النص المفهرس
صفحات 61-80
المقدمة ترجمة الإمام مالك بن أنس * مولد الإمام مالكـ: ولد الإمام بالمدينة النبوية، وهي مدينة رسول الله وَليفي، ومهجره الذي هاجر إليه، وموطن الشرع، ومبعث النور، ومعقد الحكم الإسلامي الأول، ومهد السنن، وموطن الفتاوى المأثورة، اجتمع بها الرعيل الأول من علماء الصحابة ثم تلاميذهم من بعدهم. وقد وردت في فضائل المدينة النبوية أحاديث وآثار كثيرة، وعقد لها المحدثون تراجم مستقلة في كتبهم. عن أبي هريرة - رضي الله عنه- عن النبي وَله: «على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال))(١). قال مالك بن أنس: المدينة محفوفة بالشهداء، وعلى أنقابها ملائكة يحرسونها، لا يدخلها الدجال ولا الطاعون، وهي دار الهجرة والسنة، وبها خيار الناس بعد النبي ◌َّ وأصحابه، واختارها رسول اللَّه بعد وفاته، فجعل بها قبره، وبها روضة من رياض الجنة، ومنبر رسول اللّه ګڼ، وليس ذلك في البلاد غيرها. وفي رواية: ومنها تبعث أشراف هذه الأمة(٢). وقال جعفر بن محمد: قيل لمالك: اخترت مقامك بالمدينة وتركت الريف والخصب؟ فقال: وكيف لا أختاره، وما بالمدينة طريق إلا سلك عليها رسول اللّه وَليه) وجبريل - عليه السلام- ينزل عليه من عند رب (١) أخرجه البخاري (٢/ ٢٢٣)، ومسلم في «صحيحه» (١٣٧٩). (٢) ((ترتيب المدارك)) (١/ ٣٤). - ٦١ - ترجمة الإمام مالك بن أنس المقدمة العالمين في أقل من ساعة(١). وكان عمر بن عبد العزيز يكتب إلى الأمصار يعلمهم السنن والفقه، ويكتب إلى أهل المدينة يسألهم عما مضى، ويعملون بما عندهم، وسأفيض القول في عمل أهل المدينة في موضعه - إن شاء الله تعالى -. * نبوغه المبكر: ظهر نبوغه من صغره، ورزقه الله -سبحانه وتعالى- قلباً واعياً، وحافظة قوية، وذهناً وقاداً، وحفظ القرآن الكريم في صغره، ثم اتجه إلى حفظ الحديث، فوجد من بيئته مُحَرِّضاً ومن المدينة موعزًا ومشجعاً، ولذلك اقترح على أهله أن يذهب إلى مجالس العلماء ليكتب العلم ويدرسه، فذكر لأمه أنه يريد أن يذهب فيكتب العلم، فألبسته أحسن الثياب وعممته، ثم قالت: اذهب إلى ربيعة فتعلم أدبه قبل علمه. قال بعض معاصريه: رأيت مالكاً منذ صباه على استحفاظ ما یکتب عليه، حتى إنه بعد سماع الدرس يتبع ظلال الأشجار، يستعيد ما تلقى، ولقد رأته أخته كذلك، فذكرته لأبيها، فقال لها: ((يا بنية! إنه يحفظ أحاديث رسول اللَّه وَلِ)). * اجتهاده في طلب العلم: ذكر الإمام مالك: كان لي أخ في سن ابن شهاب، فألقى أبي يوماً علينا مسألة، فأصاب أخي وأخطأت، فقال لي أبي: ألهتك الحمام عن طلب العلم، فغضبت وانقطعت إلى أبي هرمز سبع سنين - وفي رواية: (١) ((ترتيب مدارك)) (١/ ٣٤). - ٦٢ - المقدمة ترجمة الإمام مالك بن أنس ثماني سنين-، لم أخلطه بغيره، وكنت أجعل في كمِّي تمراً وأناوله صبيانه، وأقول لهم: إن سألكم أحد عن الشيخ فقولوا: مشغول، وقال ابن هرمز يوماً لجاريته: من بالباب؟ فلم تر إلا مالكًا، فرجعت، فقالت: ما ثم إلا ذلك الأشقر -تعني: مالكاً-، فقال: ادعيه، فذلك عالم الناس، وكان مالك قد اتخذ تباناً(١) محشواً للجلوس على باب ابن هرمز، يتقي به برد حجر هناك، وقيل: بل من برد صحن المسجد، وفيه كان مجلس ابن هرمز(٢). قال ابن القاسم: أفضى بمالك طلب العلم إلى أن نقض سقف بيته فباع خشبه، ثم مالت علیه الدنيا. وقال أنس بن عياض: جالست ربیعة، ومالك يومئذ معنا، وما يعرف إلا بمالك أخي النضر، ثم ما زال في طلب العلم حتى صرنا نقول: النضر أخو مالك. كان الإمام مالك يبذل أقصى جهده في طلب العلم، ففي الحر الشديد يخرج في الظهر إلى منزل نافع، وهو في البقيع خارج المدينة، يترقب خروجه من منزله، ثم يصطحبه إلى المسجد، حتى إذا استقر نافع واطمأن؛ ألقى عليه أسئلة في الحديث، فأخذ عنه حديثاً كثيراً، وتلقى منه فتاوی ابن عمر. قال الإمام مالك: ((كنت آتى نافعاً نصف النهار، وما تظلني الشجرة (١) المراد: أنه كان محشوًا بعض الثياب بقطن ويجلس عليه، يتقي به برد الحجر، وهو سراويل صغيرة يستر العورة فقط. (٢) («ترتيب المدارك)) (١/ ١٣١). - ٦٣ - ترجمة الإمام مالك بن أنس المقدمة من الشمس أتحيَّن خروجه، فإذا خرج أدعه ساعة، كأني لم أره، ثم أتعرض له؛ فأسلم عليه، وأدعه، حتى إذا دخل؛ أقول له: كيف قال ابن عمر في كذا وكذا؟ فیجیبني، ثم أحبس عنه، وکان فيه حدة)). وقال: كنت آتي ابن هرمز بكرة، فما أخرج من بيته حتى الليل. 1 إنه كان حريصاً على روايات الزهري، روي عنه أنه قال: شهدت العيد، فقلت: هذا اليوم يخلو فيه ابن شهاب الزهري، فانصرفت من المصلى حتى جلست على بابه، فسمعته يقول لجاريته: انظري من بالباب؟ فنظرت، فسمعتها تقول: مولاك الأشقر -مالك-، قال: أدخليه، فدخلت، فقال: ما أراك انصرفت بعد إلى منزلك؟ قلت: لا. قال: هل أكلت شيئاً؟ قلت: لا، قال: فاطعم، قلت: لا حاجة لي فيه، قال: فماذا تريد؟ قلت: تحدثني، قال لي: هات. فأخرجت ألواحي، فحدثني أربعين حديثاً، فقلت: زدني، قال: حسبك، إن كنت حفظت هذه الأحاديث؛ فأنت من الحفاظ، قلت: قد رویتھا، فجذب الألواح من یدي، ثم قال: حدث، فردها إلي، وقال: قم فأنت من أوعية العلم(١). وذكر أنه کان -لشدة حرصه علی حفظ حدیث ابن شهاب- يجلس ومعه خيط، فإذا حدث بحديث عن الرسول وَلهم؛ عقد عقدة حتى يعرف من عدد العقد عدد الأحاديث، ومقدار ما علق بذاكرته. كان ابن شهاب إذا جلس يحدث ثلاثين حديثاً، فحدث يوماً، وعقدت (١) ((ترتيب المدارك)) (١١٩/١)، و((الانتقاء)» (ص ١٨). - ٦٤ - المقدمة ترجمة الإمام مالك بن أنس حديثه، فأنسيت منها حديثاً، فلقيته، فسألته عنه، فقال: ألم تكن في المجلس؟ قلت. بلى. قال: فما لك لم تحفظه؟ قلت: ثلاثون، إنما ذهب عني منها واحد، فقال: لقد ذهب حفظ الناس، ما استودعت قلبي شيئاً فنسيته، هات ما عندك، ے فسألته، فأنبأني، فانصرفت(١). · سعة حفظه: قال: ((ساء حفظ الناس؛ لقد كنت آتي سعيد بن المسيب، وعروة، والقاسم، وأبا سلمة، وحميداً، وسالماً وعدَّ جماعة، فأدور عليهم، أسمع من كل واحد الخمسين حديثاً إلى المئة، ثم أنصرف، وقد حفظته كله من غير أن أخلط حديث هذا بحديث هذا)). لقد روي عنه أنه قال: قدم علينا الزهري، فأتيناه، ومعنا ربيعة، فحدثنا نيفاً وأربعين حديثاً، ثم أتيناه في الغد، فقال: انظروا كتاباً حتى أحدثكم منه، أرأيتم ما حدثتكم به أمس؟ قال له ربيعة: ها هنا من يرد عليك ما حدثت به أمس، قال: ومن هو؟ قال: ابن أبي عامر، قال: هات، فحدثته منها أربعين، فقال: ما كنت أظن أنه بقي أحد يحفظ هذا غيري. قال يحيى بن سعيد: كان مالك حافظاً، وقال يحيى بن معين: ما رأيت أحداً أحفظ لحديث نفسه منه، ومن سفيان. قال الثوري: مالك أحفظ أهل زمانه، ومالك لا يخطئ في الحديث. وقال: لم يبق على وجه الأرض آمن على حديث رسول اللّه وَ ل من مالك. (١) ((ترتيب المدارك)) (١ / ١٣٥). - ٦٥ - ترجمة الإمام مالك بن أنس المقدمة وقال: ما أُقدِّمُ على وجه الأرض في صحة الحديث على مالك أحداً (١). وقال أبو قدامة: مالك أحفظ أهل زمانه. وقال يحيى بن سعيد القطان: ما في القوم أصح حديثاً من مالك. * شيوخه: قال الزرقاني: أخذ عن تسع مئة شيخ فأكثر، قال الغافقي: عدة شيوخه الذين سماهم خمسة وتسعون رجلاً، وعدة صحابته خمسة وثمانون رجلاً، ومن نسائهم ثلاث وعشرون امرأة، ومن التابعين ثمانية وأربعون رجلاً، كلهم مدنيون إلا ستة: أبا الزبير المكي، وحميد الطويل، وأيوب البصريان، وعطاء الخراساني، وعبد الكريم الجزري، وإبراهيم بن أبي عبلة الشامي. · ومن أشهرهم: ١- ربيعة بن أبي عبدالرحمن فروخ، الفقيه، عالم المدينة، ويقال له: ربيعة الرأي، قيل له ذلك؛ لأنه يتقوَّى بالرأي، مولى آل المنكدر، روى عن أنس بن مالك، وعبدالله بن دينار، ومكحول، وعنه مالك، والليث، وخلق، كان ثقة، ثبتاً، أحد مفتيي المدينة، وأدرك جماعة من الصحابة، كانت له حلقة للفتوى بالمدينة، وكان يجلس إليه وجوه الناس، وكان يحصى في مجلسه أربعون معتمًّا. (١) ((ترتيب المدارك)) (١ / ١٥٥). - ٦٦ - المقدمة ترجمة الإمام مالك بن أنس قال الخطيب: كان فقيهاً عالماً بالفقه والحديث. وقال مالك: ذهبت حلاوة الفقه والحديث منذ مات ربيعة. مات سنة (١٣٦ هـ) بالمدينة، وقيل: بالأنبار (١)، روى عنه في ((الموطأ)) أحاديث يعدونها اثني عشر حديثاً ما بين مسند عدده خمسة، ومرسل عدده واحد، وبلاغ عدده ستة(٢). تأثر به الإمام مالك؛ إذ يلبس الأقمصة الرقيقة، ويقول: ما أدركت أحداً يلبس هذه الثياب الرقاق، وإنما كانوا يلبسون الصفاق(٣) إلا ربيعة، فإنه كان يلبس مثل هذا ويشير إلى قميصه. ٢ - أبو داود عبدالرحمن بن هرمز الأعرج، المتوفى سنة (١١٧ هـ) مولى ربيعة بن الحارث يعد ابن هرمز من الطبقة الثانية من أهل المدينة. وعن ابن هرمز أخذ مالك الفقه كما صرحوا، ولقد قالوا: إن مالكاً إذا قال: ((على هذا أدركنا أهل العلم ببلدنا والأمر عندنا))؛ فإنه يريد ربيعة (٤) وابن هرمز(2). فقد روي عن مالك أنه قال: ((كنت آتى ابن هرمز من بكرة، فما أخرج من بيته حتى الليل))، ولازمه مالك على هذا النحو سبع سنوات، أو ثمان. (١) ((طبقات الحفاظ)) (ص ٦٩). (٢) ((التجريد)) (ص ٤٩). (٣) الصفاق: ثوب كثيف نسجه. (٤) ((ترتيب المدارك)) (١ / ٣٧). - ٦٧ - ترجمة الإمام مالك بن أنس المقدمة ٣- نافع -مولى ابن عمر - أبو عبد الله العدوي المدني، أحد الأعلام التابعين أسر في إحدى الحروب بين المسلمين والفرس، فكان من سهم عبد الله بن عمر، فلزمه ما يقرب من ثلاثين سنة، تعلم خلالها القرآن والسنة. وقد روى نافع عن ابن عمر، وأبي هريرة، وعن عائشة، وأم سلمة وغيرهم، وروى عنه من التابعين أبو إسحاق السبيعي، والحكم بن عيينة، وموسى بن عقبة، وابن عون، والأعمش وغيره. وروى عنه مالك، والليث، وابن أبي ليلى، وكثير غيرهم. كان كثير الحديث، ثقة، ضابطاً، صحيح الرواية، لا يعرف له خطأ في جمیع ما رواه. قال عبدالله بن عمر: ((لقد منَّ اللَّه علينا بنافع)). وقال مالك بن أنس: ((كنت إذا سمعت من نافع يحدث عن ابن عمر لا أبالي أن لا أسمعه من غيره))(١). بلغ نافع مرتبة رفيعة من العلم، فاختاره عمر بن عبد العزيز، وبعثه إلى مصر؛ ليعلمهم السنن. توفي نافع - رحمه الله- بالمدينة سنة (١١٧ هـ) على أرجح الأقوال. قال الإمام البخاري: أصح الأسانيد: مالك عن نافع عن ابن عمر. وسمى المحدثون هذا الإسناد ((سلسلة الذهب))؛ لجلالة كل واحد (١) ((تذكرة الحفاظ)) (١ / ٩٤)، و((حسن المحاضرة)) (١ / ١٦٢). - ٦٨ - المقدمة ترجمة الإمام مالك بن أنس من هؤلاء من الرواة. وقد روى له مالك في ((الموطأ)) ثمانين حديثاً، أو أكثر(١). ٤- محمد بن شهاب الزهري، أبو بكر المدني، من زهرة بن كلاب من قريش، المتوفى سنة (١٢٤ هـ)، أو (١٢٣ هـ)، أو (١٢٥ هـ)، وهو محدث، يُعَدُّ رأس المدونين، لُقِّبَ بأعلم الحفاظ، انتهت إليه الرياسة في الحديث في عصره، قال فيه الليث بن سعد - فقيه مصر -: ما رأيت أعلم منه، ويُعَدُّ من صغار التابعين؛ لأنه لقي بعض الصحابة، ولكن أكثر أخذه عن التابعين، ولقد عاصر بعض التابعين، ولكنه كان مقدماً عليهم، وكان عمرو بن دينار - وهو من التابعين- يقول: أي شيء عند الزهري؟ أنا لقيت عمر، وابن عباس ولم يلقهما، فقدم الزهري مكة، فقال عمرو: احملوني إليه - وكان في آخر حياته مقعداً-، فحُمِل إليه، ولم يأتِ إلى أصحابه إلا بعد ليل، فقالوا: كيف رأيته؟ فقال: والله ما رأيت مثل هذا القرشي قط (٢). وكانت له منزلة كبيرة عند الخلفاء الأمويين؛ حتى لقد ولاه القضاء يزيد بن عبد الملك، وكان الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز يقدره حق قدره، حتى لقد كتب إلى الآفاق: عليكم بابن شهاب؛ فإنكم لا تجدون أعلم بالسنة الماضية منه، وقد روی مالك -رضي الله عنه-؛ أنه کان أول من دوّن أحاديث رسول اللّه وَ له بأمر من عمر بن عبد العزيز -رحمه الله -. (١) ((التجريد)) (ص ١٧). (٢) انظر: ((وفيات الأعيان)) (٤/ ١٧٧). - ٦٩ - ترجمة الإمام مالك بن أنس المقدمة وقد كان مع علمه بالحديث فقيهاً، فقد تعلم فقه الفقهاء السبعة من التابعين كما نقلنا عن مالك، وقد وصفه في ذلك النقل بأنه بحر العلم، وقال فيه -أيضاً -: ما له في الناس نظير، ولقد ذكر ابن القيم ((في إعلام الموقعين)): أن محمد بن نوح جمع فتاواه في ثلاثة أسفار ضخمة مرتبة على أبواب الفقه. أخذ مالك عن ابن شهاب علم الحديث، حتى صار أعلم الرواة عنه، وفي ((الموطأ)) أحاديث كثيرة رويت عن طريق ابن شهاب، وكان قد التقى به في أول مرة مع أستاذه ربيعة الرأي، وأنه اختبر حفظه، وفاخر به أستاذه ربيعة، ولازمه، وكان ابن شهاب معجباً بحفظه وإتقانه؛ حتى لقد سماه: ((وعاء العلم)). ٥- جعفر الصادق، وهو ابن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المدني، المتوفى سنة (١٤٨ هـ). يعد من سادات أهل البيت وعباد تابعي التابعين، وعلماء أهل المدينة(١). أخذ مالك الحديث عن جعفر، وأخرج له في ((الموطأ)) تسعة أحادیث. ٦- محمد بن المنكدر، وهو من فقهاء المدينة، وهو محدث، كان من معادن الصدق، و کان قارئاً يعد سيد القراء، وهو وراء ذلك كله زاهد (١) ((إسعاف المبطئ)) (ص ١٨٦). - ٧٠ - المقدمة ترجمة الإمام مالك بن أنس عابد يعد في طبقاتهم، توفي سنة (١٣٥ هـ)، أو (١٣١ هـ) (١). أخذ مالك عن محمد بن المنكدر هذا علماً، وعدَّ من رجال (الموطأ))، وله بضعة أحاديث. يقول الإمام مالك: ((كنت إذا وجدت من قلبي قسوة؛ آتي ابن المنكدر، فأنظر إليه فأبغض نفسي أياماً))(٢). هؤلاء هم أشهر العلماء الذين تتلمذ عليهم الإمام مالك، مع أنه لاقى كثيرين ممن وفدوا على الحجاز للحج، وروى عنهم، فلم يذكر عن مالك أنه رحل في طلب العلم مع أن الرحلة في ذلك الوقت كانت من أهم مقومات العالم، ولا سيما للمحدث، وربما كان ذلك؛ لأن الإمام كان يعتقد أن العلم هو علم المدينة. * تلاميذه: قال الذهبي(٢): حدث عنه أمم لا يكادون يحصون. وقال الزرقاني(٤): والرواة عنه كثيرة جداً، بحيث لا يعرف لأحد من الأئمة رواة کرواته. وقد ألف الخطيب كتاباً في الرواة عنه، أورد فيه ألف رجل إلا سبعة، وذكر عياض أنه ألف فيهم كتاباً، ذكر فيه نيفاً على ألف (١) ((الطبقات الكبرى)) للشعرانى (١/ ٣٢). (٢) ((شذرات الذهب)) (١ / ١٧٨). (٣) («تذكرة الحفاظ)) (١ / ٢٠٧). (٤) (مقدمة شرح الزرقاني)) (١ / ٥). - ٧١ - المقدمة ترجمة الإمام مالك بن أنس وثلاثمائة، وَعَدَّ في ((مداركه)) نيفاً على ألف، ثم قال: إنما ذكرنا المشاهير وتركنا كثيراً، ممن روى عنه من شيوخه الزهري، وأبو الأسود، وأيوب السختياني، وربيعة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وموسى بن عقبة، وهشام بن عروة، ونافع القارئ، ومحمد بن عجلان، وأبو النضر سالم، ومحمد بن أبي ذئب، وابن جريج، والأعمش. قال الدار قطني: لا أعلم أحداً ممن تقدم أو تأخر اجتمع له ما اجتمع المالك، روى عنه رجلان حديثاً واحداً بين وفاتيهما نحو من مئة وثلاثين سنة، الزهري شيخه توفي سنة خمس وعشرين ومئة، وأبو حذافة السهمي توفي بعد الخمسين ومائتين، ورويا عنه حديث الفريعة بنت مالك في سكنى المعتدة. وقال السيوطي: قال أبو حاتم: أثبت أصحاب مالك وأوثقهم معن ابن عيسى، وقال بعض الفضلاء: اختار أحمد بن حنبل في ((مسنده)) رواية عبد الرحمن بن مهدي، والبخاري رواية عبد الله بن يوسف التنيسي، ومسلم رواية يحيى بن يحيى التميمي النيسابوري، وأبو داود رواية القعنبي، والنسائي رواية قتيبة بن سعيد، وكان الإمام الشافعي من أعظم تلامذته، كما صاحبه بضع سنين الإمام محمد بن حسن صاحب أبي حنيفة وكاتب مذهبه، وأحمد ابن حنبل تلميذ للشافعي، والشافعي تلميذ غير مباشر لمالك في مدرسته. روى عن مالك خاصة ((الموطأ)) جماعة من المحدثين، وسيأتي بيانها في موضعها. - ٧٢ - المقدمة ترجمة الإمام مالك بن أنس * ثناء الأئمة عليه: قال الشافعي: مالك حجة الله -تعالى- على خلقه بعد التابعين، وقال يحيى بن سعيد ويحيى بن معين: مالك أمير المؤمنين في الحديث، وزاد ابن معين: كان مالك من حجج الله على خلقه، إمام من أئمة المسلمين، مجمع على فضله، وقال الشافعي: إذا جاء الأثر؛ فمالك النجم، وإذا ذكر العلماء؛ فمالك النجم الثاقب، ولم يبلغ أحد مبلغ مالك في العلم؛ لحفظه وإتقانه وصيانته، وما أحد آمن علي في علم الله من مالك، وجعلت مالكاً حجة بيني وبين اللَّه، ومالك وابن عيينة القرينان، لولاهما؛ لذهب علم الحجاز. والعلم يدور على ثلاثة: مالك وابن عيينة والليث، قال ابن وهب: لولا مالك والليث لضللنا. وكان الأوزاعي إذا ذكر مالكاً قال: عالم العلماء وعالم أهل المدينة ومفتي الحرمين، وقال: مالك إمام، وعالم أهل الحجاز، ومالك حجة في زمانه، ومالك سراج الأمة، إنما كنا نتبع آثار مالك. وقدمه أحمد بن حنبل على الثوري والليث والحكم وحماد والأوزاعي في العلم، وقال: هو إمام في الحديث والفقه، وسئل عمن تريد أن تكتب الحديث؟ وفي رأي من تنظر؟ فقال: حديث مالك ورأي مالك. قال ابن مهدي: سفيان الثوري إمام في الحديث وليس بإمام في السنة، والأوزاعي إمام في السنة، وليس بإمام في الحديث، ومالك إمام فيهما. - ٧٣ - ترجمة الإمام مالك بن أنس المقدمة قال أيوب بن سويد: مالك إمام دار الهجرة والسنة، الثقة، الأمين. وقال أحمد بن حنبل، إذا رأيت الرجل يبغض مالكاً؛ فاعلم أنه مبتدع. قال رجل للشافعي: هل رأيت أحد ممن أدركت مثل مالك؟ فقال: سمعت من تقدمنا في السن والعلم يقولون: ما رأينا مثل مالك، فكيف نرى مثله؟ * قصيدة في الثناء عليه: قال أبو عبدالله الحميدي الأندلسي: أنشدني أبو طاهر إبراهيم: أشار أولو الألباب يعنون مالكاً إذا قيل: من نجم الحديث وأهله فوطأ فيه للرواة المسالكا إليه تناهى علم دين محمد وأوضح ما قد كان لولاه حالكاً ونظم بالتصنيف أشتات نشره تقدم في تلك المسالك سالكاً وأحيا دروس العلم شرقاً ومغرباً على أنه في العلم خص بذالكا وقد جاء في الآثار من ذاك شاهد ولم يقتبس من نورہ کان ھالكاً فمن كان ذا طعن على علم * مبشرات في شأن الإمام مالكـ: روى أبو نعيم (١) عن المثنى بن سعيد: سمعت مالكاً يقول: ما بت ليلة إلا رأيت فيها رسول اللَّه ◌َله. (١) ((حلية الأولياء)) (٦/ ٣١٦). - ٧٤ - المقدمة ترجمة الإمام مالك بن أنس وأخرج ابن عبد البر وغيره عن مصعب الزبيري، عن أبيه قال: كنت جالساً بمسجد رسول اللَّه وَ ل﴾ مع مالك، فجاء رجل فقال: أيكم أبو عبد الله مالك؟ فقالوا: هذا، فجاء فسلم عليه فاعتنقه، وقبَّله بين عينيه وضمه إلى صدره، وقال: والله لقد رأيت البارحة رسول اللَّه عَل جالساً في هذا الموضع، فقال: هاتوا مالكاً، فأتي بك ترعد فرائصك، فقال: ليس عليك يا أبا عبد الله، وكنَّاك، وقال: اجلس فجلست، فقال: افتح حجرك، ففتحت، فملأه مسكاً منثوراً، وقال: ضمه إليك، وبثه في أمتي، فبكى مالك طويلاً: وقال: الرؤيا تسر ولا تغر، وإن صدقت رؤياك؛ فهو العلم الذي أودعني الله(١). قال خلف: دخلت على مالك فقال لي: انظر ما ترى تحت مصلاتي أو حصيري؟ فنظرت؛ فإذا أنا بكتاب، فقال: اقرأه، فإذا فيه رؤيا رآها بعض إخوانه، فقال: رأيت النبي ◌َّ في المنام في مسجده، قد اجتمع الناس عليه، فقال لهم: إني قد خبأت لكم تحت منبري طيباً أو علماً، وأمرت مالكاً أن يفرقه على الناس، وهم يقولون: إذن يُنَفِذُ مالك ما أمره به رسول اللّه ◌َ لفيه ثم بكى، فانصرفت فقمت عنه. قال إسماعيل بن مزاحم -وكان من أصحاب ابن المبارك من العباد -: رأيت النبي ◌َّ في المنام، فقلت: يا رسول الله! من نسأل بعدك؟ قال: مالك بن أنس. قال أبو عبد الله مولى الليثيين - وكان مختاراً -: «رأيت رسول الله (١) ((مقدمة الزرقاني)) (ص ٤). - ٧٥ - ترجمة الإمام مالك بن أنس المقدمة وَله في المسجد قاعداً والناس حوله، ومالك قائم بين يديه، وبين يدي رسول اللَّه وَّليل مسك، وهو يأخذ منه قبضة قبضة، فيدفعها إلى مالك، ومالك ينشرها على الناس)). قال مطرف: فَأَوَّلْتُ ذلك العلم واتباع السنة (١). * جلوسه للدرس والإفتاء: جلس الإمام مالك للتدريس والإفتاء وهو شاب يافع؛ حتى قيل: إنه بدأ يُدَرِّسُ وهو في السابعة عشرة من عمره، كما ذكره الزرقاني: ما جلس للدرس والفتوى حتى شاور أهل الفضل والصلاح، وإنهم شهدوا أنه أهل لذلك. ولقد قال - رحمه الله- في بيان حاله عندما نزعت نفسه إلى الدرس والفتيا: ((ليس كل من أحب أن يجلس في المسجد للحديث والفتيا جلس؛ حتى يشاور فيه أهل الصلاح والفضل، وأهل الجمعة من المسجد، فإن رأوه أهلاً جلس، وما جلست حتى شهد لي سبعون شيخاً من أهل العلم أني أهل لذلك)). وجاء رجل يسأل مالكاً عن مسألة، فبادر ابن القاسم فأفتاه، فأقبل عليه مالك غاضباً، وقال له: ((جسرت على أن تفتي يا أبا عبد الرحمن؟! يكررها عليه، ما أفتيت حتى سألت: هل أنا للفتيا موضع؟ فلما سكن غضبه، قيل له: من سألت: قال: الزهري وربيعة)). وقد اختار للتدريس مسجد رسول اللّه وَ ليه في المدينة، واختار من (١) ((الحلية)) لأبي نعيم (٦/ ٣١٧). - ٧٦ - المقدمة ترجمة الإمام مالك بن أنس المسجد المكان الذي كان يجلس فيه الخليفة العادل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، وهو المكان الذي يجلس فيه النبي ◌َّ، ولم ينقل مالك درسه إلى منزله إلا بعد أن أصابه المرض. وقد أظهر الإمام في دروسه علماً وفقهاً وبراعة وروعة؛ حتى تزاحم عليه الدارسون والطالبون للعلم، وحتى سمت مكانته وعلت عند مختلف الناس، وأصبح له في مجتمعه شأن، وأي شأن؟ حتى يقول أبو مصعب -أحد تلاميذه -: كانوا يزدحمون على باب مالك فيقتتلون على الباب من الزحام، وكنا نكون عند مالك فلا يكلم هذا هذا، ولا يلتفت ذا إلی ذا، والناس قائلون برؤوسهم هكذا. قال الزرقاني: وصارت حلقته أكبر من حلقة مشايخه في حياتهم، وكان الناس يزدحمون على بابه لأخذ الحديث والفقه كازدحامهم على باب السلطان، وله حاجب يأذن أولاً للخاصة، فإذا فرغوا؛ أذن للعامة. قال ابن فرحون: كان كالسلطان، له حاجب يأذن عليه، فإذا اجتمع الناس على بابه أمر آذنه فدعاهم، فحضر أولاً أصحابه، فإذا فرغ من يحضر؛ أذن للعامة، هذا هو المشهور من سماع أصحاب مالك، وإنهم يقرأون عليه؛ إلا يحيى بن بكير ذكر أنه سمع ((الموطأ)) من مالك أربع عشرة مرة، وزعم أن أكثرها بقراءة مالك،، وبعضها بالقراءة عليه، وعوتب مالك في تقديمه الإذن لأصحابه، فقال: أصحابي جيران رسول اللَّه ◌َدٍِّ(١). (١) انظر: ((الديباج المذهب)) (١/ ٢٣). - ٧٧ - ترجمة الإمام مالك بن أنس المقدمة د صفة مجلس درسه: كان يجلس في مجلسه على ضجاع له، ونمارق مطروحة في منزله يمنة ويسرة لمن يأتيه، وكان مجلسه مجلس وقار، وحلم، وعلم، وكان رجلاً مهيباً نبيلاً، ليس في مجلسه شيء من المراء واللغط، ولا رفع صوت، إذا سئل عن شيء فأجاب سائله، لم يقل له: من أين رأيت هذا. وكان له كاتب وقد نسخ كتبه، يقال له: حبيب، يقرأ للجماعة، فليس أحد ممن حضر يدنو منه، ولا ينظر في كتابه، ولا يستفهمه، هيبة له وإجلالاً، وكان حبيب إذا أخطأ فتح عليه مالك، وكان ذلك قليلاً، وكان لا يوسع لأحد في حلقته ولا يرفعه، يدعه يجلس حيث انتهى به المجلس، ويقول - إذا جلس للحديث -: ليلني منكم أولوا الأحلام والنّهى. * هارون الرشيد في درس مالك: قدم هارون الرشيد المدينة، وكان قد بلغه أن مالك بن أنس عنده (الموطأ)) يقرؤه على الناس، فوجه إليه البرمكي، فقال مالك: أقرئه السلام وقل له: ((إن العلم يؤتى ولا يأتي))، فأتاه البرمكي فأخبره، وكان عنده أبو يوسف القاضي، فقال: يا أمير المؤمنين! يبلغ أهل العراق أنك وجهت إلى مالك في أمر فخالفك، اعزم عليه، فبينما هو كذلك؛ إذ دخل مالك فسلم وجلس، فقال له الرشيد: يا أبا عامر! أبعث إليك وتخالفني؟ فقال: يا أمير المؤمنين! أخبرني الزهري، عن خارجة بن زيد، عن أبيه: قال: كنت أكتب الوحي بين يدي رسول اللّه وَلين: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾ [النساء: ٩٥]، وابن مكتوم عند النبي ◌َلة، فقال: - ٧٨ - المقدمة ترجمة الإمام مالك بن أنس يا رسول الله! إني رجل ضرير، وقد أنزل الله في فضل الجهاد ما قد علمت، فقال النبي ◌ٍَّ: ((لا أدري))، وقلمي رطب ما جف، ثم وقع فَخِذُ النبيِ وَُّ على فخدي، ثم أغمي على النبيِ نَّ، ثم جلس النبي ◌ِّ، فقال: ((يا زيد! اكتب ﴿غير أولي الضرر﴾)). يا أمير المؤمنين! حرف واحد بعث فيه جبريل والملائكة عليهم السلام من مسيرة خمسين ألف عام، ألا ينبغي لي أن أعزه وأجله، وإن اللَّه رفعك وجعلك في هذا الموضع بعلمك، فلا تكن أنت أول من يضيع عز العلم فيضيع الله عزك. فقام الرشيد يمشي مع مالك إلى منزله يسمع منه ((الموطأ))، فأجلسه معه على المنصة، فلما أراد أن يقرأه على مالك؛ قال لي: تقرأه علي؟ قال: ما قرأت على أحد منذ زمان، قال: فيخرج الناس عني حتى أقرأه أنا عليك، فقال: ((إن العلم إذا منع من العامة لأجل الخاصة؛ لم ينفع الله به الخاصة))، فأمر معن بن عيسى القزاز ليقرأه عليه، قال مالك لهارون: يا أمير المؤمنين! أدركت أهل العلم ببلدنا وأنهم ليحبون التواضع، فنزل هارون عن المنصة وجلس بين يديه وسمعه(١). توقيره لأحاديث الرسول وقل: * قال ابن فرحون: فإذا جلس للفقه جلس كيف كان، وإذا أراد الجلوس للحديث اغتسل، وتطيب، ولبس ثياباً جدداً، وتعمم، وقعد بخشوع وخضوع ووقار، ويبخر المجلس بالعود من أوله، فلا يزال يبخر (١) ((شذرات الذهب)) (١ /٢٩١). - ٧٩ - ترجمة الإمام مالك بن أنس المقدمة إلى فراغه تعظيماً للحديث. قال مطرف: كان مالك إذا أتاه الناس خرجت إليهم الجارية، فتقول لهم: يقول لكم الشيخ: تريدون الحديث أو المسائل؟ فإن قالوا: المسائل؛ خرج إليهم وأفتاهم، وإن قالوا: الحديث؛ قال لهم: اجلسوا، ودخل مغتسله، فاغتسل وتطيب ولبس ثياباً جدداً، وتعمم ووضع على رأسه قلنسوة طويلة(١). قال خالد بن نزار: سألت مالكاً عن شيء وكان متكئاً، فقال: حدثني يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب، ثم استوى جالساً وتجلل بكساه، فقال: أستغفر الله، فقلت له في ذلك، فقال: إن العلم أجل من ذلك، ما حدثت عن رسول اللَّه وَله وأنا متكئ. قال ابن المهدي: مشيت مع مالك يوماً إلى العقيق من المسجد، فسألته عن حديث؛ فانتهرني - وفي رواية: فالتفت إلي-، وقال لي: كنت في عيني أجلَّ من هذا، أتسألني عن حديث رسول اللّه ◌َ ل﴿ ونحن نمشي؟ فقلت: إنا لله، ما أراني إلا وقد سقطت من عينه، فلما قعد في مجلسه؛ بعدت منه، فقال: ادن ها هنا، فدنوت، فقال: قد ظننت أنا أدبناك، تسألني عن حديث رسول اللَّه ◌َ ليل وأنا أمشي، سل عما تريد ها هنا. قال أبو مصعب: وسأله جرير بن عبد الحميد القاضي عن حديث وهو قائم فأمر بحبسه، فقيل له: إنه قاض، فقال: القاضي أحق أن يؤدب، وحبسوه فحبس إلى الغد. (١) ((ترتيب المدارك)) (٢/ ١٣). - ٨٠ -