النص المفهرس

صفحات 41-60

المقدمة
مقوماته العلمية
ثانياً: الجانب العقلي:
وعقل مالك منقبة من مناقبه المشهورة؛ فكان (ربيعة) يقول - إذا
جاء مالك -: قد جاء العاقل(١).
وكان العلماء يفضلون مالكاً بتفوُّق القوة المدركة؛ فيقول
عبدالرحمن بن مهدي: لقيت أربعة: مالكاً، وسفيان، وشعبة، وابن
المبارك، فكان مالك أشدَّهم عقلاً، وما رأيت عيناي أحداً أهيبَ من هيبة
مالك، ولا أتَّ عقلاً، ولا أشدَّ تقوى، ولا أوفرَ دماغاً من مالك.
ومالك العاقل يصون عقله، ويحافظ على قدرته، ويربأ أن يجالس
الحمقى والسفهاء؛ فقد نُقِلَ عن أحمد بن حنبل قول مالك: ما جالست
سفيهاً قط، وقال أحمد: ليس في فضائل العلماء أجلُّ من هذا.
ومن مظاهر تقديره العقل: تركه أقوال السفهاء، والتزامه بالصمت
في کثیر من الأحيان.
فقد قال أبو نوح ومصعب الزبيري: ذكر مالك يوماً شيئاً، فقلنا له:
من حدثك بهذا؟ قال: إنا لم نجالس السفهاء.
وقال زياد بن يونس: كان - والله- مالك أعظم الخلق مروءة،
وأكثرهم صمتاً. وكان إذا جلس جلسة لا ينحل منها حتى يقوم، ورأيته
كثير الصمت قليل الكلام، متحفظاً للسانه.
(١) ((ترتيب المدارك)) (١ / ١١٦).
- ٤١ -

مقوماته العلمية
المقدمة
من مظاهر عقليته:
ومن مظاهر عقليته - أيضًا -: ظهوره أمام الآخرين بسَمْت الوقار
والهدوء وكمال الهيئة الخارجية.
قال بشر بن عمر الزهراني: كان مالك إذا أصبح؛ لبس ثيابه،
وتعمم، ولا يراه أحد من أهله ولا أصدقائه إلا متعمماً، لا بساً ثيابه، وما
رآه قط أكل أو شرب حيث يراه الناس، ولا يضحك، ولا يتكلم فيما لا
يعنيه.
ومن مظاهر تميزه بنضوج العقل: اتباع العلماء رأيه فيما يحتاج إلى
رأي. قال ابن أبي أويس: كان الناس كلهم يصدرون عن رأي مالك بن
أنس.
واتقاء الفتنة وارتكاب أخف الضررين مقولة عقلية لزمت حياة
مالك حتى في الأمور السياسية.
قال ابن كنانة: قال العمري لمالك: بايعني أهل الحرمين وأنت ترى
ظلم أبي جعفر، فقال له مالك: تدري ما الذي منع عمر بن عبد العزيز
أن يولي رجلاً صالحاً بعده؟ قال: لا. قال: كانت البيعة ليزيد فخاف عمر
بن عبد العزيز إن بايع أن يقيم (يزيد) الهيج، ويقاتل الناس؛ فيفسد ما لا
يصلح. فاحتمل العمري عن رأي مالك(١).
ومن مظاهر عقليته: تأنيه في الفتوى، وتحريه في الإجابة، وإنصافه
السائل؛ وهي منقبة جليلة القدر، عظيمة الأثر في إمام يأتسي بأقواله
(١) ((الترتيب)) (١٣٩/١).
- ٤٢ -

المقدمة
مقوماته العلمية
وآرائه جمهور كبير من المسلمين.
قال العمري: قال لي مالك: ربما وردت علي المسألة تمنعني من
الطعام والشراب والنوم، فقلت: يا أبا عبدالله! ما كلامك إلا كنقش في
حجر، ما تقول شيئاً إلا تلقوه منك. قال: فمن أحق أن يكون كذا إلا من
کان ھکذا.
والتأني في الفتوى قد يستغرق الليل بطوله.
قال عبدالرحمن بن مهدي: سمعت مالكاً يقول: ربما وردت علي
مسألة؛ فأسهر فيها عامة ليلي.
وأحياناً كان يَردُ عليه السائل فلا يجيبه في حضوره حتى يستقر نظره
فيها.
قال ابن عبد الحكم: كان مالك إذا سئل عن المسألة؛ قال للسائل:
انصرف حتى أنظر فيها؛ فينصرف ويتردد فيها، فقلنا له في ذلك، فبكى،
وقال: إني أخاف أن يكون لي من السائل يوم وأي يوم؟!».
وقد يدوم شغله بالمسألة الواحدة فترة مديدة.
قال ابن القاسم: سمعت مالكاً يقول: إني لأفكر في مسألة منذ
بضع عشرة سنة فما اتفق لي فيها رأي إلى الآن.
وفي رواية عن سحنون: قول مالك: اليوم لي عشرون سنة أتفكر في
هذه المسألة(١).
(١) ((ترتيب المدارك)) (١/ ١٤٤).
- ٤٣ -

المقدمة
مقوماته العلمية
وكان يعيب سرعة الإجابة وكثرتها، ويعد ذلك من صفات معلم
الصبيان التي تنبئ عن ضعف العقل.
قال ابن وهب: وسمعته يعيب كثرة الجواب من العالم ... قائلاً:
وإنما يصنعه معلم الكتاب(١).
(١) ((الترتيب)) (٥٠/١).
- ٤٤ -

المقدمة
مقوماته العلمية
أبعاد العقلية في شخصية مالك:
ويمكن استشفاف أبعاد العقلية عند الإمام مالك في المجالات الآتية:
أ - الميل القوي إلى التأمل العلمي، وعرض الأمور على العقل،
واستخدامه كطاقة متميزة، والإفادة من وسائل المعرفة الفطرية التي زود
الله بها الإنسان في قوله: ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون
شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون﴾ [النحل:
٧٨].
والميل القوي إلى تفكير صاف بعيد عن التأويلات والافتراضات
والأغلوطات.
وإن ما وُصف به من طول التأمل، وما التزم به في عرض المسائل
الفقهية، وتجنب الأزمات السياسية التي وقع العديد من العلماء في
إسارها؛ تبرهن على رجاحة عقله، ورزانته، ووزنه الأحوال بالقسطاس
المستقيم.
وهذه القدرة الفطرية المتفوقة ترفعه إلى مستوى الإمامة الحق، حيث
تجعل منه منارة الحائرين واستقرار الخائفين وملجأ المضطربين؛ من كان
منهم في إطار المسؤوليات العلمية والسياسية، ومن لم يكن.
ب - التفكير العملي لا التفكير الفلسفي المثالي، ولا المنطقي
السفسطائي الجدلي؛ طلباً للحقيقة، واستخداماً للقدرة النامية على الربط
بين النصوص والواقع، وملاءمة النص التشريعي بالعمل التشريعي.
وليس المراد تطويع النص التشريعي للعقل الإنساني والعمل
- ٤٥ -

المقدمة
مقوماته العلمية
الواقعي وإيجاد الحلول التشريعية لممارسات الناس العادية والمنحرفة، وإنما
هو إعطاء منهج كلي عملي تستقيم معه حياة الناس وأمور معايشهم،
بعيداً عن الحجاج والتأويلات التي لا تنتهي.
ت - اصطفاء المعرفة الصحيحة والعلم النقلي الثابت من مصادره
الأمينة، والعدول عن المعرفة المشوهة والممزوجة بالأباطيل والجهالات؛
وهو المنهج العلمي للمعرفة الذي يقوم على الرواية والدراية معاً، فهو
الذي كان يقول: ((ما قلّت الآثار في قوم؛ إلا ظهر فيهم الأهواء)) (١)، وهو
الداعي إلى ترك رأيه إذا عارضه العلم النقلي من قرآن وسنة؛ فهو يقول:
((إنما أنا بشر، أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي: فكل ما وافق الكتاب
والسنة؛ فخذوا به وما خالف؛ فاتركوه)).
ث - التسليم العقلي في الأمور التي ليست في مجال العقل، والعدول
عن الافتراضات الذهنية التي تولد الشكوك وتبعث على الريب، واللجوء
إلى النص الثابت والأخذ به نصاً ومعنى، وهذا يتبين حين يسأله أصحاب
البدع عن صفات اللَّه وأفعاله، فالمراء والجدال (يقسي القلب ويورث
الضغن). والتنقل بالدين نتيجة لذلك خروج عنه. ولئن كان التحرج من
تقليب الرأي وتبادل الفكر في الدين ضرباً من التسليم المؤمن، وسعياً إلى
الخلاص من التشكيك في غيبيات ليس من الخير الإمعان في تقليبها، مهما
يكن هذا الرأي في تقدير المقدرين؛ فإن صاحبنا لا يقول بهذا في
الاعتقاديات فحسب بل يقرره في العلم جملة؛ فيكره مثل
(١) الزواوي في ((المناقب)) (ص ٣٨).
- ٤٦ -

المقدمة
مقوماته العلمية
ذلك فيه، ويقول: ((المراء والجدال في العلم يذهب بنور العلم من قلب
العبد)).
والعقل الواثق بقدرته، الموقن بإمكاناته الناشط للعمل ضمن
حدوده هو العقل الذي يمكنه أن يجتهد في منافع الناس، حتى وإن
استغرقت لديه المسألة أياماً وسنوات، وهو القائل: ((لا أحب الكلام إلا
فيما كان تحته عمل))، وهو يسأل عن طلب العلم فيقول: ((حسن جميل،
ولكن انظر الذي يلزمك من حين تصبح إلى حين تمسي فالزمه)).
ج- سمو العقلية العلمية إلى مستوى الروحية، ومزجها بالعاطفة
الدينية. فالحكمة نور يقذفه الله في القلب، وينابيع الحكمة تتفجر في قلب
العبد المؤمن.
وقد جعل الإمام أبو حنيفة الفقه: معرفة الله واتباعه، فالمعرفة
تحصيل من الإنسان وهبات من اللَّه، ولكن الحكمة مسحة ربانية على
قلب العبد، وهي -أيضاً- (طاعة الله والاتباع لها، والفقه في الدين
والعلم به).
.
فالنشاط الفقهي -العلمي والعملي - هو الحكمة التي يأنس بها
قلب العالم، فهو بهذا النور يقرأ، وبه يعلم، ومنه يستقي فتاويه.
والإمام مالك لا يفلسف هذه العاطفة الروحية، كما لم يفلسف
العقلية التأملية، ولا يتتلمذ عليها من خارج نفسه في فلسفة انعزالية زاهدة،
وإنما يستوحي أبعادها من إيمان قلبه وقناعة عقله، فهي ذاتية المصدر عملية
المنطق. ولهذا فهو يؤكد عليها في معظم أحاديثه وحلقاته ومجالسه.
- ٤٧ -

المقدمة
مقوماته العلمية
وهذا المزج بين العمل العقلي والتطلعات الإيمانية يدفع الإمام إلى
الحرص على العلم والتعلم قرابة ثمانين عاماً، كما يدفعه إلى حسن
التعامل مع الولاة والخلفاء الذين يفيدهم من علمه وتوجيهاته في جانبه
الإيجابي، أما في جانبه السلبي؛ فهو التحرز عن الفتاوي والاستبصار بها
والتيقن من صحتها.
ولا أدل على اهتمام مالك بهذا السمو العقلي من رغبته في ربط
الإيمان بالعمل والعلم بالخلق، حيث يقول: ((العلم نور لا يأنس إلا
بقلب خاشع)).
ولا أدل على ذلك -أيضًا- من طهارته والتزامه سَمْت الوقار في
لباسه وهيئته، ولباسه في التحديث عن الرسول چ.
إن تحليل أبعاد العقلية عند مالك تُلقي أضواء كاشفة على منزعه
العلمي والاجتهادي الآتي:
- ٤٨ -

المقدمة
مقوماته العلمية
ثالثاً: مالكـ المحدِّث:
شاعت رواية الحديث وتلقيه في عصر مالك، وأقبل المحدثون
يحفظونه بأسانيده ويروونه إلى طلابهم ويستدلون به في أحكام الحوادث
المستجدة أو يبنون عليه، وكان (العلم) مصطلحاً يخص الحديث روايةً
ودراية، وأصحاب العلم هم المحدثون.
ولبيان موقع مالك المحدث في عصره؛ نقدم الأمور التالية:
أ - اهتمام الخلفاء المسلمين بالحديث ورجاله. فمنذ طلب عمر بن
عبدالعزيز من أبي بكر بن حزم جَمْعَ العلم في المدينة(١) إلى إلحاح
(المنصور) على مالك عمل (الموطأ))؛ ليحمل الناس عليه: كان اهتمام
الخلفاء باعثاً على مزيد من النشاطات في جَمْع الحديث والرحلة إليه أيا
كانت دوافع الخلفاء لهذه النشاطات التي توزعت في الأمصار الإسلامية
على اتساعها. فكانت حركة مباركة عمل من أجلها الخلفاء والمحدثون،
وبذلوا لها أقصى ما يبذله مجتمع يحرص على دينه وإرثه وقيمه.
ب - وشاعت الأكاذيب على لسان الرسول وَ ل#ه وكان واضعو
الحديث على أنواع:
منهم من يضع ما لم يقله أصلاً إما ترفعاً واستخفافاً؛ كالزنادقة
وأشباههم، وإما حسبةً بزعمهم وتديناً؛ كجهلة المتعبدين الذين وضعوا
الأحاديث في الفضائل والرغائب، وإما إغراباً وسمعة؛ كفسقة المحدثين،
وإما تعصباً واحتجاجاً؛ كدعاة المبتدعة ومتعصبي المذاهب، وإما اتباعاً
(١) ((الترتيب)) (١ / ٦٢).
- ٤٩ -

المقدمة
مقوماته العلمية
لهوى أهل الدنيا فيما أرادوه، وطلب العذر فيما أتوه، وقد تبين جماعة من
كل طبقة من الطبقات عند أهل الصنعة وعلم الرجال.
ومنهم من لا يضع متن الحديث، ولكن ربما وضع للمتن الضعيف
إسناداً صحيحاً مشهوراً.
ومنهم من یقلب الأسانيد أو یزید فيها، أو يتعمد ذلك؛ إما
للإغراب على غيره، وإما لرفع الجهالة عن نفسه.
ومنهم من يكذب؛ فيدعي سماع ما لم يسمع ولقاء من لم يلق،
ويحدث بأحاديثهم الصحيحة عنهم.
ومنهم من يعمد إلى كلام الصحابة وغيرهم وحكم العرب
والحكماء فينسبها إلى النبي ◌َّ!
ت- فهرع الناس إلى الذين تلقوا العلم عن الصحابة؛ وهم
التابعون، وكان من هؤلاء مكثر ومقل، ومسهل ومشدد، وطفقوا يقيدون
ويحفظون ويحدثون بجميع ذلك؛ خيفة اندراس العلم، فكانت أعصر
ركب الناس فيها كل صعب وذلول - كما قال عبدالله بن عباس -رضي
الله عنهما-، ووجد أهل الأهواء والنزعات ودعاة الدول والأحزاب في
تلك الكثرة والسعة مخابئ دسوا فيها مفترياتهم أو آثار غفلاتهم، فلا
جرم أن أصبحت الأمة في حاجة إلى ضبط الصحيح من آثار رسول الله
وَي﴾ وأصحابه، ولم يكن الوضاعون والمدلسون بالذين تنفق بالمدينة
خزعبلاتهم، ولا تروج ترهاتهم؛ إذ كانت المدينة مكتظة بأهل العلم
والأثر، هجيراهم الرواية والتحديث ودراسة العلم.
- ٥٠ -

المقدمة
مقوماته العلمية
وقد خلص علم فقهاء المدينة إلى مالك بن أنس -رحمه الله -.
وكانت حصافة رأيه وصلابة دينه وقوة نقده قد هيأت له بتوفيق
الله - تعالى- ذلك المقام الجليل، مقام الضبط والتصحيح والتحرير.
في الحديث عن مالك كمحدث يعرض البحث إلى وجوه ثلاثة:
مالكـ الحافظ الضابط:
والحفظ والضبط قد يكونان بطريق التلقي والمشافهة، وقد يكونان
بطريق الكتاب والتدوين، واتخذ مالك الوسيلتين معاً، لقد قيل: إنه لما
مات - رحمه الله-؛ خرجت كتبه، فأصيب فيها قنداق(١) عن ابن عمر
وليس في «الموطأ)) منه شيء إلا حدیثین، وسبع صحائف عن حديث ابن
شهاب كذلك ظهورها وبطونها ملأى، ما حدث بها قط، فقيل له: لم؟
فقال: ليس عليها العمل.
ورواية تقول: لما دفنّا مالكاً؛ دخلنا منزله، فأخرجنا كتبه؛ فإذا فيها
سبع قنادق من حديث ابن شهاب ظهورها وبطونها ملأى. وعنده قنادق
من حديث أهل المدينة، فجعل الناس يقرؤون ويدعون، ويقولون:
يرحمك الله يا أبا عبدالله! لقد جالسناك الدهر الطويل، فما رأيناك
ذكرتَ شيئاً مما قرأنا(٢).
وتحدد رواية ثالثة حيث تقول: كتبتُ بيدي مئة ألف حديث،
(١) كلمة معربة: صحيفة حساب.
(٢) ((ترتيب المدارك)) (١/ ١٢٤ و١٤٩)، و((الديباج المذهب)) (١/ ١١٣)، و((سير
أعلام النبلاء)) (٨/ ٩٥).
- ٥١ -

مقوماته العلمية
المقدمة
وكانت عندي صناديق من كتب ذهبت، لو بقيت؛ لكان أحب إليّ من
أهلي ومالي (١).
و((الموطأ)) وضع من عشرة آلاف حديث أو سبعة آلاف حديث كان
يحفظها، وعمله أولاً في أربعة آلاف حديث، ولم يزل يخلصها عاماً بعد
عام. ولا غرو فإن قوة (الحافظة) عند مالك من فضائله الذاتية.
على أن الحفاظ اتخذوا ذلك سنة فيما بعد؛ فقد ذكر أن البخاري
ومسلمًا اعتنيا بانتقاء ((صحيحهما)) مما حفظاه من الروايات العشرات
الألوف(٢).
مالكـ الراوي:
وروى مالك عن أكثر من ثمان مئة شيخ وعالم، منهم أكثر من
سبعين ذكرهم شيوخاً له في ((الموطأ) من التابعين وتابعيهم، ومنهم رواة في
غير ((الموطأ)) لا يُعرف ما كان عددهم بالتحديد، وكانوا كثيرين،
استخلص منهم مالك الثقات بتتبع سدید وانتقاء شدید.
وذكر السيوطي (٣) أن عدة من روي له في ((الموطأ)) من رجال
الصحابة خمسة وثمانون رجلاً، ومن نسائهم ثلاث وعشرون امرأة.
ولقد ضيق شروط قبول الرواية تضييقاً استبرأ فيه لدينه، وقضى فيه
حق الاحتياط في موافقة صحة النسبة إلى الرسول وَل﴾، وما تواتر من
(١) (ترتيب المدارك)) (١ / ١٩٣).
(٢) ((شذرات الذهب)) (٢/ ١٣٤ و١٤٤).
(٣) ((تنوير الحوالك)) (ص ٥٠).
- ٥٢ -

المقدمة
مقوماته العلمية
حال المسلمين في زمان الصحابة. روى الترمذي في ((جامعه)) عن يحيى بن
سعيد القطان؛ أنه قال: ما في القوم أحد أصح حديثاً من مالك بن أنس،
كان إماماً في الحديث.
مالكـ الراوي والداري:
وهما صفتان حديثيتان تتناول جوانب في الحديث عديدة؛ منها:
أ - صحة المعنى:
حيث كان بعض رجال الحديث في عصر مالك لا يتوخون إلا
صحة السند، وقد شغلهم ذلك عن تتبع المعنى، وربما كان بعضهم لا
يعبأ به إذا عَنَّ له، ويجعل العمدة على تحقيق صدق الراوي، وعدم
الالتباس والاشتباه على الراوي.
أما مالك؛ فقد جعل للأمر الثاني (صحة المعنى) الحظ الأكبر؛
فكان بعد صحة سند الأثر يعرضه على عمل علماء المدينة - من
الصحابة والتابعين- وعلى قواعد الشريعة.
ب - تركه الرواية عن فئات كثيرة:
فلا يروي عن الضعفاء والكذابين والرواة الذين يتصفون بصفات
الوضع والضعف؛ من الافتراء والكذب، والنسيان، والغلط، والترويج،
والإغراب(١)، ولا يروي إلا عن الثقات.
قال ابن عيينة: رحم اللَّه مالكاً؛ ما كان أشد انتقاده للرجال.
(١) مقدمة ((كشف المغطى)): ابن عاشور (ص ١٠- ١١).
- ٥٣ -

مقوماته العلمية
المقدمة
وقال ابن المديني: لا أعلم أحداً يقوم مقام مالك في ذلك.
وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: ما كنا نأخذ الحديث إلا من
الفقهاء.
وهو القائل: أعلم أنه ليس يسلم رجل حدث بكل ما سمع، ولا
يكون إماماً أبداً وهو يحدث بكل ما سمع.
ت - الزهد وحده صارف عن الرواية:
فلا يروي عن الزاهدين المنصرفين إلى العبادة دون العلم، فهو يقول:
((ما حدثت عن أحد منهم شيئاً؛ لأنهم كانوا ألزموا أنفسهم خوف الله
والزهد، وهذا الشأن -يعني: الحديث والفتيا - يحتاج إلى رجل معه تقى
وورع وصيانة وإتقان وعلم وفهم، فيعلم ما يخرج من رأسه، وما يصل
إليه غداً، فأما رجل بلا إتقان ولا معرفة؛ فلا ينتفع به، ولا هو حجة ولا
يؤخذ عنه))(١).
حتى وإن أطال جلوسه إليه؛ فلا يجد عنده العلم.
روى ابن كنانة عن مالك قوله: ربما جلس إلينا الشيخ جل نهاره، ما
نأخذ عنه، ما بنا أن نتهمه، ولكن لم يكن من أهل الحديث(٢).
ث - نقد الرجال والتحري في الأخذ عنهم:
وكان يتحرى أهل العلم؛ فيأخذ عنهم، وأهل الفقه، فيروي
رواياتهم، وينتقي الرجال في منهج نقدي مضبوط.
(١) ((ترتيب المدارك)) (١ / ١٢٤).
(٢) المصدر السابق (١ / ١٢٤).
- ٥٤ -

المقدمة
مقوماته العلمية
قال أحمد صالح: ما أعلم أحداً أشد تنقياً للرجال والعلماء من
مالك، ما أعلمه روى عن أحد فيه شيء (١).
فهو يفرق بين العالم والعابد، والمحدث والزاهد، فيقدم الضبط
والإتقان مع اعتباره الصفات الأخرى.
روى ابن وهب أنه قال: ((لقد أدركت بالمدينة أقواماً لو استسقي
بهم القَطْر؛ لسقوا، وقد سمعوا من العلم والحديث شيئاً كثيراً، وما
أخذتُ عن واحد منهم، وذلك أنهم ألزموا أنفسهم خوف اللَّه والزهد)).
ج- تتبع الرواة:
وكان يتبع الرواة في أعمالهم ومجالسهم، فإن وجد بعضهم في
حالات تتنافى مع الرواية؛ تركه إلى غيره.
فقد قيل له: لم لا تكتب عن عطاء؟ قال: أردت أن آخذ عنه،
وأردت أن أنظر إلى سمته وأمره فاتبعته: أتى منبر النبي وَّ فمسح
الفاشية والدرجة السفلى - والفاشية: شيء أصلحه بنو أمية-، فلما رأيته
لا يفرق بين منبر النبي ولا غيره، ويفعل فعل العامة؛ تركته(٢) ..
أما ابن شهاب؛ فكان الطلاب يتزاحمون عنده، في قول مالك: وكنا
تزدحم على درج ابن شهاب؛ حتى يسقط بعضنا على بعض (٣).
(١) ((ترتيب المدارك)) (١/ ١٢٤).
(٢) مقدمة ((موطأ محمد)) (ص ١١).
(٣) («ترتيب المدارك)) (١ / ١٢٤).
- ٥٥ -

مقوماته العلمية
المقدمة
ح- تشدده في رواية الحديث بالمعنى:
قال عياض في ((المدارك)): قال مالك: لا ينبغي للمرء أن ينقل لفظ
النبي ◌َّ إلا كما جاء، وأما لفظ غيره؛ فلا بأس بنقله بالمعنى. وإنما
رخص في زيادة مثل: الواو، والألف في الحديث والمعنى واحد ... وروى
الترمذي في آخر «جامعه»: أن مالك بن أنس کان یشدد في حديث رسول
الله في الياء والتاء ونحوهما (١).
ومع تشدده في الرواية؛ فإنه لا يرى فرقاً بين أن يقول المحدث:
حدثنا، أو أنبأنا، أو أخبرنا، أو سمعت، أو العنعنة، أو أن رسول اللَّه.
قال مالك لأصحابه - حين سألوه: أنقول: حدثنا، أو أخبرنا -:
ألست فرغت لكم نفسي، وأقمت زلل الحديث وسقطه، فقولوا: حدثنا
أو أخبرنا.
قال إسماعيل بن أبي أويس: سئل مالك عن حديث: أسماع هو؟
فقال: منه سماع، ومنه عرض، وليس العرض عندنا بأدنى من السماع.
ومثله: أن يقرأ المحدث على رواته، أو أن يقرأ بعضهم عليه وهو
يسمع والبقية يسمعون(٢).
ويوجز الإمام مالك أخذه الحديث وتركه له بقوله: لا يؤخذ العلم
من أربعة، ويؤخذ ممن سواهم: لا يؤخذ من سفيه، ولا يؤخذ من
صاحب هوى يدعو إلى بدعته، ولا من كذاب يكذب في أحاديث الناس
(١) ((مقدمة كشف المغطى)) (ص ١٣ - ١٤).
(٢) مقدمة ((كشف المغطى)) (ص ١٣ - ١٤)، و((ترتيب المدارك)) (١/ ١٦٢-١٦٣)،
و((الديباج المذهب)) (١/ ١١٢).
- ٥٦ -

المقدمة
مقوماته العلمية
-وإن كان لا يُتهم على حديث رسول اللَّه وَ ل﴾-، ولا من شیخ له فضل
وصلاح وعبادة؛ إذا كان لا يعرف ما يُحمل وما يحدث به(١).
خ - رواة من شيوخه وأقرانه:
وهي فضيلة، وإن تكن عامة بين الشيوخ وطلابهم؛ فإنها ظاهرة
بيِّنة في رواية مالك، فكثير من شيوخه وأقرانه الذين استخلصهم وروى
عنهم، كانوا ممن يروون عنه؛ لشهرته بالحديث وإمامته بالرواية وضبطه
وعدالته وإتقانه وتحريه وتشدده.
فمن شيوخه الذين روی عنهم ورووا عنه: عمُّه أبو سهيل،
والزهري، وربيعة بن أبي عبدالرحمن، ويحيى بن سعيد الأنصاري،
وموسى بن عقبة، وهشام بن عروة، ويحيى بن كثير، ويزيد بن الهاد،
وزيد بن أبي أنيسة، وغيرهم (٢).
ومن أقرانه: سفيان بن سعيد الثوري، وعبد الملك بن جريج، وعبد
الرحمن بن عمرو الأوزاعي، والليث بن سعد، ومحمد بن عبد الرحمن بن
أبي ذئب، وسفيان بن عيينة، ونافع بن أبي نعيم، وسليمان بن مهران،
وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وشريك بن عبدالله القاضي، وعبد الله
ابن لهيعة، والشافعي، وعبد الله بن المبارك، وأبو قرة موسى بن طارق،
والوليد بن مسلم، ومحمد بن الحسن الشيباني، وغيره ممن له نسخة عنه
في (الموطأ))(٣).
(١) ((الكفاية)) (ص ١٦).
(٢) ((السير)) (٨/ ٣٦).
(٣) المصدر السابق.
- ٥٧ -

المقدمة
مقوماته العلمية
مالكـ مصنف في الحديث والفقه:
وإذا كان بعض الأئمة يقصرون اختصاصهم على الحديث رواية
ودراية، وآخرون يتفرغون للفقه تعلماً واجتهاداً؛ فإن الإمام مالكًا جمع
بين تصنيف الحديث والفقه مثل كثير من الأئمة الأعلام.
وإذا كان بعض الأئمة يجتهدون على ضوء ما يحفظونه من أصول
في القرآن والسنة؛ فإن الإمام مالكًا يصنف ((موطأه)) في الحديث والفقه
وأصول التشريع.
- ٥٨ -

المقدمة
ترجمة الإمام مالك بن أنس
الإمام مالك بن أنس
* نسبه:
هو أحد الأئمة الأعلام وجهابذة الإسلام، فقيه الأمة، إمام دار
الهجرة، أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن
الحارث بن غيمان(١) بن جُثَيْل بن عمرو بن الحارث، ذي أصبح(٢) -
بالفتح-، قبيلة من يعرب بن يشجب بن قحطان، من أكرم القبائل
جاهلية وإسلاماً، وكان جده الأعلى من الأصبح، وهو بطن من حِمْيَر؛
ولذا لقّب بذي أصبح، ولا خلاف في أنه من ولد قحطان.
وأول من أسلم من آبائه أبو عامر، واختلف علماء الرجال في
صحبته، ذكره الذهبي في ((تجريد الصحابة))، وقال: لم أر أحداً ذكره في
الصحابة، وكان في زمن النبي ◌َّ، وحكى القاضي عياض عن القاضي
أبي بكر بن العلاء القشيري: هو صحابي جليل، شهد المغازي كلها؛ خلا
بدراً، وبه جزم السيوطي(٣).
وجد الإمام -وهو: مالك بن أبي عامر - تابعي بلا خلاف، نعم؛
من كبار التابعين، مات سنة أربع وسبعين على الصحيح؛ قاله الزرقاني،
(١) بغين معجمة وياء تحتية، ويقال: عثمان، بعين وثاء مثلثة.
(٢) ((تذكرة الحفاظ)) (١ / ٢٠٧)، و((وفيات الأعيان)) (٤/ ١٣٥)، و((البداية والنهاية))
(١٠/ ١٧٧)، و((سير أعلام النبلاء)) (٨/ ٤٨)، و((الإصابة)) (٤/ ٧٧٩).
(٣) ((تنوير الحوالك)) (ص ٣).
- ٥٩ -

ترجمة الإمام مالك بن أنس
المقدمة
وكان ممّن تولى دفن عثمان -رضي الله عنه- مختفياً بالليل، قال الحافظ:
قد صحَّ سماعه من عمر -رضي الله عنه -.
وكان لمالك بن أبي عامر ثلاثة بنين: أنس -وهو والد الإمام-،
وعم الإمام: أبو سهيل، نافع، وقد أكثر الإمام مالك الأخذ عنه في
((الموطأ))، روى عن ابن عمر - رضي الله عنهما- وغيره من الصحابة،
وهو من رواة الستة - أيضاً-، وتوفي في إمارة أبي العباس، وعمه الآخر
الربيع، ليس له رواية في الكتب الستة، لكن ذكره الحافظ في الرواة عن
أبيه مالك بن أبي عامر(١).
وكذلك أنس والد الإمام ليس من رواة الستة وغيرها من الكتب
المتداولة، لكن ذكره الحافظ في الرواة عن أبيه مالك بن أبي عامر.
وأم الإمام هي: العالية بنت شريك بن عبد الرحمن الأزدية، وقيل:
طلحة مولاة عبد الله بن معمر.
* ولادته:
ذكر اليافعي في ((طبقات الفقهاء)) أنه ولد سنة أربع وتسعين، وذكر
ابن خلكان وغيره أنه ولد سنة خمس وتسعين، وقيل: سنة تسعين(٢).
أما يحيى بن بكير؛ فقال: سمعته يقول: ولدت سنة ثلاث وتسعين؛
فهذا أصح الأقوال، واختاره السمعاني، وقال: هذا متصل بالسند إلى
یحیی بن بكير تلميذ الإمام، واختاره ابن فرحون.
(١) ((شرح الزرقاني)) (١/ ٢).
(٢) ((تذكرة الحفاظ)) (١/ ٢٠٧).
- ٦٠ -