النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
النكت الوفية بما في شرح الألفية
فهذا مردودٌ على من تقوَّلهُ))(١)، ومنهم من برهنَ على أرجحيةِ كتابٍ البخاريّ
كشيخنا في ((شرح النخبة))(٢)، وغيرهِ، مِن ذَلِكَ أَنَّ البخاريَّ اشترطَ في إخراجه
الحديثَ في كتابهِ هذا، أنْ يكونَ الراوي لَقِيَ شيخه، ومسلمٌ يكتفي بمجرد
المعاصرةِ(٣).
قولُه: (لم يمازجه غيرُ الصحيح)(٤)، أي: غيرُ الحديثِ الصحيحِ، إِنْ قيلَ:
فيهِ نظرً؛ لأَنَّهُ روى(٥) بعدَ الخطبةِ في كتابٍ الصلاةِ بإسنادٍ إلى يحيى بنِ أبي كثيرٍ:
أَنَّه قالَ: ((لا يُنالُ العلمُ براحةٍ الجسم))(٦) فقد مزجهُ بغيرِ الأحاديثِ كما قاله في
((النت))(٧)، فالجوابُ : أَنَّه نادرٌ فلا حكم له .
قالَ شيخنا: ((وقالَ ابنُ/٢٤ب/ الملقن: رأيتُ بعضَ المتأخرينَ قالَ: إِنَّ
الكتابينِ سواءٌ، فعلى هذا هو قولٌ ثالثٌ، وحكاهُ الطوفيُّ في ((شرح الأربعينَ))،
ومالَ إليه القرطبيُّ في مختصرهِ للبخاريِّ)).
قالَ بعضُ أصحابنا : وقالَ أبو العباس أحمدُ بنُ عمرَ القرطبيّ لما ذكرَ البخاريَّ
ومسلمًا في خطبةٍ كتابهِ ((المفهم))(٨): ((والحاصلُ من معرفةٍ أحوالهما أنهما فرسا
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٨٥.
(٢) نزهة النظر: ٨٧ وما بعدها .
(٣) انظر في تجلية هذه المسألة: نكت الزركشي ١/ ١٦٥، ونكت ابن حجر ٢٨١/١، ونزهة النظر:
٨٧- ٨٨، والبحر الذي زخر ٢/ ٥٣٠.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١١٤/١.
(٥) جاء في حاشية (أ): ((أي: مسلم)).
(٦) صحيح مسلم ٤٢٨/١ (٦١٢) (١٧٥) ط فؤاد، ولفظه: ((لا يستطاع العلم براحة الجسم)).
(٧) التقييد والإيضاح ٢٦.
(٨) جاء في حاشية (أ): ((في شرح مسلم).

١٢٢
النكت الوفية بما في شرح الألفية
رهانٍ ، وأنهما ليسَ لأحدٍ من جنسهما بمسابقتهما، ولا مساوقتهما يدانٍ))(١).
وقالَ الخطيبُ في كتابٍ ((الجامعِ))(٢) حينَ ذكرَ الابتداء بسماعِ الأمهاتِ مِن
كتبٍ الأثرِ، والأصول الجامعة للسننِ: ((وأما أحقها بالتقديمِ الجامعُ، والمسندُ
الصحيحانِ لمحمدِ بنِ إسماعيلَ البخاريِّ، ومسلمٍ بن الحجاجِ)). وقالَ أبو عبدِ اللَّهِ
الحميديُّ في ((الجمعِ بينَ الصحيحينِ))(٣): ((لم نجدْ في الأئمةِ الماضينَ مَن أفصحَ
لنا في جميع ما جمعه بالصحةِ، إلا هذينِ الإمامينِ)).
وقال أبو محمدٍ عبدُ الحقِّ بنُ عبدِ الرحمانِ الإشبيليُّ الحافظُ في («الجمعِ بِينَ
الصحيحينِ)): ((وقد اشتهرا في الصحةِ شهرةً لا يطعنُ عليها وتضمنا منَ الأخبارِ، ما
لجأ الناسُ في الأكثرِ إليها، وحسبكَ مِن هذين الكتابينِ أنهما إنما يعرفانِ
بالصحیحینِ))(٤) .
قولُه: في الشرحِ (مَنْ صنفَ في جمعِ الصحيح)(٥) قيلَ : فائدةُ زيادة
لفظة جمع إخراجٍ غيرِ الصحيح؛ لأنَّهُ إذا كتبٌ شيئًا صحيحًا، وأدرجَ فيهِ شيئًا(٦)
غيرَ صحيحٍ لم يصدق أنَّهُ صنَّفَ في جمعِ الصحيحِ، وعندي أنهُ لا فرقَ بينَ
وجودٍ هذهِ اللفظةِ وعدمِها، كما في النظم مِن قوله: (أولُ(٧) من صنفَ في
(١) انظر: نكت الزركشي ١/ ١٧٠.
(٢) جاء في حاشية (أ): ((في آداب الراوي والسامع))، وهو فيه في ١٨٤/٢ - ١٨٥.
(٣) الجمع بين الصحيحين: ٧٣ - ٧٤. ونصه: ((ووسم كل واحد منهما كتابه بالصحيح، ولم
يتقدمهما إلى ذَلِكَ أحد قبلهما، ولا أفصح بهذه التسمية في جميع ما جمعه أحد سواهما، فيما
علمناه )) .
(٤) من قوله: ((قوله: لم يمازجهُ غير الصحيح .... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١١٥/١.
(٦) عبارة: ((صحيحًا، وأدرج فيه شيئًا)) لم ترد في (ك).
(٧) لم ترد في (ك).

١٢٣
النكت الوفية بما في شرح الألفية
الصحيحِ)(١) وأنَّ كلا العبارتينِ غيرُ صريحِ في تجريد/ ٢٥أ/ الصحيح؛ فإنَّ مَنْ
كتَب الصحيحَ وضمَّ إليهِ قليلاً مِن غيرهِ، كما فعلَ مالكٌ(٢)، لا يخرجُ عن كونِهِ
صنفَ في الصحيحِ، أو في جمعِ الصحيحِ، وعبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((أولُ مَن صنفَ(٣)
الصحيحَ))(٤) كما تقدمَ، أي: جعَله أصنافًا، وهيَ غيرُ صريحةٍ في أَنَّ المراد : أولُ
من أفردَ الصحيحَ عنْ غيرهِ(٥)، فلو قال:
أُولُ مِنْ صَنَّفَ في الصَّحِيحِ فقطْ محمدٌ وبالترجيحِ
خُصَّ فمسلمٌ وبعضُ الغَربِ مع
.
كَانَ أَحسنَ.
قَولُه: (فقد بينتهُ في ((الشرح الكبيرِ))) قال شيخنا (٦): ((أولُ مَنْ صنفَ في
العلمِ، ويؤَّبه ابنُّ جريج بمكةً، ومالكٌ، وابنُ أبي ذئبٍ بالمدينة ، فإنَّ ابن أبي ذئبٍ
صنفَ موطأً، أكبر من ((موطأ مالكٍ)) بأضعافٍ حتى قيلَ لمالكٍ: ما الفائدةُ في
تصنيفكَ؟ فقالَ: ((ما كانَ للَّهِ بَقِيَ)) والأوزاعيُّ بالشامِ، والثوريُّ بالكوفةِ، وسعيدُ
ابنُ أبي عروبةَ، والربيعُ بنُ صبيحٍ بالبصرةِ، ومعمرٌ باليمنٍ)). قالَ(٧): ((وكانَ هؤلاءٍ
في عصرٍ واحدٍ، فلا ندري أيهم سبقَ؟))، وهكذا في ((شرحِ المصنفِ الكبيرِ))،
وقالَ: ((وخالدُ بنُ جميلِ الذي يقالُ لهُ: العبدُ، ومعمرُ بنُ راشدٍ باليمنٍ))، وساقَ
(١) التبصرة والتذكرة (٢٢).
(٢) عبارة: (( كما فعل مالك)) لم ترد في (ك).
(٣) ((صنف)) لم ترد في (ف).
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٨٤.
(٥) من قوله: ((وعبارة ابن الصلاح ... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(٦) انظر: هدي الساري : ٨.
(٧) لم ترد في (ك).

١٢٤
النكت الوفية بما في شرح الألفية
عبارةً أبي محمدِ بنِ خلادٍ الرامهرمزي في كتابهِ («المحدّثِ الفاصلِ))(١) فِي ذَلِكَ،
ثمّ قالَ: (( والحاصلُ من كلامِه، وكلامٍ غيرِهِ أَنَّ أولَ مَنْ صنفَ بمكةً، ابنُ جريج،
وبالمدينةِ ابنُ إسحاقَ ، أو مالكٌ، وبالبصرةِ الربيعُ بنُ صبيحٍ، أو سعدُ بنُ أبي عروبةً،
وبالكوفةِ الثوريُّ، وبالشامِ الأوزاعيُّ، وبواسطِ هشيمٌ، وباليمنِ معمرٌ، وبالريِّ جريرٌ،
يعني : ابنَ عبد الحميدِ ، وبخراسانَ ابنُ المباركِ)). انتهى .(٢)/ ٢٥ب /
قال شيخنا (٣): (( وهذا بالنسبةِ إلى ما يفهمُ منْ لفظٍ تصنيفٍ منْ جعلَ الشيءَ
أصنافًا ، وأما جمعُ حديقٍ إلى مثلهِ، ونحوُ ذَلِكَ في بابٍ واحدٍ فقدَ سبقَ إليهِ الشعبيُّ،
فإِنَّهُ رُويَ عنهُ أنَّه قال: هذا بابٌ من الطلاقِ جسيمٌ، وساقَ فيه أحاديثَ)). انتهى.
قلتُ: ورأيتُ في ترجمةِ الحلاجِ مِن ((تاريخِ الخطيبٍ)): أنَّ القاضي أبا عمرٌ
المالكيَّ توقفَ في أمرهِ حتى قُرئ في كتابٍ له: أمر رُتبهِ، وجعله قائمًا مقامَ الحجّ،
فقالَ لهُ(٤): مِنْ أينَ لكَ هذا؟ فقالَ مِنْ كتابٍ ((الإخلاصِ)) للحسنِ فقالَ: كذبتَ یا
حلالَ الدمِ، فقدْ سمعنا كتابَ ((الإخلاصِ)) للحسنِ، ولم يكنْ فيهِ شيءٍ مِنْ هذا،
ثمَّ حكم بقتلهِ(٥)، فهذا إقرارٌ مِن أبي عمرَ على أَنَّ الحسنَ له كتابُ ((الإخلاصِ))
فهوَ أولُ مَن صنفَ مطلقًا(٦)، واللَّهُ أعلم(٧).
(١) جاء في حاشية (أ): ((بين الراوي والواعي هكذا سماه)) أقول: وهو فيه: ٦١١ الفقرة (٨٩٢)، وما
بعدها .
(٢) من قوله: ((وهكذا في شرح المصنف الكبير ... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(٣) لم ترد في (ك).
(٤) عبارة: ((رتبه، وجعله قائمًا مقام الحج فقال له)) لم ترد في (ف).
(٥) تاريخ بغداد ٧١٨/٨ طبعة دار الغرب، والنص ساقط من الطبعة القديمة.
(٦) من قوله: ((انتهى. قلت: ورأيت في ترجمة الحلاج .... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(٧) لم ترد في (أ).

١٢٥
النكت الوفية بما في شرح الألفية
قولُه :
٢٤- وَلَمْ يَعُمَّاهُ ولكن قَلَّمَا عِنْدَ ابْنِ الاخْرَمْ مِنْهُ قَدْ فَاتَهُمَا
لَمْ يَفُتِ الخَمْسَةَ إِلَّا النَّزْرُ
٢٥- وَرُدَّ لكن قَالَ يَحيَى البَرُّ
أَحْفَظُ مِنْهُ عُشْرَ أَلِفِ أَلْفِ
٢٦- وَفيهِ مَا فِيهِ لِقَوْلِ الجُعْفِي
لَهَا وَمَوْقُوفٍ وفي البُخَارِي
٢٧ - وَعَلَّهُ أَرَادَ بِالشَّكْرَارِ
فَوْقَ ثَلاثَةٍ أُلُوْنًا ذَكَرُوا
٢٨- أَرْبَعَةُ الآلافِ والمُكَزَّرُ
الضميرُ البارزُ في (يعماهُ)(١) عائدٌ إلى الصحيحِ الذي سبقَ تعريفهُ.
قولُه : (إياهما بأحاديثَ)(٢) قال بعضُ أصحابنا: منها حديثُ المرأةِ التي
شربتْ بولَ النبيِّ وََّ(٣) وهي أم أيمنَ - رضي اللَّه عنها - (٤).
قولُه في النظم(٥): (ورُدَّ) إنما كانَ مردودًا؛ لحملهم كلامه على أنهُ يعني:
كتابيهما، كما يأتي عن ابنِ الصلاحِ، ويوضحُ الردَّ أنَّ ((مستدرك الحاكم)) كتابٌ
(١) التبصرة والتذكرة (٢٤).
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١١٥/١.
(٣) أخرجه: الطبراني في «الكبير)) ٢٥/ (٢٣٠)، والحاكم في ((المستدرك)) ٦٣/٤ - ٦٤، وأبو نعيم
في ((الحلية)) ٦٧/٢ من طريق أبي مالك النخعي، عن الأسود بن قيس، عن نبيح العنزي: عن أم
أيمن، قالت: قام رسول اللَّه من الليل إلى فخارة في جانب البيت فبال فيها، فقمت مِن الليل، وأنا
عطشانة، فشربت ما فيها، وأنا لا أشعر، فلما أصبح النبي وَّرِ قالَ: يا أم أيمن قومي فأريقي ما في
تلك الفخارة، قلت: قد والله شربت ما فيها، قالت: فضحك النبي وَ لا حتى بدت نواجذه، ثم
قال: ((أما إنكِ لا تتجعين بطنك أبدًا)). وهو ضعيف؛ لضعف أبي مالك النخعي؛ ولانقطاعه فإن
نبیحًا لم يلحق أم أيمن.
(٤) من قوله: ((قوله: إياهما بأحاديث .... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(٥) ((في النظم)) لم ترد في (أ) و(ك).

١٢٦
النكت الوفية بما في شرح الألفية
كبيرٌ يشتملُ على شيءٍ كثيرٍ مما فاتهما، وإنْ كانَ عليهِ في بعضهِ مقالٌ، فإنَّه يصفو
له منه صحيحٌ كثيرٌ، قالهُ ابنُ الصلاح(١)(٢).
قالَ شيخنا: ((والذي ظهَر لي مِن كلامِه أنَّه غيرُ مريد للكتابينِ(٣) وإنما أرادَ
مدحَ الرجلينِ بكثرةِ الاطلاعِ والمعرفةِ ، لكنْ/٢٦أ/ لما كانَ غيرُ لائقٍ أَنْ يوصفَ أحدٌ
مِنَ الأَمةِ بأَنَّه جمعَ الحديث جميعهُ حفظًا ، وإتقانًا، حتى ذُكِرَ عن الشافعيِّ أَنَّهُ قالَ:
مَن ادّعى أَنَّ السّنّةَ اجتمعتْ كلها عندَ رجلٍ واحدٍ فسقَ، ومن قال: إنَّ شيئًا منها
فاتَّ الأُمةَ فَسَق .
فحينئذٍ عبَّر عما أراد منَ المدح بقولِه: قلَّ ما يفوتهما منه، أي: قَلَّ حديثٌ
يفوتُ البخاريَّ ومسلمًا معرفتهُ، أو نقولُ: سلمنا أَنَّ المرادَ الكتابانِ ، لكنَّ المرادَ
بقوله: مما يثبتُ من الحديثِ: الثبوتُ على شرطهما، لا مطلقُ الصحيحِ. نعم،
قولُ الشيخ محي الدين: إِنَّه لم يفتِ الأصولَ الخمسةَ إلا اليسير(٤) منازٌ فيه إلا أنْ
يتمهلَ لهُ أَنَّ ما فاتها يسيرٌ(٥) بالنسبة إلى ما فيها، أي: أقل مما فيها، ولو كان أقلّ
منهُ مثلًا بألفٍ حديثٍ، فيتوجهُ حينئذٍ، وستأتي ترجمةُ ابنِ الأُخرمِ في معرفةٍ مَنْ تقبلُ
روايتهُ، ومن تردُّ))(٦).
قلتُ: وقولُ البخاريٍّ: ((وتركتُ منَ الصحاح لحالِ الطولِ))(٧). رواهُ عنهُ
(١) من قوله: ((ويوضح الردّ أن مستدرك الحاكم ... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٨٦.
(٣) انظر: نكت الزركشي ١/ ١٨٠.
(٤) التقريب : ٧٩.
(٥) جاء في حاشية (أ): ((الأصول الخمسة)).
(٦) من قوله: ((وستأتي ترجمة ابن الأخرم ... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(٧) رواه ابن عدي في «الكامل)) ٢٢٦/١، وفي «أسماء منْ روى عنهم البخاري)) (٤/ أ)، والخطيب
في ((تاريخ بغداد)) ٨/٢- ٩، والحازمي في ((شروط الأئمة الخمسة)): ٦٢ - ٦٣

١٢٧
النكت الوفية بما في شرح الألفية
إبراهيمُ بنُ معقلِ النسفيُّ(١)، ربما أشعرَ بقلةٍ ما بَقَيَ، وإنَّ قولُه: ((أحفظ مائة ألف
حديثٍ صحيحٍ))(٢) ليسَ على ظاهرهِ، بلِ المرادُ بالمكرراتِ، والموقُوفَاتِ، لكن
قالَ البلقينيُّ: ((نقلَ الحازميُّ(٣) لفظَ البخاريِّ، وفيه: وما تركتُ من الصحاحِ
أکثر))(٤). انتهى .
وكذا رواهُ الحافظُ أبو بكرٍ الإسماعيليُّ، قال: ((لم أُخرِجْ في هذا الكتابِ إلَّا
صحيحًا، وما تركتُ مِن الصحيح أكثر))، قالَ الإسماعيليُّ: ((لأنَّهُ لو أُخرَج كلّ
صحيحٍ عندهُ لجمَع في البابِ الواحدِ حديثَ جماعةٍ منَ الصحابةِ ، ولذكَر طريقَ كل
واحد منهم إذا صحتْ، فيصير(٥) كتابً/٢٦ب/ كبيرًا جدًّا)).
قالَ شيخُنا العلامةُ تائجُ الدينِ بنُ الغرابيليّ: ((قولُ الإسماعيلي هذا يؤيد قولَ
مَنْ قال: إنَّ مقصود البخاريِّ مِنْ قولِه: ((أحفظُ مائةَ ألفٍ حديثٍ)) أنَّ ذلكَ بالتكرارِ
وغيرهِ))(٦). قالَ شيخنا: ((ولقد كانَ استيعابُ الأحاديثِ سهلاً، لو أرادَ القادرُ على
كل شيءٍ، وذَلِكَ بأنْ يجمعَ الأولُ منهم ما وصلَ إليه، ثمَّ يذكرَ مَنْ بعده ما اطلعَ
عليهِ مما فاتهُ مِنْ حديثٍ مستقلُ، أو زيادةٍ في الأحاديثِ التي ذكرها، فيكونُ
كالذيلِ عليهِ، وكذا من بعده فلا يمضي كثيرٌ مِن الزمانِ، إلا وقد استوعبَ(٧)،
وصارت تلكَ المصنَّفاتُ كالمصنَّفِ الواحدِ، ولعمري لقد كانَ هذا في غاية الحسنِ
(١) من قوله: ((لحال الطول ... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(٢) أسنده إليه ابن عدي في مقدمة ((الكامل)) ٢٢٦/١، والخطيب في ((تاريخه)) ٢٥/٢، والحازمي
في ((شروط الأئمة الخمسة)): ٦١، وابن نقطة في ((التقييد)): ٣٣.
(٣) زاد بعدها في (ك): ((من)).
(٤) محاسن الاصطلاح: ٩١.
(٥) جاء في حاشية (أ): ((الأصول الخمسة)).
(٦) من قوله: ((انتهى. وكذا رواه الحافظ أبو بكر ... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(٧) في (ك): (( استوعبته)).

١٢٨
النكت الوفية بما في شرح الألفية
والسَّدادِ، ولكنْ قدرَ اللهُ، وما شاءَ فعلَ)).
قولُه: (وقال مسلمٌ)(١) عبارةُ ابنِ الصلاحِ(٢) عنه: (( ليس كل شيءٍ عندي
صحيحٌ وضعتُه ها هنا - يعني في كتابهِ ((الصحيح))(٣) - إنما وضعتُ ها هنا ما
أجمعوا عليهِ))(٤) أراد واللهُ أعلمُ أنَّهُ لم يضع في كتابهِ إلا الأحاديثَ التي وجدَ عندَه
فيها شرائط الصحيحِ))(٥)(٦) .
قولُه: (يريدُ ما وَجَدَ عندهُ فيها)(٧)، أي: يريدُ الأحاديثَ التي وجدَ عندَه
فيها، وهي عبارةُ ابنِ الصلاح كما عرفتَ(٨)، قالَ البلقينيُّ: ((وقيلَ: أرادَ مسلم
بقوله: (( ما أجمعوا عليهِ)) أربعةً: أحمدَ بنَ حنبلٍ، ويحيى بن يحيى، وعثمانَ بنَ أبي
شيبةً، وسعيدَ بنَ منصورٍ الخراسانيَّ(٩))). انتهى. أي: ولم يرد إجماعَ جميعِ الأمةِ
كما هو المتبادرُ للفهم، لكن لم يُبيّنْ برهانَ هذا القولِ .
قولُه: (وفيهِ ما فيهِ)(١٠) هذا كنايةٌ عن ضعفٍ ما تعقّبُهُ، وتقديرهُ: وهذا
/٢٧أ/ الكلامُ موجودٌ فيه مِن الضعفِ(١١) ما هو موجودٌ فيهِ منهُ، ويكون المرادُ بها
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١١٦/١.
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٨٥ - ٨٦.
(٣) هذه الجملة الاعتراضية من ابن الصلاح.
(٤) صحيح مسلم ١٥/٢ عقب (٤٠٤).
(٥) من قوله: ((قوله: وقال مسلم .... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(٦) إلى هنا انتهى كلام ابن الصلاح.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١١٦/١.
(٨) عبارة: ((وهي عبارة ابن الصلاح كما عرفت)) لم ترد في (ك).
(٩) محاسن الاصطلاح: ٩١. وفي شرح مراد الإمام مسلم انظر تعليقنا المطول على كتاب معرفة أنواع
علم الحديث لابن الصلاح: ٨٦.
(١٠) التبصرة والتذكرة (٢٦).
(١١) جاء في حاشية (أ): ((أي: التفخيم))، ومن ذَلِكَ قوله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُم مِّنَ الْتَحِ مَا غَنِيَهُمْ﴾.

١٢٩
النكت الوفية بما في شرح الألفية
التهويلَ، أو الظهورَ، كأنَّهُ لما كان كالمشاهدِ في وضوحهٍ لم يحتجْ إلی بیانِهِ .
قولُه: (عُشر ألفِ ألفٍ)(١) عبارة ابنِ الصلاح: ((قالَ البخاريُّ: أحفظُ مائةً
ألفٍ حديثٍ صحيحٍ، ومئتي ألفٍ حديثٍ غيرٍ صحيحٍ))(٢)(٣).
قولُه : (بالتكرارِ)(٤) متعلقٌ بمحذوفٍ، تقديرُ الكلامِ: ولعلَّ البخاريَّ أرادَ أَنَّ
الصحيحَ الذي يحفظهُ بلغَ مائةً ألفٍ حالَ كونِهِ مستعينًا في ذَلِكَ بتكرارِ الأحاديثِ
وبالموقوفاتِ، أي: يعدُّ المكررَ بالأسانيدِ أحاديثَ بحسبٍ التكرارِ، ويعدُّ الموقوفَ.
قالَ شيخنا: ((إِنْ قيلَ: احتمالُ إرادةِ المكررِ لا يقدحُ في الدليلِ؛ لأنَّهُ احتمالٌ
ضعيفٌ، ولا يوقفُ الدليل إلا الاحتمال الأرجح، أو المساوي، قيل: جَرت عادةُ
جهابذةِ المحدِّثينَ أَنْ يُسمّوا الحديثَ الواحدَ باعتبارِ سندينٍ حديثينٍ، وما زادَ
بحسبهِ، وكذا الآثارُ، ويؤيدُ أَنَّ هذا هوَ المرادُ أنَّ الأحاديثَ الصحاحَ التي بينَ
أظهرِنا، بل وغير الصحاحِ، لو تتبعتْ منَ المسانيدِ، والجوامعِ، والسننٍ، والأجزاءِ،
وغيرها، لما بلغت مائة ألف بلا تكرارٍ، بل ولا خمسينَ ألفًا، ويبعدُ كلَّ البعدِ، بل
لا يمكنُ عادةً أنْ يكونَ رجلٌ واحدٌ حفظَ ما فاتَ الأمةَ جمعه، فإنَّه إنما حفظَ مِن
أصولٍ مشايخِه وهي موجودةٌ، أو أكثرها. سلمنا أنَّه حفظَ مِنَ الصدورِ، ما لم يكن
مكتوبًا ، لكن يتعذرُ عادةً أنْ لا يكونَ هو كتبَ ذَلِكَ، فیوجدُ بعدهُ، سلمنا، لكن هو
أورغُ مِن أَنْ يكتمهُ، ولو حدَّث به لحملَ عنه، فوجدَ، فتعينَ الحملَ على ما قلنا،
ومنٍ ادعى غيرَ ذَلِكَ فعليهِ البيانُ)).
(١) التبصرة والتذكرة (٢٦).
(٢) من قوله: ((قوله: عشر ألف ألف .... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٨٦.
(٤) التبصرة والتذكرة (٢٧).

١٣٠
النكت الوفية بما في شرح الألفية
قولُه: (وفي البخاريِّ)(١) إلى آخرِه/٢٧ب/ قال شيخنا - باركَ اللَّهُ فى
حياتهٍ - (٢): ((ساقَ المصنفُ هذا مَساقَ فائدةٍ زائدةٍ، وليسَ ذَلِكَ مرادَ ابنِ الصلاحِ،
بل هو تتمةُ قدحهٍ في كلامٍ ابن الأخرمِ، وحاصلهُ: أَنَّهُ يقولُ معنى كلامٍ ابنِ الأخرمِ :
قَلَّ ما فاتهما في كتابيهما مِنَ الصحيحِ، وقوله مردودٌ، بل فاتهما أكثرُ مما خَوَّجاه ؛
لقولِ البخاريِّ: ((أحفظُ مائةَ ألفِ حديثٍ صحيح))، وكتابهُ ليسَ فيهِ بالنسبة إلى
المائة ألفٌ إلَّا یسیرٌ؛ فإنَّ جمیعَ ما فیهِ أربعةُ آلافٍ حديث بغيرِ تكرارٍ، ومع التكرارِ
نحوَ سبعةِ آلافٍ ، ومسلمٌ أكثرُ ما يكون فيهِ كذلكَ؛ وأينَ تقع نسبةُ المجموعِ مِنَ
المائةِ الألف؟ فأينَ قولُ ابنِ الأخرمِ: أنَّهُ لم يفتهما إلا القليلُ، بل قد اتضحَ أنَّهُ فاتهما
الكثيرُ مِن محفوظ البخاري، فكيفَ بمحفوظِ غيرهِ مِنَ الأُمةِ ، وقد تقدمَ الجوابُ عن
هذا )) .
قولُه : (وهو مسلَّمٌ في روايةِ الفربري)(٣) إلى آخرِه، عبارتهُ في ((النكتِ)):
((وأنقصُ الرواياتِ روايةُ إبراهيمَ بنِ معقلٍ، فإنها تنقصُ عن روايةِ الفربري ثلاث مائةٍ
حديثٍ (٤)))(٥).
قالَ شيخنا: ((هذا القولُ غيرُ مسلّم؛ فإنهم إنما قالوا هذا تقليدًا للحموي، فإنه
كتبَ البخاريَّ، ورواهُ عن الفربري، وعدَّ كلَّ بابٍ منه، ثمَّ جمع الجملةَ، وقلدهُ
كلُّ(٦) من جاءَ بعدهُ نظرًا منهمْ إلى أنَّه راوي الكتابِ، ولهُ به العنايةُ التامةُ، وربما
(١) التبصرة والتذكرة (٢٧).
(٢) وهذا دليل واضح على أن البقاعي ألف هذا الكتاب في حياة شيخه الحافظ ابن حجر،
رحمهما اللَّه.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١١٧/١.
(٤) من قوله: ((عبارته في النكت .... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(٥) التقييد والإيضاح: ٢٧.
(٦) لم ترد في (ك).

١٣١
النكت الوفية بما في شرح الألفية
أفهمَ مُفاضلتهم بينَ الرواياتِ أنهم لم يقولوا ذَلِكَ تقليدًا، وليس كذلكَ؛ لأنَّ
حمادَ بنَ شاكرٍ فاتهُ من آخرِ البخاريِّ فوتٌ، فلم يروِهِ، فعدوهُ فبلغَ مثتي حديثٍ،
فقالوا : روايته ناقصةٌ عن روايةِ الفربري هذا القدرِ، وفاتَ ابنَ معقل أكثرُ مِن حماد،
فعدوهُ كما فعلوا في روايةٍ حمادٍ)).
قالَ: ((وفي ذَلِكَ/١٢٨/ نظرٌ، فإِنَّ روايةَ الثلاثةِ مُتفقةٌ في الكتابةِ، وإنما
اختلفت في أَنَّ الفربري سمعَ الجميعَ(١)، وإبراهيمُ وحمادُ فاتهما سماُ(٢) القدرِ
المذكورِ من أواخرِ الكتابِ فقط، وقد بيّن شيئًا مِن ذلكَ أبو عليٍّ الجيانيُّ(٣)، ووقع
لي أصلٌ أصيلٌ مِنْ نسخةِ النسفي متواليًا، إلا أنَّ في آخرِهِ نقصًا منَ الأُصلِ، وقالَ:
إلى هنا انتهى سماحُ النسفي))(٤) .
قال شيخنا(٥): ((ثمَّ لما شرعتُ في ((مقدمةِ شرحِ البخاري)) قلدتهُ - يعني:
الحموي(٦) - كما قلدوهُ إلى كتابٍ السلم، فوجدتُه قال: إِنَّ فيه ثلاثينَ حديثًا ، أو
نحوها - الشكُّ مني - قالَ : فاستكثرتُها بالنسبةِ إلى البابِ، فعددتُها فوجدتُها قد
نقصتْ عمَّا قالَ كثيرًا، فرجعتُ عن تقليدِه، وعددت محررًا بحسبٍ طاقتي فبلغتْ
أحاديثهُ بالمكررِ سوى المعلقات والمتابعاتِ سبعةً آلافٍ وثلاث مائة وسبعةً وتسعينَ
(١) جاء في حاشية (أ): ((أي: سماعًا لا رواية)).
(٢) ((سماع)) لم ترد في (ف).
(٣) انظر: تقييد المهمل وتمييز المشكل ٥٩/١ - ٦٤، بتحقيق صديقنا الشيخ علي العمران،
(حفظه الله) .
(٤) النكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر ٢٩٤/١ - ٢٩٥، وبتحقيقي: ١١٠، وانظر: نكت
الزركشي ١٨٩/١ - ١٩٠.
(٥) من قوله: ((قال: وفي ذلك نظر ... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(٦) عبارة: ((يعني الحموي)) لم ترد في (ك).

١٣٢
النكت الوفية بما في شرح الألفية
حديثًا، وبلغَ ما فيهِ منَ التعاليقِ ألفًا وثلاثَ مائةٍ وأَحَدًا وأربعينَ حديثًا (١)، وبلغَ ما فيهِ
مِن المتابعاتِ والتنبيهِ على اختلافِ الرواياتِ ثلاثَ مائةٍ وأربعةً وثمانينَ حديثًا،
فجميعُ ما في الكتابِ على هذا بالمكررِ تسعةُ آلافٍ واثنانٍ وثمانونَ حديثًا، وهذهِ
العدةُ خارجةٌ عنِ الموقوفاتِ على الصحابةِ، والمقطوعاتِ على التابعينَ فمَن بعدهم،
وبلغت أحاديثهُ(٢) بلا تكرارٍ ألفينٍ وخمسَ مائةٍ وثلاثةً وعشرينٍ حديثًا، هكذا حفظتُه
مِن تقديرهٍ، ورأيتُهُ في خطّ بعضٍ فضلاءٍ أصحابِنا ، أعني: العدةَ بلا تكرارٍ، ثم رأيتُ
عن بعضٍ الحواشي المنسوبة إليه ما يخالفهُ/٢٨ب/ يسيرًا، فراجعتُ نسختي مِن
مقدمتهِ، وقد قرأتُها عليه، فرأيتُ فيها ما نصُّه بعدَ أنْ عدَّ حديثَ كلِّ صحابيٍّ في
البخاريِّ على حدةٍ : فجميعُ ما في صحيح البخاريِّ منَ المتونِ الموصولةِ بلا تکریرِ
على التحريرِ ألفًا حديثٍ وستُمائةٍ حديثٍ وحديثانٍ، ومنَ المتونِ المعلقةِ المرفوعةِ
التي لم يُوصِلْها في موضعٍ آخرَ منَ الجامعِ المذكورِ مائةٌ وتسعةٌ وخمسونَ حديثًا ؛
فجميعُ ذلكَ ألفا حديثٍ وسبع مائةٍ حديثٍ وواحدٌ وستونَ حديثًا، فاللهُ أعلم)).
وممنْ نَقْلَ عن خطِّ شيخِنا أنَّ الجوزقيَّ قال: ((إنَّ عدةَ الأحاديثِ التي اتفقَ
الشيخانِ عليها ألفا حديثٍ ومثتا حديثٍ))(٣)، وذَكَّر نحو هذا القاضي أبو بكرٍ بنُ
العربيّ، فقالَ: ((أحاديثُ الأحكام التي اشتمل عليها ((الصحيحانِ)) نحو ألفي
حديثٍ))، وقال أبو حفصٍ الميانجيّ في كتابٍ ((ما لا يسعُ المحدِّث جهلهُ)):
(١) من قوله: ((وبلغ ما فيه)) إلى هنا لم يرد في (ف).
(٢) من قوله: ((بالمكرر سوى المعلقات والمتابعات ... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(٣) نقل ابن حجر في النكت ١/ ٢٩٨، وبتحقيقي: ١١٣ عن الجوزقي أنه قال في المتفق: ((إن
جملة ما اتفق الشيخان على إخراجه من المتون في كتابيهما ألفان وثلاثمائة وستة وعشرون
حديثًا » .
-

١٣٣
النكت الوفية بما في شرح الألفية
((اشتمل كتابُ البخاريِّ على سبعةِ آلافٍ وستمائةٍ ونيفٍ(١)، واشتمل كتابُ مسلمٍ
على ثمانيةِ آلافٍ حديثٍ))(٢)، وقالَ الشيخُ في ((النكتِ))(٣): ((ولم يذكر ابنُ
الصلاحِ عدةَ أحاديثِ مسلمٍ، وقدْ ذكرها النوويُّ منْ زياداتِهِ في ((التقريبٍ
والتيسيرٍ ))، فقالَ: ((إنَّ عدةَ أحاديثهِ نحوُ أربعةِ آلافٍ بإسقاطِ المكررِ))(٤)، ولم
يذكر عدتهُ بالمكررِ، وهو يزيدُ على عدةِ كتابٍ البخاريِّ ؛ لكثرةِ طرقهِ، وقد رأيتُ
عن أبي الفضلِ أحمدَ بنِ سلمةً أَنَّهُ اثنا عشرَ ألفَ حديثٍ(٥)))(٦).
قولُه :
٢٩- وَخُذْ زِيَادَةَ الصَّحِيْحِ إِذْ تُنَصُّ صِخَّتُهُ أَوْ مِنْ مُصَنِّفٍ يُخَصُّ
(وَابنٍ خُزَيْمَةَ) وَكَالمُسْتَدْرَكِ
٣٠- بِجَمْعِهِ نَحوَ ( ابْنِ حِبَّانَ) الزَّكِي
إنْ كانتِ الألفُ واللامُ للعهدِ، والمرادُ/١٢٩/ الصحيحُ الذي تقدّمَ حدَّهُ لم
(١) بعد هذا كلام ليس بالقليل في ما لا يسع المحدِّث جهله، حذفه البقاعي.
(٢) ما لا يسع المحدِّث جهله: ١٠ (طبعة السامرائي).
(٣) التقييد والإيضاح: ٢٧.
(٤) التقريب : ٣٤ (طبعة الخن).
(٥) من قوله: ((هكذا حفظته من تقديره .... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(٦) قال ابن حجر في النكت ٢٩٦/١ - ٢٩٧، وبتحقيقي: ١١١ - ١١٢: ((وعندي في هذا نظر
وإنما لم يتعرض المؤلف (يعني : ابن الصلاح) لذلك؛ لأنه لم يقصد ذکر عدّة ما في البخاري حتى
يستدرك عليه عدّة ما في كتاب مسلم، بل السبب في ذكر المؤلف لعدة ما في البخاري أنه جعله
من جملة البحث في أن الصحيح الذي ليس في الصحيحين غير قليل ، خلافًا لقول ابن الأخرم؛
لأن المؤلف رتب بحثه على مقدمتين إحداهما: أن البخاري قال: «أحفظ مائة ألف حديث
صحيح))، والأخرى: أن جملة ما في كتابه بالمكرر سبعة آلاف ومئتان وخمسةً وسبعون حديثاً .
فينتج أن الذي لم يخرجه البخاري من الصحيح أكثر مما أخرجه .... ).

١٣٤
النكت الوفية بما في شرح الألفية
يصح؛ لأنَّ من ذُكِرَ كابنٍ خزيمةَ يُسمِّي الحسنَ صحيحًا، وإنْ كانت جنسيةً،
والمرادُ ما هو أعمّ، فلم ينصب على ذَلِكَ قرينةً ترشدُ إليه، بل كلامهُ فيما قَبلَه وَفيما
بعدهُ يأباه، واللهُ أعلمُ .
هذا وصنيعُ المصنفِ في نظمِهما (١) غيرُ جيدٍ، فإنَّه ذكرَ في الشرح أنَّهُ تَعمّدَ
حذفَ تقييدِ التنصيصِ على الصحةِ بالتصانيفِ المعتمدةِ، فلم يمشٍ على اختيارٍ
ابن الصلاحِ في أنَّه لا يمكنُ التصحيحُ في هذا الزمانِ، ولا على اختيارِ غيرِهِ فِي أَنَّ
ذَلِكَ ممكنٌ، والمصنفُ ممنْ يرى الثاني، ولا يرى صحةً جميعٍ ما في ابن حبانَ،
وابن خزيمةً(٢)؛ لأنهما يُسميانِ الحسنَ صحيحًا، والمصنفُ يفرقُ، فصارَ ما
تضمنهُ البيتانِ اختيارًا مُلفّقًا مِنْ مذهبينٍ، وكانَ ينبغي نظمُ كلامٍ ابنِ الصلاحِ بأنْ
يقالَ :
يؤخذُ من مصنفٍ يعتمدُ نصَّ عليهِ(٣) أو كتاب يفردُ
فيه الصحيح ( كابنٍ حبانَ) الزكي (وابن خزيمةً) وكالمستدرك
(١) جاء في حاشية (أ): ((أي البيتين)).
(٢) كتاب ابن خزيمة هو مختصر المختصر من المسند الصحيح عن النبي و ®، وقد حوى هذا
الكتاب بين دفتيه (٣٠٧٩) حديثًا وهي كلها صحيحة عند ابن خزيمة إلا ما ضعفهُ منها أو توقف
فيه أو صدر المتن على السند ومجموع تلك الأحاديث (١٤٣) حديثًا، لكن من خلال دراستي
المستفيضة للكتاب وجدتُ الأحاديث الصحيحة بلغت (٢٦٥٠) حديثًا، أما الأحاديث الضعيفة
فقد بلغت (٤٢٩) حديثًا، وارجع في تفصيلٍ هذه الدراسات في مقدمتي لكتاب مختصر
المختصر، أما الكلام عن عدم تفريق ابن خزيمة بين الصحيح والحسن فهذا لا ينبغي ذكره كما
سبق؛ لأن التصحيح والتحسين من الأمور الاجتهادية، على أن الأحاديث الحسان في كتاب ابن
خزيمة بلغت (١٥٢) حديثًا .
(٣) جاء في حاشية (أ): ((أي ذاك المصنف)).
٠

١٣٥
النكت الوفية بما في شرح الألفية
ويكونَ الضميرُ في : يؤخذُ، عائدًا إلى الصحيحِ الموصوفِ في الترجمةِ، وهي
قولُه: (الصحيحُ الزائدُ على الصحيحينِ)(١) وقيّد بالمصنَّفاتِ؛ ليُخرِجَ الأجزاءَ
المنثورةَ، وبالمعتمدةِ ؛ ليُخرِجَ المصنفاتِ التي لم تشتهر، فلم يقطع بنسبتها إلى
مصنّفيها، وسيأتي ما في ذَلِكَ قريبًا، وعبارةُ ابنِ الصلاحِ واضحةٌ في جميعٍ ذَلِكَ؛
فإنَّهُ قَالَ: ((ثم إنَّ الزيادةَ في الصحيحِ على ما في الكتابينِ(٢) يتلقاها طالبها مما
اشتملَ عليه أحدُ المصنفاتِ المعتمدةِ المشتهرةِ لأئمةِ الحديثِ، كأبي داود ... ))(٣)
إلى آخرٍ کلامِه، فقيدَ بالأمرينِ.
قولُه: (ينصُ)(٤)، أي: يرفعُ، يقالُ: نصَّ فلانٌ/٢٩ب/ الأمرَ، ونصَّ عليه .
قال في ((الصحاح))(٥): ((نصصتُ الحديثَ إلى فلانٍ، أي: رفعتهُ إليهِ)).
وقالَ في ((القاموسِ)): ((والنصّ التوقيفُ، والتعيينُ، ومنتهى كلِّ شيء،
والإسنادُ إلى الرئيسِ الأكبرِ، ورفعُ الحديثِ))(٦).
وقالَ ابنُ القطاع في ((الأفعالِ)): ((نصَّ الحديثَ نَصَّا: رفعهُ إلى المحدِّث
عنهُ، والعروسَ رفعَها على المنصةٍ، وهو كرسيُّها، والشيءَ حرّكَهُ، والدابةً
حثٹتها )»(٧) .
وقالَ الهرويُّ في ((الغريبينِ)): ((النصُّ: التحريكُ حتى يستخرجَ مِنَّ الناقةِ
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١١٨/١.
(٢) يراجع ما كتبهُ الزركشي في نكته ١٩٤/١، والعراقي في التقييد: ٢٧، وابن حجر في نكته
٢٨٩/١.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٨٧.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١١٨/١.
(٥) لم أجدُ في موضعه .
(٦) انظر: القاموس مادة (نص)، وفي النقل تصرف.
(٧) لم أجده في موضعه من الأفعال .

١٣٦
النكت الوفية بما في شرح الألفية
أَقصى سيرها ، والنصُّ أصلهُ منتهى الأشياءِ، وغايتها ومبلغُ أقصاها، ويقالُ : نصصتُ
الرجلَ : إذا استقصيتُ مسألتهُ عن الشيء حتى تستخرج كلّ ما عندهُ))، وقال ابنُ
فارسٍ، والزبيديُّ، والقزازُ: ((ونصُّ كلِّ شيءٍ منها منتهاه)).
وقالَ القزّزُ: ((نصصتُ الحديثَ: إذا أظهرتهُ، وقيلَ: أصلُ النصُ: رفعكَ
الشيءَ، والماشطةُ تنصُّ العروسَ التي ترفعُها على المنصةٍ، وهي تنتص عليها)).
انتھی .
ولم يذكر أحدٌ مِن أهلِ اللغةِ كما ترى ما يقتضي تعدية النصِّ بـ((على)) كما
هو أكثرُ استعمالِ الفقهاءِ، ووجهُ تخريجه: أَنَّ المتكلمَ يحذفُ المفعولَ ويجعلهُ
نسيًا ، فكأَنَّهُ قيلَ: أوقعَ النص على كذا، والأصلُ في المعنى رفع الحديثِ ، أو البيان
على كذا، أو استقصى الكلامَ عليهِ، أو وقفَ الطالبين عليه.
قولُه: (والترمذي والنسائي)(١) قال ابنُ الصلاحِ بعده: ((منصوصًا على
صحته فيها، ولا يكفي في ذلك مجردُ کونه موجودًا في کتابٍ أبي داود، و کتابٍ
/ ١٣٠/ الترمذي، وكتابٍ النسائي، وسائرٍ من جمعَ في كتابهِ بينَ الصحيحِ، وغيره .
ويكفي مجردُ كونه موجودًا في كتبٍ مَن اشترطَ منهمُ الصحيحَ، فيما جمعهُ،
كَكِتابِ ابن خزيمةً(٢)، وكذلكَ ما يوجدُ في الكتبِ المخرجةِ على كتابٍ
البخاريِّ ... ))(٣) إلى آخره.
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١١٨/١.
(٢) لكن يستثنى من ذلك ما ضعّفه ابن خزيمة أو توقف فيه بقوله: ((إن صح الخبر)) أو: ((إن ثبت
الخبر)) أو ما صدر فيه المتن على السند .
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٨٧، وقال الزركشي في نكته ١٩٥/١: ((وإنما قيده ابن الصلاح
بالمصنفات بناء على اعتقاده السابق أنه ليس لأحد التصحيح في هذه الأعصار، وقد وافقه النووي
هنا ذهولا عن اختياره السابق».
ـنا

١٣٧
النكت الوفية بما في شرح الألفية
قولُه: (على الصوابٍ)(١) قال الشيخُ في ((النكتِ)): ((ولا يشترطُ في معرفةٍ
الصحيحِ الزائدِ على ما في الصحيحينٍ أَنَّ ينصَّ الأئمةُ المذكورونَ، وغيرهم على
صحتها في كتبهم المعتمدةِ المشتهرةِ، كما قيدةُ المصنفُ، بل لو نصَّ أحدٌ منهم
على صحتهِ بالإسنادِ الصحيح إليهِ (٢)، كما في ((سؤالاتٍ يحيى بنٍ معينٍ))،
و((سؤالاتِ الإمامِ أحمدَ))، وغيرهما. كفى ذَلِكَ في صحتهِ، وهذا واضحٌ))(٣).
انتھی .
وقد مضى ما فيهِ(٤).
قولُه: ( في غیرٍ تصنیف مشهورٍ)(٥)، قالَ في ((النكت)): « کما لا يُكتفى في
التصحيحِ بوجودٍ أصلِ الحديثِ بإسنادٍ صحيحٍ(٦)))(٧).
قولُه: (على تساهلٍ)(٨) متعلقٌ بـ((خُذْ)) المقدرةِ، مِن جهةٍ أنّه حالٌ مما
تعدتْ إليه بحرفِ الجرّ(٩)، أي: وخُذْ زيادةَ الصحيح مِنَ ((المستدركِ))، حالَ
كونه(١٠) على تساهلٍ، أي(١١): ((المستدركُ))، وإنما كرّرَ أداةَ التشبيهِ في قوله
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١١٩/١.
(٢) لم ترد في التقييد .
(٣) التقييد والإيضاح: ٢٨.
(٤) جاء في حاشية (أ): ((مِنْ كونه (بلفظ) مِنْ كلامه وكلام ابن الصلاح)).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١١٩/١.
(٦) من قوله: ((وعبارة ابن الصلاح واضحة في جميع ذلك ... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(٧) التقييد والإيضاح: ٢٨.
(٨) التبصرة والتذكرة (٣١).
(٩) عبارة: ((من جهة أنه حال مما تعدت إليه بحرف الجر)) لم ترد في (ك).
(١٠) عبارة: ((حال كونه)) لم ترد في (ك).
(١١) في (ك): ((في)).

١٣٨
النكت الوفية بما في شرح الألفية
( وكالمستدركِ) ليختصَّ بهِ تعلّقُ الجارِّ في قوله: (على تساهلٍ)(١) وهذهِ العبارةُ
أحسنُ مِن قولِه في الشرح: وإنما قيّدَ(٢) تعلّقَ الجارِّ ... إلى آخرِه(٣)؛ لأَنَّ تعبيرَه عن
ذَلِكَ مقلوبٌ ، فتأملهُ .
قولُه: (وقالَ ما انفرد)(٤)، أي: وقالَ ابنُ الصلاح: ((الحديثُ الذي انفرد
الحاكمُ بتصحيحِه حسنٌ، إلا إن ظهرتْ فيهِ علةٌ))(٥)، ثمّ اعترضَ عليهِ بقولِه:
( والحقُّ)(٦) ... إلى آخرِهِ، وهو قولُ البدرِ بنِ جماعةٍ في مختصرِ ابنِ الصلاحِ، كما
نقله عنه في /٣٠ب/ ((النكتِ))(٧)))(٨)، وهو مناقشٌ في ذَلِكَ مِن وجوهٍ :
الأولُ: أَنَّ ابنَ الصلاح لم يحصره في كونِه حسنًا، وإنما قالَ: إنهُ دائرٌ بينَ
الصحةِ والحسنٍ فيحتجُ بهِ؛ لأنَّ أسوأ الأحوالِ أنْ يكونَ حسنًا كما هو واضحٌ مِن
قوله : ((إنْ لم يكنْ مِنْ قبيل الصحيحِ، فهوَ مِن قبيلٍ (٩) الحسنِ، يحتجُّ بِهِ))(١٠).
الثاني : أَنَّ ابنَ الصلاح قد حکم بما يليقُ على مقتضى مذهبه، فحكم بضعفٍ
ما فيهِ علَةٌ، وبالاحتجاج بما انفردَ بتصحيحِه، ولم تظهر فيهِ علةٌ، وامتنعَ مِنْ إطلاقٍ
(١) التبصرة والتذكرة (٣١).
(٢) جاء في حاشية (أ): ((حاصله أنه كرر أداة التشبيه للتقييد، لا عكسه)).
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٢٠.
(٤) التبصرة والتذكرة (٣١)، وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ١٢٠/١.
(٥) معرفة أنواع علم الحديث : ٩٠.
(٦) التبصرة والتذكرة (٣٢).
(٧) من قوله: ((قول البدر بن جماعة .... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(٨) التقييد والإيضاح: ٣٠.
(٩) لم ترد في (ك).
(١٠) معرفة أنواع علم الحديث: ٩٠.
٠

١٣٩
النكت الوفية بما في شرح الألفية
الصحةِ عليهِ؛ لأنَّ الحاكمَ متساهلٌ، فلم يعتمدهُ، وهوَ قد سدَّ بابَ التصحيحِ على
نفسهِ، وغيرهٍ في زمانهِ (١)، ولم يزحزحةُ عن رتبةِ الاحتجاج به؛ لأنهُ لم يسد بابَ
التحسينِ كما سيأتي أنَّ كلامهُ يُفهِمُ ذَلِكَ(٢) فهوَ دائرٌ بينَ المرتبتينٍ لم ينزلْ عنهما .
الثالثُ : سَلَّمنا أنه جزمَ بأنهُ حسنٌّ، ولا يحسنُ الاعتراضُ عليهِ؛ لأنَّ قولَه ذَلِكَ
مبنيٌّ على سدِّه بابَ التصحيحِ في هذا الزمانِ، ومنَ المعلومِ أنَّ مَنْ قرر أصلاً، ثمّ
فرّعَ عليهِ لا يناقشُ في التفريع إلا إنْ خالفَ فيهِ أصلَه، وإنما يناقشُ في الأصلِ إِنْ
كان فيه مناقشةٌ، فإذا بطلَ بطلَت تفاريعةُ كلها، فلو قالَ :
بهِ حجة لا أنْ بعلةٍ يرد
وحذف البيتَ الآخر كان أحسنَ، ولا يضرّ تسكينُ هائِه؛ لأنَّ العربَ تفعلُ
مثلَ ذَلِكَ على نيةِ الوقفِ .
قولُه: (والبستيُّ يداني الحاكما)(٣) هذا ردِّ على من اعترضَ على ابنٍ
الصلاحِ لفهمهِ كلامهُ على غيرِ مرادِهِ، فإنَّ عبارةً/١٣١/ ابنِ الصلاحِ: ((واعتنى
الحاكمُ أبو عبدِ اللَّهِ الحافظِ بالزيادةِ في عددِ الحديثِ الصحيحِ على ما في
الصحيحينِ، وجمعَ ذَلِكَ في كتابٍ سماهُ ((المستدركَ))، أودعه ما ليسَ في واحدٍ
منَ الصحيحينِ، مما رآهُ على شرط الشيخينٍ، قد أخرجاه عن روايةٍ في كتابيهما ، أو
(١) الصحيح أن ابن الصلاح لم يرد سد باب التصحيح والتضعيف وإنما أراد التعسير في الأمر، وأنه لا
يتمكن له كل أحد، وفي كلام ابن الصلاح تنبيه على أن الإقدام بالحكم على تصحيح الأحاديث
قضية تنبني عليها تبعة خطيرة أمام اللَّه تعالى وفيها تحذير ضمني لكل من يُريد ولوج ميدان الحكم
على الأحاديث النبوية؛ لأن الحكم على الحديث إثبات شرعٍ أو نفي شرعٍ؛ لأن السنة مصدر مهمّ
من مصادر الأحكام يستنبط من صحيحها الحلال والحرام .
(٢) ((ذلك)) لم ترد في (ك).
(٣) التبصرة والتذكرة (٣٢).

١٤٠
النكت الوفية بما في شرح الألفية
على شرطِ البخاريِّ وحده، أو على شرط مسلم وحدَه، وما أدى اجتهادهُ إلى
تصحيحِه، وإنْ لم يكن على شرطٍ واحدٍ منهما(١)، وهو واسعُ الخطو في شرطٍ
الصحيح، متساهلٌ في القضاءِ بهِ(٢)، فالأولى أنْ نتوسطَ في أمرِه فنقول: ما حكم
بصحته، ولم نجد ذَلِكَ فيهِ لغيرهٍ منَ الأئمةِ ، إنْ لم يكنْ مِنْ قبيلِ الصحيحِ، فهوَ مِن
قبيلِ الحسنِ، يحتجُّ به، ويعملُ به إلا أنْ يظهرَ به(٣) علةٌ توجبُ ضعفهُ(٤)، ويقاربهُ
في حكمِه(٥)( صحيحُ أبي حاتم بن حبانَ البستيّ))))(٦). ففهمَ هذا المعترضُ مِن هذه
العبارة ترجيحَ كتابٍ الحاكمِ على كتاب ابنٍ حبانَ فقالَ: ((أما صحيحُ ابنٍ حبانَ
فَمن عرفَ شرطه، واعتبرَ كلامهُ، عرفَ سموهُ على كتابٍ الحاكم))(٧) فردَّ عليه
الشيخُ بأنَّ المرادَ : ((أنَّ ابن حبانَ يقاربُ الحاكمَ في التساهلِ، فالحاكمُ أشدُّ تساهلًا
منهُ))(٨). قال في ((النكتِ)): ((وهو كذلكَ))(٩) أي أَنَّ عندَ البستيّ تساهلًا، ولكنه
(١) ينظر تعليقنا المطول على معرفة أنواع علم الحديث: ٨٨ - ٩٠.
(٢) انظر: سير أعلام النبلاء ١٧/ ١٧٥، ونكت ابن حجر ٣١٤/١ - ٣١٩.
(٣) في معرفة أنواع علم الحديث: ((تظهر فيه)).
(٤) قال ابن جماعة: ((الحق أن يتبع، ويحكم عليه بما يليق بحاله من الحسن، أو الصحة، أو الضعف)).
قالَ العراقي في التقييد والإيضاح: ٣٠: ((وهذا هو الصواب)).
وانظر: نكت الزركشي ٢٢٦/١، والبحر الذي زخر ٨٤٥/٢ - ٨٤٦.
(٥) جاء في حاشية (أ): ((أي: في التساهل)).
(٦) معرفة أنواع علم الحديث : ٩٠.
انظر: التقييد والإيضاح: ٣٠ - ٣١.
(٧) عني بذلك والله أعلم: الزركشي؛ إذ قال الزركشي في نكته ٢٢٦/١: ((أي يقاربه فيما ذكر،
وليس كما قال، بل صحيح ابن حبان أصح منه بكثير)). وقال البلقيني في محاسن الاصطلاح:
٩٤: ((وابن حبان ليس يقاربه، بل هو أصح منه بكثير))، وذكر ابن كثير ذلك أيضًا في اختصار
علوم الحديث ١٠٩/١، وبتحقيقى: ٨٢.
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٢١.
(٩) التقييد والإيضاح: ٣١.