النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
النكت الوفية بما في شرح الألفية
والبخاريُّ لما تكلّم في هؤلاءِ بما لا يزيلُ العدالةَ والثقةً تركَ إخراجَ حديثهم
استغناءً بغيرهم، فتكلموا في سُهيلٍ بنِ أبي صالحٍ في سماعهِ مِن أبيهِ، فقيلَ:
صحيفةٌ(١)، وتكلموا في حمادٍ بأنَّهُ أدخلَ في حديثه ما ليس منهُ، وعندَ مسلمٍ ما
صحَّ هذا التكلمُ، فأخرَج أحاديثهم؛ لإزالةِ الشبهةِ عندهُ .
وقالَ شيخُنا في ((تهذيب التهذيبٍ)) بعدَ أَنْ نقَل عن جماعةٍ مِنَ الأئمةِ الثناءَ
العظيمَ على حمادٍ بالعلمِ، والثقةٍ، والتصلّبٍ في السنةِ، والدينٍ، والولايةِ حتى إنَّه لو
قيلَ له : إِنَّكَ/٣٩ب/ تموتُ غدًا ما قدر أن يزيد في العملِ شيئًا، وأنَّهُ أثبتُ الناسِ في
ثابتٍ حتى قالَ ابنُّ معينٍ: منْ خالفَ حمادَ بنَ سلمةً في ثابتٍ، فالقولُ قولُ
حمادٍ(٢) . وقالَ ابنُ حبانَ: ((كانَ منَ العبادِ المجابي الدعوة، ولم يُصِبْ مَنْ جَانّبَ
حديثَه . واحتجّ في كتابِهِ بأبي بكرِ بنِ عياشٍ، فإن كانَ تركهُ إياهُ لما كان يخطئُّ،
فغيرهُ من أقرانِهِ مثلُ الثوري وشعبةً كانوا يخطئونَ؛ فإِنْ زعَم أَنَّ خطأهُ قد كثرَ حتى(٣)
تغیرَ، فقد كان ذلك في أبي بکرِ بنِ عیاش موجودًا، ولم یکن مِن أقرانِ حمادِ بنِ
سلمةً بالبصرةِ مثله في الفضلِ، والدينٍ، والنسكِ، والعلمِ، والكتابةِ، والجمعِ،
والصلابةِ في السنةِ، والقمعِ لأهلِ البدعِ))(٤). وقد (٥) عرّض ابنُ حبانَ بالبخاريِّ
لمجانبتِه حماد بن سلمةَ، واعتذرَ أبو الفضلِ بنُ طاهرٍ عن ذَلِكَ لما ذكر أَنَّ مسلمًا
أخرج أحاديثَ أقوامٍ تركَ البخاريّ حديثَهم، قالَ: وكذلكَ حمادُ بنُ سلمةَ إمامٌ كبيرٌ
مدَحه الأئمةُ، وأطنبوا لما تكلّم بعضُ منتحلي المعرفةِ أَنَّ بعضَ الكَذَبَةِ أدخلَ في
حديثهِ ما ليسَ منه، لم يخرجْ عنه البخاريُّ معتمدًا عليه، بل استشهدَ به في مواضعَ ؛
(١) انظر: الثقات ٤١٧/٦ - ٤١٨، وميزان الاعتدال ٢٤٣/٢.
(٢) تهذيب التهذيب ١٢/٣ وما بعدها.
(٣) في الثقات: ((من))، وفي (ف): ((حين)).
(٤) الثقات ٢١٦/٦ - ٢١٧.
(٥) عاد الكلام هنا لابن حجر.

١٦٢
النكت الوفية بما في شرح الألفية
ليبيّنَ أَنَّه ثقةٌ، وأخرَج أحاديثَه التي يرويها مِن حديثٍ أقرانه کشعبةً، وحماد بن زيد،
وأبي عوانةً، وغيرهم ومسلمٌ اعتمدَ عليه؛ لأنَّهُ رأى جماعةٌ مِن أصحابهِ القدماءِ
والمتأخرينَ لم يختلفوا عليه .
وقالَ الحاكمُ : ((لم يخرجْ مسلمٌ لحمادٍ بنِ سلمةَ في الأصولِ إلا منْ حديثهِ
عن ثابتٍ، وقد خرَّجَ لهُ في الشواهدِ عن طائفةٍ)).
وقالَ البيهقيُّ(١): هوَ أحدُ أئمةِ المسلمينَ، إلا أنَّهُ(٢)/٤٠أ/ لما كبرَ(٣) ساءَ
حفظهُ، فلذا تركهُ البخاريُّ، وأما مسلمٌ فاجتهدَ، وأخرج من حديثه عن ثابتٍ ما
سمعَ منه قبلَ تغيّرهِ، وما سوى حديثه عن ثابتٍ لا يبلغُ اثنى عشرَ حديثًا أخرجه في
الشواهدِ، ثمّ قالَ شيخُنا: وهوَ كما قالَ ابنُ المديني: منْ تكلمَ في حمادٍ بن سلمةً
فاتهموهُ في الدّينِ (٤)، واللهُ أعلمُ.
قولُه: (قالَ: إِنَّهُ أودعهُ)(٥) عبارةُ ابنِ الصلاح كما مضى: ((أودعهُ ما ليس
في واحدٍ مِنَ الصحيحينِ)).
٠
وقال في ((النكتِ)): ((ليسَ كذلكَ، فقدَ أودعهُ أحاديثَ مخرجةٌ في
الصحيحِ، وهمّا منه في ذلكَ، وهي أحاديثُ كثيرةٌ، منها حديثُ أبي سعيد الخدريِّ
مرفوعًا: ((لا تكتبوا عنِّي شيئًا سوى القرآن ... )) الحديث رواهُ الحاكمُ(٦) في مناقبٍ
(١) لم ترد في جميع النسخ وأثبته من ((تهذيب التهذيب)).
(٢) جاء في حاشية (أ) من خطّ البقاعي: ((بلغ اللَّه به المأمول شهاب الدين الحمصي الشافعي قراءة
بحث وتنقيب وتنقير، كتبه مؤلفه إبراهيم البقاعي)).
(٣) جاء في حاشية (أ): (( كبر في السن وكبر في القدر)).
(٤) هذا القول راجع لابن عدي؛ إذ ذكر ذلك في الكامل ٣/ ٦٤، وانظر: تهذيب التهذيب ١٢/٣-
١٥، وأثر علل الحديث في اختلاف الفقهاء: ٢٠ - ٢١.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١٢٨/١.
(٦) المستدرك ١٢٧/١ وقد قالَ عقبه: ((هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه)).

١٦٣
النكت الوفية بما في شرح الألفية
أبي سعيد الخدري، وقد أخرجهُ مسلمٌ في «صحيحه))(١) وقد بيَّن الحافظ أبو
عبد اللهِ الذهبيُّ في ((مختصرِ المستدركِ))(٢) كثيرًا منَ الأحاديثِ التي أخرجها في
((المستدركِ))، وهي في الصحيح(٣)))(٤).
قولُه: (وليس ذلكَ منهم بجيدٍ)(٥) قالَ(٦): بل قد(٧) أجادوا وأصابوا؛ لأنَّ
الحاكم استعملَ كلمة: ((مثل)) فيما هوَ أعمُّ مِن أَن يكونَ حقيقةً، أو مجازًا في
الأسانيدِ، أو في المتون، دلَّ على ذلكَ صنيعُه فإِنَّه تارةً يقولُ: على شرطهما، وتارةً
يقولُ: على شرطِ البخاريِّ، وتارةً: على شرطٍ مسلم، وتارةً : صحيح الإسنادٍ ، ولا
يعزهُ إلى شرط واحد منهما، وأيضًا فلو كانَ مقصودُه بكلمةٍ: ((مثل)) معناها
الحقيقي ، حتى يكونَ المرادُ احتجَّ بغيرِها ممَّن فيهم منَ الصفاتِ(٨) منَ العدالةِ وسائرٍ
الشروطِ مثل ما في الرواةِ الذينَ خرَّجا عنهم، لم يقلْ قطُ: على شرطٍ/ ٤٠ ب/
البخاريِّ، فإنَّ شرطَ مسلم دونهُ، فما كانَ على شرطهِ(٩) فهو على شرطهما؛ لأنَّهُ
حوى شرطَ مسلمٍ وزادَ، وكأنَّ المصنّفَّ يقولُ: لأي شيءٍ حمل ابنُ الصلاحِ، ومن
تبعه كلمةَ: ((مثل)) في كلامِ الحاكم على أحدٍ معنييها، وهو المجازيُّ حتى يكونَ
(١) صحيح مسلم ٢٢٩/٨ (٣٠٠٤) (٧٢).
(٢) انظر على سبيل المثال لا الحصر: ((تلخيص المستدرك)) ١٠/١ و٤٢٢، ٤٩٧ و٥٢٨ و٥٣٠
و ٥٤٦.
(٣) من قوله: ((قلت: قوله: كحماد بن سلمة .... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(٤) التقييد والإيضاح: ٢٩ - ٣٠.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١٢٨/١.
(٦) جاء في حاشية (أ): ((أي: ابن حجر)).
(٧) لم ترد في (ك) و(ف).
(٨) عبارة: ((من الصفات)) لم ترد في (ك).
(٩) جاء في حاشية (أ): ((أي: البخاري)).

١٦٤
النكت الوفية بما في شرح الألفية
الرواةُ أعيانَ الرواةِ الذينَ رويا عنهم، وجعلوها (١) خارجةً مخرجَ ما في قولكَ: مثلُكَ
لا يفعلُ كذا، أي: أنتَ .
وقد علمت دليلَ ما قالوه، قال - أي: ابنُ حجرٍ(٢) -: ((ووراءَ ذَلِكَ كله، أَن
يُروَى إسنادٌ ملفقٌ مِنْ رجالهما، كأنْ يُقالَ: سماكٌ، عن عكرمةً، عن ابن عباسٍ.
فسماكٌ على شرطٍ مسلمٍ فقط، فلم يخرجْ له البخاريُّ ، وعكرمةُ انفرد به البخاريُّ ،
والحقُّ أَنَّ هذا ليس على شرطٍ واحدٍ منهما، وأدقُّ من هذا أَن يرويا عن أناسٍ ثقاتٍ ،
ضُعِّقُوا في أناسٍ مخصوصينَ مِن غيرِ حديثِ الذينَ ضُعِّفُوا فيهم، فيجيءُ عنهم
حديثٌ مِن طريقٍ من ضُعِّفُوا فيهِ برجالٍ كلهم في أحدِ الكتابينِ، أو فيهما، فنسبتُه أنَّهُ
على شرطٍ من خرج لهُ غلطً، كأنْ يُقالَ في هشيمٍ، عن الزهري، كل مِن هشيم
والزهريِّ أخرجا له، فهو على شرطهما، فيقال: بل ليسَ على شرط واحدٍ منهما؛
لأنهما إنما أخرجا لهشيم مِن غيرِ حديثِ الزهري فإنَّه ضُعِّف فيه؛ لأنَّهُ كان رحلَ
إليهِ، فأخذَ عنهُ عشرينَ حديثًا فلقيهُ صاحبٌ له - وهو راجعٌ - فسأله: رَوِّنِيه، وكان
ثَمّ ريحٌ شديدٌ، فذهبتْ بالأوراقِ مِن يدِ الرجلِ فصارَ هشيمٌ يُحدِّثُ/ ١٤١/ بما علقَ
منها بذهنهِ مِن حفظِهِ، ولم يكن أتقنَ حفظَها؛ فوهَم في أشياءَ منها؛ ضُعِّف في
الزهريِّ بسببها(٣)، وكذا همامٌ(٤) ضعيفٌ في ابن جريجٍ، مع أنَّ كلَّا
(١) في (ف): ((وجعلوا)).
(٢) عبارة: ((أي: ابن حجر)) لم ترد في (ك) و(ف).
(٣) هذه القصة ساقها الخطيب في ((تاريخ بغداد)) ٨٧/١٤، والذهبي في ((ميزان الاعتدال)) ٣٠٨/٤
وقال الذهبي: ((هو لين في الزهري)). وانظر: أثر اختلاف الأسانيد والمتون في اختلاف
الفقهاء: ٢٠.
(٤) وهو همام بن يحيى بن دينار العوذي المحملي البصري. انظر: تهذيب الكمال ٤٢٥/٧
(٧١٩٧)، وميزان الاعتدال ٣٠٩/٤.

١٦٥
النكت الوفية بما في شرح الألفية
منهما(١) أخرَج(٢) له(٣)، لكن لم يخرجا له عن ابن جريج شيئًا، فعلى من يعزو(٤) إلى
شرطهما، أو شرطٍ أحدهما أَن يسوقَ ذَلِكَ السندَ بنسقٍ(٥) ما (٦) رتبهُ بهِ مَنْ نسبهُ إلى
شرطهٍ، ولو في موضعٍ مِن كتابهِ، فيكون حينئذٍ معَ أمنِنا مِن ضعفٍ رواتهِ ، قد أُمِنَّا مِن
وجودٍ علّةِ فيهِ أو قادحٍ منَ القوادحِ؛ فإِنَّ الراوي قد يكونُ ضعيفًا في راوٍ ثقة في غيرِهِ
كما تقدّمَ، ومن إغفالٍ هذا القيدِ أتي الحاكمُ، وغيرُه ممن خرجوا على شرطهما فهوَ
مزلّةٌ عظيمةٌ، واللهُ الموفقُ(٧).
قولُه: (صرحَ في خطبةٍ كتابهٍ)(٨) عجبٌ معَ قوله: (ويحتملُ أَنْ
يرادَ ... )(٩) إلى آخرِه، فإنَّ الصريحَ ما لا يحتملُ غيره، كذا قيلَ: وليسَ كذلكَ،
فإنَّ الذي لا يحتملُ غيرَ ما ذكرَ له هو النصُّ، وأما الصريحُ فهوَ الظاهرُ، لكنَّ
الاحتمالَ الآخرَ لا يعتدُّ بهِ (١٠)، والعذرُ(١١) عنِ المصنف أنَّهُ رأى الحملَ على
الحقيقةِ - أي: في المثلِ(١٢) - هو الأصلُ، وجعلَ غيرهُ كالعدمِ(١٣).
(١) جاء في حاشية (أ): ((أي: البخاري ومسلم)).
(٢) في (ف): ((أخرجا)).
(٣) جاء في حاشية (أ): ((أي: لهمام)).
(٤) في (ف): ((لم يعزو)).
(٥) لم ترد في (ك).
(٦) لم ترد في (ف).
(٧) من قوله: ((فيكون حينئذٍ مع أمننا من ضعف ... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١٢٨/١ - ١٢٩، وانظر: المستدرك ٣/١.
(٩) شرح التبصرة والتذكرة ١٢٩/١ وتعليقنا عليه.
(١٠) عبارة: ((لكن الاحتمال الآخر لا يعتد به)) لم ترد في (ف).
(١١) من قوله: (( كذا قيل وليس كذلك ... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(١٢) عبارة: ((أي: في المثل)، لم ترد في (ك) و(ف).
(١٣) جاء في حاشية (أ): ((وهو أن يراد بالمثل العين)).

١٦٦
النكت الوفية بما في شرح الألفية
وعبارتهُ في ((النكتِ)) سالمةٌ مِن مثلِ هذا، فإِنَّه قال - بعد أن قرَّر ما فهمهُ
ابنُ دقيقِ العيدِ، والذهبي عنِ الحاكم -: ((ولكنْ ظاهرُ كلامِ الحاكمِ المذكورِ -
يعني: ما نقلهُ عن خطبةِ ((المستدركِ))(١) - يخالفُ ما فهموه عنهُ، واللَّهُ
أعلمُ(٢)))(٣).
قولُه: (وفيهِ نظرٌ)(٤) وجهُ النظرِ أنا إذا سلمنا أَنَّ الضميرَ في مثلها يعودُ على
الأحاديثِ، لا يلزمُ منه أَنَّ المماثلةَ لا تحصلُ إلَّ/ ٤١ب/ بالروايةِ عن أعيانِ الرواةِ
الذينَ أخرجا لهم، أو أحدهما، بل تكفي المماثلةُ، أي: الموازاةُ في الصحةِ .
قلتُ: قوله: (وقد بينتُ المثليةَ في ((الشرحِ الكبيرِ)))(٥) عبارتهُ فيهِ: (( ثمَّ ما
المرادُ بالمثلية عندهما، أو عندَ غيرهما، فقد يكونُ بعضُ من لم يخرج عنهُ في
((الصحيحِ)) مثل من خرجَ عنهُ فيه، أو أعلى منه عند غيرِ الشيخينٍ، ولا يكونُ الأمرُ
عندهما على ذلكَ، فالظاهرُ أنَّ المعتبرَ وجودُ المثليةِ عندهما، ثم المثليةُ عندهما
تعرفُ إِمَّا بتنصيصِهما على أنَّ فلانًا مثلُ فلانٍ، أو أرفعُ منه، وقَلَّ ما يوجدُ ذلكَ،
وإمّا بالألفاظِ الدالةِ على مراتبِ التعديلِ، كأن يقولا في بعضٍ مَنِ احتجابه: ثقةٌ، أو
ثبتٌ، أو صدوقٌ، أو لا بأسَ بهِ، أو غير ذلكَ مِنْ ألفاظِ التوثيقِ، ثمَّ وجدنا عنهما
أنهما قالا ذلكَ أو أعلى منه في بعضٍ من لم يحتجًّا به في كتابيهما، فيستدلُ بذلكَ
على أنَّهُ عندهما في رتبةٍ من احتجا بهِ ؛ لأنَّ مراتبَ الرواةِ معيارُ معرفتِها ألفاظُ التعديلِ
والجرحِ. ولكن هنا أمرٌ فيه غموضٌ لابدَّ مِنَ الإشارةِ إليهِ، وذلكَ أنهم لا يكتفونَ في
(١) جملة اعتراضية مِنَ البقاعي رحمه الله .
(٢) من قوله: ((وعبارته في النكت ... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(٣) التقييد والإيضاح: ٣٠.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١٢٩/١.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١٢٩/١.

١٦٧
النكت الوفية بما في شرح الألفية
التصحيحِ بمجردٍ حالِ الراوي في العدالةِ والاتصالِ، مِن غيرِ نظرٍ إلى غيرهٍ، بل
ينظرون في حاله مع من رَوَی عنه، في کثرة ملازمتهِ له، أو قلتها ، أو کونه من بلدهِ
ممارسًا لحديثهِ، أو غريبًا من بلدٍ من أخذَ عنه، وهذهِ أمورٌ تظهرُ بتصفّحٍ كلامهم،
وعملهم في ذلكَ(١)، والله تعالى أعلمُ)).
قولُه :
٣٩- وَعِنْدَهُ التَّصْحِيحُ لَيْسَ يُمْكِنُ فِي عَصْرِنَا، وَقَالَ يَحْيَى: مُمْكِنُ
/٤٢أ/ لما ذكر أصحَّ كُتبِ الحديثِ، والصحيحَ الزائدَ على ((الصحيحينِ))،
والمستخرجاتٍ، ثمَّ ما يتعلقُ بذلكَ منَ المراتبِ، أشعرَ بانحصارِ الصحيح في ذَلِكَ ؛
فأشعرَ بسدٍّ بابٍ التصحيحِ في هذه الأزمنةِ فصرح به.
قالَ شيخُنا: ((وهذا - أي ردُّ الشيخِ عليهِ، أي: العراقيّ على ابنِ الصلاحِ(٢) -
غيرُ جيدٍ ، لأَنَّه دفعٌ غيرُ مستندٍ إلى دليلٍ، ودعَوَى لا برهانَ عليها، والذي ينبغي أَنْ
تبرزَ علةُ كلِّ قولٍ، ويبرهنَ على رجحانٍ أحدهما، فأقولُ(٣) وبالله التوفيقُ: مقدمةٌ
عبارة ابنِ الصلاح: ((لأنَّهُ ما مِن إسنادٍ مِن ذَلِكَ إلا وتجدُ في رجالِهِ من اعتمدَ في
روايتهِ على ما في كتابهِ عريًا عما يشترطُ في الصحيح مِن الحفظِ، والضبطِ،
والإتقانِ؛ فإنَّ الأمرَ إذًا في معرفةِ الصحيحِ(٤) والحسنِ إلى الاعتمادِ على ما نصَّ عليهِ
أئمةُ الحديثِ في تصانيفهم المعتمدةِ المشهورة التي يؤمنُ فيها لشُهرتها من التغييرِ
والتحريف، وصارَ معظمُ المقصودِ بما يتداولُ مِن الأسانيدِ خارجًا عن ذَلِكَ إبقاء
(١) من قوله: ((قلت: قوله: وقد بينت المثلية ... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(٢) من قوله: ((لما ذكر أصح كتب الحديث ... )) إلى هنا لم يرد في (ك)، والجملة الاعتراضية لم ترد
في (ف) .
(٣) كتب ناسخ (أ): ((أي: ابن حجرٍ)).
(٤) من قوله: ((من الحفظ والضبط؛ إلى هنا لم يرد في (ف).

١٦٨
النكت الوفية بما في شرح الألفية
سلسلةِ الإسنادِ التي خصتْ بها هذه الأمةُ))(١). انتهى(٢).
يمكنُ أنْ يكونَ احترَز بقولِه مجرد اعتبارِ الأسانيدِ عنِ المتواترِ، فإنَّ يجزمُ
بالحكم بصحتهِ بالأسانيدِ، مع ما انضمَّ إليها من القرائنِ التي أفادتِ القطعَ بصدقٍ
نقلتِهِ، لا بالأسانيدِ فقط. وقولُ الشيخ(٣): (عربًا عن الضبطِ، والإتقانِ)(٤) قاصرٌ
عن قول ابن/٤٢ ب/ الصلاح: ((عربًا عما يشترطُ في الصحيح من الحفظِ،
والضبطِ، والإتقانِ))، فقوله: ((في الصحيح)) يفهمُ أنَّه لا يمنعُ الاستقلالَ بالجزمِ
بالحكم بالحسنِ لكنَّ قولُه عقبهُ: ((فَآلَ الأمرُ - إذن - في معرفةِ الصحيحِ والحسنِ
إلى الاعتماد على ما(٥) نصَّ عليهِ أئمةُ الحديثِ ... ))(٦) إلى آخره، يمنعُ هذا المفهومَ
ويوضحُ أَنَّ مراده بالصحيحِ هنا المحتجُ به.
وقوله : (مِنَ الحفظِ ... )(٧) إلى آخره، قال شيخنا: « كنتُ أظنُّه مجرد خطابه ثم
ظهرَ لي أنَّهُ يشيرُ بذلكَ إلى أَنَّ الضبطَ الذي قدمهُ في حدِّ الصحيحِ ضبطان :
ضبطُ صدرٍ، وضبطُ كتابٍ. فأشارَ إلى الأولِ بالحفظِ، وإلى الثاني بالضبطِ ،
والإتقانُ يتعلقُ بكلِّ منهما، وهوَ إشارةٌ إلى تمامِ الذي ذكرناه في الحدِّ، واقتصرَ هو
في الحدِّ على ذكرِ الضبطِ، وأرادَ بهِ الشيئينِ(٨)؛ لأنَّ الحدود يناسبها الإيجاز من
تشبيه لا نسلمُ(٩) أنهُ ما من إسنادٍ ... إلى آخره؛ لأَنَّ هذا النفيَ يحتاجُ إلى استقراء
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٨٣، وتعليقنا عليه.
(٢) من قوله: ((مقدمة عبارة ابن الصلاح ... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(٣) جاء في حاشية (أ): ((أي: العراقي)).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١٢٩/١.
(٥) لم ترد في (ك).
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ٨٣.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١٢٩/١.
(٨) جاء في حاشية (أ): ((أي: الحفظ والضبط)).
(٩) عبارة: ((من تشبيه لا نسلم)) غير مقروءة في (ك).

١٦٩
النكت الوفية بما في شرح الألفية
تامّ، وأنى يكونُ ذلكَ، وأيضًا ففي الأحاديثِ ما هوَ مسلسلٌ بالحفاظِ، لكن يدفعُ
هذا بأنَّه لا يردُ عليه إلَّ حديثٌ ليسَ محكومًا بصحتهٍ إجمالاً، ولا تفصيلاً، ورجال
سنده كلهم ثقاتٌ، وهذا لا يوجدُ، ومن ادّعى الوجودَ فليبين، فنسلمُ حينئذٍ تمامَ
استقراءِ ابنِ الصلاحِ، ولا نسلمُ تعذرَ التصحيحِ، فإنَّ شروطَ الصحيح التي أحدها
الضبطُ ليست مقصودةً لذاتها في شخصٍ معينٍ، وإنما المقصودُ حصولُ معانيها في
السندِ، فالمقصودُ منَ الضبطِ الوثوقُ بأنَّ هذا سمعَ هذا الحديثَ مثلاً /١٤٣/ من
شيخهٍ، وهو ممن يصحُ تحمله وأداؤهُ، وهذا حاصلٌ إنْ شاء اللَّهُ تعالى، أما إذا كان
ضابطًا فلا بأسَ، وإلا فليسَ الاعتمادُ على قوله، إنما الاعتمادُ على من ضبطً
سماعةُ، وأثبتهُ في طبقةٍ السماع، أو على خطّهِ مثلًا، وتصحيحُ الشيخ الضابط له ؛
فإنّ قولَ الضابطِ الثقةِ الذي أثبته: هذا سمعَ(١) الكتابَ الفلانيَّ مثلًا من فلانٍ، قائمٌ
مقامَ قول بعضٍ الحفاظ فيما عنعنهُ المدلسُ :
هذا الحديثُ سمعهُ هذا المدلسُ من شيخهٍ، وإذا وجدَ ذلكَ فلا نزاعَ في
الحکم باتصاله وصحتهِ إنْ كانَ شیخُ المدلسِ ومن فوقه من رجال الصحیحِ، فلیکن
ضبطُ مثبتِ الطبقةِ لهذا العري كذلكَ، ويوضحُ لكَ(٢) ذلكَ إخراجُ البخاريٍّ في
صحيحِه عمن تكلمَ فيهِ من مشايخهِ؛ لمعرفته صحة ما يخرجهُ عنه بأمورٍ خارجيةٍ
عرفها بكثرةِ ممارستهِ لحديثِ ذلكَ الشيخ، ومن ادّعى فرقًا فليبينْ. قالَ: وهذا عام
في الكتبِ المشهورةِ، والأجزاءِ المنثورةِ، وتختصُ الكتبُ الستةُ(٣) المشهورةُ كأبي
داودَ مثلاً بأنا لا نحتاج فيها إلى إسنادٍ خاصُّ منا إلى مصنفيها، فإنّهُ تواترَ عندنا أنَّ
هذا الكتابَ تصنيفُ أبي داودَ مثلًا حتى لو أنكرَ ذلكَ منكرّ، حصلَ لطلابٍ هذا الفنّ
(١) في (ك): ((أسم)).
(٢) لم ترد في (ك).
(٣) لم ترد في (أ) و(ك).

١٧٠
النكت الوفية بما في شرح الألفية
منَ الاستخفافِ بعقلِه، ما يحصلُ لو قالَ: لم يكن في الأرضِ بلدٌ تسمى بغداد ،
وعن الإمامِ نجمِ الدينِ الزاهديٍّ من أئمةِ الحنفيةِ(١) - أنَّه قال في «القِنيةِ))(٢): ((إنّ
الكتبَ المشهورة لا يُحتاجُ فيها إلى إسنادٍ خاصٍّ، بل يقطعُ بنسبتها إلى من
اشتهرت/٤٣ب/ عنه )) .
وفي الركنِ الثاني وهو المقضي به من البابِ الخامسِ من القسمِ الأولِ من
كتابٍ ((تبصرةِ الحكامِ)) لابنٍ فرحون المالكيِّ(٣) الجزمُ بذلكَ. ونقلهُ عن سلطانٍ
العلماءِ الشيخِ عز الدّينِ بنِ عبدِ السلامِ(٤) عن اتفاقِ العلماءِ قالَ: ومن اعتقدَ أن الناسَ
اتفقوا على الخطأ في ذلكَ، فهو أولى بالخطأ منهم. وقد رجعَ الشرعُ إلى أقوالٍ
الأطباءِ في صورٍ، وليست كتبهم في الأصلِ إلا عن قومٍ كفارٍ. ولكن لما بَعُدَ
(١) وهو نجم الدين أبو الرجا مختار بن محمود بن محمد الغزميني الخوارزمي الفقيه الحنفي المعروف
بالزاهدي له مصنفات عديدة منها: شرح القدوري، والفرائض، وزاد الأئمة . توفي سنة (٦٥٨هـ).
انظر: تاريخ الإسلام وفيات ٦٥٨/ ٣٧٠، وهدية العارفين ٤٢٣/٦.
(٢) قال حاجي خليفة في كشف الظنون ١٣٥٧/٢: ((قال المولى تركلي: والقنية وإن كانت فوق
الكتب الغير معتبرة وقد نقل عنها بعض العلماء في كتبهم لكنها مشهورة عند العلماء بضعف الرواية
وأن صاحبها معتزلي ذكر في أولها أنه استصفاها من منية الفقهاء لأستاذه بديع ابن أبي منصور
العراقي وسماها قنية المنية لتتمم الغنية ورقم أسامي الكتب والمفتين بأول حروفها .... )) .
(٣) وهو القاضي برهان الدين إبراهيم بن علي بن محمد بن أبي القاسم فرحون بن محمد بن فرحون
اليعمري المدني المالكي من مصنفاته تسهيل المهمات في شرح جامع الأمهات، وكشف النقاب
الحاجب على مختصر ابن الحاجب. توفي سنة (٧٩٩هـ). انظر: ذيل التقييد لأبي الطيب ١/
٤٣٥، وشذرات الذهب ٣٥٧/٦، وهدية العارفين ١٨/٥.
(٤) وهو عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم الحسن بن محمد بن مهذب السلمي عز الدين الفقيه
الشافعي صاحب المصنفات العديدة منها أمالي في تفسير القرآن، والإمام في أدلة الأحكام، توفي
سنة (٦٦٠هـ). انظر: تاريخ الإسلام وفيات ٤١٦/٦٦٠، وهدية العارفين ٥٨٠/٥.

١٧١
النكت الوفية بما في شرح الألفية
التدليسُ فيها جازَ. ونُقْلَ نحو ذلكَ عن ابنِ الصلاحِ، والضميريِّ، والعراقيّ. قالَ
القرافيُّ : وعلى هذا تحرمُ الفتيا منَ الكتبِ الغربية التي لم تشتهر حتى تتظافرَ عليها
الخواطرُ، ويُعلمَ صحةُ ما فيها، وسوّى ابنُ فرحونَ بينَ الكتبِ المشهورةِ، وبينَ
الحواشي التي بخطّ من يوثقُ به، وما فيها موجودٌّ في الأمهاتِ، وعزا ذلكَ إلى عملٍ
العلماءِ في اعتمادهم عليها. وقالَ: وذلكَ موجودٌ في كلام القاضي عياضٍ،
والقاضي أبي الأصبغ بن سهلٍ، وغيرهما. انتهى ما في ((التبصرةٍ))(١). فلا يحتاج
حينئذٍ إلى اعتبارٍ رجالٍ الإسنادِ الذي يرادُ تصحيحُه إلا من أبي داودَ فصاعدًا. وأولئكَ
يوجدُ فيهمُ الضابطونَ المتقنونَ الحفّاظُ بكثرةٍ. قالَ: وإلى كونِ المصنّفاتِ
المشهورةِ تواترتْ نسبتُها إلى مصنّفيها نظر ابن الصلاح في تحريرهِ الحكم بصحةٍ ما
نصَّ أحدُ الأئمةِ في مصنفهِ المشهورِ على تصحيحِه، وهذا واضحٌ من قولِه: ((فَآلَ
الأمرُ إذن في معرفةِ الصحيحِ والحسنٍ إلى الاعتمادِ على ما نصَّ عليهِ أئمةُ الحديثِ
في تصانيفهم المعتمدة المشهورة التي يؤمن فيها؛ لشهرتها من التغييرِ والتحريفٍ))(٢)
فنلزمُه من هنا بالمصيرِ إلى ما قلنا من إمكانِ التصحيح. أو بالفرقِ ، فنقولُ: الإسنادُ
الذي وصّل إلينا بهِ قولُ ذلكَ المصنفِ : هذا حديثٌ صحيحٌ، هوَ الذي وصلَ إلينا به
جميع ذلكَ الكتابِ، فإمّا أنْ نعتبرَه في كلِّ فردٍ فرد(٣) من أحاديثهِ، وأحكامِه على
بعضِ الأحاديثِ بالصحةِ، وإمّا أن لا نعتبرَه أصلاً، ويكونَ الاعتمادُ في جزمِنا بنسبتهِ
إلى مصنفهِ ما حصَل من شهرتهٍ، ولا فرقَ في هذا بينَ الأحاديثِ والحكم عليها،
واللهُ الموفقُ .
(١) من قوله: ((وعن الإمام نجم الدين الزهدي .... )) إلى هنا لم يرد في (ك)، ومن قوله: ((وفي الركن
الثاني)) إلى هنا لم يرد في (ف).
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٨٣.
(٣) لم ترد في (ك).

١٧٢
النكت الوفية بما في شرح الألفية
وقولُه: ((فإِنّا لا نتجاسرُ على جزمِ الحكمِ بصحتهِ))(١) يقتضي أنَّهُ لا يمنعُ أن
يقال هذا صحيحٌ فيما أظنُّ وما أشبه ذلكَ مما يشعرُ بالترددِ. وقولُ الشيخ(٢): ((فقد
صحَّح غيرُ واحد .. ))(٣) إلى آخرِهِ لا ينهضُ دليلاً على ابنِ الصلاح فَأَنعِمْ تأمّلَ هذا
الفصلَ فإنّهُ من النفائسِ، واللهُ أعلمُ .
قولُه: (كأبي الحسنِ بنِ القطانِ)(٤) قال الشّيخُ في ((النكتِ)): ((فَمِنَ
المعاصرينَ / ١٤٤/ لابنِ الصلاحِ أبو الحسن عليّ بنُ محمدِ بنِ عبدِ الملكِ بنِ
القطانِ(٥) - أي: الفاسي - صاحبُ كتابٍ (( بيانِ الوهمِ والإِيهامِ)) وقد صحّحَ في
كتابهِ المذكورِ عدّةً أحاديثَ، منها حديثُ ابنِ عمرَ: ((أَنّهُ كان يتوضأَ ونعلاهُ في
رجليهِ، ويمسحُ عليهما، ويقولُ: كذلكَ كان رسولُ اللَّهِ إِِّهِ يفعلُ))(٦) أخرجه أبو
بكرٍ البزارُ(٧) في ((مسندهِ))، وقالَ ابنُ القطانِ: إِنّهُ حديثٌ صحيحٌ(٨)، ومنها حديثُ
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٨٣.
(٢) يعني العراقي .
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١٣٠/١.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١٣٠/١.
(٥) توفي سنة (٦٢٨هـ)، وانظر فى ترجمته: سير أعلام النبلاء ٣٠٦/٢٢، وتذكرة الحفاظ
٠١٤٠٧/٤
(٦) بيان الوهم والإيهام (١٥٦٩) و(٢٤٣٢).
(٧) لم أقف عليه في المطبوع من مسند البزار، وسرد سنده ابن القطان في بیان الوهم والإيهام ٢٢٢/٥
إذ قالَ: قال أبو بكر البزار: حدثنا إبراهيم بن سعيد، قال: حدثنا روح بن عبادة، عن ابن أبي
ذئب، عن نافع، عن ابن عمر)) فذكره، وقال: ((قال - أي البزار - : هذا حديث لا نعلمه رواه
عن نافع إلا ابن أبي ذئب، ولا نعلم رواه عنه إلا روح، وإنما كان يمسح عليهما؛ لأنَّه توضأ من
غير حدث، وكان يتوضأ لكل صلاة من غير حدث، فهذا معناه عندنا . انتهى كلام البزار. وقد
سلم صحة الحديث، وذلك ما أردنا)).
(٨) بيان الوهم والإيهام ١٢٥/٤ و٢٢٢/٥.

١٧٣
النكت الوفية بما في شرح الألفية
أنس: ((كان أصحابُ رسولِ اللَّهِ وَّهِ، ينتظرونَ الصلاةَ فيضعونَ جُنُّوبَهم، فمنهم
من ينامُ، ثُمَّ يقومُ إلى الصلاةِ)) رواه هكذا قاسمُ بنُّ أصبغَ وصححه ابنُ القطانِ ،
فقال: وهو كما ترى صحيحٌ(١). وتوفي ابنُ القطانِ هذا وهوَ على قضاءٍ
سِجلْماسةً(٢) من المغربِ سنةً ثمانٍ وعشرينَ وست مائة(٣) ذَكّره ابنُ الأبار في
(( التكملةِ)) .
وممن صحَّح أيضًا من المعاصرين له الحافظُ(٤) ضياءُ الدينِ محمدُ بنُ عبدِ
الواحد المقدسيُّ، فجمعَ كتابًا سمّاه ((المختارة))(٥) التزمَ فيه الصحةَ، وذكّر فيه
أحاديثَ لم يُسبقْ إلى تصحيحها، فيما أعلمُ، وتوفي الضياءُ المقدسيُّ في السنةِ التي
ماتَ فيها ابنُّ الصلاح سنةً ثلاثٍ وأربعينَ وست مائةٍ(٦)، وصحَّح الحافظُ زکيُّ الدینِ
عبدُ العظيمِ بنُ عبدِ القوى المنذريُّ حديثًا في جزءٍ له جمعَ فيه ما وردَ فيهِ: ((غفرَ لهُ
ما تقدّمَ من ذنبهِ، وما تأخّرَ))، وتوفي الزكيُّ عبدُ العظيمِ سنةً ستٍّ وخمسينَ وست
مائةٍ(٧)، ثمّ صحّحَ الطبقةُ التي تلي هذهِ أيضًا، فصحَّح أيضًا (٨) الحافظُ شرفُ الدينِ
عبدُ المؤمنِ بنُ خلفٍ /٤٤ب/ الدمياطيُّ حديثَ جابٍ مرفوعًا: ((ماءُ زمزمَ لما شُرِبَ
له)) في جزءٍ جَمَّعه في ذلكَ، أوردَهُ من روايةِ عبدِ الرحمانِ بنِ أبي المؤّال، عن
(١) بيان الوهم والإيهام ٥٨٩/٥ (٢٨٠٦) وسرد إسناد قاسم بن أصبغ.
(٢) بكسر أوله وثانيه، وسكون اللام، وبعد الألف سين مهملة: مدينة في جنوب المغرب في طرف
بلاد السودان، بينها وبين فاس عشرة أيام. مراصد الاطلاع ٢/ ٦٩٤.
(٣) انظر: تاريخ الإسلام وفيات (٦٢٨): ٣٢١.
(٤) في (ف): ((الحفاظ)).
(٥) جاء في حاشية (أ): ((أي: الأحاديث)).
(٦) انظر: تاريخ الإسلام وفيات ٢٠٨/٦٤٣ - ٢١٤.
(٧) انظر: تاريخ الإسلام وفيات ٢٦٨/٦٥٦ - ٢٧٠.
(٨) لم ترد في (ف).

١٧٤
النكت الوفية بما في شرح الألفية
محمدِ بنِ المنكدرِ، عن جابرٍ، ومن هذه الطريقِ رواه البيهقيُّ في ((شُعبٍ
الإيمانِ))(١)، وإنما المعروفُ روايةُ عبدِ اللَّهِ بنِ المؤملِ، عن أبي الزبير(٢)، كما
رواهُ ابنُ ماجه(٣)، وضعفهُ النوويُّ، وغيره من هذا الوجهِ، وطريقُ ابنِ عباسٍ(٤)
أصح من طريقٍ جابرٍ، ثُمَّ صححت الطبقةُ التي تلي هذهِ وهم شيوخُنا، فصَحَّح
الشيخُ تقيُّ الدينِ السبكيُّ حديثَ ابنِ عمرَ في الزيادةِ في تصنيفهِ المشهورِ كما
أخبرني بهِ، ولم يزلْ ذلكَ دأبُ من بلَغ أهليةَ ذلكَ منهم، إلا أنَّ منهم من لا يقبلُ
ذاكَ منهم، وكذا كان المتقدمونَ ربما صحّحَ بعضُهم، فأُنكِرَ عليهِ تصحيحُه،
واللهُ أعلمُ(٥)))(٦).
قولُه: (حُكْمُ الصَّحِيْحَينِ والتَّعلِيقِ)(٧) عطفهُ ((التعليقَ)) من عطفٍ الخاصِ
على العامِ، وصرّحَ بهِ؛ لأنَّ الصحة والضعفَ يتجاذبانهِ، فمنْ حيثُ ضُّه إلى
(١) شعب الإيمان (٤١٢٨)، وأخرجه من هذا الطريق أيضًا الخطيب في ((تاريخ بغداد)) ١٦٦/١٠.
(٢) في (أ) و(ف): ((ابن المنكدر)) والمثبت من مصادر التخريج.
(٣) سنن ابن ماجه (٣٠٦٢)، وأخرجه أيضًا: ابن أبي شيبة (١٤١٣٧)، والطبراني في ((الأوسط))
(٨٤٩)، والبيهقي ١٤٨/٥، والخطيب في ((تاريخ بغداد)) ١٧٩/٣ من طريق عبد الله بن مؤمل،
به .
وأخرجه: الطبراني في «الأوسط)) (٣٨١٥) من طريق حمزة الزيات، والبيهقي ٢٠٢/٥ من طريق
إبراهيم بن طهمان، كلاهما عن أبي الزبير، به .
وانظر: التلخيص الحبير ٥٧٠/٢ - ٥٧١ (١٠٧٦).
(٤) حديث ابن عباس أخرجه: الدارقطني ٢٨٩/٢، والحاكم في ((المستدرك)) ٤٧٣/١ من طريق
سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجیح، عن مجاهد، عن ابن عباس، به .
(٥) من قوله: ((والله أعلم. قوله: كأبي الحسن بن القطان .... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(٦) التقييد والإيضاح: ٢٣ - ٢٤.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١٣٤/١.

١٧٥
النكت الوفية بما في شرح الألفية
الصحيحِ يظنُّ بهِ الصحةً ، ومن حيثُ قطعهُ وسوقهُ غير مساقِ الكتابِ يظنُّ بِهِ غيرُ ذلكَ .
قولُه: (واقطع بصحةٍ لما)(١) قال شيخُنا: لو قال: ((الذي)) موضع ((لما))
كانَ أرشق .
قلتُ: لا يقالُ: قوله : (وقيلَ ظنًّا)(٢) غيرُ متوارد معَ (واقطع بصحة)(٣) على
محلِّ واحدٍ ؛ لأنَّ القطعَ في نفسِ الحديثِ، والظن في مفاده وما تضمنهُ من المعنى،
ويشهدُ لذلكَ قولُ ابنِ الصلاحِ إِنَّهُ مقطوعٌ بصحتهِ (٤)، والعلمُ اليقينِيُّ النظريُّ واقعٌ
به(٥) فَجَعَلَهُما دعوتينٍ :
الأولى: ترجعُ إلى الصحةِ .
والثانيةُ: إلى المفادِ بالخبرِ/٤٥أ/؛ لأنَّ من المفادِ بالخبرِ الذي أسنداهُ نسبتهُ
إلى من عُزِيَ إليه، وليسَ المرادُ بالصحةِ إلا هذا، وهو مطابقةُ هذهِ النسبةِ للواقعِ،
وهذا هو المرادُ من قولهم: ((العلمُ النظريُّ واقعٌ به بغيرِ شكِّ))(٦)؛ لأنَّ مدلولَ ألفاظٍ
المتنِ تارةً تكونُ نصًّا(٧) صريحًا في المعنى لا يحتمل غيره، وتارةً لا تكون ، فلو كان
المرادُ غيرَ صحةٍ النسبةِ إلى القائلِ لفضَّلُوا، فقالوا: يفيدُ العلمَ إنْ كانَ صريحًا(٨) في
المرادِ، وإلا لم يفدْ، واللَّهُ أعلمُ (٩).
(١) التبصرة والتذكرة (٤٠).
(٢) التبصرة والتذكرة (٤٠).
(٣) التبصرة والتذكرة (٤٠).
(٤) جاء في حاشية (أ): ((أي بصحة نسبته إلى من عزي إليه)).
(٥) انظر: معرفة أنواع علم الحديث : ٩٧.
(٦) معرفة أنواع علم الحديث : ٩٧.
(٧) (( نصًّا)) لم ترد في (ف).
(٨) في (أ): ((نصًا)).
(٩) من قوله: ((قلت: لا يقال قوله: وقيل ظنًّا .... )) إلى هنا لم يرد في (ك).

١٧٦
النكت الوفية بما في شرح الألفية
قولُه: (مضعف)(١) صفةٌ لبعضٍ، أي: في الصحيحينِ بعضُ شيءٍ من
الحديثِ، والأثر مضعفٍ قد ذكرَ فيهما، ولو قيلَ: ((مضعفًا)) بالنصبِ لطرقه
احتمالُ أنْ يكونَ المعنى رَوَى حالَ كونِهِ منبهًا(٢) على ضعفهِ(٣).
قولُه: (ولهما بلا سندٍ أشيا .. )(٤) إلى آخرِهِ، يَدُلُّكَ على أنَّ مرادَهُ التعليقُ
قرينة قوله: ((فإنْ يجزم فصحح))، ويدخلُ في هذا من غيرِ احتياج إلى تقديرٍ
محذوفٍ ما حذفا جميع سندهِ، كأن يقالَ: وقالَ فلانٌ كذا وكذا، ويُذكَر شيءٌ
من مَقولِ ذلكَ الرجل، أو يقالُ: وقالَ النّبيُّ وَلِّ كذا. ويدخلُ فيه معَ تقديرٍ ما
قطعَ سندهُ مما يليهما، وذكّر بعضه من الأثناء فحينئذٍ يكونُ المرادُ بلا سندٍ
كاملٍ(٥).
قولُه: (بأنَّهُ لا يفيدُ في أصلهِ إلا الظنَّ)(٦) يعني: بأصله الصحيح من حيثُ
هو قبلَ احتفافهِ بتلقّي الأُمةِ، أو غيرِهِ منَ القرائنِ فإذا سُلمَ ذلكَ، صار الصحيحُ
المتلقّى بالقبولِ (٧) والصحيحُ المجردُ سواء في الأرجحيةِ، وهذا مما لا يكونُ(٨).
(١) انظر: التبصرة والتذكرة (٤٢).
(٢) جاء في حاشية (أ): ((وما نبه على ضعفه لا البخاري ولا مسلم)).
(٣) وهذا احتمال وإن ورد غير لازم، وانظر: تعليقنا على متن الألفية .
(٤) التبصرة والتذكرة (٤٢).
(٥) من قوله: ((قوله: ولهما بلا سند أشيا ... )) إلى هنا، جاء في (ك) بعد قوله: ((ولا في شيءٍ من
حاله)) وما في (أ) و(ف) أصح؛ لأنه جاء على الترتيب.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١٣٤/١. وهي عبارة ابن الصلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ٩٧.
(٧) لم ترد في (ك).
(٨) من قوله: ((قوله: بأنه لا يفيد في أصله .... )) إلى هنا، جاء في (ك) بعد قوله: ((أو هيئة يزول بها
الإشكال، والله أعلم)) وما في (أ) أصحّ؛ لأنه جاء على الترتيب.

١٧٧
النكت الوفية بما في شرح الألفية
قولُه: (لأنَّ ظنَّ من هوَ معصومٌ)(١) /٤٥ب/، أي: هذه الأمةُ معصومةٌ فيما
أجمعت عليه. قال شيخُنا: ((إنما أجمعوا على الحكم بصحتهٍ، بمعنى أنّهُ ليسَ فيهِ
ما يضعفُ به، بسببٍ فقدِ شرطٍ من شروطِ الصحيحِ، بل جميعُ ما فيهِ جامعٌ
للشرائطِ في الظاهرِ، وهذا لا يقتضي القطعَ بالصحةِ، بمعنى أنَّ رواتَهُ لم يَهِمْ(٢) أحدٌ
منهم في نفسِ الأمرِ مثلًا، وهو حينئذٍ من خبرِ الآحادِ الذي احتفَّ بالقرائنِ، فيفيدُ
العلمَ النظريَّ؛ لأَّهُ لا نزاعَ في أنّهُ أرجحُ من صحيحٍ لم يحصل له هذا التلقي ، واللهُ
أعلمُ .
وعلى تقديرٍ تسليم أنّهُ مقطوعٌ بصحته ينبغي استثناءُ ما يتنافى مفهوماه، كما
استثنى ما ضَعّفه بعضُ الحقّاطِ ، لأنَّ الصحيحَ في نفسِ الأمرِ لا يقعُ فيهِ الاختلافُ،
إلا أنْ يقالَ: التعارضُ إنما هو بالنسبةِ إلى أفهامنا في حيّر الاختيارِ(٣). وقد يظهرُ
للمجتهدِ نفسهِ(٤) في غيرِ ذلكَ الوقتِ أو لغيرهِ وجهُ الجمعِ وعلى تقديرٍ أنْ لا يظهرَ،
فيحتملُ أنْ(٥) يكونَ ذلكَ لإسقاطِ بعضِ الرواةِ لفظةً، أو هيئةً، يزولُ بها الإشكالُ،
واللهُ أعلمُ)) .
قولُه: (لا يخطئُ)(٦) مُسلَّمٌ، وهي لم يخطئُ ظنها(٧) في الموافقة على
صحتهِ بمعنى أنّهُ مُستجمعٌ للشرائطِ في الظاهرِ، فأفادَ تلقّيهم له (٨) بالقبولِ وجوبَ
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٣٥، وهي عبارة ابن الصلاح في معرفة أنواع علم الحديث : ٩٧.
(٢) جاء في حاشية (أ): ((من وهم يهم).
(٣) في (ف): ((الاعتبار)).
(٤) لم ترد في (ك).
(٥) زاد بعدها في (ك): ((لا)).
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١٣٥/١.
(٧) لم ترد في (ك).
(٨) لم ترد في (ف).

١٧٨
النكت الوفية بما في شرح الألفية
العمل بما في الصحيحينِ مُطلقًا من غيرِ نظرٍ فيه بخلافٍ ما في غيرِهما، فإنّه لا يُعملُ
به حتى يُنظرَ فيهِ، وتوجدَ فيه شروطُ الصحيحِ .
قولُه: (ابنُ طاهرِ المقدسي)(١) مُكِيَ عن ابنِ الملقنِ أَنَّه قالَ: ((وأغربَ ابنُ
طاهرٍ فنقلَ/١٤٦/ في كتابهِ ((صفوةِ التصوفِ)) الإجماعَ أيضًا على ما كانَ على
شرطهما)»(٢) .
قولُه: (المحققونَ، والأكثرونَ)(٣) قلتُ: تتمةُ كلامِ النوويِّ (٤): لأُنَّ أخبارَ
الآحادٍ لا تفيدُ إلا الظنَّ، ولا يلزمُ من إجماع الأمةِ على العملِ بما فيها إجماعُهم على
أنَّهُ مقطوعٌ بأنَّه من كلام رسولِ اللَّهِ وَله. قالَ: وقدِ اشتدَّ إنكارُ ابنِ برهانَ الإمامِ
على من قالَ بما قاله الشيخُ، وبالَغ في تغليطِه. قالَ الشّيخُ(٥) في ((النكتِ)): (( وقد
عابَ الشيخُ عزُ الدينِ بنُ عبدِ السلامِ على ابنِ الصلاحِ هذا، وذكرَ أنَّ بعضَ المعتزلةِ
يرونَ أنَّ الأمةَ إذا عَملتْ بحديثٍ اقتضى ذلك القطعَ بصحتهٍ، قال: وهو مذهبٌ
رديءٌ))(٦)، قالَ بعضُ أصحابِتَا: وقالَ ابنُ كثيرٍ - بعدَ أن نَقلَ كلامَ ابنِ الصلاحِ - :
((وهذا جيدٌ ))، ثمَّ نقَل كلامَ النوويِّ، وقالَ: قلتُ: وأنا معَ ابنِ الصلاحِ فيما عوَّل
عليه، وأرشدَ إليهِ))(٧) وقالَ شيخُنا: ((كلامُ النوويِّ(٨) مسلّمٌ من جهةِ الأكثرينَ، وأمّا
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١٣٥/١.
(٢) من قوله: ((فأفاد تلقيهم له بالقبول .... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١٣٥/١.
(٤) انظر: التقريب مع التدريب ١/ ١٣٢.
(٥) جاء في حاشية (أ): ((أي: العراقي)).
(٦) التقييد والإيضاح: ٤١ - ٤٢.
(٧) اختصار علوم الحديث ١٢٦/١، وبتحقيقي: ٩٥.
(٨) من قوله: ((قلت: تتمة كلام النووي .... )) إلى هنا لم يرد في (ك).

١٧٩
النكت الوفية بما في شرح الألفية
المحققونَ فلا، فقد وافقَ ابنَ الصلاح محققونَ أيضًا منهم: الأستاذُ أبو إسحاقَ
الإسفراييني، والقاضي أبو بكر بنُ فورك))(١).
قولُه: (ولما ذكرَ ابنُ الصلاحِ أنَّ ما أستداهُ)(٢)، أي: أو أحدهما، فإِنَّ
عبارةَ ابنِ الصلاحِ عقبَ ما تقدَّم من نقلِ الشيخِ عنه: ((والأمةُ في إجماعِها معصومةٌ
من الخطأ ، ولهذا(٣) كان الإجماعُ المبني(٤) على الاجتهادِ حجةً مقطوعًا بها، وأكثر
إجماعاتِ العلماءِ كذلكَ. وهذهِ نكتةٌ نفيسةٌ نافعةٌ، ومن فوائدِها: القولُ بأنَّ ما انفردَ
بهِ البخاريُّ، أو مسلمٌ/٤٦ب/ مُندرجٌ في قبيلٍ ما يقطعُ بصحتهٍ؛ لتلقّي الأمةِ كلَّ
واحدٍ من كتابيهما بالقبولِ على الوجهِ الذي فصّلناهُ من حالهما فيما سبقَ سوى
أحرف .. ))(٥) إلى آخره .
قولُه: (سوى أحرفٍ يسيرةٍ)(٦) قال في ((النكتِ)): ((قد أجابَ عنها العلماءُ
بأجوبةٍ ، ومعَ ذلكَ فليست بيسيرةٍ، بل هي مواضع كثيرةٌ، وقد جمعتُها في تصنيفٍ
مع الجواب عنها(٧)))(٨).
(١) انظر: التقييد والإيضاح: ٤٢.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١٣٥/١.
(٣) بعد هذا في (ف): ((ولما).
(٤) في (ف): ((المبتني)).
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٩٧، وعلقت هناك بقولي: «هي ليست باليسيرة، فقد بلغت انتقادات
الدارقطني وحده (٢١٨)، وهذا فيما سوى ما انتقده أبو مسعود الدمشقي، وأبو الفضل بن عمار،
وأبو على الجياني .. )).
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١٣٥/١، وهي عبارة ابن الصلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ٩٧.
(٧) من قوله: ((قوله: ولما ذكر ابن الصلاح ... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(٨) التقييد والإيضاح: ٤٢.

١٨٠
النكت الوفية بما في شرح الألفية
قولُه: (كالدارقطني)(١) قالَ شيخُنا: ((الدارقطني ضَعّفَ من أحاديثهما مئتينٍ
وعشرةً، يختصّ البخاريُّ بثمانينَ، واشتركا في ثلاثينَ، وانفردَ مسلمٌ بمائةٍ(٢). قالَ:
وقد ضعفَ غيره أيضًا غيرَ هذهِ الأحاديثِ)). وقالَ النوويُّ في خطبةِ ((شرحٍ صحيحٍ
البخاري)): ((إنَّ ما ضُعّفَ من أحاديثهما مبنيٌّ على عللٍ ليست بقادحةٍ))(٣)، قال:
فكأَنَّه مال بهذا إلى أنّهُ ليسَ فيهما ضعيفٌ. وكلامه في خطبةِ ((شرحٍ مسلمٍ)) يقتضي
تقريرَ قولٍ من ضعّفَ(٤). قال شيخُنا: (( وأظنُّ هذا بالنسبةِ إلى مقامِ الرجلينِ، وأَنّ
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١٣٥/١.
(٢) اختلفت هذه الإحصائية قليلًا في كلام ابن حجر في هدي الساري: ٥٠٦ إذ قال: ((وعدة ما
اجتمع لنا من ذلك مما في كتاب البخاري وإن شاركه مسلم في بعضه مائة وعشرة أحاديث منها ما
وافقه مسلم على تخريجه وهو اثنان وثلاثون حديثًا، ومنها ما انفرد بتخريجه وهو ثمانية وسبعون
حديثًا)) فذكر هنا أن ما تفرد بتخريجه البخاري ثمانية وسبعون حديثًا في حين نقل المؤلف أنها
ثمانون، وأن ما اشترك بتخريجه مع مسلم اثنان وثلاثون في حين ذكر المؤلف عنه أنها ثلاثون،
وكذلك فإنه لم يذكر عدد الأحاديث التي تفرد بتخريجها مسلم.
(٣) نقل ابن حجر كلام النووي في هدي الساري: ٥٠٥ إذ قال: ((وقال في مقدمة شرح البخاري:
فصل قد استدرك الدارقطني على البخاري ومسلم أحاديث فطعن في بعضها، وذلك الطعن مبني
على قواعد لبعض المحدّثين ضعيفة جدًّا مخالفة لما عليه الجمهور من أهل الفقه والأصول وغيرهم
فلا تغتر بذلك)».
(٤) ونص كلام النووي في شرح صحيح مسلم ٢٧/١: ((وقد استدرك جماعةٌ على البخاري ومسلم
أحاديث أخلا بشرطهما فيها، ونزلت عن درجة ما التزماه، .... وقد ألف الإمام الحافظ أبو الحسن
علي بن عمر الدارقطني في بيان ذلك كتابه المسمى بالاستدراكات والتتبع وذلك في مثتي حديث
مما في الكتابين، ولأبي مسعود الدمشقي عليهما استدراك أكثره على الرواة عنهما، وفيه ما
يلزمهما، وقد أجيب عن كل ذلك أو أكثره ... )). وعبارة: ((وقد أجيب عن كل ذلك أو أكثره ...
) مشعرة أن الإمام النووي لا يزال على رأيه المتقدم الذي نقله ابن حجر من أنها اعتراضات لا يطعن
فيها على البخاري ومسلم وأن ما اعترض عليهما قد رد كله أو أكثره، لا كما ذهب إليه البقاعي من
أنه يدفع عن البخاري ويقرر على مسلم وكما سيأتي.