النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
النهى عن الكتابة على القبر والزيادة فيه
عرضا وسماؤها أرضا، ولولم يكن فى البناء فيها مفسدة إلا الضيق على الناس لكان كافيافى وجوب
الهدم فكيف وقد انضاف لذلك هتك الحريم واختلاط البرئ. بالسقيم فإنهم استباحوا التكشف
فيها واتخذوه ديدنا لا يستحون من اللّه تعالى ولا من الناس وخالفوا فى ذلك الكتاب والسنة
والإجماع والقياس وربما أضافوا لذلك آلات الباطل من الدفوف والشبابات ((الغاب)، واقتحموا
فى ليالى الجمع وغيرها تعاطى هذه المحرمات واستهانوا بحرمة القبور وارتكبوا بين ظهرانيها
الفجور ، وربما أكلوا الحشيش وشربوا الخمور، وهذا مع أنها مواطن الاعتبار وتذكر الموت
وخوف عقوبة الجبار فناهيك بها معصية ما أفظعها وشناعة ما أشنعها ولم أسمع بذلك فى بلد من
بلاد المسلمين ولا غيرهم اهـ
﴿فقه الحديث) دل الحديث على النهى عن القعود على القبر ويأتى تمام الكلام عليه. ودل على
النهى عن تخصيص القبور. وعلى النهى عن البناء على القبر
﴿ والحديث) أخرجه أيضا أحمد ومسلم والنسائى وكذا البيهقى من طريق حجاج بن محمد
عن ابن جريج
﴿ص) حَدَّثَ مُسَدَّدٌ وَعْمَانُ بْنُ أَبِ شَيَْةَ قَالَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَتِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجِ
عَنْ سُلِيَنَ بْنِ مُوسَى وَعَنْ أَبِ الزُّيْرِ عَنْ جَابِرِ بِذَا الْحَدِيثِ قَالَ مُتَنُ أَوْ يُؤَادَ عَلَيه
وَزَادَ سُلِيمَنُ بنُ مُوسَى أَوْ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهِ وَلَمْيَذْ كُرْ مُسَدَّدٌ فِى حَدِيثِهِ أَوْ يُزَادَ عليهْ قَالَ
أَبُودَاوُدَ خَفَ عَلَىْ مِنْ حَديث مُسَدَّد حَرْفُ وَأَنْ
﴿ش﴾ ﴿قوله بهذا الحديث) أى بنحو الحديث المتقدم المروى من طريق عبد الرزاق، ولفظه
كما فى النسائى من طريق حفص بن غياث بسنده إلى جابر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبنى
على القبر أو يزاد عليه أو يحصص زاد سليمان بن موسى أو يكتب عليه (قوله قال عثمان الخ﴾ أى قال
عثمان بن أبى شيبة فى روايته أويزاد عليه. أى نهى صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يزاد على القبر
وذلك بأن يزاد فى بنائه زيادة تؤدى إلى ارتفاعه عن نحو الشبر أو يزاد على التراب الذى خرج
منه كما هو ظاهر تبويب البيهقى بقوله (( باب لايزاد فى القبر أكثر من ترابه لئلا يرتفع)، وقيل
المراد بالزيادة عليه أن يزاد طولا أو عرضا عن قدر جسد الميت أو أن يجعل قبر على قبر
آخر ﴿ قوله وزاد سليمان الخ﴾ ظاهر المصنف أن سليمان بن موسى انفرد بزيادة الكتابة فى
الحديث. لكن جاء فى رواية الحاكم من طريق حفص بن غياث عن ابن جريج عن أبى الزبيرعن
(م ١١ - المنهل العذب المورود - ج ٨)

٨٢
الخلاف فى حكم الكتابة على القبور
جابر قال: نهى رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم أن يبنى على القبر أو يحصص أو يقعد
عليه ونهى أن يكتب عليه. وفى رواية له عن أبى معاوية عن ابن جريج عن أبى الزبير عن جابر
قال: نهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن تخصيص القبور والكتاب فيها
والبناء عليها والجلوس عليها (قوله قال أبو داود خفى على من حديث مسدد حرف وأن) يعنى
كلمة وأن فيما زاده سليمان فلم أدر أعبر بها أو بأو كما فى رواية النسائى المتقدمة . وفى بعض الفسخ
خفى على من حديث مسدد حرف (يعنى كلمة أن) وفى هذه الرواية النهى عن الكتابة على القبر
لافرق بين كتابة اسم الميت أو تاريخ موته أو كتابة شىء من القرآن أو كتابة أسماء اللّه تعالى
ونحو ذلك. وإلى ذلك ذهبت الأئمة الأربعة وغيرهم لأن ذلك من البدع التى أحدثها أهل الفخر
والمباهاة والسمعة. ولاحتمال أن يسقط على الأرض فيعرض للإهانة. وقال بعض الحنفية
لا بأس بكتابة الاسم لا على وجه الزخرفة بل ليعلم به القبر قياسا على وضعه صلى اللّه تعالى عليه
وعلى آله وسلم حجرا على قبر عثمان بن مظعون كما تقدم، وهو من تخصيص النص بالقياس .
والظاهر الأول. وبه قال الجمهور .وما ذكره، الحاكم من قوله ليس العمل على أحاديث النهى
عن الكتابة على القبر فإن أئمة المسلمين من الشرق إلى الغرب مكتوب على قبورهم وهو عمل أخذ
به الخلف عن السلف (تعقبه) الذهبى بأنه محدث ، ولعل من كتب على القبور فى عهدهم لم يبلغهم
النهى ، أما دعوى أن ذلك ما أخذه الخلف عن السلف فغير مسلمة فإنه لم يثبت عن أحد من الصحابة
والتابعين أنه فعل ذلك أو أقره
﴿وهذه الرواية) أخرجها أيضا النسائى والبيهقى والحاكم، وكذا الترمذى من طريق
محمد بن ربيعة عن ابن جريج وقال هذا حديث حسن صحيح قد روى من غير وجه عن جابر اهـ
وأخرجه أيضا ابن ماجه مختصرا من طريق سليمان بن موسى عن جابر قال: نهى رسول الله
صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم أن يكتب على القبر شىء. وما قيل من أن رواية الكتابة
منقطعة لأن سليمان بن موسى لم يسمع من جابر غير مسلم لما علمته من أن أبا الزبير رواها عن
جابر فى رواية الحاكم فهى متصلة
﴿ص﴾ حَدَّثَنَا الْقَعَنِّ عَنْ مَالِك عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَن سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِِّ عَنْ أَبِ هُرَيْرَةَ
أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَ عَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: قَالَ قَاتَلَ اللهُ الْبَهُودَ أَنْخَذُوا قُبُورَ
أنْيَاتُهُمْ مَسَاجِدَ
(ش) مناسبة الحديث للترجمة أن من اتخاذ المساجد على القبور بناءها عليها (قوله قاتل الله اليهود)

٨٣
منع الصلاة إلى قبور الأنبياء. التشديد فى القعود على القبر
زاد مسلم والنصارى أى قتلهم وأهلكهم، فقاتل بمعنى قتل كسارع بمعنى أسرع ، أو المعنى لعنهم
الله وأبعدهم عن رحمته كما فى رواية البخاري عن عائشة لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور
أنبيائهم مساجد. وهذا دعاء منه صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو خبر بمعنى الإنشاء (قوله
اتخذوا الخ) جملة مستأنفة لبيان سبب دعائه صلى اللّه عليه وعلى آله وسلم عليهم. ومعنى اتخاذها
مساجد أنهم جعلوها قبلة يصلون إليها فلعنهم صلى اللّه عليه وعلى آله وسلم لما فيه من التشبه بعبادة
الأصنام أو أنهم بنوا عليها مساجد يصلون فيها كما تقدم. وفى مسلم أن النبى صلى الله عليه وعلى
آله وسلم قال ذلك قبل أن يموت بخمس ليال وزاد فلا تتخذوا القبور مساجد إنى أنهاكم عن
ذلك (وفى الحديث) دلالة على منع الصلاة إلى قبور الأنبياء واتخاذها مساجد لأنه قد يفضى
إلى عبادة نفس القبر، وكذا قبور الأولياء والصالحين . ولذا لما احتاجت الصحابة والتابعون
إلى زيادة مسجده صلى الله عليه وعلى آله وسلم وامتدت الزيادة إلى حجر أمهات
المؤمنين ومنها حجرة السيدة عائشة مدفن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم
وصاحبيه رضى الله تعالى عنهما بنواحول القبر الشريف حيطانا مرتفعة مستديرة
لثلا يظهر فى المسجد فيصلى إليه العوام ، ثم بنواجدارين كهيئة مثلث قاعدته
القبور
الحائط الشمالى للقبر حتى لا يتمكن أحد من استقبال القبر وهاك رسم ذلك
وقد زعم بعضهم أن النهى عن الصلاة إلى القبر إنما كان فى الزمن السالف لقرب العهد
بعبادة الأوثان ، أما الآن فلا كراهة فيها وهو مردود لتطابق المسلمين على خلافه ولعموم النهى
فى قوله صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم فى رواية مسلم فلا تتخذوا القبور مساجد
﴿ والحديث) أخرجه أيضا البخارى ومسلم والنسائى والبيهقى
باب فى كراهية القعود على القبر
﴿(ص) حَدْقَا مُسَدِّدْنَا خَلٌِ نَا سُّهَيْلٌ عَنْ أَبِهِ عَنْ أَبِ هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله
صَلَّ الله ◌َعَلَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَمْ لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُ كُمْ عَلَى حَرَةَفَتَحْرِقَ تِيَابَهُ خَّى تَخْلُصَ
إلَى جَلْهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ
(ش) (خالد) بن عبد الله الواسطى. و(سهيل) بن أبى صالح ذكوان السمان ﴿قوله لأن
يجلس) بفتح اللام الموطئة للقسم، وأن مصدرية أولت ما بعدها بمصدر مبتدأ خبره خير. والمراد
بالجلوس القعود عليه ولو لغير قضاء الحاجة . والحكمة فى التنفير منه ما يترتب عليه من

٨٤
الخلاف فى حكم الجلوس على القبر
الاستخفاف بحق المسلم وإيذائه. فقد أخرج سعيد بن منصور عن ابن مسعود أنه سئل عن
وطء القبر فقال كما أكره أذى المؤمن فى حياته فإنى أكره أذاه بعد موته ، وقيل المراد
به القعود للإحداد والحزن بأن يلازمه ولا يرجع عنه (قوله خير له من أن يجلس على قبر)
نكر القبر ليعم قبر المسلم وغيره من أهل الذمة . ولا ينافيه مافى رواية ابن ماجه من قوله صلى
الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لأن أطأ على جمرة أو سيف أحب إلى من أن أطأ على قبر مسلم
لأن التقييد فيه بقبر المسلم لشرفه ولأنه الأصل فى الاحترام (وظاهر الحديث) يدل على حرمة
الجلوس على القبر. وبه قال ابن حزم. وحمل جمهور الفقهاء الوعيد فى الحديث على الكراهة
وكذلك النهى فى حديث جابر فى الباب السابق ، وفى حديث أبى مرئد الغنوى الآتى
ومحل القول بالكراهة إن لم يكن القعود لقضاء الحاجة من بول أو غائط وإلاحرم اتفاقا .
قالوا ومثل الجلوس على القبر المشى والاستناد والاتكاء عليه لحديث ابن ماجه المتقدم آنفا
ولما رواه أحمد بإسناد صحيح عن عمرو بن حزم قال رآنى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى
آله وسلم متكئا على قبر فقال ((لا تؤذ صاحب هذا القبر)، ومحل الكراهة إذا لم تدع الضرورة إليه
وإلا جاز لما ذكره ابن حزم عن ابن مسعود لأن أطأ على جمرة حتى تبرد أحب إلىّ من أن
أتعمد وط، قبر لى عنه مندوحة. وقالت المالكية يجوز القعود بلا كراهة لما رواه مالك
فى الموطا أن علىّ بن أبى طالب كان يتوسد القبور ويضطجع عليها: وأخرجه الطحاوى بإسناد
رجاله ثقات ، ولما فى البخارى من قول نافع ((كان ابن عمر يجلس على القبور، ولما رواه الطحاوى
بسنده أن محمد بن كعب القرظى أخبرهم قال: إنما قال أبو هريرة قال رسول اللّه صلى اللّه تعالى
عليه وعلى آله وسلم من جلس على قبر يبول عليه أو يتغوط فكأنما جلس على جمرة . ولما رواه
أيضا عن أبى أمامة أن زيد بن ثابت قال: هلم يابن أخى أخبرك إنما نهى النبي صلى اللّه تعالى
عليه وعلى آله وسلم عن الجلوس على القبور لحدث غائط أو بول . قال الطحاوى فبين زيد فى
هذا الحديث الجلوس المنهى عنه . هذا مفاد كلام الموطا ومن كتب عليه كالباجى والزرقانى
ولكن مشهور المذهب أنه يكره القعود والمشى على القبر إذا كان مسنما أو مسطحا والطريق
دونه وظن بقاءشىء من عظام الميت والإجاز بلا كراهة ((وحمل)) حديث الباب على الجلوس
لقضاء الحاجة ((مردود)، بأن هذا على فرض ثبوته لا يخصص عموم النهى عن القعود الواردعن
رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. ومن ذلك مارواه أحمد عن عمرو بن حزم
قال: رآ نى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم متكئا على قبر فقال: لا تؤذ صاحب
هذا القبر. قال الحافظ إسناده صحيح. وما رواه ابن حزم عن ابن عمر قال: لأن أطأ على رضف
أحب إلىّ من أن أطأ على قبر. والرضف بفتح الراء وسكون الضاد المعجمة الحجارة التى حميث

٨٥
ما ورد فى المشى بين القبور بالنعل
بالنار أو الشمس (والحديث) أخرحه أيضا أحمد ومسلم والنسائى وابن ماجه والبيهقى
(ص) حَدَّثَ إِبْرَاهِمُ بْنُ مُوسَى الرَِّىُّ أَ عِيسَى نَاعَبْدُ الرَّحْنِ يَعْنِ ابْنَ يَزِيدَ بنِ
◌َابِ عَنْ بْرِ بْنِ عُيْدِاللهِ قَال ◌َْتُ وَاثِلَبْنَ الْأَسْقَعِ يَقُولْ سَعْتُ أَنَامَرْفَ الْقَوِّيَقُولُ
قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ تَعَلَى عَلَيْهْ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَمَ لَا تَجْلُوا عَلَى الْقَبُورِ وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَاَ
(ش) ﴿رجال الحديث) (عيسى) بن يونس السبيعى. و(بسر بن عبيد اللّه) بالتصغير
الحضرمى الشامى . روى عن عمرو بن عبسة ورويفع بن ثابت وأبى إدريس الخولانى وآخرين.
وعنه عبد الله بن العلاء وزيد بن واقد وعبدالرحمن بن يزيد، وثقه النسائى والعجلى ومروان بن
محمد. روى له الجماعة. و﴿أبو مرثد الغنوى) كناز بن الحصين بن يربوع بن عمرو بن
يربوع حليف حمزة بن عبدالمطلب شهد بدرا . وآخى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بينه
وبين عبادة بن الصامت . روى عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حديث الباب. وعنه
واثلة بن الأسقع. روى له مسلم وأبو داود والترمذى والنسائى. مات سنة اثنتى عشرة
﴿معنى الحديث﴾ ﴿قوله لا تجلسوا على القبور الخ﴾ أى لا تؤذوا الميت بالجلوس على قبره
ولا تعظموا أهل القبور بالصلاة إليها لما فيه من التعظيم الذى لا يستحقه إلا الله تعالى. وهو
حرام إن لم يقصد المصلى بصلاته تعظيم صاحب القبر وإلا كان كفرا ( وفى الحديث) النهى
عن الجلوس على القبر والصلاة إليه وقد مر الكلام فى هذا مستوفى فى «باب المواضع التى
لا تجوز الصلاة فيها ، من الرابع ﴿والحديث) أخرجه أيضا مسلم والترمذى والبيهقى
باب المشى بين القبور بالنعل
وفى بعض النسخ باب المشى فى الحذاء بين القبور
﴿ص﴾ حَدْتَ سَهْلُ بنُ بَكَّارِنَا الْأَسْوَدُ بْنُ شَيَْنَ عَنْ خَالِ بْنِ ثَيْرِ السَّدُوِّ عَنْ
◌َبَشِيرِ بْن ◌َيِك عَنْ بَشِيرِ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّاللهُ تَعَلَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَمَ، وَكَانَ أَسْمُهُ
فِى الْجَاهِيَةِ زَحْمَ بْنَ مَعَدٍ فَهَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُتَعَلَى عَلَيْهِ وَ عَلَى آلِهِ وَسَّ فَقَالَ
مَا اسْمُكَ فَقَالَحْمٌ فَقَالَ بَلْ أَنْتَ بَشِيرٌّ ◌َيْهَ أَنَا أُمَاشِ رَسُولَ اللهِ صَلَى اللهُ عَلَيْهِوَآلِهِ وَسَلّمْ
مَرَّ بَقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ لَقَدْ سَبَقَ هُلَاءِ خَيْرًاكَثِرًا ثَلَاثًا ثُمَّ مَرَّ بِقُبُورِ الْلِينَ فَقَالَ

٨٦
أمر الماشى بين القبور بخلع النعل
لَقَدْ أَدْرَ هُوْلَاءِ خَيْرًا كَثِرَا ثُمْ حَانَتْ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ تَعَلَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ
نَظَرَةٌ فَإِذَا رَجُلٌ يَمْشِ فِ الْقُبُرِ عَلَيْهِ نَعْلَانِ فَقَالَ يَا صَاحِبَ السَّبِتَنْ وَتَحَكَ أَلْفٍ
سْكَ فَظَرَ الرَّجُلُ فَلَّا عَرَفَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَ عَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ
خَلَعُهُمَا فَرَمَى بِهِمَا
﴿ش﴾ ﴿الرجال) (خالد بن شمير) بالشين المعجمة وبالسين المهملة مصغرا تقدم بالجز.
الرابع ص ٣٢ و ﴿ بشيرمولى رسول اللّه الخ) ابن معبد أو ابن زيد بن معبد بن ضباب السدوسى
المشهور بابن الخصاصية وهى والدة جده الأعلى ضباب ولم نر لغير المصنف أنه مولى رسول الله
صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم. وكان اسمه فى الجاهلية (زحما) بفتح الزاى وسكون الحاء
المهملة غير اسمه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما شعر به من الشدة والمضايقة روى عن النبى
صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وعنه بشير بن نهيك وجرى بن كليب وامرأته ليلى المعروفة
بالجهدمة. روى له أبو داود والنسائى وابن ماجه والبخارى فى الأدب. وفرق أبو حاتم والبخارى
وابن حبان وابن أبى خيثمة وابن سعد ويعقوب بن سفيان وغيرهم بين ابن الخصاصية السدوسى
وبين بشير بن معبد الأسلى . وقال أبو حاتم فى هذا روىعنه ابنه بشير
﴿المعنى﴾ ﴿قوله أماشى رسول اللّه الخ) أى أسير معه من المماشاة وهى المشاركة فى السير
وفى رواية ابن ماجه بينما أنا أمشى مع رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال
يابن الخصاصية ما تنقم على اللّه؟ أصبحت تماشى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
فقلت يارسول الله ما أنقم على اللّه شيئا كل خير قد آ تانيه الله (قوله لقد سبق هؤلاء خيرا كثيرا
ثلاثا) أى تقدموا وحادوا عنه حتى جعلوه خلف ظهورهم ولم يعملوا به، والتكرار للتأكيد
والتنفير من التخلق بما كانوا عليه ﴿قوله لقد أدرك هؤلاء الخ﴾ أى تحصلوا على كثير من الخير
وفى رواية النسائى اقد سبق هؤلاء شرا كثيرا أى تقدموا الشروجعلوه وراء ظهورهم ووصلوا
إلى الخير بعكس الكفار (قوله وحانت من رسول اللّه اضظرة﴾ أى حصلت منه نظرة.
وفى رواية ابن ماجه فالتفت (قوله فإذا رجل يمشى فى القبور عليه فعلان) يعنى يمشى بين القبور
فى نعليه كما فى رواية النسائى وابن ماجه (قوله ياصاحب السبتيتين الخ) بكسر السين المهملة
وسكون الموحدة نسبة إلى السبت وهو جلد البقر المدبوغ بالقرظ يتخذمنها النعال. سميت بذلك
لأن شعرها قد سبت أى أزيل عنها أو لأنها انسبتت أى لانت بالدباغ . يعنى ياصاحب النعلين

٨٧
الخلاف فى حكم المشى فى النعل بين القبور. الراجح إباحته
المتخذين من السبت، وويحك كلمة ترحم وإشفاق عكس ويلك، وإنما أمره النبى صلى الله تعالى
عليه وعلى آله وسلم بالخلع احتراما للمقابر. ولذا قال الإمام أحمد وصاحب الحاوى من الشافعية
يكره المشى فى المقابر بالنعل مطلقاً ويسن خلمه إذا دخلها إلا لضرورة كخوف نجاسة أو شوك
أو حرارة أرض: وقال الجمهور لا يكره لحديث أنس الآتى ((وأجابوا، عن حديث الباب بأنه
إنما أمره بالخلع لاحتمال أنه كان بهما قذر أو لاختياله بهما لأن النعال السبتية إنما يلبسها
أهل الترفه والتنعم فأحب صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم أن يكون دخول المقابر على زى
التواضع. وقال ابن حزم لا يحل لأحد أن يمشى بين القبور بنعلين سبتيتين وساق حديث الباب
عن بشير بن الخصاصية قال: بينا أنا أمشى بين المقابر وعلىّ نعلان إذ نادانى رسول الله صلى
الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ياصاحب السبتيتين ياصاحب السبتيتين إذا كنت فى مثل هذا
المكان فاخلع نعليك قال خلعتهما «قال فإن قيل، هلا منعتم من كل فعل؟ لعموم قوله عليه السلام
فاخلع نعليك «قلنا، منع من ذلك وجهان أحدهما أنه عليه السلام إنما دعا صاحب السبتيتين بنص كلامه
ثم أمره بخلع نعليه . والثانى ما حدثناه عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب ثنا
إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق الجوزجاني ثنا يونس بن محمد ثنا شيبان عن قتادة ثنا أنس بن مالك
قال قال فى اللّه صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم ((إن العبد إذا وضع فى قبره وتولى عنه أصحابه إنه
ليسمع قرع نعالهم. وذكر الحديث)) قال فهذا إخبار منه عليه السلام بما يكون بعده وأن الناس
من المسلمين سيلبسون النعال فى مدافن الموتى إلى يوم القيامة ولم ينه عنه . والأخبار لا تنسخ
أصلا فصح إباحة لباس النعال فى المقابر ووجب استثناء السبتية منها لصه عليه السلام عليها اهـ.
وما ذكره هو الأولى لما فيه من الجمع بين الحديثين ولا وجه لمن غلطه بقوله إن سماع الميت لخفق
النعال لا يستلزم أن يكون المشى على قبر أو بين القبور لأن الغالب فيمن دفن الميت أن يمشى بين
القبور والأحكام إنما ينظر فيها إلى الغالب وهو ظاهر حديث خفق النعال ولو كان لبسها فى المقبرة
منهيا عنه مطلقا لانتشر بين الصحابة وماخفى على أحدمنهم فإنه مما تعم به البلوى وعليه فالراجح من
جهة الدليل ماذهب إليه الجمهور وماقيل من أن النهى عن النعال السبتية لما فيها من الخيلاء مردود بأن
النبي صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يلبسها وكذلك ابن عمر كما ذكره الحافظ فى الفتح.
﴿ والحديث) أخرجه أيضا أحمد والنسائي وابن ماجه والحاكم وصححه ورجال إسناده ثقات
وكذا أخرجه البيهقى من طريق أبي عاصم قال ثنا الأسود بن شيبان حدثنى خالد بن شمير حدثنى
بشير بن نهيك حدثنى بشير مولى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم و کان اسمه فى
الجاهلية زحم بن معبد فقال له رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم ما اسمك قال زحم
ابن معبد قال أنت بشير مكان اسمه قال بينا أنا أماشى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله

٨٨
سؤال القبر وعذابه
وسلم فقال يابن الخصاصية ما أصبحت تنقم على اللّه تماشى رسول الله صلى الله تعالى عليه
وعلى آله وسلم فقلت ما أنقم على اللّه شيئا كل خير فعل بى اللّه فأتى على قبور المشركين فقال
لقد سبق هؤلاء بخير كثير ثلاث مرار ثم أتى على قبور المسلمين فقال لقد أدرك هؤلاء خيرا
كثيرا ثلاث مرار فبينما هو يمشى إذ حانت منه نظرة فإذا رجل يمشى بين القبور عليه فعلان
فقال يا صاحب السبتيتين ويحك ألق سبتيتيك فنظر فلا عرف رسول الله صلى الله تعالى عليه
وعلى آله وسلم خلع نعليه فرمى بهما ، قال البيهقى هذا حديث قد رواه جماعة عن الأسود بن
شيبان وهو لا يعرف إلا بهذا الإسناد
﴿ص) حَدَّثَا عَمُّ بْنُ سُلِيَنَ الْأَنْبَرِىُّ ثَنَا عَبْدُالْوَهَّابِ يَعْنِى أَبْنَ عَطَاءٍ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ
قَدَةَ عَنْ أَسِ عَنِ الَّيْ صَلَى اللهُ عَيْهِ وَآلِهِ وَسَم ◌َّهُقَالَ: إِنَّ الَبْدَ إِذَا وُ ضِعَ فِقَرِهِ وَتَوَلَى
١٠٠ ٠٤
عَنْهُ أَصْحَابَهُ إنّهُ لِيَسْمَعَ فَرْعَ نِعَالهِم
﴿ش﴾ ﴿سعيد) بن أبى عروبة. و ﴿قتادة﴾ بن دعامة (قوله وتولى عنه أصحابه) يعنى
ذهب عنه من كان يشيع جنازته (قوله ليسمع قرع نعالهم) أى صوت المشى بالنعال (والحديث)
من أدلة الجمهور القائلين بجواز المشى بالنعال فى المقابر . قال الخطابى خبر أنس يدل على جواز
لبس النعل لزائر القبور وللماشى بحضرتها وبين ظهرانيها . فأما خبر السبتيتين فيشبه أن يكون إنما
كره ذلك لما فيها من الخيلاء وذلك أن النعال السبتية من لباس أهل الترفه والتنعم فأحب صلى
الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن يكون دخول المقابر على زى أهل التواضع ولباس أهل الخشوع
اه وقد علمت ما فى هذا
﴿فقه الحديث) دل الحديث على أن الميت ترد إليه الروح بعد الدفن. وعلى أنه يحس ويشعر
بما يقع من الأحياء
﴿ والحديث) أخرجه أيضا النسائى مختصراوالبيهقى، وأخرجه مسلم والبخارى مطولا واللفظ
له عن أنس أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال إن العبد إذا وضع فى قبره وتولى
عنه أصحابه وإنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان ما كنت تقول فى هذا الرجل
لمحمد صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم؟ فأما المؤمن فيقول أشهد أنه عبد الله ورسوله فيقال
له انظر إلى مقعدك من النار قدأبدلك الله به مقعدا من الجنة فيراهما جميعا، وأما المنافق والكافر
فيقال له ما كنت تقول فى هذا الرجل ؟ فيقول لا أدرى كنت أقول ما يقوله الناس فيقال
لادريت ولاتليت ويضرب بمطارق من حديد ضربة فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين

٨٩
جواز نقل الميت للضرورة
باب تحويل الميت من موضعه للأمر يحدث
أيجوز أم لا ؟ وفى بعض النسخ باب فى تحويل الميت الخ. وفى بعضها باب فى الميت يحول من
موضعه للأمر يحدث أى يقتضى نقله
﴿صح حَدَّثَنَا سُلْمَانُ بْنُ حَرْبِ نَاحَمّاُ بْنُ زَيْدِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ أَبِ مَسْلَةَ عَنْ
أَبِ نَصْرَةَ عَنْ جَايٍِ قَالَ: دُفِنَ مَعَ أَبِىِ رَجُلٌ فَكَنَ فِى نَفْسِ مِنْ ذَلِكَ حَاجَةٌ فَأَخْرَجْتُ بَعْدَ
سَّةُ أَشْهُر ◌َ أَنْكُرْتُ مِنْهُ شَيْئًا إِلَّ شُعَيْرَاتِ كُنَّ فِى ◌َِّهِبِمَّا يَلِ الْأَرْضَ
﴿ش﴾ ﴿رجال الحديث﴾ ﴿سعيدبن يزيد أبو مسلمة) ويقال ابن سلمة البصرى. روى عن
أنس وأبى نضرة ويزيد بن عبدالله والحسن البصرى وآخرين، وعنه شعبة وحماد بن زيد وبشر
ابن المفضل وعباد بن العوام وجماعة ، وثقه النسائى وابن معين وابن سعد والعجلى والبزار. روى
له الجماعة. و﴿أبو نضرة) المنذر بن مالك تقدم بالثالث صفحة ٢٧٢ ﴿المعنى) (قوله دفن
مع أبى رجل) هو عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام الأنصارى ، وكان صديق عبدالله والد جابر
وزوج أخته هند ودفن معه بأمره صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كما ذكره ابن إسحاق فى المغازى
قال حدثنى أبى عن رجال من بنى سلمة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال حين أصيب
عبد الله بن عمرو وعمرو بن الجموح اجمعوا بينهما فإنهما كانا متصادقين فى الدنيا (قوله فكان فى
نفسى من ذلك حاجة﴾ أى قلق واضطراب من دفن أبيه مع آخر فى قبر واحد وفى رواية
البخارى ثم لم تطب نفسى أن أتركه مع الآخر. ونحوه للنسائى. وهذا لا ينافى ما تقدم من رواية
ابن إسحاق من أن الجمع بينهما كان بأمر النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، لأنه كان لضرورة
كثرة القتلى وما أصاب القائمين بتجهيزهم من كثرة الجروح، ولما زالت الضرورة نقله فلا يكون
نقله مخالفا لأمر النبي صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم (قوله فأخرجته بعد ستة أشهر) أى
أخرجته من القبر الذى دفن فيه مع عمرو بن الجموح ووضعته فى قبر على حدة بعد ستة أشهر
من يوم دفنه. ولا يعارض هذا ما فى رواية الموطإ عن عبد الرحمن بن أبى صعصعة أنه بلغه
أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو الأنصاريين السلميين كانا قد حفر السيل قبرهما وكان
قبرهما مما يلى السيل وكانا فى قبر واحد وهما ممن استشهد يوم أحد ففر عنهما ليغير مكانهما
فوجدا لم يتغيرا كأنهما ماتابالأمس الحديث ، وكان بين أحد وبين يوم حفر عنهما ست وأربعون
سنة. لأن الذى بلغ عبد الرحمن بن أبى صعصعة بذلك مجهول فلا يقاوم المروى عن جابر. وعلى
(م - ١٢ - المنهل العذب المورود - ج ٩)

٩٠
ما ورد فى ذكر الميت بالخير أو الشر
فرض تساوى الحديثين فيمكن الجمع بأن المراد بكونهما فى قبر واحد أنهما كانامتجاورين، أو أن
السيل خرق أحد القبرين فصارا كقبر واحد (قوله فما أنكرت منه شيئا الخ) يعنى وجدته لم
يتغير عن هيئته التى دفنته عليها إلا بعض شعرات سقطت من لحيته من الجانب الذى يلى الأرض.
وقوله شعيرات جمع شعيرة تصغير شعرة والتصغير للتقليل
﴿الفقه) دل الأثر على الإرشاد إلى بر الأبناء بالآباء. وعلى أن الأرض لاتأكل أجساد
الشهداء وقد علمت مافيه. وعلى جواز دفن الاثنين فى قبر واحد ، لكن محله إذادعت الضرورة
إلى ذلك كما تقدم. وعلى جواز نقل الميت من قبر إلى آخر إذا دعت الحاجة إلى ذلك
﴿ والأثر) أخرجه أيضا البيهقى، وأخرج النسائى نحوه، وأخرجه البخارى عن جابر بن عبد الله
قال: لما حضر أحد دعانى أبى من الليل فقال ماأرانى إلا مقتولا فى أول من يقتل من أصحاب
النبى صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم وإنى لا أترك بعدى أعزّ علىّ منك غير رسول الله
صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم، وإن علىّ دينافاقض واستوص بأخواتك خيرا فأصبحنافكان
أول قتيل ودفن معه آخر فى قبر ، ثم لم تطب نفسى أن أتركه مع الآخرفاستخرجته بعد ستة أشهر
فإذا هو كيوم وضعته غير هنية فى أذنه. والهنية تصغير هنة الشيء اليسير يعنى غير أثر يسير
غيرته الأرض من أذنه
باب فى الثناء على الميت
الثناء فى الأصل الذكر بالخير والمراد به هنا مطلق ذكر صفة الميت
﴿ص﴾َ حَدَّثَ حَقْصُ بنُ مُمَ نَاشُعْبَةُ عَنْ إِبْرَاهِمَ بْنِ عَامِرٍ عَنْ عَامِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ
أَبِ هُرَيْرَةَ قَالَ: مَرُّوا عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَى الله ◌ُعَلَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَلَمْ بِجَارَة ◌َأثنوا عليها
خَيْرًا. فَقَالَ وَجَبَتْ، ثُمْ مَرُوا بِأُخْرَى فَأَُّوا شَرًّا، فَقَلَ وَجَبَتْ. ثُمْ قَ: إِنَّبَعْضَكُمْ عَلَى
تَعْض شَهِيدٌ
(ش) (رجال الحديث) (شعبة) بن الحجاج. و(إبراهيم بن عامر) بن مسعود بن
أمية بن خلف القرشى الكوفى . روى عن سعيد بن المسيب وعامر بن سعد. وعنه شعبة والثورى
وإسراءيل ومسعر. وثقه النسائى وابن معين وقال أبو حاتم صدوق لا بأس به. روى له أبو داود والنسائى
﴿معنى الحديث) (قوله فأثنوا عليها خيرا) قد بين هذا الخير فى رواية الحاكم عن أنس
قال كنت قاعدا عند النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فمر بجنازة فقال ما هذهالجنازة؟ قالوا

٩١
الجمع بين حديث ذكر الميت بالشر وحديث الأمر بالكف عن مساويه
جنازة فلان الفلانى كان يحب الله ورسوله ويعمل بطاعة الله ويسعى فيها ﴿قوله وجبت)
أى ثبتت له الجنة أو المغفرة فالمراد بالوجوب الثبوت لا التحتم لأن الله تعالى
لا يجب عليه شىء بل الثواب بمحض فضله تعالى والعقاب بمحض عدله (قوله فأثنوا شرا)
وفى نسخة فأثنوا عليها شرا أى ذكروها بشر. وقد بين الشر فى رواية للحاكم عن أنس قال
ومر بجنازة أخرى قالوا جنازة فلان الفلانى كان يبغض الله ورسوله ويعمل بمعصية الله ويسعى
فيها. وذكر الثناء فى جانب الشر مشا كلة وإلا فالثناء لا يستعمل إلا فى الخير على اللغة الفصحى
((فإن قيل كيف، مكنهم النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم من ذكر مساوى الميت وقدقال (اذكروا
محاسن موتاکم و کفوا عنمساویهم) رواهالترمذى عن ابنعمر . وسیأتیللصنف فى «باب النهى
عن سب الموتى) من كتاب الأدب: وفيه عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله
وسلم (إذا مات صاحبكم فدعوه ولا تقعوا فيه). وأخرج عنها البخارى والنسائى أنه صلى الله
تعالى عليه وعلى آله وسلم قال لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ماقدموا وروى النسائى
عنها لا تذكروا هلكاكم إلا بخير. ((أجيب)) بأن النهى عن ذكر مساوى الأموات فى غير
المنافق والكافر والمجاهر بالفسق والبدعة أما هؤلاء فيجوز ذكر مساويهم ليتحرز من طريقتهم
حديث الباب مخصص لأحاديث النهى المذكورة . وأل فى الأموات وكذا الإضافة فى قوله
اذكروا محاسن موتاكم وكفوا عن مساويهم للعهد والمعهود المسلمون المخلصون. وقيل إن الأمر
بالكف عن مساوى الميت خاص بغير الكافر والمنافق فإن المؤمن الفاسق وإن جاز ذكر
مساويه حال حياته ليبتعد عنها ويحذره الناس لا يجوز ذكرها بعد وفاته إذ لافائدة فيه حينئذ
خصوصا مع احتمال أنه مات تائبا، ولذا قال الجمهور لا يجوز لعن يزيد بن معاوية والحجاج الثقفى.
والميت الذى ذكروه بالشر بحضرة النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان من المنافقين
لما تقدم فى رواية الحاكم أنه كان يبغض الله ورسوله . وقال القرطى يحتمل أن يكون النهى عن
سب الموتى متأخرا عن حديث الباب وأشباهه فيكون ناسخا له ولا يخفى بعده لأنه لا يصار إلى
النسخ إلا عند عدم إمكان الجمع وقد أمكن كما علمت ﴿قوله وجبت) أى ثبتت له النار
واستحق دخولها أو العقوبة وفى رواية البخارى والبيهقى عن أنس قال مروا بجنازة فأثنوا عليها
خيرا فقال النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وجبت ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرا فقال
وجبت فقال عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه ماوجبت؟ قال هذا أثنيتم عليه خيرا فوجبت
له الجنة وهذا أثنيتم عليه شرا فوجبت له النار أنتم شهداء الله فى الأرض (قوله إن بعضكم على
بعض شهيد) وفى نسخة شهداء وعند الشيخين أنتم شهداء الله فى الأرض وفى رواية المؤمنون
شهداء الله فى الأرض يعنى أن الله يقبل شهادة المؤمنين بعضهم على بعض ويحكم بمقتضاها

٩٢
شهادة الأحياء للأموات . حكم قولهم بعد الصلاة على الميت ما تشهدون فيه ؟
ويحتمل أن هذا خاص بالصحابة رضى الله عنهم لأنهم كانوا ينطقون بالصدق والحكمة لعدالتهم
ومثلهم من كان على صفتهم من المؤمنين الأتقياء، فالمعول عليه فى ذلك شهادة أهل الفضل والصلاح
والصدق والأمانة بخلاف الفسقة لأنهم قد يذكرون أهل الفسق بالخير وأهل الفضل والصلاح
بالشرفليسوا داخلين فى هذا الحديث. ومصداق هذا الحديث قوله تعالى ((وكذلك جعلنا كم أمة
وسطا لتكونواشهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا، أى جعلنا كم عدولا خيارا تشهدون
على غيركم من الأمم ويكون الرسول مزكيا لكم مبينا عدالتكم (وفى الحديث) تزكية من النبى
صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأمته وإظهار عدالتهم وأن الشهادة المؤمنين مدخلا فى نفع المشهود له
وضرر المشهود عليه ((فإن)) قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وجبت بعد الثناء (( حكم، عقب
وصف مناسب مشعر بالعلية. ويؤيده ما رواه البخارى عن عمر أن النبى صلى الله عليه وعلى
آله وسلم قال ((أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة فقلناو ثلاثة قال وثلاثة فقلنا واثنان
فقال واثنان ثم لم نسأله عن الواحد، وما روى صاحب المرقاة من أنه صلى اللّه تعالى عليه
وعلى آله وسلم قال حين أثنوا على جنازة جاء جبريل وقال يا محمد إن صاحبكم ليس كما يقولون
إنه كان يعلن كذا ويسر كذاولكن الله صدقهم فيما يقولون وغفرله مالا يعلمون. قال والأظهر
أن هذا أمر أغلى فإن الثناء علامة مطابقة للواقع غالبا، وليس المراد أن من خلق للجنة يصير من
أهل النار بقولهم ولا عكسه إذ قد يذكر بالخير أو الشر وهو فى الواقع على خلاف ذلك اهـ
بتصرف. وقال النووى فى شرح مسلم والصحيح المختار أنه على عمومه وإطلاقه وأن كل مسلم
مات فألهم الله تعالى الناس أو معظمهم الثناء عليه كان ذلك دليلا على أنه من أهل الجنة سواء
أ كانت أفعاله تقتضى ذلك أم لا لأنه وإن لم تكن أفعاله تقتضيه فلا تتحتم عليه العقوبة بل هو
تحت المشيئة فإذا ألهم الله الناس الثناء عليه استدللنا بذلك على أنه تعالى قد شاء المغفرة له وبهذا
تظهر فائدة الثناءاهـ. قال الحافظ فى الفتح وهذا فى جانب الخير واضح ويؤيده مارواه أحمد
وابن حبان والحاكم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس مرفوعا «مامن مسلم يموت فيشهد
له أربعة من جيرانه الأدنين أنهم لا يعلمون منه إلا خيرا إلا قال الله تعالى قد قبلت قولكم وغفرت
له ما لا تعلمون)». وأما جانب الشر فظاهر الأحاديث أنه كذلك لكن إنما يقع ذلك فى حق من
غلب شره على خيره اهـ. ويؤيده ما أخرجه الحاكم من طريق النضر بن أنس عن أنس وفيه
يا أبا بكر إن لله ملائكة تنطق على ألسنة بنى آدم بما فى المرء من الخير والشر
﴿ فقه الحديث) دل الحديث على جواز ذكر الميت بما فيه من خير أو شر. وعلى نجاة من
شهد له الصالحون بالخير . ومحله إذا شهدوا بما يعلمون منه بحسب ظاهر حاله ((فما يفعله)، كثير من
أهل زمانا من قول بعضهم بعد الصلاة على الميت ما تشهدون فيه ويريد بذلك الثناء عليه بخير ولوكان

٩٣
الأمر بزيارة القبور والحكمة فيه
من الفاسقين فيقولون هو من أهل الخير والصلاح ولو لم يكن الميت كذلك وربما أوقعت
كثيرا من الناس فى شهادة الزور ((بدعة)) مخالفة لهديه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. ودل
الحديث على مظنة تعذيب من ذكره الصالحون بشر على حسب علمهم ولا يكون ذلك من
الغيبة المحرمة بل يباح ذلك للتحذير من سلوك طريق أهل الفساد والاقتداء بهم والتخلق بأخلاقهم
﴿ والحديث) أخرجه أيضا البخارى والبيهقى بلفظ تقدم ومسلم وابن ماجه من حديث أنس
وكذا الحاكم مطولا
oO
باب فى زيارة القبور
﴿ص) حَدَّتَ عُُّ بْنُ سُلِيَ الَارِىُّ نَا مَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ
أَبِ حَزِمٍ عَنْ أَبِ هُرَيْرَةَ قَالَ أَنَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ تَعَلَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّ قَبْرَ أُمّ
فَبَكَ وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَمَ أَسْتَأْذَنْتُ
رَبِى تَعَالَى عَلَى أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلْ يَأْذَنْ لِ فَاسْتَأْذَنْتُ أَنْ أَزُورَ قَبْهَا فَذْنَ لى فَرُورُوا
الْقُبُورَ فَإِنْهَ تُذَكَّرُ بِالْمَوْتِ
﴿ش﴾ (أبو حازم) سليمان الأشجعى تقدم بالسادس ص ٢٧ (قوله أتى رسول الله
قبرأمه) آمنة بنت وهب بن عبدمناف بن زهرة توفيت بالأبواء موضع بين مكة والمدينة فى السنة
السادسة من عمر النبى صلى الله عليه وآله وسلم وكانت قد قدمت المدينة به على أخواله بنى عدى
ابن النجار تزورهم فمات حال رجوعها (قوله فبكى وأبكى من حوله) يعنى بكى لتذكر الآخرة
وعدم إدراك أمه أيامه وتسبب فى بكاء من حوله . قال القاضى عياض بكاؤه صلى اللّه تعالى عليه
وعلى آله وسلم ليس لتعذيبها وإنما هو أسف على ما فاتها من إدراك أيامه والإيمان به اهـ
﴿قوله استأذنت ربى تعالى على أن أستغفر لها فلم يأذن لى) بالبناء للفاعل . وفى نسخة بالبناء
للمفعول . ولعله لم يؤذن له صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم فى الاستغفار لأنه فرع المؤاخذة
على الذنب ومن لم تبلغه الدعوة لا يؤاخذ على ذنبه فلا حاجة إلى الاستغفار لها . ولأن عدم
الإذن بالاستغفار لا يستلزم أن تكون كافرة لجواز أن يكون الله تعالى منعه صلى اللّه تعالى
عليه وعلى آله وسلم من الاستغفار لها لمعنى آخر كما كان صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم منوعا
فى أول الإسلام من الصلاة على من عليه دين لم يترك له وفاء ومن الاستغفار له مع أنه من

٩٤
نجاة والديه صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم
المسلمين وعلل ذلك بأن استغفاره صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم مجاب على الفور فمن استغفر
له وصل ثواب دعائه إلى منزله فى الجنة وانتفع به فورا والمدين محبوس عن مقامه الكريم
حتى يقضى دينه ((فقول)) من قال إن عدم الإذن فى الاستغفار لكفرها والاستغفار للكافر
لا يجوز ((غير سديد) وقد ذكر الجلال السيوطى أدلة كثيرة على إثبات أن أبوى النبى صلى الله
عليه وعلى آله وسلم ناجيان (منها) حديث البخارى عن أبى هريرة أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
قال بعثت من خير قرون بنى آدم قرنا فقرنا حتى كنت من القرن الذى كنت منه: ومن معانى القرن
السيد: وآباء الرجل. ومنها ما أخرجه الترمذى وصححه عن واثلة بن الأسقع قال قال رسول الله صلى الله
تعالى عليه وعلى آله وسلم إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة
واصطفى من بنى كنانة قريشا واصطفى من قريش بنى هاشم واصطفانى من بنى هاشم.((وأمامارواهمسلم) من
حديث أنس أن رجلا قال يا رسول اللّه أين أبى فقال فى النار فلما ولى الرجل دعاه فقال إن
أبى وأباك فى النار ((فهو)) من رواية حماد بن سلمة عن ثابت وقد خالفه معمربن راشد عن ثابت
فلم يذكرإن أبى وأباك الخ لكن قال إذا مررت بقبر كافر فبشره بالنار. ولادلالة فى هذا اللفظ
على حال والده صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو أصح فإن معمرا أثبت من حماد لأن
حمادا تكلم فى حفظه وفى أحاديثه منا كير ولم يخرج له البخارى ومسلم فى الأصول إلا من
روايته عن ثابت. أما معمر فلم يتكلم فى حفظه ولا استنكرشىء من حديثه واتفق الشيخان على التخريج
له . وقد روى الحديث البزار والطبرانى والبيهقى من حديث سعد بن أبى وقاص بمثل لفظ معمر عن
ثابت عن أنس. وأخرجه ابن ماجه من طريق الزهرى عن سالم عن أبيه عبد الله بن عمر رضى الله تعالى
عنهما قال جاء أعرابى إلى النبي صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال يا رسول الله إن أبى كان
يصل الرحم وكان وكان فأين هو قال فى النار فكأنه وجد من ذلك فقال يا رسول الله فأين أبوك
فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حيثما مررت بقبر مشرك فبشره بالنار. فلعل
رواية حماد من تصرف الراوى بالمعنى على حسب فهمه . على أنها لو صحت يحمل قول النبى صلى
اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم إن أبى على أبى طالب على حد قوله تعالى ( وإذ قال إبراهيم لأبيه
آزر). وقد كان عمه على المشهور أو يراد بالنار النار التى يؤمر بدخولها أهل الفترة ومن كان
على شاكلتهم من لم تبلغه الدعوة فمن دخلها كانت عليه بردا وسلاما. فقد قال الحافظ فى الإصابة
فى ترجمة أبى طالب ورد من عدة طرق فى حق الشيخ الهرم ومن مات فى الفترة ومن ولد أعمى
أصم ومن ولد مجنونا أو طرأ عليه الجنون قبل أن يبلغ ونحو ذلك أن كلا منهم يدلى بحجة ويقول
لو عقلت أو ذكرت لآمنت فترفع لهم نار ويقال لهم ادخلوها فمن دخلها كانت عليه بردا وسلاما
ومن امتنع أدخلها كرها هذا معنى ماورد من ذلك وقد جمعت طرقه فى جزء مفرد . ونحن نرجو

٩٥
ماورد فى احتجاج أهل الفترة واختيارهم يوم القيامة
أن يدخل عبد المطلب وآل بيته فى جملة من يدخلها طائعا فينجو. لكن ورد فى أبى طالب ما يدفع
ذلك وهو ما تقدم من آية براءة وما ورد فى الصحيح عن العباس بن عبد المطلب أنه قال النبى
صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم ما أغنيت عن عمك أبى طالب فإنه كان يحوطك ويغضب لك
فقال هو فى ضحضاح من النار ولولا أنا لكان فى الدرك الأسفل من النار اهـ. والأحاديث
الواردة فى أن أهل الفترة يختبرون يوم القيامة فمن أطاع منهم دخل الجنة ومن عصى دخل
النار كثيرة ومعانيها متقاربة ذکر ابن کثیر بعضها فى تفسیره. منها ما أخرجه أحمد قال حدثنا
على بن عبد اللّه حدثنا معاذ بن هشام حدثنا أبى عن قتادة عن الأحنف بن قيس عن الأسود بن
سريع أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: أربعة يحتجون يوم القيامة، رجل
أصم لا يسمع شيئا، ورجل أحمق، ورجل هرم ، ورجل مات فى فترة. فأما الأصم فيقول رب قد جاء
الإسلام وما أسمع شيئا وأما الأحمق فيقول رب قد جاء الإسلام والصبيان يحذفوننى بالبعر وأما
الهرم فيقول رب لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئا وأما الذى مات فى الفترة فيقول رب ما أتانى
لك رسول فيأخذ مواثيقهم ليُطُعنه فيرسل إليهم أن ادخلوا النار فوالذي نفس محمد بيده
لو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاما. وأخرج أيضا بالإسناد عن قتادة عن الحسن عن أبى
رافع عن أبى هريرة مثله غير أنه قال فى آخره فمن دخلها كانت عليه بردا وسلاما ومن لم يدخلها
يسحب إليها. وكذا رواه إسحاق بن راهويه عن معاذ بن هشام. ورواه البيهقى فى كتاب الاعتقاد
من حديث أحمد بن إسحاق عن على بن عبد الله المدينى به. وقال هذا إسناد صحيح. ومنها
·اأخرجه أبو يعلى قال حدثنا أبو خيثمة حدثنا جرير عن ليث عن عبد الوارث عن أنس قال
قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يؤتى بأربعة يوم القيامة بالمولود والمعتوه
ومن مات فى الفترة والشيخ الفاني الهم (( بكسر الهاء الكبير، كلهم يتكلم بحجته فيقول الرب
تبارك وتعالى لعنق من النار ابرز ويقول لهم إنى كنت أبعث إلى عبادى رسلا من أنفسهم
وإنى رسول نفسى إليكم ادخلوا هذه قال فيقول من كتب عليه الشقاء يارب أنّى ندخلها ومنها كنا
نفر قال ومن كتبت عليه السعادة يمضى فيقتحم فيها مسرعا قال فيقول الله تعالى ((يعنى، للأولين أنتم
لرسلى أشد تكذيبا ومعصية فيدخل هؤلاء الجنة وهؤلاء النار. ومنها ما أخرجه البزار فى مسنده
قال حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهرى حدثنا ريحان بن سعيد حدثنا عباد بن منصور عن أيوب
عن أبى قلابة عن أبى أسماء عن ثوبان أن النبي صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم عظم شأن
المسألة قال إذا كان يوم القيامة جاء أهل الجاهلية يحملون أوزارهم على ظهورهم فيسألهم ربهم
فيقولون ربنا لم ترسل إلينارسولا ولم يأتنالك أمر ولو أرسلت إلينا رسولا لكنا أطوع عبادك
فيقول لهم ربهم أرأيتم إن أمرتكم بأمر تطيعونى فيقولون نعم فيأمرهم أن يعمدوا إلى جهنم

٩٦
ما يدل على إيمان والدته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم واعترافها ببعثته
فيدخلوها فينطلقون حتى إذا دنوا منها وجدوا لها تغيظا وزفيرا فرجعوا إلى ربهم فيقولون ربنا
أخرجنا أوأجر نامنها فيقول لهم ألمتزعموا أنى إن أمر تكم بأمر تطيعونى فيأخذ على ذلك مواثيقهم
فيقول اعمدوا إليها فادخلوها فينطلقون حتى إذا رأوها فرقوا منها فرجعوا وقالوا ربنا فرقنا منها
ولا نستطيع أن ندخلها فيقول ادخلوهادا خرين فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لودخلوها أول
مرة كانت عليهم بردا وسلاما. ثم قال البزار ومتن هذا الحديث غير معروف إلا من هذا الوجه
لم يروه عن أيوب إلا عباد ولاعن عباد إلا ريحان بن سعيد قال ابن كثير وقد ذكره ابن حبان
فى ثقاته وقال يحيى بن معين والنسائى لا بأس به ولم يرضه أبو داود وقال أبو حاتم شيخ لا بأس
به يكتب حديثه ولا يحتج به وأخرجه الحاكم فى المستدرك وقال صحيح على شرط الشيخين
وأقره الذهبي . ومنها ما أخرجه الإمام محمد بن يحيى الذهلى قال حدثنا سعيد بن سليمان عن
فضيل بن مرزوق عن عطية عن أبى سعيد قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
الهالك فى الفترة والمعتوه والمولود يقول الهالك فى الفترة لم يأتنى كتاب ويقول المعتوه رب
لم تجعل لى عقلا أعقل به خيرا ولاشرا ويقول المولود رب لم أدرك العقل فترفع لهم نار فيقال
لهم ردُوها قال فيردها من كان فى علم اللّه سعيدا لو أدرك العمل ويمسك عنها من كان فى علم الله
شقياً لو أدرك العمل فيقول إياى عصيتم فكيف لو أن رسلى أنتكم اهـ. قال الحافظ ابن حجر
الظن بآباته صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم كلهم الذين ماتوا فى الفترة أن يطيعوا
عند الامتحان لتقربهم عينه صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم اهـ. وقد ورد ماهو صريح
فى إيمان أبويه صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم واعترافهما بدين إبراهيم وبعثة النبي صلى
الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهذا هو الإيمان بعينه. فقد روى أبو نعيم ( فى دلائل النبوة
بسند ضعيف) من طريق الزهرى عن أسماء بنت رهم عن أمها قالت شهدت آمنة أم النبى
صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فى علتها التى ماتت بها ومحمد عليه الصلاة والسلام غلام
يفع (أى مرتفع) له خمس سنين عند رأسها فنظرت أمه إلى وجهه ثم قالت
بارك فيك الله من غلام « يابن الذى من حومة الحمام
نجا بعون الملك العلام « فودى غداة الضرب بالسهام
بمائة من إبل سوام » إن صح ما أبصرت فى المنام
فأنت مبعوث إلى الأنام » تبعث فى الحل وفى الحرام
تبعث فى التحقيق والإسلام . دين أبيك البر إبراهام
فالله أنهاك عن الأصنام ، ألا تواليها مع الأقوام
ثم قالت كل حی میت و كل جديد بال وكل كبيريفنى وأنا ميتة وذكرى باق وقد تركت خيرا

٩٧
مابه يتحقق التوحيد. شفاعته صلى الله عليه وسلم فى أبويه
وولدت طهرا . قال الزرقانى فى شرح المواهب نقلا عن الجلال السيوطى بعد ذكر هذه الأبيات
وهذا القول منها صريح فى أنها موحدة إذ ذكرت دين إبراهيم وبعث ابنها صلى اللّه تعالى عليه
وعلى آله وسلم بالإسلام من عند الله ونهيه عن الأصنام وموالاتها وهل التوحيد شىء غير هذا؟
فإن التوحيد هو الاعتراف باللّه وإلهيته وأنه لاشريك له والبراءة من عبادة الأصنام ونحوها
وهذا القدر كاف فى التبرى من الكفر وثبوت صفة التوحيد فى الجاهلية قبل البعثة ، وإنما يشترط
قدر زائد على هذا بعد البعثة ، ولا يظن بكل من كان فى الجاهلية أنه كان كافرا على العموم ، فقد
تحنف فيها جماعة فلا بدع أن تكون أمه صلى اللّه تعالى عليه وآله وسلم منهم. كيف وأكثرمن
تحنف منهم إنما كان سبب تحتفه ما سمعه من أهل الكتاب والكهان قرب زمنه صلى اللّه تعالى
عليه وعلى آله وسلم من أنه قرب بعث نبى من الحرم صفته كذا . وأمه صلى اللّه تعالى عليه وعلى
آله وسلم سمعت من ذلك أكثر مما سمعه غيرها وشاهدت فى حمله وولادته من آياته الباهرة
ما يحمل على التحنف ضرورة ورأت النور الذى خرج منها أضاء لها قصور الشام حتى رأتها وقالت
لحليمة حين جاءت به وقد شق صدره أخشيتما عليه الشيطان؟ كلا والله ما للشيطان عليه سبيل وإنه
لكائن لا بنى هذا شأن اه بحذف. أما مارواه ابن شاهين والحاكم عن ابن مسعود قال جاء ابنامليكة
فقالا يارسول الله إن أمنا كانت تكرم الضيف وقد وأدت فى الجاهلية فأين أمنا ؟ فقال أمكما
فى النار فقاما وقد شق عليهما فدعاهما صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال إن أى مع أمكا
فقال منافق مايغنى هذا عن أمه إلا مايغنى ابنا مليكة عن أمهما فقال شاب من الأنصار أرأيت
أبويك فى النار؟ فقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ما سألته ما ربى فيعطينى فيهما وإنى لقائم
يومئذ المقام المحمود فقدقال السيوطى هذا الحديث يشعر بأنه يرتجى لهما الخير عند قيامه المقام
المحمود بأن يشفع لها فيوفقا للطاعة إذا امتحنا حينئذ كما يمتحن أهل الفترة . والمراد بالمعية فى
الحديث كونها معها فى دار البرزخ. وعبر بذلك صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم تورية وتطيبا
لقلوبهما كما أجاب من سأله عن أبيه فقال له إن أبى وأباك فى النار. فإنه كان من عاداته صلى اللّه
عليه وعلى آله وسلم إذا سأله أعرابى ممن هو مظنة الفتنة والردة وخاف من إفصاح الجواب له
فتنته واضطراب قلبه أجابه بجواب فيه تورية وإيهام. فهو صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم
لماكره أن يفصح للأعرابى الجواب بمخالفة أبيه لأبيه فى المحل الذى هو فيه خشية البعد عن
الإسلام لما جبلت عليه النفوس من كراهة الاستئثار عليها . ولما كانت عليه العرب من
الجفاء والغلظة أوردله جوابا موهما تطمينا لقلبه. وقد جاء فى رواية أن هذا الأعرابى أسلم بعد
وقد تقدم بيان ما فى الحديث وافيا . وأما أبوه صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم فقد نقل عنه
كلمات تدل على توحيده وإيمانه بالشرائع القديمة كقوله حين عرضت امرأة نفسها عليه
(م١٣ - المنهل العذب المورود - ج٩)

٩٨
ما جاء فى أن أباه وجده صِّ اله كانا موحدين
أما الحرام فالمات دونه . والحل لاحل فأستبينه
يحمى الكريم عرضه ودينه . فكيف بالأمر الذى تبغينه
هذا مع ما كان عليه من كمال العفة فقدافتتن به النساء ولم ينلن منه شيئا . قال القسطلانى وقد تمسك
القائل بنجاة أبويه صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم بأنهما ما تاقبل البعثة فى زمن الفترة ولا تعذيب
قبلها لقول الله تعالى ((وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا)، وقد أطبقت الأئمة الأشاعرة من
أهل الأصول والشافعية من الفقهاء على أن من مات ولم تبلغه الدعوة يموت ناجيا اهـ. قال
السيوطى هذا مذهب لاخلاف فيه بين الشافعية فى الفقه والأشاعرة فى الأصول اهـ. وأماجده
عبد المطلب فكان على الحنيفية والتوحيد وصدق بالنبى صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم قبل
بعثته لما رآه من الأدلة الدالة على رسالته . قال السهيلى إن عبد المطلب لم تبلغه الدعوة وجاءت
أدلة كثيرة تشهد بأن عبد المطلب كان على الحنيفية والتوحيداهـ. ويؤيده ما ذكر فى السيرة
الحلبية عن ابن عباس أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال يبعث جده عبدالمطلب فى زى الملوك
وأبهة الأشراف. ويؤيده أيضا أنه كان يأمر بنيه بمكارم الأخلاق وكان يتحنث بغار حراء
ويطعم المساكين حتى كان يرفع للطير والوحوش فى رؤوس الجبال من مائدته وكان يقطع يد
السارق ويفى بالنذر ويحرم الخمر على نفسه ويمنع من الزنا ومن نكاح المحارم وقتل الموءودة ومن
الطواف بالبيت عريانا، وكان يقول والله إن وراء هذه الدار دارا يجزى فيها المحسن بإحسانه
ويعاقب فيها المسىء بإساءته . وروى عنه أخبار كثيرة تقتضى أنه عرف بها نبوة النبى صلى الله
تعالى عليه وعلى آله وسلم. فمن ذلك أن قوما من بنى مدلج وهم القافة العارفون بالآثار والعلامات
قالوا له فى حقه صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم احتفظ به فإنا لم نرقدما أشبه بالقدم الذى
فى المقام منه ((يعنون قدم إبراهيم عليه السلام، ومن ذلك أن عبد المطلب كان يوما فى الحجر
وكان معه عالم من نصارى نجران فحدثه إنا نجد صفة فى تقى من ولد إسماعيل وهذا البلد مولده
ومن صفاته كذا وكذا فأتى برسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فنظر إليه وإلى عينيه
وإلى ظهره وقدميه فقال هو هو ماهذامنك؟ قال هذاابنى قال ما نجد أباه حيا قال هو ابن ابنى وقد
مات أبوه وأمه حبلى به قال صدقت . قال عبد المطلب لبنيه تحفظوا بابن أخيكم ألا تسمعون ما يقال
فيه. ومنها ماذكره ابن الجوزى من أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أصابه رمد شديد
سنة سبع من مولده فعولج فى مكة فلم يفد العلاج فقيل لعبد المطلب إن فى ناحية عكاظ راهبا
يعالج الأعين فركب إليه فناداه وديره مغلق فلم يجبه فتزلزل ديره حتى خاف أن يسقط عليه
يخرج مبادرا فقال يا عبد المطلب إن هذا الغلام نبى هذه الأمة ولو لم أخرج إليك لخرب على ديرى
فارجع به واحفظه لا يقتله بعض أهل الكتاب فعالجه وأعطاه ما يعالج به. وفى رواية أنّ الراهب

٩٩
وصف الرهبان للنبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة . أقسام أهل الفترة
أخرج صحيفة وجعل ينظر إليها وإلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثم قال هو
واللّه خاتم النبيين ثم قال ياعبد المطلب هذا رمد قال نعم قال إن دواءه معه خذ من ريقه وضعه
على عينيه فأخذ عبد المطلب من ريقه صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم ووضعه على عينيه
فبرئُ لوقته. ثم قال الراهب ياعبد المطلب وتالله هذا الذى أقسم على الله به فأبرئ المرضى وأشفى
الأعين من الرمد. ومنها مارواه أبو نعيم فى الحلية والبيهقى أن سيف بن ذى يزن الحميرى لماولى
على الحبشة بعد مولد رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بسنتين أتاه وفود العرب
للتهنئة وكان من جملتهم وفد قريش وفيهم عبد المطلب فقام خطيبا بين يدى الملك فقال الملك من
أنت أيها المتكلم ؟ قال عبد المطلب بن هاشم قال ابن أختنا ومرحبا وأهلا ولكم الكرامة والعطاء
وأقامهم عنده شهرا. ثم أرسل إلى عبد المطلب وقال له يا عبد المطلب إنى مفض إليك من سرّ
علم لو غيرك يكون لم نبح له به، ولكن رأيتك معدنه فأطلعتك طلعة (أى عليه، فليكن عندك
مخبأ حتى يأذن الله عزوجل فيه: إنى أجد فى الكتاب المكنون والعلم المخزون الذى ادّخرناه
لأنفسنا واحتجبناه دون غيرنا خيرا عظيما وخطرا جسيما فيه شرف الحياة وفضيلة الوفاة للناس
عامة ولرهطك كافة ولك خاصة فقال له عبدالمطلب مثلك أيها الملك سرّ وبرّ فماهو؟ فداك أهل
الوبر زمرا بعد زمر. قال إذا ولد غلام بتهامة بين كتفيه شامة كانت له الإمامة ولكم به الزعامة
إلى يوم القيامة . فقال له عبد المطلب أيها الملك أبت بخير آب بمثله وافد قوم ولولا هيبة الملك
وإعظامه لسألته بما أزداد به سرورا. فقال له الملك هذا حينه الذى يولد فيه أو قد ولد اسمه محمد
يموت أبوه وأمه ويكفله جده وعمه. قدوجدناه مرارا ، والله باعثه جهارا، وجاعل له منا أنصارا
يعزّ بهم أولياءه. ويذل بهم أعداءه، ويضرب بهم الناس جميعا. ويستفتح بهم كراثم الأرض يعبد
الرحمن، ويدحض الشيطان ويخمد النيران ويكسر الأوثان قوله فصل وحكمه عدل يأمر بالمعروف
ويفعله وينهى عن المنكر ويبطله اهـ (إذا علمت هذا) تعلم أن آباءه صلى الله عليه وآله وسلم ناجون
إمالأنهم كانوا على الملة القديمة ملة إبراهيم عليه السلام وإما لأنهم من أهل الفترة الذين لم يغيروا
ولم يبدلوا . فإن أهل الفترة أقسام ثلاثة . الأول من عرف اللّه بيصيرته وعقله فوحده بعبادته
ولم يعبد الأوثان. الثانى من لم يشرك ولم يوحد ولا دخل فى شريعة نى من الأنبياء ولا ابتكر
لنفسه شريعة ولا اخترع دينا بل بقى مدة عمره على غفلته وهذان القسمان غير معذبين . الثالث
من غير وبدل وأشرك وشرع لنفسه وحرم وحلل وهذا هو المعذب فى النار. وهو محمل ماورد
من الأحاديث الدالة على تعذيب بعض أهل الفترة كحديث البخارى ومسلم عن أبى هريرة رأيت
عمرو بن لحى يجر قصبه فى النار (( أى أمعاءه)) وحديث مسلم رأيت صاحب المحجن فى النار
وصاحب المحجن هو الذى كان يسرق الحاج بمحجنه فإذا رآه أحد قال إنما تعلق بمحجنى وإن

١٠٠
رد القول بكفر أبويه صلى الله عليه وسلم. ما يدل على إيمان آبائه
غفل عنه ذهب به. وعلى فرض عدم التفرقة بين أهل الفترة فيجاب عن هذه الأحاديث بأنها
أخبار آحاد تفيد الظن فلا تعارض القطعى المفيد أنهم غير معذبين كقوله تعالى ((وما كنامعذبين
حتى نبعث رسولا)، أو بأن التعذيب المذكور فى الأحاديث خاص بهؤلاء المذكورين
اتباعا للموارد فلا يقاس عليهم غيرهم والله أعلم بالسبب الموقع لهم فى العذاب وإن كنا لا نعلمه
فالظن بآبائه صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم أن يكونوا من القسم الأول خصوصا مع ما علمته
من الأدلة الدالة على نجاتهما . وعلى الجملة فالأولى ماذكره بعض المحققين من أنه لا ينبغى ذكر هذه
المسألة إلا مع مزيد الأدب وليست من المسائل التى يضر جهلها أو يسأل عنها فى القبرأو فى الموقف
حفظ اللسان عن التكلم فيها إلا بخير أولى وأسلم (قال الحلوانى فى المواكب) القول بكفر أبويه
صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم زلة عاقل نعوذ بالله من ذلك. فمن تفوه به فقد تعرض للكفر
بإيذاته صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم. فقدجاء أن عكرمة بن أبي جهل اشتكى إليه صلى الله تعالى
عليه وعلى آله وسلم أن الناس يسبون أباه فقال لا تؤذوا الأحياء بسب الأموات رواه الطبرانى
ولا شك أنه صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم حىّ فى قبره تعرض عليه أعمالنا وإذا روعى
عكرمة رضى الله عنه فى أبيه بالنهى عما يتأذى به من سبه فسيد الخلق أولى وأوجب ، كيف وقد
جاء أن سبيعة وكأنها المعروفة بدرة بنت أبى لهب جاءت إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه
وعلى آله وسلم فقالت إن الناس يصيحون بى يقولون إنى ابنة حطب النار فقام رسول الله صلى
الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو مغضب شديد الغضب فقال: مابال أقوام يؤذوننى فى نسبى
وذوی رحی ألا ومن آذی نسی وذوی رحمى فقد آذانى ومن آذانى فقد آذى الله عز وجل
(وقد) سئل الإمام أبو بكر بن العربى المالكى عن رجل قال إن أباه صلى اللّه تعالى عليه وعلى
آله وسلم فى النار فأجاب بأنه ملعون لآ یة «إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهمالله فىالدنيا
والآخرة ، ولا أذى أعظم من أن يقال إن أباه فى النار اهـ ( ولذا ) غضب عمر بن عبد العزيز
رضى الله عنه غضبا شديدا على كاتب له قال ذلك وهو يسمعه وعزله من دواوينه كلها كما ذكره
أبو نعيم فى الحلية (وأما) ماقيل إن قوله تعالى ((ولا تسأل عن أصحاب الجحيم، نزل فى أبويه صلى
الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأثر ضعيف الإسناد فلا يعول عليه والمقطوع به أن الآية فى كفار
أهل الكتاب كسابقتها ولاحقها (ومما يؤيده) قول ابن عباس رضى اللّه تعالى عنهما فى آية
(ولسوف يعطيك ربك فترضى)) من رضا محمد صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ألا يدخل
أحد من أهل بيته النار أخرجه ابن جرير. وخبر سألت ربى ألا يدخل النار أحد من أهل بيتى
فأعطانى ذلك أخرجه ابن سعد. بل لو ورددون ماقدمناه لكان فيه مقنع لمن منح أدنى توفيق
فيجب اعتقاد ذلك. بل قال العلامة السحيمى فى شرحه على عبد السلام إنه يجب اعتقاد أن جميع