النص المفهرس
صفحات 101-120
المقدمة ترجمة الإمام مالك بن أنس قال مالك: لا يرثه ورثته، فأرى أنه لا شيء لأهل الوصايا - أيضًا- ، ولا تجوز وصية رجل إلا في ماله، وهذا المال ليس هو للمرتد، وقد صار لجماعة المسلمين، ووصاياه قبل الردة بمنزلة وصيته بعد الردة، ألا ترى أنه لو أوصى بعد الردة بوصية لم تجز وصيته، وماله محجوب عنه إذا ارتد. قلت: أرأيت إن مرض فارتد، فقتل على ردته، فقامت امرأته، فقالت: فر بميراثه مني؟ قال: بلغني عن مالك؛ أنه قال: لا يتهم ههنا أحد أن يرتد عن الإسلام في مرضه؛ لئلا يرتد ورثته، وميراثه للمسلمين. موقفه من السحر والسحرة: جاء في ((موطأ مالك))١، عن محمد بن عبدالرحمن بن سعد بن زرارة: أنه بلغه: أن حفصة - زوج النبي ◌َّ- قتلت جارية لها سحرتها، وقد كانت دبرتها، فأمرت بها؛ فقتلت. قال مالك: والساحر الذي يعمل السحر، ولم يعمل ذلك له غيره، هو مثل الذي قال الله - تبارك وتعالى- في كتابه: ﴿ولقد علموا لمن اشتراه ما لا في الآخرة من خلاق﴾ [البقرة: ١٠٢]، فأرى أن يقتل ذلك؛ إذا عمل ذلك هو نفسه. موقفه من النهي عن الحلف بغير الله: روى عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول اللَّه ◌َ﴾ أدرك عمر بن الخطاب، وهو يسير في ركب وهو يحلف بأبيه، فقال رسول اللّه وَله: ((إن (١) ((تذكرة الحفاظ)) (١ / ٢٠٨). - ١٠١ - ترجمة الإمام مالك بن أنس المقدمة اللّه ینهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفًا؛ فلیحلف بالله، أو یصمت)). موقفه من الشيعة: جاء في ((الصارم المسلول)) (ص ٥٨٠): ((وقال مالك -رضي اللّه عنه -: إنما هؤلاء أقوام أرادوا القدح في النبي -عليه الصلاة والسلام-، فلم يمكنهم ذلك؛ فقدحوا في أصحابه حتى يقال: رجل سوء، فلو كان رجلاً صالحًا؛ لكان أصحابه صالحین)). وجاء فيه (ص ٥٦٩): ((قال مالك: من شتم النبي وَّ قتل، ومن سب أصحابه أدب. وقال عبدالملك بن حبيب: من غلا من الشيعة في بغض عثمان، والبراءة منه، أدب أدبًا شديدًا، ومن زاد إلى بغض أبي بكر وعمر؛ فالعقوبة عليه أشد، ويكرر ضربه، ويطال سجنه حتى يموت)). موقفه من بدعة الجهمية: جاء في ((جامع بيان العلم وفضله)) (٢/ ٩٥): ((وقال مالك: أرايت إن جاء من هو أجدل منه، أیدع دینه کل یوم لدین جدید)). وروى ابن عبدالبر في ((جامع بيان العلم وفضله)) (٢/ ٩٤) بالسند إلی مصعب ابن عبدالله الزبيري، قال: كان مالك بن أنس يقول: الكلام في الدين أكرهه، ولم يزل أهل بلدنا يكرهونه وينهون عنه، نحو الكلام في رأي جهم والقدر، وكل ما أشبه ذلك. - ١٠٢ - المقدمة ترجمة الإمام مالك بن أنس ولا أحب الكلام إلا فيما تحته عمل، فأما الكلام في دين اللَّه، وفي الله -عز وجل-؛ فالسكوت أحب؛ لأني رأيت أهل بلدنا ينهون عن الكلام في الدين، إلا ما تحته عمل)). موقفه من المشبه: ذكر ابن عبدالبر في ((التمهيد)) (٧/ ١٤٦)، فقال: ((روى حرملة بن يحيى قال: سمعت عبدالله بن وهب يقول: سمعت مالك بن أنس يقول: من وصف شيئًا من ذات اللَّه، مثل قوله: ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة﴾ [المائدة: ٦٤]، فأشار بيده إلى عنقه، ومثل قوله: ﴿وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١]، وأشار إلى عينيه، أو أذنه، أو شيئًا من بدنه؛ قطع ذلك منه؛ لأنه شبه بنفسه. ثم قال مالك: أما سمعت قول البراء حين حدث عن النبي صَلى الله قال: ((لا يضحى بشيء من الضحايا))، وأشار البراء بيده كما أشار النبي الا بيده. قال البراء: ويدي أقصر من يد رسول اللّه وَله، فكره البراء أن يصف رسول اللَّه وَ له إجلالاً، وهو مخلوق؛ فكيف الخالق الذي ليس كمثله شيء؟ موقفه من بدعة القدر: جاء في ((الاعتصام)) (١/ ١٣١): ((فمثل ما لا يقدر على رده: ما حكاه الباجي قال: قال مالك: لا تمكن زائغ القلب من أذنك؛ فإنك لا تدري ما يعلقك من ذلك. ولقد سمع رجل من الأنصار من أهل المدينة شيئًا من بعض أهل - ١٠٣ - ترجمة الإمام مالك بن أنس المقدمة القدر، فعلق قلبه، فكان يأتي إخوانه الذي يستنصحهم، فإذا نهوه قال: فكيف بما علق قلبي؛ لو علمت أن الله يرضى أن ألقي نفسي من فوق هذه المنارة؛ لفعلت)). موقفه من الخوارج: جاء في ((المدونة)) (٢/ ٥٠): «قلت: أرأيت قتال الخوارج، ما قول مالك فيهم؟ قال: قال مالك: الإباضية والحرورية، وأهل الأهواء كلهم: أرى أن يستتابوا، فإن تابوا وإلا قتلوا. قال ابن القاسم: ((وقال مالك في الحرورية وما أشبههم: إنهم يقتلون إذا لم يتوبوا، إذا كان الإمام عدلاً؛ فهذا يدلك على أنهم إن خرجوا على إمام عدل، وهم يريدون قتاله، ويدعون إلى ما هم عليه؛ دعوا إلى الجماعة والسنة، فإن أبوا قتلوا. قال: لقد سألت مالكًا عن أهل العصبية الذين كانوا بالشام، قال مالك: أرى للإمام أن يدعوهم إلى الرجوع، وإلى مناصفة الحق بينهم، فإن رجعوا؛ وإلا قتلوا. قلت: أرأيت الخوارج إذا خرجوا فأصابوا الدماء والأموال، ثم تابوا ورجعوا. قال: بلغني أن مالكًا قال: الدماء موضوعة عنهم، وأما الأموال، فإن وجدوا شيئًا عندهم بعينه أخذوه، وإلا لم يتبعوا بشيء من ذلك وإن كانت لهم الأموال؛ لأنهم إنما استهلكوها على التأويل، وهذا الذي سمعت. قلت: فما فرق بين المحاربين والخوارج في الدماء؟ قال: لأن الخوارج خرجوا على التأويل، والمحاربين خرجوا فسقاً وخلوعاً على غير - ١٠٤ - المقدمة ترجمة الإمام مالك بن أنس تأويل، وإنما وضع اللّه عن المحاربين - إذا تابوا- حد الحرابة حق الإمام، وأنه لا يوضع عنهم حقوق الناس، وإنما هؤلاء الخوارج قاتلوا على دين يرون أنه صواب. قلت: أرأيت قتلي الخوارج أيصلى عليهم أم لا؟ قال: لا. قال مالك: القدرية والإباضية لا يصلى على موتاهم، ولا تتبع جنائزهم ولا تعاد مرضاهم؛ فإذا قتلوا؛ فذلك أحرى أن لا يصلى عليهم. ثم ذكر أثراً عن ابن عباس، فقال: عن ابن وهب ... ، أو فرواه عن ابن وهب ... ، أو فأسند عن ابن وهب ... ، أو نحو ذلك من العبارات، عن سفيان بن عيينة، عن عبيدالله بن أبي يزيد، قال: ذكرت الخوارج واجتهادهم عند ابن عباس، قال: فسمعته يقول: ليسوا بأشد اجتهاداً من اليهود والنصارى، ثم هم يضلون، وذكر الأحاديث والآثار في ذمهم. ثم قال مالك، عن عمه أبي سهيل بن مالك، قال: سألني عمر بن عبدالعزيز وأنا معه: ماذا ترى في هؤلاء القدرية؟ قال: قلت: أستتبهم، فإن تابوا؛ وإلا فأعرضهم على السيف. قال عمر: وأنا أرى ذلك. قال مالك: وأنا رأيي على ذلك)). * وفاته: قال الحافظان السيوطي والزرقاني: مرض مالك يوم الأحد، فأقام مريضًا اثنين وعشرين يومًا، ومات يوم الأحد لعشر خلون - وقيل: الأربع عشرة خلت - من ربيع الأول سنة تسع وسبعين ومئه. وقال سحنون عن عبدالله بن نافع: توفي مالك وهو ابن سبع - ١٠٥ - ترجمة الإمام مالك بن أنس المقدمة وثمانين سنة. وفي ((التذكرة)): قال أبو مصعب: لعشر مضت الربيع الأول، وكذا قال ابن وهب. وقال ابن سحنون: في حادي عشر ربيع الأول. وقال ابن أبى أويس: في بكرة اربع عشرة منه. وقال مصعب الزبيري: في صفر، وكلهم قالوا: في سنة تسع وسبعين ومئة. وقال ابن فرحون: اختلف في تاريخ وفاته؛ والصحيح: أنها كانت يوم الأحد، لتمام اثنين وعشرين يومًا من مرضه، في ربيع الأول سنة تسع وسبعين ومئة، فقيل: لعشر مضت، وقيل: لأربع عشرة، ولثلاث عشرة، ولإحدى عشرة، وقيل: لثنتى عشر من رجب. وقال ابن حبيب كاتبه: سنة ثمانين ومئة. وحكي عن ابن سحنون: ثمان وتسعون؛ وهو وهم. قال بكر بن سليمان الصواف: دخلنا على مالك بن أنس في العشية التى قبض فيها، فقلنا له: يا أبا عبدالله! كيف تجدك؟ قال: ما أدري كيف أقول لكم؛ إلا أنكم ستعاينون غدًا من اللَّه ما لم يكن في حساب، ثم ما برحنا حتى أغمضناه - رحمه الله-، وقيل: إنه تشهد، ثم قال: لله الأمر من قبل ومن بعد. ورأى عمر بن يحيى بن سعيد في الليلة التي مات فيها مالك قائلاً يقول: - ١٠٦ - المقدمة ترجمة الإمام مالك بن أنس لقد أصبح الإسلام زعزع ركنه غداة ثوى الهادي لدى ملحد القبر إمام الهدى مازال للعلم صائنًا عليه سلام اللَّه في آخر الدهر قال: فانتبهت وكتبت البيتين في السراج، وإذا بصارخة على مالك -رحمه الله رحمة واسعة -. وغسله ابن كنانة بن أبي الزبير، وابنه يحيى وكاتبه حبيب يصبان الماء، وأنزله في قبره جماعة، وأوصى أن يكفن في ثياب بيض، ويصلى عليه في موضع الجنائز، ودفن بالبقيع. * حليته: قال مطرف بن عبد الله وغيره: كان الإمام طويلاً جسيمًا، عظيم الهامة، أصلع، أبيض الرأس واللحية، شديد البياض إلى الصفرة. وقال مصعب الزبيري: كان من أحسن الناس وجهًا، وأحلاهم عينًا، وأنقاهم بياضًا، وأتمهم طولاً في جودة بدن، وقيل: كان ربعة، والمشهور الأول، وكان أشم، عظيم اللحية تامها، تبلغ صدره، ذات سعة، ويأخذ أطراف شاربه، ولا يحلقه، ويرى حلقه من المثلة، ويترك له سبلتين طويلتين، وكان في أذنيه كبر كأنهما كفا إنسان أو دون ذلك. وقال الحكم بن عبدالله: رأيته وله شعرة يفرقها. وقال أحمد بن إبراهيم: رأيته مضموم الشعر، ولم يكن يخضب. وروی ابن وهب أنه رآه يخضب بالحناء. * لباسه: قال الذهبي: كان إذا اعتم جعل منها تحت ذقنه ويسدل طرفها بين - ١٠٧ - ترجمة الإمام مالك بن أنس المقدمة كتفيه، وكان يلبس الثياب العدنية الجياد. وحكى ابن فرحون عن ابن وهب أنه قال: رأيت على مالك ريطة عدنية مصبوغة بمشق خفيف، وقال لنا: هو صبغ أحبه، ولكن أهلي أكثروا زعفرانها، فتر کتها. قال الزبيري: كان مالك يلبس الثياب العدنية والجياد الخراسانية والمصرية المترفعة البيض ويتطيب بطيب، ويقول: ما أحب لأحد أنعم الله عليه إلا أن يرى أثر نعمته عليه، وكان يقول: أحب للقارىء أن يكون أبيض الثياب. قال بشر: دخلت على مالك فرأيت عليه طيلسانًا يساوي خمس مئة دينار أشبه شيء بالملوك، ولما راجع مالكًا أحد الزهاد؛ لأنه يلبس الدقاق ويأكل الرقاق، ويجلس على الوطيء، ويجعل على بابه حاجبًا؛ أجابه: ((إن كتابه وقع منه موقع النصيحة والشفقة والأدب ... ))، وقال: ((فأما ما ذكرت لي أني ... ؛ فنحن نفعل ذلك ونستغفر الله -تعالى-، فقد قال الله - تعالى -: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة﴾ [الأعراف: ٣٢]، وإني لأعلم أن ترك ذلك خير من الدخول عليه ... )). * أولاده: كان له ابنان: يحيى ومحمد، وابنة: اسمها فاطمة، زوَّجها ابن أخته. وقال أبو عمر: له أربعة بنين: يحيى، ومحمد، وحماد، وأم البنين. يحيى بن مالك يروي عن أبيه نسخة من ((الموطأ)). - ١٠٨ - المقدمة ترجمة الإمام مالك بن أنس وابنه محمد قدم مصر وكتب عنه. حدث عنه الحارث بن مسكين. قال الزبيري: كانت لمالك ابنة تحفظ علمه يعني ((الموطأ))، وكانت تقف خلف الباب، فإذا غلط القارىء نقرت الباب، فيفطن، فينظر مالك فيرد عليه (١). * الحديث والفقه في عصر مالكـ: إن علم الحديث لم يكن قد تميز تميزاً كاملاً عن الفقه في عصر الإمام مالك، بل كانا مختلطين، والفقيه يروي الأحاديث التي يبني عليها استنباطه فيكون محدثاً بما يرويه، وفقيهاً بما يستنبطه، بيد أن بعض الفقهاء كان يغلب عليه الافتاء، وبعضهم كان يغلب عليه الرواية، وبذلك أخذ ينفصل الفقه عن الحديث، فمن تجرَّد لاستنباط الأحكام من القرآن والحديث بعد العلم بصحته؛ كان الفقيه، ومن تجرد للرواية يعرف صحيحها من سقيمها، ويتعرف الرجال عدلهم من مستورهم من غيرهم؛ فهو المحدث. ولم يكن ذلك الانفصال قد تم على وجه كامل في عهد مالك، فكان الفقيه هو المحدث، ولعلك لا تجد عالماً قد اجتمعت له الصفتان بقدر كامل، ويكاد يكون متساوياً في الناحيتين كمالك، فهو الحافظ المحدث، الذي كان أول من نبّه لضرورة تمييز مراتب الرجال بقبول أحاديثهم، ودرس المرويات دراسة ناقد فاحص، وهو إلى هذا إمام دار الهجرة في الفقه والإفتاء، وتشد الرحال لسماع فقهه واستفتائه في المسائل المختلفة. : (١) ((الديباج المذهب)) (١ / ١٨). - ١٠٩ - ترجمة الإمام مالك بن أنس المقدمة * تحريه في الحديث: قال الإمام الشافعي: إذا جاء الحديث؛ فمالك النجم الثاقب. وقال السيوطي (١): قال بعض العلماء: إن البخاري إذا وجد حديثاً يؤثر عن مالك لا يكاد يعدل به إلى غيره؛ حتى إنه يعتبر سند مالك في بعض أحاديثه التي رواها أصح الأسناید. وهو: مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة. قال ابن حبان في ((الثقات)): كان مالك أول من انتقى الرجال من الفقهاء بالمدينة، ولم يكن يروي إلا ما يصح، ولا يحدث إلا عن ثقة مع الفقه والدين والفضل والنسك، وبه تخرج الشافعي. وروى ابن خزيمة في ((صحيحه)) عن ابن عيينة، قال: إنما كنا نتبع آثار مالك، وننظر إلى الشیخ إن کتب عنه؛ وإلا تركناه. وقال عبد الرحمن بن مهدي: ما بقي على وجه الأرض آمن على حديث رسول اللّه وَّيه من مالك بن أنس، ولا أقدم عليه في صحة الحديث أحداً. وكان الإمام مالك يقول: لا يؤخذ العلم (٢) من أربعة: لا يؤخذ من سفيه، ولا يؤخذ من صاحب هوى يدعو إلى بدعة، ولا من كذاب يكذب في أحاديث الناس -وإن كان لا يُتّهم على حديث رسول اللَّه #-، ولا من شيخ له فضل وصلاح وعبادة؛ إذا كان لا يعرف ما يحمل (١) ((تنوير الحوالك)) (ص ٧). (٢) ((الكفاية)) (ص ١٨٩). - ١١٠ - المقدمة ترجمة الإمام مالك بن أنس ويحدث به. وكان يقول (١): إن هذا العلم دين؛ فانظروا عمن تأخذون دينكم، لقد أدركت سبعين ممن يقول: قال رسول اللَّه وَليل، عند هذه الأساطين -وأشار إلى المسجد- فما أخذت عنهم شيئاً، وإن أحدهم لو ائتمن على بيت مال لكان أميناً؛ إلا أنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن. وكذلك يقول: أدركت بهذا البلد -يعني: المدينة- مشيخة لهم فضل وصلاح وعبادة يحدثون، ما سمعت من واحدٍ منهم حديثاً، قيل: ولِمَ يا أبا عبد الله؟! قال: لم يكونوا يعرفون ما يحدثون. وهذا الشأن - أي رواية الحديث والفتوى - يحتاج إلى رجل معه تقى وورع وصيانة وإتقان وعلم وفهم، فيعلم ما يخرج من رأسه يصل إليه، فأما رجل بلا إتقان ولا معرفة؛ فلا ینتفع به، ولا هو حجة، ولا يؤخذ عنه. * فقه مالكـ: آل فقه المدينة إلى مالك عن طريق فقهائها السبعة المشهورين: سعيد ابن المسيب، وسليمان بن يسار، وعبد الله بن عتبة، وأبي بكر بن الحارث، وخارجة بن زيد، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وعروة بن الزبير، وكذلك سالم بن عبد الله بن عمر، الذين تعلموا في مدرسة الخلفاء الراشدين، وأُمَّي المؤمنين: عائشة وأم سلمة، وزيد بن ثابت وعبد اللَّه بن مسعود وأبي هريرة وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر -رضي الله عنهم -. (١) (ترتيب المدارك)) (١ / ١٣٦). - ١١١ - ترجمة الإمام مالك بن أنس المقدمة ولكن أثر ابن عمر كبير فيهم، فلقد شهد المعارك مع الرسول وَلياقة وغزا ورابط مع كبار القَوَّاد، وكان من أكثر الناس رواية وأخذاً بها، كثير التعهد لآثار الرسول چ. تقول أم المؤمنين عائشة: ما رأيت أحداً ألزم للأمر الأول من عبدالله بن عمر. ونافع يقول: لو رأيت ابن عمر يتبع آثار الرسول وَيه؛ لقلت: إن هذا مجنون. والزهري يقول: لا يعدل برأي ابن عمر، فإنه قد قام بعد رسول اللَّه ◌َ له ستين سنة، تقدم عليه وفود الناس، ومات سنة (٧٣ هـ). ويروي عروة بن الزبير: سئل عبد الله بن عمر عن شيء، فقال: لا علم لي به، فلما أدبر السائل؛ قال عبدالله: سئل ابن عمر عما لا علم له به، فقال: لا علم لي به. وتوارث الأئمة هذا المنهج، فيكثر قول مالك: ((لا أدري)) في المسائل أخذاً بالاحتياط، ولا يجتهد إلا في النوازل التي تقع، ولا يفتي في الفروض، ويكره البدع المحدثة التي لم يرد عن الصحابة والسلف المرضيين ما يؤيدها، ويقول: لا يكون العالم عالماً حتى يكون كذلك، وحتى يحتاط لنفسه لما لو تركه لم يكن عليه إثم، ويعلم اليسر، يجيئه رجل من المغرب يقول: إن الأهواء كثرت في بلادي، فجعلت على نفسي إن رأيتك أن آخذ ما تأمرني به، فيصف له شرائع الإسلام: الصلاة، والصوم، والزكاة، والحج، ثم يقول: خذ ولا تخاصم أحداً. - ١١٢ - المقدمة ترجمة الإمام مالك بن أنس وفقه مالك من فكره، فهو فقيه عملي يعتد عليه بالواقع، ومن ذلك: اعتماده على عمل أهل المدينة، واتفاق جماعتها عليه، واعتداده بالعُرف الشرعي والمصلحة، والاعتماد على السوابق القضائية، واتخاذها مصادر وأصولاً. ونرى في فقه مالك من عمل أهل المدينة وعلمهم خصائص التيسير ودفع الحرج، والأخذ بما عليه الجماعة، والقياس على المسلمات من النصوص ذاتها، أو الاستنباط من مجموع النصوص التي تنتج معاني مقطوعاً بها كالنصوص، فالله - سبحانه وتعالى- يقول: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ولم يجعل على الناس في دينهم من حرج، والرسول هو القائل: ((بعثت بالحنيفية السمحة))، و((خذوا من العمل ما تطيقون))، وإن اللَّه إنما أراد بهذه الأمة اليسر، ولم يرد بهم العسر. ولقد أقر أصحابه على التمتع بالحلال، ولم يزهدهم في الدنيا إلى أن يظهر منهم حرص على متاعها، ينذر ويرهب لمقاومة الانحلال، ويرخص ويرغب لمقاومة الحرج، وينهى عن أشياء، ثم يستثني موضع العادة، فيرخص فيه، ففي إقرار الناس على ما جرى عليه عملهم تيسير عليهم؛ إذا لم يناف قصد الشارع، ومن ثم أقر الإسلام من أعراف الجاهلية ما يوافق شريعته، وحرصت أجيال المدينة على أعراف السلف الصالح، عالمين أن جيلهم لا يمكن أن يكون أفضل من سابقيه. واحتفل مالك بالعُرف، فهو يفتي -تبعاً لعرف المدينة- بأن الشريفة - ١١٣ - ترجمة الإمام مالك بن أنس المقدمة تتضرر بالإرضاع فلا تلتزم به. ويقيد الجار بألا يضر جاره ضرراً بيناً غير معتاد، ويجعل العرف مقياساً للاعتبار، ويقول: كل ما عدَّه الناس بيعاً فهو بيع، فيجوز البيوع التي تفرضها عادات الناس، كالبيوع التي تجري بالأفعال دون الأقوال، ويقرر أن خيار الشرط يثبت بناء على العرف، مثلما يثبت بناء على الشرط، ويقرر أن مدة الخيار تختلف بحسب عرف السلع، ولما لم يعمل أهل المدينة بخيار المجلس لم يأخذ بحديث ابن عمر -رضي الله عنهما -: ((البيِّعان كل واحد منهما على صاحبه بالخيار؛ ما لم يتفرقا؛ إلا بيع الخيار))، وقال عنه في ((الموطأ)»: ليس لهذا عندنا حد معروف، ولا أمر معمول به. وتحدث مالك عن الغرر في واحد وثلاثين باباً من ((الموطأ)) ضبطاً لمصلحة التراضي ودفعاً للجهالة. ولقد جوَّز مالك -للعرف- إجارة العين بأجر معلوم مع أنها قد لا تعطي منافع، بل يجوز الإجارة على المنفعة المظنون حصولها، كوعد الإمام بجائزة لم يدله على ما فيه مصلحة عامة، وكالإجارة على البلاغ وهو اصطلاح للمالكية في التعاقد على بلوغ نتيجة بذاتها. وحكم مالك قاعدة سد الذرائع في كثير من أبواب الفقه، وهي في جملتها منع أمر مباح لما يترتب على فعله من مفسدة، مثل منع بيع السلاح وقت الفتنة أو للعدو، ومنع الهدية لمن يلي وظيفة عامة، أو شهادة عدو على عدوه، أو تقديم خصم في مجلس القضاء على خصمه، - ١١٤ - المقدمة ترجمة الإمام مالك بن أنس أو قضاء القاضي بعلمه. ولا يأخذ مالك بالإرادة الظاهرة للمتعاقدين إذا أخفيت إرادة غير مشروعة؛ كبيع العصير ممن يتخذه خمراً، أو إجارة الدار لمن يتخذها نادياً للقمار، أو زواج المحلل، وفي الوقت ذاته يجيز الوسيلة غير المنهي عنها من جهة الأصل؛ إذا أدت إلى مصلحة؛ مثل: دفع المال لمحارب؛ كيلا يقتل دافع المال، فدفع المال غير منهي عنه في الأصل، وإنما المحرم أكل المال بالباطل، ودفع المال للمحارب سيؤدي إلى مصلحة. وهو سياق في تطبيقات حديث: ((لا ضرر ولا ضرار))، فلا يجيز استعمال الحق كلما ناقض النزاهة كأن يستعمل لمجرد الإضرار، أو المعارضة المصلحة عامة، أو تحقيق مصلحة لا تتناسب البتة مع مصلحة الغير، أو لا يمكن بلوغها بطريق لا تحدث ضرراً فاحشاً. كلام ابن خلدون في عمل أهل المدينة: ولقد تعرض ابن خلدون لعمل أهل المدينة عند الإمام مالك، فقال في مقدمته المشهورة: ((وأما أهل الحجاز؛ فكان إمامهم مالك بن أنس الأصبحي، إمام دار الهجرة - رحمه الله تعالى-، واختص بزيادة مدارك أخر للأحكام غير المدارك المعتبرة عند غيره، وهو عمل أهل المدينة؛ لأنه رأى أنهم فيما يتفقون عليه من فعل أو ترك متابعون لمن قبلهم ضرورة لدينهم واقتدائهم، وهكذا إلى الجيل المباشرين لفعل النبي ◌َّ الآخذين ذلك عنه، وصار ذلك عنده من أصول الأدلة الشرعية، وظن كثير أن ذلك من - ١١٥ - ترجمة الإمام مالك بن أنس المقدمة مسائل الإجماع فأنكره؛ لأن دليل الإجماع لا يخص أهل المدينة من سواهم، بل هو شامل للأمة. واعلم أن الإجماع إنما هو: الاتفاق على الأمر الديني عن اجتهاد، ومالك - رحمه الله تعالى- لم يعتبر عمل أهل المدينة من هذا المعنى، وإنما اعتبره من حيث اتباع الجيل بالمشاهدة للجيل، إلى أن ينتهي إلى الشارع -عليه الصلاة والسلام-، وضرورة اقتدائهم تعین ذلك. نعم: المسألة ذكرت في باب الإجماع؛ لأنه أليق الأبواب بها من حيث ما فيها من الاتفاق الجامع بينها وبين الإجماع، إلا أن اتفاق أهل الإجماع عن نظر واجتهاد في الأدلة، واتفاق هؤلاء في فعل أو ترك مستندين إلى مشاهدة من قبله، ولو ذكرت المسألة في باب فعل النبي (وَلاقه وتقريره، أو مع الأدلة المختلفة فيها مثل: مذهب الصحابي، وشرع من قبلنا، والاستصحاب، لكان ألیق)). * مؤلفات الإمام مالكـ: ألف الإمام مالك -رحمه الله- مؤلفات كثيرة غير ((الموطأ)) مروية عنه، أكثرها بأسانيد صحيحة في غير فن من العلم؛ لكنها لم تشتهر، كما أنه لم يواظب على إسماعها، وروايتها غير ((الموطأ)؛ وهي: ١- رسالة إلى هارون الرشيد في الآداب والمواعظ، حدث بها في الأندلس أولاً ابن حبيب عن رجاله عن مالك، وحدث بها آخراً أبو جعفر ابن عون اللّه، والقاضي أبو عبدالله بن مفرج، عن أحمد بن زيدويه الدمشقي، وقد أنكرها غير واحد؛ منهم: أصبغ بن الفرج، وحلف: ما - ١١٦ - المقدمة ترجمة الإمام مالك بن أنس هي من وضع مالك، وفي ((مقدمة أوجز المسالك)): والظاهر أن من أنكرها لما فيها من بعض المناكير، وقد طبعت هذه الرسالة عدة مرات. ٢- رسالة إلى الليث في إجماع أهل المدينة. ٣- رسالة إلى ابن وهب؛ عبدالله أبي محمد بن وهب بن مسلم القرشي مولاهم، صحب مالكاً عشرين سنة، يسمى ديوان العلم، وسماها بعضهم برسالته في القدر، والرد على القدرية. قال ابن فرحون: هو من أشهرها في الباب، ومن خيار الكتب الدالة على سعة علمه. وكذا مدحه القاضي عياض، وقال: هو من خيار الكتب في هذا الباب الدال على سعة علمه بهذا الشأن. ٤ - كتاب ((الأقضية)) كتب به إلى بعض القضاة عشرة أجزاء، رواه عبد الله بن عبد الجليل. ٥- كتابه في النجوم وحساب مدار الزمان ومنازل القمر، وهو كتاب جيد مفيد جداً، قد اعتمد عليه الناس في هذا الباب، وجعلوه أصلاً. ٦ - كتاب ((المناسك)) قال أبو جعفر الزهري: هو من أكبر مؤلفات الإمام، ذكر فيه أحكام المناسك. ٧- كتاب ((المجالسات عن مالك)) جمع فيه ابن وهب ما يذكر الإمام مالك في مجالسه من الفوائد والعلوم من الآثار والأخلاق. ٨- كتاب ((المجالسات)) عن مالك -أيضًا- جمعه محمد بن إبراهيم - ١١٧ - ترجمة الإمام مالك بن أنس المقدمة بن عبدوس بن بشير، فألف في مجالس مالك أربعة أجزاء، كان كثير العبادة، ولد سنة (٢٠٢ هـ)، وتوفي سنة (٢٦١ هـ). ٩- كتابه في ((التفسير لغريب القرآن)) الذي يرويه عنه خالد بن عبدالرحمن المخزومي. ١٠ - ((أحكام القرآن)) ليس من مؤلفات الإمام بنفسه، بل من مؤلفات أبي محمد مكي بن أبي طالب الأندلسي، المتوفى في صدر محرم سنة (٤٣٧ هـ)، جمع فيه الآيات القرآنية وسماها: ((كتاب المأثور عن الإمام مالك في أحكام القرآن». ١١- ((المدونة الكبرى)) وهو كتاب ضخم شهير في فقه المالكية، وليس هو من مؤلفات الإمام، لكنه ينسب إليه، ومؤلفه عبدالرحمن بن القاسم المتوفى سنة (١٩١ هـ)، ركن من أركان مذهب المالكية، جمع فيه أقوال المالكية المأثورة عن الإمام، من أجلِّ الكتب في مذهبهم، شرحه وهذبه جمع من المشايخ. ١٢- ((تفسير القرآن عن الإمام مالك)»، هكذا ذكره من ضبط مؤلفاته. ١٣- ((كتاب المسائل)). ١٤ - ألف محمد أبو الطيب بن أبي بكر بن أحمد بن أبي يوسف المعروف بابن الخلال، المتوفى سنة (٣٢٢ هـ) أربعين جزءاً من منتقى قول مالك. ١٥- ألف محمد أبو إسحاق بن القاسم بن شعبان المتوفى سنة - ١١٨ - المقدمة ترجمة الإمام مالك بن أنس (٣٥٥هـ) كتاباً في ((غرائب مالك)). ١٦ - وألف أحمد بن عبدالملك الإشبيلي، المعروف بابن المكوي المتوفى سنة (٤٠١ هـ) كتاباً في رأي مالك سماه: ((الاستيعاب)) لأقوال مالك مجردة من أقوال أصحابه. وهذا ما ظفرنا من مؤلفاته، وله مؤلفات غير ذلك، حيث ذكر الخطيب أبو بكر في ((تاريخه)) عن أبي العباس السراج النيسابوري أنه قال: هذه سبعون ألف مسألة لمالك، وأشار إلى كتب منضدة عنده، كتبها. ١٧ - ((الموطأ)). وسنفصل الكلام حول ((الموطأ» في الصفحات الآتية: - ١١٩ -