بغیرِ برهانٍ
قاطعٍ، كالذي يُنكرُ حشرَ الأجسادِ وينكرُ العقوباتِ الحسيةَ في الآخرةِ بظنونٍ وأوهامٍ .
ثم قالَ : اعلمْ أنْ شرعَ ما يُكفِّرُ بهِ، وما لا يُكفَّرُ بهِ يستدعي تفصيلاً طويلاً،
فاقنع الآنَ بوصيةٍ وقانونٍ، أمّا الوصيةُ فأن تكفَّ لسانَكَ عنْ أهلِ الملةِ ما أمكنكَ ما
(١) لم ترد في (ب).
(٢) في (ف): ((يذكره)).
(٣) لم ترد في (ف).
(٤) لم ترد في (ف).

٦٥٢
النكت الوفية بما في شرح الألفية
داموا قائلينَ لا إلهَ إلا اللَّهُ غيرَ مناقضينَ لها، والمناقضةُ/٢١٩ب/ تجويزُهمُ الكذبَ
على رسولِ اللَّهِ وَِّهِ بعذرٍ أو بغيرِ عذرٍ، فإنّ التكفيرَ فيهِ خطرٌ والسكوتُ لا خطرَ
فيهِ، وأمّا القانونُ فهو أن تعلمَ أنَّ النظرياتِ قسمان :
قسمٌ يتعلّقُ بأصولِ العقائدِ، وقسمٌ يتعلّقُ بالفروعِ .
وأصولُ الإِيمانِ ثلاثةٌ: الإِيمانُ باللهِ، ورسولِه، واليومِ الآخرِ، وما عداهُ فرعٌ.
ثم قالَ: ومهما كانَ التكذيبُ، وجبَ التكفيرُ، ولو كانَ في الفروعِ، فلو قالَ
قائلٌ مثلًا: البيتُ الذي بمكةَ ليسَ هو الكعبةَ التي أمرَ اللَّه بحجّها، فهذا كفرٌ، إذْ
ثبتَ تواترًا عن رسولِ اللَّهِ وَهِ خلافُهُ.
وقالَ شيخُنا في ((شرح نخبتِه)): ((فالمعتمَدُ: أَنَّ الذي ترَدُّ روايتُهُ، مَنْ أنكرَ
أمرًا متواترًا منَ الشرعِ، معلومًا منَ الدينِ بالضرورةِ(١)، وكذا من اعتقدَ عكسَهُ، فأمّا
مَنْ لم يكنْ بهذه الصفةِ، وانضمَّ إلى ذلكَ ضبطُه لما يرويهِ مع ورعِه وتقواهُ، فلا مانعَ
مِنْ قبولِه))(٢)، ثم قالَ: ((نَعَمْ، والأكثرُ على قبولٍ غيرِ الداعيةِ إلا أنْ يرويَ ما يقوِّي
بدعتَهُ فيردَّ على المذهبِ المختار))(٣).
وكلامُه(٤) أيضًا يقتضي: أنَّ الداعيةَ إذا رَوَى ما لا تعلَّقَ لهُ ببدعتِهِ قُّبِلَ ، لكن
الأكثرَ لا يقبلونَ الداعيةَ مطلقًا؛ لأنَّهُ قدْ يستهينُ تسويةَ كلمةٍ لترويج بدعتِه یری أَنَّ
ذلك معناها(٥/ ٢٢٠أ /، وحبُّكَ للشيءٍ يُعميُّ ويصمُ(٦)، وقد تكونُ تلك الكلمةُ
(١) انظر: مرقاة المفاتيح ١ / ١٤٧ وما بعدها.
(٢) نزهة النظر: ١٣٨ (طبعة الحلبي).
(٣) نزهة النظر: ١٣٨.
(٤) جاء في حاشية (أ): (أي ابن حجر)).
(٥) جاء في حاشية (أ): ((بلغ صاحبه الشيخ شهاب الدين الحمصي الشافعي نفع الله به في البحث
وسمع الجماعة، وكتبه مؤلفه إبراهيم البقاعي الشافعي)).
(٦) إشارة إلى حديث أبي الدرداء، عن النبي بَّر: ((حبك للشيءٍ يعمي ويصم)).
=

٦٥٣
النكت الوفية بما في شرح الألفية
مما يخفى، فيعسرُ أمؤُها بعدَ خروجها عنهُ مع أنَّ في الروايةِ عنهُ ترويجًا لأمرِهِ
وتحسينًا للظنِّ به، فَشُدّتِ الذريعةُ وحُسِمتِ المادةُ .
ويؤيدُ قبولَ غيرِ الخطابيةِ مطلقًا ما قال الشيخُ محيي الدينِ النوويُّ في
((الروضةِ)) في شروطِ الأئمةِ منْ كتاب الصلاةِ: (( وأطلقَ القفّالُ وكثيرونَ منَ
الأصحابِ القولَ بجوازِ الاقتداءِ بأهلِ البدع، وأنهم لا يكفّرونَ، قالَ صاحبُ
((العدةِ)): ((هو ظاهرُ مذهبِ الشافعيّ)). قلتُ: هذا الذي قالهُ القفّالُ وصاحبُ
((العدةِ)) هو الصحيح، أو الصوابُ، فقد قالَ الشافعيُّ: أقبلُ شهادةَ أهلِ الأهواء إلا
الخطابيةً؛ لأَنَّهُم يرونَ الشهادةَ بالزورِ لموافقيهم(١)، ولم يزلِ السلفُ والخلفُ على
الصلاةِ خلفَ المعتزلةِ وغيرِهم ومناكحتهم وموارثتِهم وإجراءِ أحكامِ الإسلامِ عليهم،
وقد تأوّلَ الإمام الحافظُ الفقيهُ أبو بكرٍ البيهقيُّ وغيرُه منْ أصحابِنا المحققينَ ما جاءَ
عن الشافعيّ وغيرِهِ منَ العلماءِ منْ تكفيرِ القائلِ بخلقِ القرآنِ على كفرانِ النعم لا كفرٍ
الخروجِ عن الملةِ، وحَملَهُم على هذا التأويلِ ما ذكرتُهُ منْ إجراءِ أحكامِ الإسلامِ
عليهم، واللَّهُ أعلمُ))(٢). انتهى كلامُه.
وهو يدلُّ على قبولِ كلِّ مبتدع/٢٢٠ب/ مستكملٍ للشروطِ، لا يكفرُ
بالقانونِ الذي تقدّمَ مطلقًا إلّا الخطائي، لكنْ ألحقوا بالخطابيةِ الداعيةَ مطلقًا وغيرَهُ
إذا رَوَى ما يقوِّى بدعتَهُ احتياطًا لما تقدّمَ.
ثمَّ ذكرَ الشيخُ محيي الدينِ النوويُّ في كتابِ الشهاداتِ من كتابٍ القضاءِ منَ
((الروضةِ))(٣) نحوَ هذا فقالَ: (( جمهورُ الفقهاءِ منْ أصحابِنا وغيرِهم لا يُكفِّرُونَ أحدًا
= أخرجه: أحمد ٥ / ١٩٤ و٦ / ٤٥٠، وعبد بن حميد (٢٠٥)، وأبو داود (٥١٣٠).
(١) قول الشافعيّ هذا في الأم ٦/ ٢٠٦، وانظر تعليقنا على كتاب: معرفة أنواع علم الحديث: ٢٣٠.
(٢) روضة الطالبين ١ / ٣٥٥.
(٣) روضة الطالبين ١ / ٢٣٩ - ٢٤١.

٦٥٤
النكت الوفية بما في شرح الألفية
منْ أهلِ القبلةِ، لكن اشتهر عن الشافعيّ - رحمهُ اللَّه - تكفيرُ الذينَ ينفونَ علمَ اللَّهِ
تعالى بالمعدومِ، ويقولونَ: ما يعلمُ الأشياءَ حتى يخلقَها ونَقل العراقيونَ عنهُ(١) في(٢)
تكفيرِ النافينَ للرؤيةِ، والقائلينَ بخلقِ القرآنِ، وتأولّهُ الإمامُ فقالَ: ظنّ أنّهُ نَاظَرَ
بعضَهمْ فألزمَهم الكفرَ في الحجاجِ، فقيلَ: إِنَّهُ كفَّرَهمْ، ثمّ قالَ: وهذا حسنٌّ.
وقد تأوّلهُ الإِمامُ الحافظُ الفقيهُ الأصوليُّ أبو بكرٍ البيهقيُّ، وآخرونَ تأويلاتٍ
متعاضدةً على أنّهُ ليسَ المرادُ بالكفرِ الإخراجَ منَ الملة وتحتُّمَ الخلودِ في النارِ ،
وهكذا تأوّلوا ما جاء عن جماعةٍ منَ السلفِ منْ إطلاقٍ هذا اللفظِ واستدلّوا بأنهم لم
يُلحقوهمْ بالكفارِ بالإرثِ والأنكحةِ ووجوبٍ قَتلِهِمْ وقتالِهِمْ وغيرِ ذلكَ، وقالَ: أمّا
تكفيرُ منكرِ العلمِ بالمعدومِ أو بالجزئياتِ فلا شكَّ فيهِ، ومنْ كفّرناهُ لم نقبلْ شهادتَهُ
وأمّا منْ لم/١٢٢١/ نكفِّرُهُ فقد نصَّ في ((الأمّ))(٣) و((المختصرِ))(٤) على قبول
شهادتِهِمْ إلَّ الخطابيةَ؛ لأَنَّهُمْ يرونَ شهادةً أحدِهم لصاحبِهِ إذا سمعهُ يقولُ: لي على
فلانٍ كذا فيصدقُه بيمينِه أو غيرِها، ويشهدُ له اعتمادًا على أنّهُ لا يكذبُ ، هذا نصُّهُ.
والأصحابُ فيهِ ثلاثُ فرقٍ: فرقةٌ جرت على ظاهرٍ نصِّهِ وقبلت شهادةً
جميعِهم ، وهذه طريقةُ الجمهورِ، منهم: ابنُّ القاصِّ، وابنُ أبي هريرةَ، والقضاةُ:
ابنُّ حَج(٥) وأبو الطيبٍ(٦) والرويانيُّ، واستدلّوا بأنهم مصيبونَ في زعمِهم ولم يظهرْ
(١) جاء في حاشية (أ): ((أي: الشافعيّ)).
(٢) لم ترد في (ف).
(٣) الأم ٦ / ٢٠٥.
(٤) مختصر المزني : ٣١١.
(٥) شيخ الشافعية، أبو القاسم، يوسف بن أحمد بن حَج الدِّينوري، كان يضرب به المثل في حفظ
المذهب ، توفي سنة (٤٠٥)هـ .
انظر: سير أعلام النبلاء ١٧ / ١٨٣ - ١٨٤.
(٦) جاء في حاشية (أ): ((هو الطبري)).

٦٥٥
النكت الوفية بما في شرح الألفية
منهم ما يُسقطُ الثقةَ بقولهم.
وقَبِلَ هؤلاءِ شهادةَ مَنْ سبَّ الصحابةَ والسلفَ رضي اللَّه عنهم؛ لأنَّهُ يقدِمُ عليهِ
عن اعتقادٍ لا عن عداوةِ عنادٍ، قالوا: ولو شهدَ خَطّائِيٌّ وذَكرَ في شهادتهِ ما يقطعُ
احتمالَ الاعتمادِ على قولِ المدّعي بأنْ قالَ: سمعتُ فلانًا يقرُّ بكذا لفلانٍ أو رأيتُهُ
أقرضهُ قُبلتْ شهادتُهُ ثمَ صوّبَ ما قالتْ هذه الفرقةُ الأولى من قبول شهادةِ الجمیعِ،
قالَ: فقد قالَ الشافعيُّ في ((الأمّ))(١): ذهب الناسُ في تأويلِ القرآنِ والأحاديثِ إلى
أمورٍ تباينوا فيها تباينًا شديدًا ، واستحلَّ بعضُهم من بعض ما تطولُ حكايتُّهُ وكانَ ذلكَ
متقادمًا منهِ، ما كانَ في عهدِ السلفِ وإلى اليومٍ، فلم نعلم أحدًا منْ سلف الأمةِ
يُقتدى بهِ، ولا مَنْ بعدَهم مِنَ التابعينَ ردَّ شهادةَ أحدٍ بتأويلِ، وإن خطّأهُ وضّلهُ،
ورآهُ استحلَّ ما حرّمَ اللَّهُ عليهِ، فلا تُرَدُ شهادةُ أحدٍ بشيءٍ من التأويلِ كانَ لهُ وجة
يحتملُ وإنْ بلغ فيهِ استحلالَ المالِ والدمٍ)). هذا نصّهُ بحروفِه، وفيهِ التصريحُ بما
ذكرناهُ وبيانُ ما ذكرناهُ في تأويلٍ تكفيرِ القائلِ بخلقِ القرآنِ، ولكنَّ قاذفَ عائشةً -
رضي اللَّه عنها - كافرٌ لا تُقبلُ شهادتُهُ، ولنا وجهً أنَّ الخطائِيَّ لا تُقَبلُ شهادتُهُ وإن
بيَّنَ ما يقطعُ الاحتمالَ؛ لاحتمالِ اعتمادِهِ فيهِ على قولٍ صاحبِهِ. انتهى. وفيهِ
اختصارٌ، وهو وما قبلَهُ يتنزلُ على مَا ذَكرَهُ الغزاليُّ من ذلك القانونِ ، وكلُّ ذلك يدلُّ
على تصويبٍ فعلِ الشيخينِ البخاريِّ ومسلمٍ في الاحتجاجِ بأخبارِهم، ولو كانوا دعاةٌ
إلى بدعِهم، واللَّهُ أعلمُ .
قولُه: (يردُّ مطلقًا)(٢)، أي: سواءٌ كان داعيةً أو لا ، خطَّايًّا أو لا.
قولُه: (نُصرةَ مذهبٍ)(٣) هو مفعولٌ له، والعاملُ فيهِ ((استحلَّ))، أي:
(١) الأم ٦ / ٢٠٥.
(٢) التبصرة والتذكرة (٢٩٤)، والذي في نسخة (ف): ((ومطلقًا)).
(٣) التبصرة والتذكرة (٢٩٥).

٦٥٦
النكت الوفية بما في شرح الألفية
استحلَّ الكذبَ لنصرةِ مذهبهِ، ومِن(١) نصرتِه له شهادتُه لأُهلِه؛ لاعتقادِهِ صدقَهم
لكونِهم على ذلكَ المذهبِ .
قولُه: (منْ غيرِ خطابيةٍ)(٢) همْ صنفٌ منَ الرافضةِ ، وينبغي : أنْ يُحملَ كلامُ
الشافعيّ على جميعِ الرافضةِ لقوله: (( ما في أهل الأهواءِ أشهدُ بالزورِ منَ الرافضةِ))(٣)
كما سيأتي عنهُ/٢٢٢أ/ ويكونُ حينئذٍ إنما عبّر عنهم بالخطابيةِ تعبيرًا باسمِ الجزء
عن(٤) الكلِّ؛ لأنَّ ذلكَ الجزءَ هو المقصودُ الأعظمُ منْ ذلكَ الكلِّ، مثل إطلاقِ العينِ
على الربيئةٍ(٥)، ويكونُ ذلكَ لأَنَّ الخطابيةَ أعظمُهم كذبًا، ويحتملُ أنْ يكونوا هُمُ
الذين سنّوا لهمُّ الكذبَ، وفتحوا لهمْ بابَهُ فولجوهُ، ويجوزُ أنْ يكونَ الأمرُ بالعكسِ،
أطلقَ الرافضةَ على الخطابيةِ ولم يردْ غيرَهم، واللَّهُ أعلمُ .
والاسمُ الجامعُ لفرقِهم: الشيعةُ: ادّعوا مُشايعةً عليٍّ رضي اللَّه عنه، وقالوا: إنَّهُ
الإمامُ بعدَ رسولِ اللهِ وَ له، واعتقدوا أنَّ الإمامةَ لا تخرجُ عنهُ، ولا عنْ أولادِهِ، فإنْ
خرجتْ فإمّا بظلم فيكونُ منْ غيرِهم، وإمّا بتقيةٍ منهُ أو منْ أولادِه، وهم اثنانِ
وعشرونَ فرقةً ، يكفّرُ بعضُهمْ بعضًا. أصولُهم ثلاثٌ: غلاةٌ، وزيديةٌ، وإماميةٌ .
وأمّا الغلاةُ: فثمانيةَ عشرَ، منهم: السبائيةُ : أتبائُ عبدِ اللَّهِ بنِ سباً ، كانَ على
زمنٍ عليّ رضي اللَّه عنه، فقال له: أنتَ إِلهٌ. فنفاهُ عليٍّ رضي اللَّه عنه، والخطّايةُ:
ويستحلّونَ شهادةَ الزورِ لموافقِيهم على مخالفيهم. ومنهم: النصيريةُ، والإسماعيليةُ ،
(١) في (ب): ((وفي)).
(٢) التبصرة والتذكرة (٢٩٦).
(٣) سنن البيهقي الكبرى ١٠ / ٢٠٨، وسيرأعلام النبلاء ١٠ / ٨٩.
(٤) في (ب): ((على)).
(٥) هو العين والطليعة الذي ينظر للقوم؛ لئلا يدهمهم عدو، ولا يكون إلا على جبل، أو شَرَف ينظر
منه. النهاية ٢ / ١٧٩.

٦٥٧
النكت الوفية بما في شرح الألفية
ولهم سبعةُ ألقابٍ، وغالبُ هؤلاءِ الغلاةِ يقولونَ بإلاهية الأئمةِ، وأضرّهم على أهلِ
الإسلام الإسماعيليةُ؛ فإنّ جلَّ قصدِهم نقضُ الشريعةِ ولهم في ذلكَ/٢٢٢ب/ طرقٌ
عظيمةٌ، وأصلُهم مجوسٌ عجزوا عنْ ردِّ ما كانَ منْ دينهم بالسيفِ فسعوا في استغواءِ
ضعفاءِ المسلمينَ بأنواعِ الخداعِ .
والزيديةُ : نُسبوا إلى زيدِ بنِ عليٍّ زين العابدينَ بنِ الحسينِ، وهم ثلاثُ فرقٍ،
وسُمّيَ منْ رفضَ زيدًا هذا رافضةٌ .
والإماميةُ : وهم الاثنى عشرية .
قولُه : (عن أهل بدع)(١) إِنْ كانَ بالفتحِ فهو مصدرُ بَدَعَ، قالَ ابنُ القطاعِ في
((الأفعالِ)): ((بَدَعَ الركيّ بَدعًا، إذا استنبطَها، ومنْ ذلكَ ركيٌّ بديعٌ حديثةُ الحفرِ ،
وبَدعتُ الشيءَ، أنشأتُهُ، وأبدعَ الرجلُ، أتي ببديعِ منْ قول أو فعلٍ، وأبدعَ اللَّهُ تعالى
الأشياءَ، ابتدأَ خلقَها بلا مثالٍ ))(٢)، وقالَ أبو عبدِ اللَّهِ القزازُ: ((بدعتُ الشيءَ، أنشأتُه
ولم أَسبقْ إليهِ، ولا احتذيتُ فيهِ أحدًا، واللَّهُ بديعُ السماواتِ والأرضِ ؛ لابتداعِهما
وما بينهما على غيرِ مثالٍ، وبدعتُ الركيّ إذا أنشأتها فهي بديعٌ، أي: حديثةُ
الحفر)).
والبدعةُ في الدينِ من هذا، وهي كلّ حدثٍ بعدَ رسولِ اللَّهِ وَلِّ لم تتقدّمْ بهِ
سنةٌ، قيلَ لهُ: بدعةٌ؛ لحدوثِهِ، وقيلَ: سُميَ بدعةً؛ لأَنَّهُ مُبتدٌَ، والابتداعُ المصدر،
والبدعةُ الاسمُ لما ابتُدِعَ، فالتقديرُ: عنْ أهل إنشاءٍ لقولٍ مُخترعٍ من عندِ أنفسِهم من
غير سلفٍ سبقَ لهم فيهِ، وإنْ كانَ/١٢٢٣/ بالكسرِ فهو من قولِه تعالى: ﴿مَا كُنْتُ
بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ﴾(٣)، قال الزبيديُّ في ((مختصرِ العينِ)): ((البدعُ: الشيءُ الذي
(١) التبصرة والتذكرة (٢٨٩).
(٢) الأفعال ١ / ٩٢.
(٣) الأحقاف : ٩.

٦٥٨
النكت الوفية بما في شرح الألفية
يكونُ أولًا في كلِّ أمرٍ)) فهو على مضافٍ تقديرُه عن أهلِ أمرٍ بدع أو قول بدعٍ.
قولُه: (ما دعوا)(١)، أي: لم يكونوا دعاةٌ .
قولُه: (وأما الثانية)(٢)، أي: وأما الصورةُ الثانيةُ فحكيتها أنا بسببٍ أَنَّهُ قالَ:
کذا .
قولُه: (والمتكلمينَ)(٣) كانَ ينبغي أنْ يقولَ بعدَهُ: ((وقولي: والخلفُ في
مبتدع ما كفرا))(٤) إلى آخرِهِ، فإنَّ ذلكَ كلّهُ من تتمةِ القولِ الرابع، وكأنه قالَ: تُقبلُ
أخبارهم بخلاف فیهِ .
قولُه: ( كعمران بن حطان)(٥) رأيتُ بخطّ بعضٍ أصحابِنا أنَّ البخاريَّ أخرجٌ
لهُ موضعًا واحدًا في لبس الحريرِ متابعةٌ(٦)، وقالَ شيخُنا في ((التهذيبٍ))(٧): ((كانَ
عمرانُ داعيةً إلى مذهبِ الخوارجِ فانتقضَ قولُ منِ ادّعى أنَّ الداعيةً يردُّ بالاتفاقِ )) ،
وقالَ في ترجمتهِ منْ ((تهذيب التهذيبٍ)): ((ذكر زكريا الموصليّ في ((تاريخ
الموصلِ)) عن محمدِ بنِ بشر العبديِّ الموصليّ، قالَ: لْم يمتْ عمرانُ بنُ حطانَ
حتى رجعَ عن رأيٍ الخوارجِ)). انتهى. قال شيخُنا: ((هذا أحسنُ ما يعتذرُ بهِ عنْ
تخريج البخاريِّ له))(٨)، ونُقلَ عن أبي داودَ أنه قالَ: ((ليسَ في أهلِ الأهواءِ أُصحُ
(١) التبصرة والتذكرة (٢٩٨).
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ٣٥٨ - ٣٥٩.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ٣٥٩.
(٤) التبصرة والتذكرة (٢٩٤).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ٣٥٩.
(٦) صحيح البخاري ٧ / ١٩٤ (٥٨٣٥)، وأخرج له حديثًا آخر ٧ / ٢١٥ (٥٩٥٢).
(٧) ((في التهذيب)) لم ترد في (ب).
(٨) تهذيب التهذيب ٨ / ١٢٨.

٦٥٩
النكت الوفية بما في شرح الألفية
حديثًا منَ الخوارجِ، ثم ذكرَ عمرانَ بنَ حطانَ وغيرَهُ))(١) ثم قالَ: ((إنَّ ذلك ليسَ
على إطلاقِهِ فقد حَكَى ابنُ أبي حاتم عنِ القاضي/٢٢٣ب/ عبدِ اللهِ بنِ عقبةً
المصريِّ، وهو ابنُ لهيعةً، عن بعضٍ الخوارجِ ممن تابَ أنهم كانوا إذا هووا أمرًا
صيّروهُ حديثًا))(٢).
وذكرَ عن صاحب ((الأغاني)) أنَّه ساقَ بسندٍ صحيحٍ إلى ابنٍ سيرينَ قالَ:
تزوجَ عمرانُ امرأةً من الخوارج ليردَّها عن مذهبِها فذهبت بهِ، وسماها في روايةٍ
أخرى خمرةً (٣) وإنَّ عمرانَ كانَ مشهورًا بطلبِ العلمِ والحديثِ ومَدَحَ ابنَ ملجمٍ(٤)
لعنه(٥) اللَّهُ في قتلِه عليًّا رضي اللَّهُ عنه بقصيدةٍ منها:
يا ضربةً من تقيّ(٦) ما أرادَ بها إلّا ليبلغَ من ذي العرشِ رضوانا(٧)
وكانَ الخبيثُ مُفتىَ الخوارجِ وزاهدَهم، وقالَ الشيخُ في ((النكتِ على ابنٍ
الصلاحِ)): ((وقد اعتُرضَ عليهِ بأنهما احتجًا أيضًا بالدعاةِ، فاحتجَّ البخاريُّ بعمرانَ
ابنِ حطانَ ، وهو من دُعاةِ الشراةِ(٨)، واحتجَّ الشيخانِ بعبدِ الحميدِ بنِ عبدِ الرحمانِ
الحِمَّانيّ، وكانَ داعيةً إلى الإرجاءِ كما قالَ أبو داودَ(٩)، ثمّ قالَ: قلتُ: قالَ أبو
(١) الكفاية: ١٣٠.
(٢) تهذيب التهذيب ٨ / ١٢٨، ولمعرفة العلاقة بين الخوارج ووضع الحديث انظر: السنة النبوية
ومطاعن المبتدعة فيها: ٣٢٧ - ٣٣١.
(٣) الذي في تهذيب التهذيب ٨ / ١٢٩. ((حمنة)).
(٤) جاء في حاشية (أ): (اسمه عبد الرحمان)).
(٥) في (أ): ((لعنها)).
(٦) جاء في حاشية (أ): ((أن يقال شقي)).
(٧) الكامل للمبرد ٣ / ١٦٩.
(٨) كذا قال ابن حبان في ((ثقاته)) ٥ / ٢٢٢، وانظر: تهذيب الكمال ٥ / ٢٨٢ (٥٠٧٦).
(٩) سؤالات الآجري ٣ / ١٧٧، وانظر: تهذيب الكمال ٤ / ٣٥٥ (٣٧١٣).

٦٦٠
النكت الوفية بما في شرح الألفية
داودَ : وليس في أهلِ الأهواءِ أصحُ حديثًا منَ الخوارجِ، ثم ذكرَ عمرانَ بنَ حطانَ وأبا
حسانَ الأعرجَ(١) ولم يحتجَّ مسلمٌ بعبد الحميدِ الحمانيّ، إنّما أخرجَ لَّهُ في المقدمةِ ،
وقد وثّقهُ ابنُّ معينٍ))(٢). انتهى كلامُ ((النكتِ)).
وما اعتذرَ بهِ لا يفيدُ القولَ بأنَّ الداعيةَ يردُّ ، فإنَّ توثيقَهُ لا يُخرجُهُ عن كونِه
داعيةً، وقولُ الشراةِ وهو جمعُ شارٍ، قالَ/٢٢٤أ/ أهلُ اللغةِ: والشاري: واحدُ الشراةِ ،
وهم الخوارجُ، وإنما ستُوا بذلكَ لأنَّهُم زعموا أنهم شرَوا أنفسَهم منَ اللهِ، وقيلَ :
لأَنَّهِمُ ألجُ الناسِ في مذهبهم، مِنْ شَرِيَ الرجلُ - بالكسرِ - في الشرِّ، إذا لجَّ فيهِ(٣).
قولُه: (وداود بن الحصين)(٤)، أي: الأمويُّ مولاهم، أبو سليمانَ المدنيُّ،
رَوَى عنهُ مالكٌ، وأخرجَ حديثَهُ الجماعةُ، قال ابنُ معينٍ: ((ثقةٌ))، وقالَ أبو
حاتم(٥): ((ليسَ بالقويِّ، ولولا أنَّ مالكًا رَوَى عنهُ لتُرِكَ حديثُهُ))، وذكرهُ ابنُ حبانَ
في ((الثقاتِ))(٦)، وقالَ: ((كانَ يذهبُ مذهبَ الشراةِ - يعني: طائفةٌ من الخوارجِ -
قالَ : وكلُّ منْ تَركَ حديثَهُ على الإطلاقِ وَهَمَ؛ لأَنَّهُ لم يكنْ بداعيةٍ)) وقالَ
الساجيُّ(٧): ((منكرُ الحديثِ، متهمّ برأيٍ الخوارجِ))(٨).
(١) تهذيب الكمال ٥ / ٤٨٢ (٥٠٧٦).
(٢) التقييد والإيضاح: ١٥٠، وانظر: الثقات لابن حبان ٧ / ١٢١، والجرح والتعديل ٦ / ١٦.
(٣) العين مادة ((شري))، والصحاح مادة ((شري)).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ٣٥٩.
(٥) في جميع النسخ الخطية: ((أبو زرعة))، والمثبت من الجرح والتعديل ٣ / ٣٨٨، وتهذيب
التهذيب ٣ / ١٦٣ - ١٦٤، والذي قاله أبو زرعة عنه: ((لين)).
(٦) الثقات ٦ / ٢٨٤.
(٧) في جميع النسخ الخطية: ((النسائي))، والمثبت من تهذيب التهذيب ٣ / ١٦٤، والذي قاله
النسائي عنه: «ليس به بأس)).
(٨) انظر: تهذيب الكمال ٢ / ٤١٢ (١٧٣٧).