النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
النكت الوفية بما في شرح الألفية
الذي حکاهُ عنهُ، وليسَ كذلكَ، بل هوَ مفهومه كما ترى .
قولُه: (فقيلَ: يردُّ حديثهم مطلقًا)(١) ينبغي: أنْ يفصلَ في شأنهم بتفصيل
غيرِ ما يأتي عن ابنِ الصلاحِ، فيقالُ: إِنْ حَملَ الإنسان على التدليس ضعفُ الراوي
رُدَّ حديثهُ؛ لأنَّ تغطيتَهُ محرمةٌ عليهِ؛ لكونها غشًّا وغرورًا، وإنْ لم يكن الحاملَ لهُ
علی التدليس ترويج الضعيفِ فلا .
قولُه : (فإنْ صرحَ بالاتصالِ )(٢) ينبغي أنْ يزيدَ فيهِ: ولم يحملهُ على التدليسٍ
سترُ الضعيفِ، وترويجُ مرويهِ، قالَ الشافعيُّ في ((الرسالةِ))(٣): ((وكانَ قولُ الرجلِ
سمعتُ فلانًا يقولُ : سمعتُ فلانًا، وقولُه: حدثني فلانٌ عن فلانٍ ، سواءً عندهم ، لا
يحدّثُ واحدٌ منهم عمَن لَقَيَ إلا ما سمعَ منهُ، فمَن عرفناهُ بهذا الطريقِ قَبِلنا منهُ:
حدّثني فلانٌ عن فلانٍ، ومَن عرفناهُ دلّسَ مرةً فقد أبانَ لنا عورتَهُ في روايتهِ، وليسَ(٤)
تلكَ العورةُ بكذبٍ، فيردًّ(٥) بها حديثُه، ولا على النصيحةِ في الصدقِ فنقبلَ(٦) منهُ
ما قَبِلْنا من أهلِ / ١٤٠ ب/ النصيحةِ في الصدقِ. فقلنا: لا نقبلُ(٧) من مدلسٍ(٨)
حديثًا حتى يقولَ فيهِ: حدثني أو سمعتُ)).
قالَ الصيرفيُّ: ((لأنَّ قولَ الإنسانِ: ((عن فلانٍ)) ليسَ بكذبٍ، وإنما فيهِ(٩)
= ولم أجد من اعترض لضبط همزة ((الأعلام)) والله أعلم.
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ٢٣٧.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ٢٣٨.
(٣) الرسالة فقرة (١٠٣٢) - (١٠٣٥).
(٤) في الرسالة: ((ليست)).
(٥) في الرسالة: ((فترد)).
(٦) في (أ) و(ب): ((فيقبل)).
(٧) في (أ) و(ب): ((يقبل)).
(٨) في (ف): ((دلس)).
(٩) ((فيه)) من (ف) فقط.

٤٤٢
النكت الوفية بما في شرح الألفية
كتمانُ مَن سمعَ منهُ ، فلأَنّا احتجنا إلى معرفتهِ أنْ لا يكونَ رضى . قلنا: لسنا نأمنُ منكَ
ما جرّبناهُ منَ التدليسِ، فَأَبِتْه لنا ؛ ليزولَ العيبُ الذي ظهرَ منكَ، وكحاجتِنا إلى معرفةٍ
المكتومِ ما بينكَ وبينَ مَن لقيتَ، فإذا قالَ: ((ليسَ بيننا أحدٌ)) قبلنا قولَهُ، وإذا قالَ : بيني
وبينهُ إنسانٌ. قلنا: سَمِّهِ لنا لنعرفَ عدلَهُ من جرحِهِ))(١). وقالَ الشيخُ في ((نكته))(٢):
((وقد ادّعى أبو الحسنِ بنُ القطانِ نفيَ الخلافِ فيهِ - أي: في قبولٍ ما صرَّحَ المدلسُ
فيهِ بالسماعِ - (٣) فذكرَ في كتابهِ (( بيانِ الوهمِ والإيهامِ))(٤) أنَّ يحبى بنَ أبي كثيرٍ كانَ
يدلسُ، وأنَّه ينبغي أن يجريَ في مُعنعَنِهِ الخلافُ، ثمّ قالَ: أمّا إذا صرّحَ بالسماع فلا
كلامَ فيهِ، فإنَّه ثقةٌ حافظٌ صدوقٌ، فيقبلُ منهُ ذلِكَ بلا خلاف. انتهى كلامهُ(٥).
والمشهورُ ما ذكرهُ المصنفُ من إثباتِ الخلافِ، فقد حكاهُ الخطيبُ في
((الكفايةِ))(٦) عن فريقٍ منَ الفقهاءِ وأصحابِ الحديثِ، وهكذا حكاهُ غيرُهُ،
والمثبتُ للخلافِ مقدمٌ على النافي لهُ، واللَّهُ أعلمُ)).
قولُه: (في كلامٍ بعضهم)(٧) هو الشيخُ محبي الدينِ النوويُّ في ((شرحٍ
المهذبِ))(٨)، فإنَّ الشيخَ قالَ في ((نكتهِ)) (٩): ((زادَ النوويُّ على هذا - أي: حكاية
(١) كلام الصيرفي أظنه قاله في كتابه الذي شرح فيه كتاب الرسالة للإمام الشافعي. انظر: مقدمة كتاب
الرسالة: ١٥، تحقيق العلامة أحمد محمد شاكر.
(٢) التقييد والإيضاح: ٩٨ - ٩٩.
(٣) ما بين الشارحتين جملة توضيحية من البقاعي.
(٤) بيان الوهم والإيهام ٢ / ٣٧٩ عقب (٣٧٨).
(٥) أي: كلام ابن القطان .
(٦) الكفاية (٥١٥ت، ٣٦١هـ).
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ٢٣٩.
(٨) المجموع ٤ / ٤٦٦، وقال في شرح صحيح مسلم ٢ / ١٩٩: ((وقد اتفقوا على أن المدلس لا
يحتج بعنعنته )) .
(٩) التقييد والإيضاح: ٩٩ - ١٠٠.

٤٤٣
النكت الوفية بما في شرح الألفية
القبولِ عن جمهورٍ مَن يحتجُّ بالمرسلِ فقط المفهمة لأنَّ البعضَ يردهُ(١) - فخَكَى فى
(( شرحِ المهذبِ))(٢) الاتفاقَ على أنَّ المدلسَ لا يُحتجُّ بخبره إذا عنعنَ، وهذا/١٤١أ/
منهُ إفراطٌ ، وكأنَّ الذي أُوقَع النوويَّ في ذلِكَ، ما ذكرهُ البيهقيُّ في ((المدخلِ))(٣) وابنُ
عبدِ البرّفي ((التمهيدِ))(٤) ممَّا يدلَّ على ذلِكَ ، أما البيهقيُّ فذكرَ ما في الشرحِ، وأمّا ابنُ
عبدِ البرِّ فإنَّهُ لما ذكرَ في مقدمةِ ((التمهيدِ))(٥) الحديثَ المعنعنَ، وأَنَّهُ يُقبلُ بشروطٍ
ثلاثةٍ قالَ: إلا أنْ يكونَ الرجلُ معروفًا بالتدليسِ، فلا يقبلُ حديثهُ حتى يقول: ((حدثنا))
أو ((سمعتُ))، قالَ: ((فهذا ما لا أعلمُ فيهِ أيضًا خلافًا))(٦). انتهى كلامهُ.
وما ذكرَ منَ الاتفاقِ لعلهُ محمولٌ على اتفاقٍ من لا يحتجُّ بالمرسلِ خصوصًا .
عبارةُ البيهقي: ((فإِنَّ لفظَ ((سائر)) قد يطلقُ، ويرادُ بهِ الباقي لا الجميعُ))
والخلاف معروفٌ في كلامٍ غيرهما، وممن حكاهُ الحاكمُ في كتابٍ ((المدخلِ)) فإنَّهُ
قسّمَ الصحيحَ إلى عشرةٍ أقسام؛ خمسةٌ متفقٌ عليها، وخمسةٌ مختلفٌ فيها، فذكرّ
منَ الخمسةِ المختلفِ فيها المراسيلَ(٧)، وأحاديثَ المدلسينَ(٨) إذا لم يذكروا
سماعاتهم ... إلى آخرٍ كلامِه. وحَكَى الخلافَ أيضًا الحافظُ أبو بكرٍ الخطيبُ في
كتابٍ ((الكفايةِ))(٩) فحَكَى عن خلقٍ من أهلِ العلمِ أنَّ خبرَ المدلسِ مقبولٌ، قالَ:
(١) جملة توضيحية من البقاعي .
(٢) المجموع ٤ / ٥٤٦، وانظر: شرح صحيح مسلم ١ / ١٢٥ - ١٢٦.
(٣) وهو في الجزء المفقود من هذا الكتاب. انظر: مقدمة كتاب المدخل إلى السنن الكبرى: ٧٥.
(٤) التمهيد ١ / ١٣.
(٥) المصدر السابق .
(٦) التمهيد ١ / ١٢ - ١٣.
(٧) المدخل: ١٨.
(٨) المدخل: ٢٢.
(٩) الكفاية (٥١٥ ت، ٣٦١هـ).

٤٤٤
النكت الوفية بما في شرح الألفية
وزعموا أنَّ نهايةً أمرهِ أنْ يكونَ مرسلًا، واللَّهُ أعلمُ)).
قولُه: (من لا يَحتجُّ بالمرسلِ)(١) قلتُ: أو يخصُّ الاتفاقَ بمن بعدَ القرون
الثلاثةِ .
قولُه: (على أنَّ بعضَ من يحتجُّ بالمرسلِ لا يقبلُ عنعنةَ المدلس)(٢) ينبغي
حملهُ على من يُدلِّسُ بعدَ القرونِ الثلاثةِ، أمّا مَن دلّسَ(٣) منهم فلا فرقَ بينهُ وبينَ
المرسلِ، واللَّهُ أعلمُ .
قولُه: (عدة رواة من المدلسينَ)(٤)، أي: رويا/١٤١ ب/ عنهم بالعنعنة.
قالَ ابنُّ الصلاح في هذا: ((لأنَّ التدليسَ ليسَ كذبًا، وإنما هو ضربٌ منَ الإِيهامِ
بلفظٍ محتملٍ))(٥) .
قولُه: (هُشَيم)(٦) مصغرٌ، ابنُ بَشيرٍ - بفتحِ الموحدةِ مكبرٌ - .
قولُه عنٍ النووي: (محمولٌ على ثبوتٍ سماعِه من جهةٍ أخرى(٧)(٨) سأل
قاضي القضاةِ شيخُ الإسلامِ تقي الدينِ السبكيُّ ، شيخَ الزمانِ وحافظَهُ أبا الحجاجِ المزيّ
عن ذلِكَ: هل وجد في الخارجِ التصريح فيهِ بالسماعِ؟ فقالَ: ما ثمَّ لنا إلا تحسينُ
الظنِّ، فإنّا نعرفُ عدةَ أحاديثَ من هذا النوع ليسَ لها إلا ذلِكَ الطريقُ المعنعنُ.
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ٢٣٩.
(٢) المصدر السابق .
(٣) في (ف): ((ذكر)).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ٢٣٩.
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ١٦١.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ٢٣٩.
(٧) التقريب: ٦٥.
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ٢٣٩.

٤٤٥
النكت الوفية بما في شرح الألفية
قالَ شيخُنا: (( وكشفُ ذلِكَ من فوائدِ المستخرجاتِ، أي: بأنْ يرويَ ذلِكَ
الحديثَ من غيرِ تلكَ الطريقِ، فيصرّحَ فيها بالسماعِ في الموضعِ المعنعنِ، واللَّهُ
أعلمُ .
واختيارُ صاحب ((الصحيح)) لطريقِ العنعنة على الطريقِ المصرحةِ بالسماع
الكون المصرحةِ ليست على شرطهٍ))(١) .
قولُه: (في ((القِدح المعلى)))(٢)، أي: في الاعتراضٍ على ((المحلى)) لابنٍ
حزم الظاهري .
قولُه :
وَدُوْنَهُ التَّدْليْسُ لِلشُّيُوخِ
١٥٧- وَذَمَّه (شُعْبَةُ) ذُو الرُّسُوخِ
بِهِ، وَذَا بِمِقْصِدٍ يَخْتَلِفُ
١٥٨- أنْ يَصِفَ الشَّيْخَ بِمَا لا يُعْرَفُ
وَكـ ( الخَطِیبِ) يُؤْهِمُ اسْتِكْثَارًا
١٥٩- فَشَرُّهُ للضَّعْفِ وَاسْتِصْغَارا
١٦٠- و(الشَّافِعِيْ) أَثْبَتَهُ بِمَرَّه قُلْتُ: وَشَرُّهَا أَخُو التَّسْوِيَه
قولُه: (يصفُ الشيخ)(٣) سيأتي ما فيهِ .
قولُه: (بما لا يعرفُ)(٤) غير جيدٍ ، فإِنَّهُ لابدَّ وأنْ يعرفَ بذاكَ الوصفِ في
الجملةِ ، فلو قالَ :
أنْ يصفَ الشيخَ بشيءٍ ما اشتهر بهِ وبالنيةِ يحصلُ الضرر
كانَ أُحسنَ .
(١) انظر: النكت لابن حجر ٢ / ٦٣٦، وبتحقيقي: ٤٠٧.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ٢٣٩.
(٣) التبصرة والتذكرة (١٥٨).
(٤) المصدر السابق .

٤٤٦
النكت الوفية بما في شرح الألفية
قولُه: (واستصغارا)(١) لو قالَ بدلهُ: واستكبارا، لحصلَ له الجناسُ الخطيُّ،
فإنَّ الراويَ الذي يُعمّي ذلِكَ الراويَ بأنْ يصفَهُ بما لم يشتهر بهِ إذا فعلَ ذلِكَ
استصغارًا لهُ، فقدِ استكبرَ نفسهُ/١٤٢أ/ عن الرواية عنهُ، وإنما جعلهُ خبرًا لكانَ ،
ولم يجعلهُ مفعولًا له؛ لئلا يفهمَ أَنَّهُ منَ الشرّ.
و(٢) قولُه: (والشافعيُّ أثبته)(٣) كانَ ينبغي جعلُهُ صدرَ هذهِ الأبياتِ.
قولُه: (وقالَ: لأن أزني)(٤) ضَبطَهُ بعضُهم بالمهملةِ ثم موحدةٍ مضموم
الهمزةِ ، قالَ: فإِنَّ الربا أخفُّ منَ الزنا. وقالَ: وفيهِ أيضًا مناسبةٌ، وهو أنَّ الربا أصلُه
التكثرُ والزيادةُ، ومَن دلّسَ فقد كثّرَ مرويَهُ بذلكَ الشيخ الذي ارتقَى إليهِ، وأوهمَ كثرةً
مشايخِه عندَما عمَّ أوصافَهم .
قالَ شيخُنا: ((وقولُه: ((إِنَّ الربا)) بالموحدةِ أخفُ ليسَ كذلكَ، ففي بعضٍ
الأحاديثِ: ((لأن يأكلَ الرجلُ درهمًا واحدًا من ربًا أشدُّ من كذا وكذا
زنية))(٥) .
قلتُ : فإِنَّهُ ظلمُ الغيرِ، والزنا ظلمُ النفسِ. قالَ: فما بقيَ إلا ما قالَ ابنُ الصلاحِ
منَ الحملِ على المبالغةِ في الزجرِ .
(١) التبصرة والتذكرة (١٥٩).
(٢) الواو لم ترد في (ب).
(٣) التبصرة والتذكرة (١٦٠).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ٢٤٠.
(٥) روي عن أبي هريرة قالَ: قالَ رسول اللّه مَّهِ («الربا سبعونَ حوبًا، أيسرها أن ينكح الرجلُ أمهُ))
أخرجه: هناد في ((الزهد)) (١١٧٦)، وابن ماجه (٢٢٧٤)، والمروزي في ((السنة)) (١٠٤)،
والبيهقي في «شعب الإيمان)) (٥٥٢٢) من طريق أبي معشر، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة،
فذكره، وهو ضعيف؛ لضعف أبي معشر: نجيح بن عبد الرحمان .

٤٤٧
النكت الوفية بما في شرح الألفية
قولُه: (ودونهُ التدليسُ للشيوخ)(١) إِنْ قيلَ: ليسَ كذلكَ؛ فإنَّ تدليسَ
الإسنادِ فيهِ محذورٌ واحدٌ، وَهوَ أنْ يكونَ الساقطُ ضعيفًا، وبقيةُ الإسنادٍ ثقاتٍ،
فيتسببَ إلى قبولٍ ما لَم يصحَّ عنِ النبي ◌َِّ، وفي هَذا محذورانٍ.
أحدهما : أنْ يصفَ ضعيفًا بغير ما يشتهرُ بهِ ، مما لعلهُ يشتركُ(٢) بِهِ بعضُ من
يكونُ في تلكَ الطبقةِ منَ الثقاتِ، فإذا نظرَ الناظرُ ظنّهُ ذلِكَ الثقةَ فَقَِّلَ الحديثَ.
الثاني: أنْ يكونَ ثقةً، فيصفهُ بما لا يعرفُ بهِ، فيصيرُ مجهولاً فيطرحُ ذلكَ
المروي، فيكونُ سبًا في تركِ حكم من الأحكامِ، وقد حضَّ النبي ◌َالټ/١٤٢ب/
علی التبليغ، وتوعدّ على الكتمانِ، وهذا في حکم من گتمَ، فغايةُ المحذور في
تدليسِ الإسنادِ أنْ يوازيَ هذينِ المحذورينِ، فيكونانِ سواءً. قيلَ: الحقُّ أن الأولَ
أشدُّ، فإنَّ هَذا يعرفهُ الماهرُ مِن أهل الصنعةِ، وذاكَ لا يطّلعُ عليهِ إلّا مَن قَبَلَهُ، إِمَّا
باعترافهِ بأنَّهُ لَم يسمع هَذا الحديثَ مِن ذلِكَ الشيخِ، أو بأنْ يرويَهُ مرةً أخرى فيدخلَ
بينهُ وبينهُ راويًا، وينضمّ إلى ذلِكَ مِن القرائنِ ما يعرفُ بهِ أنه لم يسمعهُ مِن شيخهِ
الذِي رواهُ عنهُ أولًا باللفظِ المحتملِ إلا بواسطةٍ.
قولُه: (قالَ ابنُ الصلاح: أمرهُ أخفُ منهُ)(٣) لو قالَ: الأُولُ أشدُّ مِن هَذا
لكانَّ أولَى؛ لأنهُ ليسَ في واحدٍ منهما خفةٌ، لكن تارةً يطلقونَ ((أفعلَ)) ولا يريدونَ
معناها حقيقةً، إنما يجعلونَ ذلِكَ على سبيل الفرضِ، كحديثٍ: ((لكانَ أنْ يُلقَى في
النارِ أحبّ إليهِ مِن أن يعودَ في الكفرِ))(٤)، وليسَ في الإلقاءِ في النارِ شيءٌ مِن
(١) التبصرة والتذكرة (١٥٧).
(٢) في (ف): ((يشارك)).
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ٢٤٠، وانظر: معرفة أنواع علم الحديث: ١٦٦.
(٤) وَهوَ جزء من حديث أنس بن مالك رضي اللَّه عنه قالَ: قالَ رسول اللَّهِوَلّهِ: (( ثلاث من كن فيه
وجدَ طعمَ الإيمانِ: منْ كانَ يحبُ المرءَ لا يحبهُ إلاّ للهِ، ومن كان اللَّه تباركَ وتعالى ورسولهُ =

٤٤٨
النكت الوفية بما في شرح الألفية
الحبِّ، وإنما المعنى: لو فرضَ أن يكونَ الكفرُ محبوبًا، والنارُ كذلكَ، لكانَ الإلقاءُ
في النارِ أحبَّ إليهِ، ثُمَّ ظهَر لي أنَّ مثل هَذا مجازٌ عَن ((أقلّ)) مِن ضدِ مأخذِ اشتقاقٍ
أفعل، والعلاقةُ فيهِ الضديةُ، كَما بينتُه في كتابي ((نظم الدررِ في(١) تناسب الآي
والسورِ))(٢) عند قولِه تعالى: ﴿رَبِّ الِسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنَّا يَدْعُونَِىّ إِلَيْهِ﴾(٣) فالمعنى
هنا : هَذا أقلُّ شدةً مِن الأولِ، وكذا ما أتى لكَ مِن أمثالهِ، واللَّهُ أعلمُ .
قولُه: (وهوَ /١٤٣أ/ أن يصفَ المدلسُ شيخَهُ الذِي سمعَ منهُ ذلِكَ
الحديثَ)(٤) لا يختصّ ذلِكَ بشيخهِ الذِي سَمعَ منهُ، بل لو فعلَ ذلِكَ في شيخِ
شيخهِ ومَن فوقه إلى آخرِ السندِ، كانَ حكمُهُ كذلكَ، فكانَ ينبغي لهُ أنْ يقولَ: ((أنْ
يصفَ الراوي)) مسكنًا؛ لئلا ينكسرَ الوزنُ .
قولُه : (السجستاني)(٥) قالَ ابنُ الصلاح: (( ورَوَى يعني: ابنَ مجاهدٍ، عَن
أبي بكرٍ محمدِ بنِ الحسنِ النقّاشِ(٦) المفسرِ فقالَ: حدثنا محمدُ بنُ سندٍ ، نسبُ إلى
= أحبَّ إليه مما سواهما، ومن كانَ أنْ يلقى في النارِ أحبَّ إليهِ منْ أن يرجعَ في الكفرِ بعدَ إذ أنقذهُ
اللَّه عز وجل منهُ)).
أخرجه: أحمد ٣ / ١٧٢ و٢٤٨، ٢٧٥، والبخاري ١ / ١٢ (٢١) و٨ / ١٧ (٦٠٤١)،
ومسلم ١ / ٤٨ (٤٣) (٦٨)، وابن ماجه (٤٠٣٣)، والنسائي ٨ / ٩٦ من طريق شعبة، عن
قتادة، عن أنس، فذكره .
(١) في (أ) و(ب): ((من)) والتصويب من كشف الظنون ٢ / ١٩٦١.
(٢) نظم الدرر ٤ / ٣٥ - ٣٦.
(٣) يوسف: ٣٣.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ٢٤١.
(٥) المصدر السابق .
(٦) بفتح النون والقاف المشددة، هذه النسبة إلى من ينقش السقوف والحيطان وغيرها ، وكان أبو بكر
المذكور في مبدأ أمره يتعاطى هذه الصنعة فعرف بها، (ت ٣٥١هـ) ترجمته في : تاريخ بغداد ٢ /
٢٠١، وتاريخ دمشق ٢٥ / ٣٢٠، ووفيات الأعيان ٤ / ٢٩٨، وسير أعلام النبلاء ١٥ / ٥٧٣.

٤٤٩
النكت الوفية بما في شرح الألفية
جدِّ لهُ))(١).
قولُه : (قلتُ: وللمروي أيضًا)(٢) ليستْ زيادةً محضةً، إنما هي كالشرحٍ؛
فإنه إذا ضاعَ المرويُّ عنهُ لزمَ منهُ ضياع المرويِّ.
قولُه: (باختلاف المقصدِ)(٣) يجوزُ كسرُ الصادِ على إرادةٍ محل
القصدِ .
قولُه : (وممن يفعلُ ذلِكَ كثيرًا الخطيبُ)(٤) قالَ : ينبغي أنْ يكونَ الخطیبُ
قدوةً في ذلكَ، وأنْ يستدلَّ بفعلهِ على جوازهِ، فإنهُ إنَّما يُعمّي على غيرِ أهل الفنِّ،
وأمّا (٥) أهلُهُ فلا يخفَى ذلِكَ عليهم لمعرفتهم بالتراجمِ، ولم يكن الخطيبُ يفعلُه
إيهامًا للكثرةِ، فإنّهُ مكثرٌ منَ الشيوخِ والمروياتِ، والناسُ بعدهُ عيالٌ عليهِ(٦)، وإنما
يفعلُ ذلِكَ تفننًا في العبارةِ ، وربما أدتْ ضرورةُ التصنيفِ إلى تكرارِ الشيخِ الواحدِ عَن
قربٍ، فينوُ أوصافهُ لئلا يصيرَ مبتذلاً ينفرُ السمعُ منهُ؛ للتكرارِ المحضِ، واللَّهُ
أعلمُ .
قولُ ابنِ الصباغ: ((فَقدِ غلطَ ))، أي: الذِي فعلَ هذِه الفعلةَ مِن تعميةِ الراوي،
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ١٥٨، وقال الزركشي في ((نكته)) ٢ / ٨١: ((يقتضي كراهة ذلك،
ولهذا جعله تدليسًا، وحكى ابن المواق في ((بغية النقاد)) خلافًا في نسبة الرجل إلى جده، واختار
التفصيل بين المشهور به فيجوز ذلك، وإلا فلا، لما فيه من إبهام أمرهم، وتعمية طريق معرفتهم)).
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ٢٤١.
(٣) المصدر السابق .
(٤) المصدر السابق .
(٥) من قوله: ((هذه الأبيات)) إلى هنا سقط من (ب).
(٦) قال ابن نقطة في ((التقييد)): ١٥٤: ((ولا شبهة عند كل لبيب، أن المتأخرين من أصحاب
الحديث، عيال على أبي بكر الخطيب)).

٤٥٠
النكت الوفية بما في شرح الألفية
وصورته: أنْ يكونَ شيخُهُ ضعيفًا عند الناسِ، ثقةً عندهُ، فيصفَهُ بوصفٍ لا يعرفُ
بهِ ١٤٣/٤ب/ ثُمَّ يقولَ: وَهوَ ثقةٌ، أو ثبتْ، أو نحو ذلِكَ، ويكونَ مِن أهلِ الجرحِ
والتعديلِ، فيقّدهُ مَن لَم يطّلع على حقيقةِ ذلكَ.
قولُه: (وكفعلِ الخطيبٍ)(١)، أي: ويكونُ لإيهامِ الكثرة كفعلِ الخطيبِ.
قولُه: (أصلُ التدليسِ)(٢) ليسَ(٣) بجيدٍ؛ فإنَّ التدليسَ مِن حيثُ هوَ(٤)
تَشتركُ فيهِ الأقسامُ الثلاثةُ ، لكن فُهمَ مرادُهُ بقوله: (( لا هَذا القسم الثاني)) فكانَ ينبغي
لهُ أنْ يقولَ: أي تدليس الإسنادٍ(٥).
قولُه: (فَقد أجراهُ الشافعيُّ)(٦) قالَ شيخُنا: ((قالَ الشافعيُّ(٧): فَمَن عرفناهُ
دلَّسَ مرةً فَقد أنبأَ ذلِكَ عَن عُوارٍ في حديثهِ، فإنْ كانَ ثقةً لَم نقبلْ(٨) مِن حديثهِ إلا ما
صرّحَ فيهِ))(٩) .
قلتُ: وقد تقدّمَ نقلي لَه عنِ الشافعيّ في كتابٍ ((الرسالة)) قريبًا بلفظٍ
الشافعي فيها (١٠)، وكأنَّ المصنفَ ما راجعَ ((الرسالةَ))، فاحتاجَ إلى نقلهِ مِن
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ٢٤٢.
(٢) المصدر السابق .
(٣) لم ترد في (ب).
(٤) ((هو)) مكررة في (أ) و(ف).
(٥) في (ف): ((للإسناد)).
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ٢٤٢.
(٧) ((الشافعي)) تكررت في (ف).
(٨) في (أ) و(ب): ((يقبل)).
(٩) الرسالة فقرة (١٠٣٣).
(١٠) جاء في حاشية (أ): ((أي: في الرسالة)).

٤٥١
النكت الوفية بما في شرح الألفية
كتابٍ ((المدخلِ))(١).
قولُه: (لَم يذكرهُ ابنُ الصلاحِ وَهوّ تدليسُ التسويةِ)(٢) قالَ: عندي أنَّ ما
فعلهُ ابنُ الصلاحِ هوَ اللائقُ، والتحقيقُ أَنَّهُ ليسَ لنا إلا قسمانٍ :
الأولُ : تدليسُ الإسنادٍ ، والثاني: تدليسُ الشيوخِ .
ويتفرغُ على الأولِ تدليشُ العطفِ(٣)، وتدليسُ الحذف(٤). وأما تدليسُ
التسويةِ، فيدخلُ في القسمينٍ، فتارةً يصفُ شيوعَ السندِ بما لا يعرفونَ بهِ مِن غیرِ
إسقاطٍ ، فيكونُ تسويةً الشيوخ، وتارةً يسقط الضعفاءَ، فيكونُ تسويةَ السند، وهذا
يُسميهِ القدماءُ: تجويدًا، فيقولونَ(٥): جوَّده فلانٌ، يريدونَ ذكرَ مَن فيهِ منَ الأجوادِ،
وحذفَ/١٤٤أ/ الأدنياءَ(٦).
قولُه : (ويجعلُ الحديثَ عَن شيخِه الثقةِ، عنِ الثقةِ الثاني)(٧) قالَ: شرطةُ
أنْ يكونَ الثقةُ الأولُ قَد سمعَ مِن الثقةِ الثاني غيرَ هَذا الحديثِ، وأَنْ يرويَهُ بلفظٍ
محتملٍ، وإلّا فليسَ بتدليسٍ. قالَ: ووجهُ كونٍ هَذا شرًّا منَ الأولِ: أنَّ القسمَ الأُولَ
(١) وهو غير موجود في المطبوع من المدخل، مما يدلنا على أن الكتاب كان كاملًا حتى فترة القرن التاسع.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ٢٤٢.
(٣) وهو أن يروي عن شيخين من شيوخه، ما سمعاه من شيخ اشتركا فيه، ويكون سمع من أحدهما
دون الآخر، فيصرح من الأول بالسماع ويعطف الثاني عليه فيوهم أنه حدث عنه بالسماع أيضًا،
وإنما حدث بالسماع عن الأول، ونوى القطع، فقال: وفلان، أي حدث فلان . انظر: النكت
لابن حجر ٢ / ٦١٧، وبتحقيقي: ٣٨٨.
(٤) ويسمى أيضًا: تدليس القطع، وهو راجع إلى تدليس الإسناد . انظر: النكت لابن حجر ٢/ ٦١٧،
وبتحقيقي : ٣٨٩.
(٥) في (ب): ((فيكون)).
(٦) انظر: تدريب الراوي ١ / ٢٢٦.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ٢٤٣.

٤٥٢
النكت الوفية بما في شرح الألفية
يحترزُ فيهِ مِن موضع واحدٍ، وَهوَ عنعنةُ ذلِكَ المدلس. وأمّا مَن(١) عُرفَ بالتسويةِ
فيتحيرُ(٢) الناظرُ في حديثهِ مِن أولِ السندِ إلى آخرِه؛ فإنَّهُ ما مِن شيخ إلّا ويحتملُ أنْ
يكونَ حذفَ دونه أو فوقةُ ضعيفًا .
قولُه: (قَد لا يكونُ معروفًا بالتدليسِ)(٣) قالَ في ((النكتِ)) (٤) عَقِبَهُ:
((ويكونُ المدلسُ قَد صرّحَ بسماعهِ مِن هَذا الشيخِ الثقةِ، وَهوَ كذلكَ، فتزولُ تهمةُ
تدليسهِ، فيقفُ الواقفُ على هَذا السندِ فلا يرى فيهِ موضعَ علةٍ؛ لأنَّ المدلسَ قَد(٥)
صرّحَ باتصالهِ، والثقةُ الأُولُ ليسَ مدلسًا، وقد رواهُ عَن ثقةٍ آخرَ، فيحكمُ لَهُ
بالصحةِ، وفيهِ ما فيهِ منَ الآفةِ التي ذكرناها، وهذا قادحٌ فيمَن تعمَّدَ فعلهُ، واللَّهُ
أعلم ».
قولُه: (عَن الأوزاعي عَن نافعٍ ... )(٦) إلى آخرِهِ، قدَ سمعَ الأوزاعيَّ مِن نافعٍ،
والزهريِّ، ويحيى بنِ سعيدٍ، ولهذا كانَ تدلیسًا .
قولُه: (ضُعفَ الأوزاعي)(٧) قَد وقَع ما خافهُ الهيثمُ؛ فإنَّ أحمدَ سُئِلَ عنٍ
الأوزاعيِّ فقالَ: رأيٌ ضعيفٌ، وحديثٌ ضعيفٌ(٨).
(١) لم ترد في (ف) ..
(٢) فى (ف): ( فيتخير)).
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ٢٤٣.
(٤) التقييد والإيضاح: ٩٧.
(٥) لم ترد في (ف).
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ٢٤٤.
(٧) المصدر السابق .
(٨) انظر في هذا: سير أعلام النبلاء ٧ / ١١٣ - ١١٤.

٤٥٣
النكت الوفية بما في شرح الألفية
قولُه: (قالَ الخطيبُ: وكانَ الأعمشُ، والثوريُّ، وبقيةُ يفعلونَ مثلَ
هَذا)(١) وقالَ الشيخُ في ((نكتهِ))(٢) على ابنِ الصلاحِ: ((وهذا قادخٌ فيمَن تعمّدَ
فعلهُ)). انتهى . وسألتُ/١٤٤ب/ شيخنا: هل تدليسُ التسويةِ جرٌ؟، فقالَ: لا
شكَّ أنَّهُ جريحٌ؛ فإِنَّهُ خيانةٌ لمن ينقلُ إليهم وغرورٌ، قلتُ : فكيفَ يوصفُ بهِ الثوريُّ
والأعمشُ معَ جلالتِهما؟ فقالَ: أحسنُ ما يعتذرُ(٣) بهِ في هذا البابِ أنَّ مثلَهما لا
يفعلُ ذلِكَ إلا في حقٌّ مَن يكونُ ثقةً عندهُ، ضعيفًا عندَ غيرِهِ(٤).
قولُه(٥): (وقد سماهُ ابنُ القطانِ تدليسَ التسويةٍ)(٦) قالَ شيخُنا: ((ليسَ
كذلكَ، فإنَّ ابنَ القطانِ إنما سمّاهُ ((تسويةً)) لَم يذكر معهُ لفظةَ ((التدليسِ))، وإنما
يقولُ: ((سوَّاهُ فلانٌ))، و((هذهِ تسويةٌ)) ونحو هذا.
والتحقيقُ في هَذا القسمِ، أَنْ يقالَ: متى قيل: ((تدليسُ التسويةِ)) فلا بدَّ أنْ
يكونَ كلٍّ منَ الثقاتِ الذينَ حُذفتْ بينهمُ الوسائطُ في ذلِكَ الإسنادٍ قَد اجتمعَ
الشخصُ منهم بشيخ شيخِه في ذلِكَ الحديثِ، وإِنْ(٧) قيلَ: ((تسويةٌ)) من غيرِ أنْ
يُذكرَ تدليسٌ، فلا يحتاجُ إلى اجتماعِ أحدٍ مِنهُم بمن فوقه، كما فعلَ مالكٌ رحمهُ
الله(٨) ، فإِنّهُ لَم يقع في التدليس أصلًا، ووقعَ في هذا، فإنَّهُ يروي عَن ثورٍ، عنِ ابنِ
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ٢٤٤.
(٢) التقييد والإيضاح: ٩٧.
(٣) في (ف): ((ما يعتد)).
(٤) انظر بلا بد: تعليقي على شرح التبصرة والتذكرة ١ / ٢٤٤ - ٢٤٥.
(٥) لم ترد في (ب).
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ٢٤٤ - ٢٤٥.
(٧) في (ب) و(ف): ((ولإن)).
(٨) عبارة: ((رحمه الله)) لم ترد في (ب).

٤٥٤
النكت الوفية بما في شرح الألفية
عباسٍ، وثورٌ لَم يلقَ ابنَ عباسٍ، وإنما رَوَى عَن عكرمةَ عنهُ، فأسقطَ مالكٌ عكرمةَ؛
لأَنَّهُ غيرُ حجةٍ عندهُ. فإِنْ قيلَ: ما الفرقُ بين هَذا القسمِ، وبينَ المنقطعِ؟ قيلَ: هَذا
شرطُه أنْ يكونَ الساقطُ ضعيفًا، فهوَ منقطعٌ خاصٍّ.
الشَّاذُّ(١)
قولُه :
١٦١- وَذُو الشُّذُوذِ: مَا يُخَالِفُ الثَّقَهْ فِيهِ المَلَا فَالشَّافِعيُّ حقَّقَهْ
وَلِلْخَلِيلِيْ مُفْرَدُ الرَّاوي فَقَطْ
١٦٢ - والحَاكِمُ الخِلَافَ فِيهِ ما اشْتَرَطْ
كالتَّهْي عَنْ بَيْعِ الوَلَا (٢) وَالِهِبَةِ
١٦٣- وَرَدَّ مَا قَالَا بِفَرْدِ الثِّقَةِ
تِسْعِينَ فَرْدًا كُلُّهَا قَوِيُّ
١٦٤- وَقَوْلُ مُسْلِم : رَوَى الُّهْرِىُّ
يَقْرُبُ مِنْ ضَبْطٍ فَفَرْدُهُ حَسَنْ
١٦٥ - واخْتَارَ فِيماً لَمْ يُخَالِفْ أُنَّ مَنْ
١٦٦ - أوْ بَلَغَ الضَّبْطَ فصَحِّحْ أَوْ بَعُدْ عَنْهُ فَمِمَا شَدَّ فَاطْرَحْهُ وَرُدْ
(١) انظر في الشاذ :
معرفة أنواع علوم الحديث: ١١٩، ومعرفة أنواع علم الحديث: ١٦٣، وجامع الأصول ١ /
١٧٧، والإرشاد ١ / ٢١٣، والتقريب: ٦٧، والاقتراح: ٢١١، ورسوم التحديث: ٧٥،
والمنهل الروي: ٥٠، والخلاصة: ٦٩، والموقظة: ٤٢، ونظم الفرائد: ٣٦١، واختصار علوم
الحديث ١ / ١٧٩، وبتحقيقي: ١٣٦، والشذا الفياح ١ / ١٨٠، والمقنع ١ / ١٦٥، ومحاسن
الاصطلاح: ٨٢، وشرح التبصرة والتذكرة ١ / ٢٤٥، وتنقيح الأنظار: ١٥٠، ونزهة النظر:
٨٤، والمختصر: ١٢٤، وفتح المغيث ١ / ١٨٥، وألفية السيوطي: ٣٩، وشرح السيوطي على
ألفية العراقي: ٨٧، وفتح الباقي ١ / ٢٣٢، وتوضيح الأفكار ١ / ٣٧٧، وظفر الأماني: ٣٥٦،
وشرح شرح نخبة الفكر: ٣٣٠، واليواقيت والدرر ١ / ٤٢٠، وقواعد التحديث: ١٣٠،
ولمحات في أصول الحديث: ٢٥٣، وأثر اختلاف الأسانيد والمتون في اختلاف الفقهاء: ٤٥٥.
(٢) بالقصر؛ لضرورة الوزن .

٤٥٥
النكت الوفية بما في شرح الألفية
قولُه: (الملأ)(١) همُ الأشرافُ(٢)، ولا شكَّ أنَّ الشرفَ في كلِ شيءٍ
بحسبهِ ، فالأشرافُ في هَذا/١٤٥أ/ الفنِّ هم حقّاظُه، فالشرطُ مخالفةُ الثقةِ لمن هوَ
أعلى منهُ صفةً، كأنْ يخالفَ واحدًا هو أوثقُ منهُ، أو عددًا كأنْ يخالفَ اثنينِ
مساويينٍ لَه في الثقةِ فأكثر.
قولُه: (والحاكم)(٣) قالَ شيخُنا: ((أسقطَ مِن قولِ الحاكم قيدًا لابدَّ منهُ،
وَهوَ أَنَّهُ قالَ: ((وينقدحُ في نفسِ الناقدِ أنَّهُ غلطٌ ، ولا يقدرُ على إقامةِ الدليل على
ذلِكَ)) ويؤيدُ هَذا قولُه: ((وذكرَ أَنَّهُ يُغاثِرُ المعللَ))، فظاهرُه أَنَّهُ لا يغايرُهُ إلا مِن هَذهِ
الجهةِ، وهي كونُه لَم يطّلع على علتِهِ، وأمّا الردُّ فهما مشتركانٍ فيهِ، ويوضحُه قولُهُ:
((والشاذُّ لَم يوقفْ فيهِ على عليِهِ كذلكَ))، أي: كالمعلّلِ، يعني: بل وقفَ على عليتِه
حدسًا، لكن في نسخ الشرحِ ((علته)) بالضميرِ، وفي عبارة ابنِ الصلاحِ: ((لَم یوقفْ
فيهِ على علةٍ))(٤) بالتنكيرِ)).
قالَ شيخُنا: ((وهذا على هَذا أدقُّ مِن المعلّلِ بكثيرٍ، فلا يتمكنُ مِن الحكم بهِ
إلا مَن مارسَ الفنَّ غايةَ الممارسةِ، وكانَ في الذورةِ من الفهمِ الثاقبِ، ورسوخِ القدمِ
في الصناعةِ ، فرزقهُ اللَّه تعالى نهايةَ الملكةِ)) .
وملخصُ الأقوالِ أنَّ الشافعي قيَّدَ بقيدينَ: الثقةٍ، والمخالفةِ، والحاكمُ قيّدَ
بالثقةِ فقط - على ما قالَ الشيخُ - والخليليُّ لَم يقيّد بشيءٍ، فهما ناظرانٍ إلى الشاذٌّ
مِن حيثُ اللغةُ(٥)، وادّعيا أنَّ الاصطلاحَ كذلكَ.
(١) التبصرة والتذكرة (١٦١).
(٢) انظر: لسان العرب مادة (ملأ).
(٣) التبصرة والتذكرة (١٦٢).
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ١٦٤.
(٥) جاء في حاشية (أ): ((وهو مطلق الانفراد)).

٤٥٦
النكت الوفية بما في شرح الألفية
قولُه: (وردَّ ما قالا)(١)، أي: لأنَّ الصحيحَ قَد تقدّمَ أنَّ مِن جملةِ تعريفهِ أن
لا يكونَ شاذًّا، فالشاذُّ لا يكونُ صحيحًا، ومتى لَم نشترطِ المخالفةَ ورد علينا مما (٢)
في الصحيح من الأحاديثِ الغربية، فيقتضي عدم صحتها، أو التوقف فيها/١٤٥ ب/
كما قالَ الخليلي: ((وما كانَ عَن ثقةٍ فيتوقفُ فيهِ، ولا يحتجُّ بهِ))(٣).
وقد حصلَ الاتفاقُ على الحكم بصحةٍ ما في ((الصحيحينِ)) غيرَ (٤)
المستثنى(٥)، فتكونُ صحيحةً غيرَ صحيحةٍ، أو معمولا بها متوقفًا فيها، وذلكَ
محالٌ، وَهوَ لازمٌ للخليلي .
وأمّا الحاكمُ فبعدَ علمكَ بالقيدِ الذِي قالهُ تَعلمُ أنَّهُ لا يردُ عليهِ ذلِكَ؛ لأَنَّ ما
في الصحيحِ مِن ذلِكَ مما مثّلَ بِهِ الشيخُ، وما شَاكلَهُ لَم يقع في قلبٍ أحدٍ منَ النقادِ
ضعفُهُ .
قلتُ: والظاهرُ أنَّ كلامَ الخليليّ مقيدٌ بما قَيِّدَ بهِ الحاكمُ، أو نحو ذلِكَ، وإلا
كانَ كلامُه ساقطًا؛ لأَنَّهُ لَم يذكر(٦) فيمنِ اشترطَ العددَ في الصحيحِ.
قولُه: (أنَّ مَن يقرُبُ مِنْ ضبطٍ)(٧) غيرُ وافٍ بقولِ ابنِ الصلاح: ((فإنْ كانَ
المنفردُ بهِ غيرَ بعيدٍ مِن درجةٍ الحافظِ الضابطِ المقبولِ تفرُّدُهُ))(٨)؛ لأَنَّ الحافظَ
-
(١) التبصرة والتذكرة (١٦٣).
(٢) في (ف): ((ما)).
(٣) الإرشاد ١ / ١٧٦.
(٤) في (ف): ((هو)).
(٥) جاء في حاشية (أ): ((الذي تكلم عليه الدارقطني)).
(٦) جاء في حاشية (أ): ((أي: الخليلي)).
(٧) التبصرة والتذكرة (١٦٥).
(٨) معرفة أنواع علم الحديث: ١٦٧.
٠

٤٥٧
النكت الوفية بما في شرح الألفية
الموصوفَ هوَ التامُّ الضبطِ الذِي تقدّمَ تحريرُ الكلامِ فيهِ في تعريفِ الصحيحِ،
فالقريبُ منهُ مَن كانَ ضابطًا، ولكنهُ في أدنى درجاتِ الضبطِ المعتبرِ، فلو قالَ :
أنَّ مَن دانى الضبطَ فردُه حسنْ
لَوَفَى، واللَّهُ أعلمُ .
قولُه : (مواضعُ التفردِ منهُ)(١) عبارته : (فإنَّهُ حديثٌ فردٌ، تفرّدَ بهِ عمر رضي
اللَّه عنه، عَن رسولِ اللَّهِ وَّهِ، ثُمَّ تفرّدَ بهِ عَن عمرَ: علقمةُ بنُ وقاصٍ، ثُمَّ عَن
علقمةً: محمدُ بنُ إبراهيمَ، ثُمَّ عنهُ: يحيى بنُ سعيدٍ(٢) على ما هوَ الصحيحُ عندَ أهلِ
الحديث))(٣). قالَ الشيخُ في ((النكتِ))(٤): ((وقد اعترضَ عليهِ بأمرين:
أحدهما : أنَّ الخليليَّ والحاكمَ/١٤٦أ/ إنما ذكرا تفرُّد الثقةِ، فلا يردُ عليهما
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ٢٤٧.
(٢) أخرجه: ابن المبارك في ((الزهد)) (١٨٨)، والطيالسي (٣٧)، والحميدي (٢٨)، وأحمد ٢٥/١
و٤٣، والبخاري ١ / ٢ (١) و١ /٢١ (٥٤) و١٩٠/٣ (٢٥٢٩) و٥ / ٧٢ (٣٨٩٨) و٧ /٤
(٥٠٧٠) و٨ / ١٧٥ (٦٦٨٩) و٩ / ٢٩ (٦٩٥٣)، ومسلم ٦ / ٤٨ (١٩٠٧)، وأبو داود
(٢٢١٠)، وابن ماجه (٤٢٢٧)، والترمذي (١٦٧٤)، والبزار (٢٥٧)، والنسائي ٥٨/١ و١٥٨/٦
و ٧ / ١٣، وفي ((الكبرى)) له (٧٨) و(٤٧٣٦) و(٥٦٣٠)، وابن الجارود (٦٤)، وابن خزيمة
(١٤٢) و(١٤٣) و(٤٥٥)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٣ / ٩٦ وفي ((شرح مشكل
الآثار)) لَهُ (٥١٠٧) و(٥١٠٨) و(٥١٠٩) و(٥١١٠) و(٥١١١) و(٥١١٢) و(٥١١٣)
و(٥١١٤)، وابن حبان (٣٨٨) و(٣٨٩)، والدارقطني ٥٠/١ - ٥١ وفي ((العلل)) لَهُ ١٩٤/٢،
والقضاعي في ((مسند الشهاب)) (١١٧١) و(١١٧٢)، والبيهقي ٤١/١ و ٢٩٨، ١٤/٢ و١١٢/٤
و ٢٣٥ و٥ / ٣٩ ٦ / ٣٣١ و٧ / ٣٤١، والبغوي في ((شرح السنة)) (١) و(٢٠٦) من طريق
يحيى بن سعيد، بهذا الإسناد .
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ١٦٤.
(٤) التقييد والإيضاح: ١٠١.

٤٥٨
النكت الوفية بما في شرح الألفية
تفرّد الحافظِ لما بينهما منَ الفرقانِ(١).
والأمرُ الثاني: أنَّ حديثَ النيةِ لَم ينفرد بهِ عمرُ، بل رواه أبو سعيد الخدري
وغيرهُ، عنِ النبي ◌ََّ، فيما ذكرهُ الدارقطني(٢) وغيرهُ. انتهى ما اعترض بهِ.
والجوابُ عنِ الأُولِ: أنَّ الحاكمَ ذكرَ مطلقَ الثقةِ، والخليليَّ ذكرَ مطلقَ
الراوي، فيردُ على إطلاقهما تفرّد العدلِ الحافظِ، ولكنَّ الخليليَّ يجعلُ تفرّدَ
الراوي الثقةِ شاذًا صحيحًا، وتفرّدَ الراوي غيرِ الثقةِ شاذًّا ضعيفًا؛ فلذلكَ
استشكلةُ المصنفُ، أي: لأَنَّهُ يخصّ الشاذَّ بالمردودِ. وعَن الثاني: أنَّهُ لَم يصحّ
مِن حديث أبي سعيدٍ، ولا غيرهِ سوى عمرَ، وقد أشارَ المصنفُ إلى أنَّهُ قَد
قيلَ: إِنَّ لهُ غيرَ طريقِ عمرَ بقولِه: ((على ما هوَ الصحيحُ عندَ أهلِ الحديثِ))،
فلم يبقَ للاعتراضِ عليهِ وجةٌ، ثُمَّ إِنَّ حديثَ أبي سعيدِ الذِي ذكرهُ هَذا
المعترضُ صرحوا بتغليطِ ابنِ أبي رَؤَادِ(٣) الذِي رواه عَن مالك، وممن وهَّمه في
ذلِكَ الدار قطنيُّ(٤) وغيرهُ، وإذ قدِ اعترضَ عليهِ في حديثِ عمرَ هَذا، فهلّاً
اعترضَ عليهِ في الحديثِ الذِي بعدهُ، فَقد ذكرَ المصنفُ أنَّهُ أوضحُ في التفرّدِ
مِن حديثٍ عمرَ، وَهوَ حديثُ عبدِ اللَّهِ بن دينارٍ، عنِ ابنِ عمرَ في النهي عَن
بيعِ الولاءِ وعن هبتهِ كما سيأتي.
(١) جاء في حاشية (أ): ((أي: من الفرق)).
(٢) سيأتي تخريجه قريبًا .
(٣) هو عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رَوَّاد، بفتح الراء وتشديد الواو، صدوق يخطئ ،
وكان مرجئًا أفرط ابن حبان فقال: متروك، من التاسعة، مات سنة (٢٠٦هـ). التقريب
(٤١٦٠) .
(٤) في العلل ٢ / ١٩٣ - ١٩٤.

٤٥٩
النكت الوفية بما في شرح الألفية
ومما يستغربُ حكايتهُ في حديثِ عمرَ أَنِّي رأيتُ في ((المستخرجِ مِن أحاديثٍ
الناسٍ)) لعبدِ الرحمانِ/١٤٦ ب/ بنِ منده: أنَّ حديثَ الأعمالِ بالنياتِ رواهُ سبعةً
عشرَ مِن الصحابةِ، وأنَّهُ رواهُ عَن عمرَ غيرُ علقمةً(١)، وعن علقمةَ غيرُ محمدٍ بنٍ
إبراهيمَ، وعن محمدِ إبراهيمَ غيرُ يحيى بن سعيدٍ(٢).
وقد بلغني أنَّ الحافظَ أبا الحجاجِ المزيَّ سُئِلَ عَن كلامٍ ابنٍ منده هَذا فأنكرهُ
واستبعدهُ. وقد تتبعتُ(٣) كلامَ ابنِ منده المذكورَ، فوجدتُ أكثرَ الصحابةِ الذينَ
ذكرَ حديثهم في الباب إنما لَهُم أحاديثُ أخرى في مطلقِ النيةِ، كحديثٍ : (( يبعثونَ
على نياتهم))(٤)، وكحديثٍ: ((ليسَ لهُ مِن غزاتِهِ إلا ما نوى))(٥) ونحو ذلكَ،
وهكذا يفعلُ الترمذي في ((الجامع))(٦) حيثُ يقولُ: ((وفي البابِ عَن فلانٍ وفلانٍ))
(١) قال العراقي في تخريج أحاديث إحياء علوم الدين ٢ / ٩٢٦ و٦ / ٢٣٨١: ((وأما من تابع علقمة
عليه، فذكر أبو أحمد الحاكم أن موسى بن عقبة رواه عن نافع، وعلقمة)).
(٢) أخرجه : ابن عساكر ٥٦ / ٣٦ من طريق الربيع بن زياد الضبي، عن محمد بن عمرو، عن محمد
ابن إبراهيم، قال الدارقطني في ((العلل)) ٢ / ١٩٢: ((وحدث بهذا الحديث شيخ من أهل الجزيرة
يقال له: سهل بن صقير عن الدراوردي، وابن عيينة، وأنس بن عياض، عن محمد بن عمرو بن
علقمة، عن محمد بن إبراهيم، عن علقمة بن وقاص، عن عمر، عن النبي وَله .
ووهم على هؤلاء الثلاثة فيه، وإنما رواه هؤلاء وغيرهم عن يحيى بن سعيد الأنصارى، لا عن
محمد بن عمرو، وإنما رواه عن محمد بن عمر بن علقمة، الربيع بن زياد الهمداني وحده، ولم
يتابع عليه إلا من رواية سهل بن صقير، عن هؤلاء الثلاثة، وقد وهم عليه فيه)).
(٣) جاء في حاشية (أ): ((أي ابن حجر)).
(٤) جزء من حديث، أخرجه: البخاري ٣ / ٨٦ (٢١١٨) من حديث عائشة.
(٥) أخرج نحوه: أحمد ٥ / ٣١٥ و٣٢٠ و٣٢٩، والنسائي ٦ / ٢٤ - ٢٥، والحاكم ٢ / ١٠٩،
والبيهقي ٦ / ٣٣١ من حديث عبادة بن الصامت .
(٦) انظر على سبيل المثال: عقب الحديث (١) و(٣) و(٥).

٤٦٠
النكت الوفية بما في شرح الألفية
فإنَّه لا يريد ذلِكَ الحديثَ المعينَ، وإنَّما يريد أحاديثَ أخرَ يصحُ أنْ تكتبَ في ذلِكَ
البابٍ ، وإنْ كانَ حديثًا آخرَ غيرَ الذِي يرويهِ في أولِ البابِ ، وَهوَ عملٌ صحيحٌ، إلّا
أنَّ كثيرًا مِن الناسِ يفهمونَ منْ ذلكَ: أَنَّ من سُمِّي منَ الصحابةِ يروونَ ذلكَ الحديثَ
الذي رواه في أولِ البابٍ بعينهِ ، وليس الأمرُ على ما فهموه، بل قَد يكونُ كذلكَ،
وقد يكونُ حديثًا آخر يصحُّ إيراده في ذلِكَ البابِ ، ثمَّ إني تتبعتُ الأحاديثَ التي
ذكرها ابنُّ منده، فم أجدْ منها بلفظِ حديثٍ عمرَ، أو قريبًا مِن لفظهِ بمعناهُ إلا حديثًا
لأبي سعيد الخدريِّ(١)، وحديثًا لأبي هريرةً(٢)، وحديثًا لأُنسِ بنِ مالكٍ(٣)، وحديثًا
لعلي بنِ أبي طالبٍ(٤)، وكلها ضعيفةٌ، ولذلكَ قالَ/١٤٧أ/ الحافظُ أبو بكر البزارُ في
((مسنده))(٥) بعدَ تخريجه: (( لا يصحُ عنِ النبي ◌َّ إلا مِن حديثٍ عمرَ، ولا عَن
(١) أخرجه: الدارقطني في ((غرائب مالك)) (كما في تخريج أحاديث إحياء علوم الدين) ٦ / ٢٣٨١،
والقضاعي في ((مسند الشهاب)) (١١٧٣)، وابن عساكر في ((غرائب مالك))، والخطابي في
((معالم السنن)) (كما في تخريج أحاديث إحياء علوم الدين) ٦ / ٢٣٨١ من طريق عبد المجيد بن
عبد العزيز بن أبي رواد، عن مالك ، عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري .
قال الدارقطني: ((ولم يتابع عليه. (أي على عبد المجيد) وأما أصحاب مالك الحفاظ عنه، فرووه
عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، عن علقمة بن وقاص، عن عمر وهو
الصواب)) انظر: العلل للدارقطني ٢ / ١٩٣.
(٢) أخرجه: الرشيد العطار (كما في تخريج أحاديث إحياء علوم الدين) ٦ / ٢٣٨١.
(٣) أخرجه: ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ٧ / ٢١٩ من طريق يحيى بن سعيد، عن محمد بن
إبراهيم، عن أنس. قال ابن عساكر: ((المحفوظ حديث محمد بن إبراهيم، عن علقمة بن وقاص،
عن عمر، وهذا غریب جدًّا)).
(٤) أخرجه: محمد بن ياسر (كما في تخريج أحاديث إحياء علوم الدين) ٢ / ٩٢٦.
(٥) قال البزار في ((البحر الزخار)) ١ / ٣٨٢: ((ولا نعلم يروى هذا الكلام إلا عن عمر بن الخطاب،
عن النبي ◌َّر بهذا الإسناد)).