النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
( كتاب الصلاة ) من نام عن صلاة أونسيها فليصلها إذا ذكرها
فوقية من لتت أى لم يختلط بماء وضوئه التراب يقال لتّ السويق يلته إذا خلطه بالماء ونحوه
وفى نسخة لم يلث بالمثلثة وهى بمعنى الأولى وهو كناية عن قلة ماء وضوئه. صلى اللّه تعالى عليه
وعلى آله وسلم ﴿قوله غير عجل) أى حال كونه غير مسرع فيهما ( قوله قال عن حجاج عن
یزید بن صليح الخ) أى قال إبراهيم بن الحسن فى روايته عن حجاج الا عور عن حریز حدثنى
يزيد بن صليح باللام مصغر صلح . وفى نسخة قال حجاج. فعلى الأول ضمير قال يعود إلى إبراهيم
ابن الحسن وعلى الثانى فاعل قال حجاج . وفى نسخة قال غير حجاج (قوله قال عبيدالخ) أى قال
عبيد بن أبى الوزير فى روايته عن مبشر عن حريز حدثنى يزيد بن صليح وقدذكر المصنف بعدذلك
رواية أخرى لحديث ذى مخبر عن مؤمل بن الفضل عن الوليد عن حريز وقال فيها عن يزيد
ابن صليح كما فى النسخ الكثيرة (وحاصل) ماذكره المصنف أنه قد اختلف فى اسم والد يزيد
فقال المصنف إن شيخى إبراهيم بن الحسن قال عن شيخه حجاج عن حريز قال يزيد بن صليح
وقال عبيد بن أبى الوزير بسنده عن حريز قال ابن صالح أوابن صلح أوابن صبح فعلى هذا تختلف
روايتهما فى هذا اللفظ
﴿ص﴾ حَدَّثَنَا مُؤَّلُ بْنُ الْفَضْلِ ثَنَ الَوَلِيُ عَنْ حَرِيرِ يَعْنِ ابْنَ عْمَانَ عَنْ بَرِيدَ بْنِ صُلَيْحٍ
عَنْ ذِى مُخْبَرِ بْنِ أَخِى النَّجَاشِ فِى هَذَا الْخَرِ قَالَ فَذَّنَ وَهُوَ غَيْرُ بَل
ء
(ش) لعل غرض المصنف بسياق هذه الرواية تقوية رواية حجاج فى أن اسم والديزيد
صليح وأن ذى مخبر ابن أخى النجاشى . وحديث ذى مخبر أخرجه الطحاوى من طريق داود
ابن أبى هند عن العباس بن عبد الرحمن مولى بنى هاشم عن ذى مخبر بن أخى النجاشى قال كنا
مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فى سفرفنمنا فلم نستيقظ إلا بحرّ الشمس فتنحينا
من ذلك المكان قال فصلى بنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فلما كان من الغد
حين بزغ الشمس أمر بلالا فأذن ثم أمره فأقام فصلى بنا الصلاة فلما قضى الصلاة قال هذه
صلاتنا بالأمس
﴿ص﴾ حَدَّثَنَا عَمَّدُ بْنُ الْمُتَّى تَ حَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ ثَنَا شُعَةُ عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادِ سَمِعْتُ
◌َبْدَ الَّْنِ بْنَ أَبِ عَلْقَمَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِبْنَ مَسْعُودٍ قَالَ أَقْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ
تَعَلَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ زَمَنَ الْخُدَيْيَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَى اللهُ تَعَلَى عَلَيْهِ وَعَلَى آله
(م٦ - المنهل العذب المورود - ج ٤)

٤٢
صفة قضاء الصلاة الفائتة كصفة أدائها
(كتاب الصلاة)
وَسَ مَنْ يَكْلَوْنَا فَقَالَ بَالٌ أَنَا فَمُوا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَاسْتَقَظَ النُّّ صَلَى اللهُ تَعَلَى
عَلَيْهِ وَ عَلَى آلِهِ وَسَلَّ فَقَالَ أَفْعَلُوا كَا كُنْتَفْعَلُونَ قَالَ فَفَعَلْنَا قَالَ فَكَذَلِكَ فَفْعُوا لِنْ
نَامَ أَوْ نَسَىَ
﴿ش﴾ (رجال الحديث) (قوله عبد الرحمن بن أبى علقمة) ويقال ابن علقمة الثقفى
مختلف فى صحبته ذكره يعقوب بن سفيان وخليفة وابن منده فى الصحابة وقال الدار قطنى لا تصح
له رؤية ولانعرفه وقال أبو حاتم ليست له صحبة وفرق ابن حبان بینالراوی لحدیث إنوفد ثقيف
قدموا عليه صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم ومعهم هدية وبين الراوى عن ابن مسعود فذكر
الثانی فی التابعین والا ول فىالصحابة وفرق أيضا ابن أبى حاتم بينهما فقال فى الا ول روی عن
النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وفى الثانى روى عنه مرسلا . روى عن ابن مسعود
وعنه جابر بن شداد وعبد الملك بن محمد وعون بن أبى جحيفة . روی له أبو داود والنسائى
﴿معنى الحديث﴾ ﴿قوله زمن الحديبية) أى فى زمان غزوها وهو سنة ست من الهجرة
والحديبية بتخفيف المثناة التحتية وتشديدها قرية قريبة من مكة سميت ببئرهناك. ثم هو يحتمل أن
يكون إقبالهم من الحديبية نفسها ويؤيده ما فى بعض النسخ أقبلنا من الحديبية. ولامنافاة بينه وبين
ما تقدم من أنهم كانوا فى خيبر لأن القصة متعدّدة على ما هو المختار. ويحتمل أنهم كانوا مقبلين
من خيبر كما تقدم لأنها كانت عقب انصرافهم من الحديبية فذكر الحديبية ﴿ قوله افعلوا
كما كنتم تفعلون) أى كل يوم من الطهارة والأذان والإقامة والصلاة وفى رواية لمسلم وأحمد
فصنع كما كان صلى اللّه تعالى عليه وعلى آلهوسلم يصنع كل يوم ( قولهقالفكذلكفافعلوا الخ﴾أى
قال فليفعل مثل ذلك من نام عن صلاة أو نسيها فاللام فى قوله لمن نام زائدة أو متعلقة بقال
ومن بدل من الواو. ويحتمل أن المعنى مروا من نام عن صلاة أو نسيها أن يفعل مثل ذلك
(فقه الحديث) والحديث يدل كما تقدم على أن صفة قضاء الصلاة الفائتة كصفة أدائها
فيؤخذ منه أنه يجهر فى صلاة الصبح المقضية بعد طلوع الشمس وكذلك المغرب والعشاء ويسرّ
فى صلاة الظهر والعصر إذا قضاهما ليلا
﴿من أخرج الحديث أيضا) أخرجه النسائى وكذا البيهقى بنحوه

٤٣
التنفير من زخرفة المساجد
(كتاب الصلاة )
باب فى بناء المساجد
وفى بعض النسخ باب ماجاء فى بناء المسجد ، وفى نسخة تفريع أبواب المساجد، والمساجد
جمع مسجد ، وهو فى اللغة موضع السجود، وفى العرف البقعة المعدّة للعبادة
﴿ص﴾ حَدَّثَنَا مَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ بْنِ سُفْيَانَ أَنَا سُفْيَنُ بنُ عِينَ عَنْ سُفْيَانَ الثّوْرِىّ
عَنْ أَبِ فَزَارَةَ عَنْ يَزِيدَ بِ الْأَصَمّ عَنِ آبْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُتَعَالَى عَيهِ
وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ مَا أُمِرْتُ بَتْشديد الْمَسَاجِدِ قَالَ ابْنُ عَّاسِ لَتُرَخْرِ فْنَّهَا كَاَ زَخْرَفَت
الْيَهُوُدُ وَالنَّصَارَى
( ش) (رجال الحدیث﴾ ﴿قوله عن أبى فزارة﴾ هو راشد بن کیسان ﴿ قوله یزید بن
الأصم) وفى نسخة يزيد الأصمّ واسمه عمرو بن عبيد بن معاوية بن عبادة أبى عوفالكوفى سكن
الرّقة . روى عن سعد بن أبى وقاص وابن عباس وأبى هريرة ومعاوية بن أبى سفيان وخالته
ميمونة وغيرهم. وعنه جعفر بن برقان والزهرى وميمون بن مهران وأبو فزارة وطائفة . وثقه
أبو زرعة والنسائى والعجلى وابن سعد وابن حبان وذكره ابن منده فى الصحابة وقال أبو نعيم
وابن حبان وغيرهما لا تصحّ له صحبة. مات سنة ثلاث أو أربع ومائة وهو ابن ثلاث وسبعين سنة
﴿معنى الحديث) (قوله ما أمرت بتشييد المساجد) أى ما أذن الله تعالى لى فى رفع بنائها
وتخصيصها لأن ذلك زائد على قدر الحاجة فالتشييد رفع البناء وتطويله ومنه قوله تعالى (( فى
بروج مشيدة)) أى مطوّل بناؤها يقال شدت البيت أشيده من باب باع بنيته بالشيد أى الجصّ
وشيدته تشييدا طوّلته ورفعته (قال) ابن رسلان المشهور فى الحديث أن المراد بتشييد المساجد
رفع البناء وتطويله كماقال البغوى (وفيه ردّ) على من حمل قوله تعالى ((فى بيوت أذن الله أن
ترفع ، على رفع بنائها وهو الحقيقة بل المراد أن تعظم فلا يذكر فيها الخنا من الأقوال وتطيبها
من الأدناس والأنجاس ولا ترفع فيها الأصوات اه (قوله قال ابن عباس لتزخرفها) هو
موقوف كما رواه ابن حبان لكنه فى حكم المرفوع لأن مثل هذا لا يكون من قبل الرأى . واللام
فى لتزخرفتها لام القسم وهو الذى اعتمده الحافظ خلافا للطي فإنه ظنّ أنهما حديث واحد
فشرحه على أن اللام فى لتزخرفتها مكسورة ثم قال هى لام التعليل للمنفى قبله والمعنى ما أمرت

٤٤
(كتاب الصلاة) كلام العلماء فى تزيين المساجد
بالتشييد ليجعل ذريعة إلى الزخرفة اهـ لأنه لا تثبت الرواية به أصلا فلا يعتمد عليه . وكلام
ابن عباس مفصول من كلام النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فى الكتب المشهورة
والزخرفة الزينة وأصل الزخرف الذهب ثم استعمل فى كل مايتزين به . وفى النهاية الزخرف
النقوش والتصاوير بالذهب ومنه قولهم زخرف الرجل كلامه إذا موّهه وزينه بالباطل ﴿قوله
كما زخرفت اليهود والنصارى) يريد أن اليهود والنصارى زخرفوا معابدهم عند ماحرّفوا
وبدّلوا وتركوا العمل بما فى كتبهم فكأنه يقول أنتم تديرون إلى مثل حالهم إذا طلبتم
الدنيا بالدين وتركتم الإخلاص فى العمل وصار أمركم إلى المراءاة بالمساجد والمباهاة بتشييدها
وتزيينها (قال) الخطابى إنما زخرفت اليهود والنصارى كنائسهم وبيعهم حين حرّفت الكتب
وبدّلتها فضيعوا الدين وعرجوا على الزخارف والتزيين اهـ وأول من زخرف المساجد الوليد
ابن عبد الملك بن مروان وذلك فى أواخر عصر الصحابة وسكت عليه كثير من أهل العلم
خوف الفتنة . وروى ابن ماجه عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى
آله وسلم أرا كم تستشرفون مساجدكم بعدى كما شرّفت اليهود كنائسها وكما شرّقت النصارى بيعها
(قال) العينى به استدلّ أصحابنا على أن نقش المسجد وتزيينه مكروه ولا يجوزمن مال الوقف ويغرم
الذى يخرجه سواء ناظر أو غيره ((فإن قيل)) ما وجه الكراهة إذا كان من نفس ماله ((قلت))
إما اشتغال المصلى به أو إخراج المال فى غيروجهه اهـ (قال) ابن رسلان هذا الحديث فيه معجزة
ظاهرة لإخباره صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم عما سيقع بعده فإن تزويق المساجد والمباهاة
بزخرفتها كثر من الملوك والأمراء فى هذا الزمان بالقاهرة والشام وبيت المقدس بأخذهم أموال
الناس ظلما وعمارتهم بها المدارس على شكل بديع نسأل الله السلامة والعافية اهـ (وقال) الشوكانى
الحديث يدلّ على أن تشييد المساجد بدعة وقد روى عن أبىحنيفة الترخيص فى ذلك . وروى
عن أبى طالب أنه لا كراهة فى تزيين المحراب ( وقال) المنصور بالله إنه يجوز فى جميع المسجد
(وقال) البدر بن المنير لما شيد الناس بيوتهم وزخرفوها ناسب أن يصنع ذلك بالمساجد صونا
لها عن الاستهانة (وتعقب) بأن المنع إن كان للحثّ على اتباع السلف فى ترك الرفاهية فهو كما
قال وإن كان لخشية شغل بال المصلى بالزخرفة فلا لبقاء العلة (ومن جملة) ما عوّل عليه المجوّزون
للتزيين أن السلف لم يحصل منهم الإنكار على من فعل ذلك وبأنه بدعة مستحسنة وبأنه مرغب
إلى المسجد (وهذه حجج) لا يعوّل عليها من له حظ من التوفيق لاسيما مع مقابلتهالأحاديث الدالة
على أن التزيين ليس من أمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأنه نوع من المباهاة
المحرّمة وأنه من علامات الساعة كما روى عن علىّ عليه السلام وأنه من صنع اليهود والنصارى
وقد كان صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم يحب مخالفتهم ويرشد إليها عموما وخصوصا ((ودعوى»

٤٥
(كتاب الصلاة) كلام العلماء فى زخرفة المساجد
ترك إنكار السلف ((منوعة)) لأن التزيين بدعة أحدثها أهل الدّول الجائرة من غير مؤاذنة لأهل
العلم والفضل وأحدثوا من البدع مالا يأتى عليه الحصر ولا ينكره أحد وسكت العلماء عنهم تقية
لارضا بل قام فى وجه باطلهم جماعة من علماء الآخرة وصرخوا بين أظهرهم بنعى ذلك عليهم
((ودعوى)) أنه بدعة مستحسنة ((باطلة)) وقد عرّفناك وجه بطلانها فى شرح حديث من عمل عملا
ليس عليه أمرنا فهو ردّ فى باب الصلاة فى ثوب الحرير والغصب ((ودعوى)) أنه مرغب إلى المسجد
(فاسدة)) لأن كونه داعيا إلى المسجد ومرغبا إليه لا يكون إلا لمن كان غرضه وغاية قصده النظر
إلى تلك النقوش والزخرفة. فأما من كان غرضه قصد المساجد لعبادة الله عزّ وجلّالتى
لا تكون عبادة على الحقيقة إلا مع خشوع وإلا كانت جسم بلا روح فليست إلا شاغلة عن
ذلك كما فعله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فى الإنبجانية التى بعث بها إلى أبى جهم . وكما
سيأتى فى باب تنزيه قبلة المصلى عما يلهى. وتقويم البدع المعوجة التى يحدثها الملوك توقع أهل
العلم فى المسالك الضيقة فيتكلفون لذلك من الحجج الواهية ما لا ينفق إلا على بهيمة اهـ
ببعض تصرّف (قال) الحافظ فى الفتح رخص فى ذلك بعضهم وهو قول أبى حنيفة إذا وقع ذلك
على سبيل التعظيم للمساجد ولم يقع الصرف على ذلك من بيت المال فها هنا أمور (أولها)
أن تزويق المساجد وتحسينها إذا كان يلهى المصلين ويشغل قلوبهم فهو مجمع على كراهته
(والأمر) الثانى إذا كان هذا مباهاة ورياء وسمعة فهو أيضا مكروه بل بناء المساجد بهذه النية
الفاسدة يكون مكروها أيضا فضلا عن التزيين والتحسين (والأمر) الثالث أن يحكم بناؤها
ويبنى بالجصّ وغيرهامما يستحكم به الصنعة فهذا غير مكروه عندنا. والدليل عليه ما أخرجه الشيخان
واللفظ لمسلم عن عثمان بن عفان رضى الله تعالى عنه قال سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله
وسلم يقول من بنى مسجدا للّه بنى الله له بيتا فى الجنة مثله. وأيضا يؤيده ما فعل عثمان رضى الله تعالى
عنه فى خلافته كما فى الحديث الذى بعد هذا فإنه فعل مافعل مستدلا بهذا الحديث وكل ما فعل
كان من باب الإحكام لا من باب التزيين المحض . وأما الحجارة المنقوشة فلم ينقشها ولم يأمر
بنقشها بل حصل له كذلك منقوشة من بعض ولاياته فركبها فى المسجد وقد قال رسول الله
صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ((عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين)) والذين أنكروا
عليه من الصحابة لم يكن عندهم دليل يوجب المنع إلا الحثّ على اتباع السلف فى ترك الرفاهية
وهذا كما ترى لا يقتضى التحريم ولا الكراهة. وأما حديث أبى داود هذا فهو أيضا لا يدلّ
على المنع ودلالته على المنع ممنوعة فإن فيه ما أمرت بتشييد المساجد . فنفى كون التشيد مأمورا به
لا يقتضى الكراهة فإن نفى الوجوب يصدق بجواز الفعل أيضا فلا يستوجب الكراهة. وأما
قول ابن عباس لتزخرفتها فلا دليل فيه أيضا لأنه موقوف على ابن عباس ولو سلم رفعه حكما

٤٦
(كتاب الصلاة) التباهي والتفاخر بالمساجد من علامات القيامة
فهو محمول على التزيين والزخرفة التى تلهى بال المصلى أو يكون مباهاة ورياء وسمعة كما تفعله
اليهود والنصارى (والأمر) الرابع أن يبنى المسجد بالغصب بأخذ أموال الناس ظلما (والخامس)
أن يبنيه الواقف بمال الوقف فهذا أيضا حرام لم يرخص فيه أحد من العلماء (ثم اعلم) أنه قد ثبت
أن عبد الله بن الزبير رضى الله تعالى عنهما قد بنى الكعبة ورفع بناءها على ما كان قبل ذلك
من البناء وشيدها والذين خالفوه ما كان عندهم حجة إلا أنهم يقولون لا ينبغى أن تغير عما كانت
عليه كما أشار ابن عباس على ابن الزبير لما أراد أن يهدم الكعبة ويحدّد بناءها بأن يرمّ ما وهى
منها ولا يتعرّض لها بزيادة ولا نقصان وقال له لا آمن أن يحىء من بعدك أمير فيغير الذى
صنعت، وقد حكى عن الرشيد أو المهدى أو المنصور أنه أراد أن يعيد الكعبة على ما فعله
ابن الزبير فناشده مالك فى ذلك وقال أخشى أن يصير ملعبة لللوك فتركه ، فإنكار الشوكانى
وغيره على تشيد المساجد مطلقا من غیر تفصيل ليس فى محله اهـ ببعض تصرّف
﴿فقه الحديث) والحديث يدلّ على عدم مشروعية رفع بناء المساجد وتشييدها، وعلى عدم
جواز زخرفتها بالنقوش والذهب والفضة ونحو ذلك وأن ذلك من عمل اليهود والنصارى
فيطلب البعد عنه
﴿من أخرج الحديث أيضا) أخرج البخارى قول ابن عباس تعليقا. قال الحافظ ولم يخرج
المرفوع للاختلاف على يزيد بن الأصمّ فى وصله وإرساله اهـ
﴿ص﴾ حَدَّثَنَا مَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْخُرَاعِىُّ ثَنَا حَادُ بْنُ سَلَةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ
أَبِ قَلَةَ عَنْ أَنَسِ وَقَادَةَ عَنْ أَسِ أَنَّ النِّّ صَلَى الهُ ◌َعَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَمَ قَالَ
لَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَهَى النَّاسُ فِى الْمَسَاجِد
﴿ش﴾ ﴿قوله أيوب) السختيانى (قوله عن أبى قلابة) هو عبدالله بن زيد الجرمى البصرى
﴿قوله لا تقوم الساعة الخ﴾ أى لا تقوم القيامة حتى يتفاخروا ببنائها وذلك كأن يقول أحدهم
للآخر مسجدى أرفع من مسجدك أو أزين أو أوسع أو أحسن رياء وسمعة وطلبا للمدحة
﴿ فقه الحديث) والحديث يدلّ على أن زخرفة المساجد والمباهاة بها من علامة القيامة فيطلب
البعد عن ذلك (وقد ورد) فى ذمّ زخرفة المساجد أحاديث (منها) ما رواه ابن خزيمة وصححه من
طريق أبى قلابة أن أنسا قال سمعته صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول يأتى على أمتى زمان
يتباهون بالمساجد ثم لا يعمرونها إلا قليلا (ومنها) مارواه الترمذى ابنوا المساجدواتخذوها جما(( بضم
الجيم وتشديد الميم أى بدون شرف جمع شرفة وهى ما يوضع على أعالى القصور والمدن وبينها فرج

٤٧
مشروعية جعل أماكن عبادة الكافرين مساجد إذا آل أمرها للمسلمين
شبه طاقات الشباك لتطويل البناء والزخرفة، (ومنها) ما رواه البيهقى عن ابن عمر نهانا أونهينا أن
نصلى فى مسجد مشرف ( ومنها) ما صححه ابن خزيمة أمر عمر ببناء المسجد فقال أكنّ الناس
وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس ((وأ كن بفتح الهمزة من الإ كنان أى استرم، وما رواه
ابن ماجه من طريق عمرو بن ميمون عن عمر مرفوعا ماساء عمل قوم إلا زخرفوا مساجدهم
(وقال) أبو الدرداء إذا حليتم مصاحفكم وزوقتم مساجدكم فالدّمار عليكم
﴿من روى الحديث أيضا) رواوه النسائى بلفظ من أشراط الساعة أن يتباهى الناس فى
المساجد ورواه أحمد وابن ماجه
﴿صح حَدَّثَنَا رَجَاءُ بْنُ الْرَجَّى ◌َا أَبُو هَمَِّ الدَّلَاُلُ ثَنَا سَعِيدُ بْنُ السَّائِبِ عَنْ مَّدِ
آِْعبدِ اللهِ بْنِ عِيَاضِ عَنْ مُثَنَ بْنِ أَبِ الْعَاصِ أَنَّ النَّيَّ صَلَّى اللهُتَعَلَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ
وَسَلَ أَمَرَهُ أَنْ يَجْعَلَ مَسْجِدَ الطَّائف حَيْثُ كَانَ طَوَاغيتهم
﴿ش﴾ (رجال الحديث﴾ ﴿قوله رجاء بن المرجى) بضم الميم وفتح الراء وتشديد الجيم
ابن رافع الغفارى أبو محمد ويقال أبو أحمد المروزى أو السمر قندى. روى عن أبى نعيم وأبى اليمان
وقبيصة والنضر بن شميل وغيرهم. وعنه أبو حاتم الرازى وأبو بكر بن أبى الدنيا وأبو داود وابن ماجه
وآخرون . قال أبو حاتم صدوق وقال الخطيب كان ثقة ثبتا إماما فى علم الحديث وحفظه
والمعرفة به وقال الدار قطنى حافظ ثقة وقال ابن حبان كان متيقظا من جمع وصنف . مات
ببغداد غرّة جمادى الأولى سنة تسع وأربعين ومائتين ﴿قوله أبو همام) هو أبو محمد بن مجيب
وقد صرّح به فى بعض النسخ ومحبب بصيغة اسم المفعول بوزن معظم القرشى البصرى . روى
عن الثورى وإبراهيم بن طهمان وهشام بن سعد وإسراءيل وسعيد بن السائب وغيرهم. وعنه
ابن بشار وابن المثنى والبخارى وأبو داود وابن ماجه وكثيرون. قال أبو حاتم صالح الحديث
صدوق ثقة وقال أبوداود ثقة وأثنى عليه وقال الحاكم شيخ ثقة وقال مسلمة بن قاسم ثقة معروف
وذكره ابن حبان فى الثقات . مات سنة إحدى وعشرين ومائتين ﴿قوله سعيد بن السائب)
ابن يسار الطائفي . روى عن أبيه ونوح بن صعصعة وعبد الله بن يزيد. وعنه معن بن عيسى
ووكيع وشعيب بن حرب وابن عيينة وابن مهدى . وثقه ابن معين والدار قطنى وابن حبان وقال
أبو داود والنسائى لا بأس به. مات سنة إحدى وسبعين ومائة . روى له أبو داود والنسائى وابن
ماجه (قوله محمد بن عبد الله بن عياض) روى عن عثمان بن أبي العاص. وعنه سعيد بن السائب
ذكره ابن حبان فى الثقات وقال فى التقريب مقبول. روى له أبو داود ( قوله عثمان بن أبى

٤٨
(كتاب الصلاة) صفة مسجد النبي صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم ..
العاص) بن بشر أبى عبد الله نزيل البصرة. قدم على النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فى
وفد ثقيف واستعمله على الطائف ثم أقرّه أبو بكر وعمر ثم استعمله عمر على عمان والبحرين
روى له عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تسعة أحاديث روى عنه سعيد
ابن المسيب ونافع بن جبير ويزيد بن عبد الله والحسن بن أبى الحسن. مات سنة إحدى أو خمس
وخمسين فى خلافة معاوية . روى له الترمذى وأبو داود وابن ماجه
﴿ معنى الحديث﴾ ﴿قوله أمره أن يجعل مسجد الطائف الخ﴾ أى أمره أن يجعل المسجد فى المكان
الذى كانت فيه أصنامهم. والطائف بلد شرقى مكة على مرحلتين أو ثلاث منها . والطواغيت
جمع طاغوت يطلق بالاشتراك على الشيطان وعلى الصنم وهو المراد هنا ويكون جمعا وواحدا
ومذكرا ومؤنثا (ومن هذا) الحديث أخذت الأمة أن أىّ بلد يفتحونها يحوّلون كنائسها مساجد
ومدارس انتهاكا للكفر ومحوا لأثره وإيذاء الكفار حيث عبدوا غير الله تعالى فى هذا المكان
﴿فقه الحديث) والحديث يدلّ على طلب جعل أماكن عبادة الكافرين مساجد إذا آل
أمرها إلى المسلمين لمحو معالم الكفر وقد فعل ذلك كثير من الصحابة
﴿من روى الحديث أيضا) رواه ابن ماجه والحاكم
﴿ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحَ بْنِ فَرِسِ وَمُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى وَهُوَ أَثُمُّ قَلَاتَنَا
يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيم ◌َا أَبِى عَنْ صَالٍ قَالَ نَا ◌َافِعٌ أَنَّ عَبْدَ اللهِبْنَ عُمَ أَخْبَهُ أَنَّ الْمَسْجِدَ
كَانَ عَلَى عَهْدِرَسُولِ اللهِ صَلَىاللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَمَ صَبْنَابِالِّ وَسَفْقُهُ بِالْجَرِيدِ وَعَدُهُ
قَالَ مُجَاهِدٌ وَعَمُدُهُ مِنْ خَشَبِ الَّْلِ فَمْ يَزِدْ فِهِ أَبُوبَكْرٍ شَيْئًا وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ وَبَنَهُ عَلَى
بَائِهُ فِى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّىاللهُ تَعَلَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَم ◌ِلَِّ نَالْجَرِيِدِ وَأَغَدَ عَدَهُ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ عُمُدَهُ خَشَبًا وَغَيَرَّهُ عُثْمَانُ فَزَادَ فيه زِيَادَةً كَثِيرَةً وَبَى جَدَارَهُ بالْحِجَارَةِ
الْمَنْقُوشَة وَالْقَصَّةِ وَجَعَلَ عَمَدَهُ مِنْ حِجَارَة مَنْقُوشَة وَسَقَّفَهُ بالسّاجِ قَالَ مَجَاهِدٌ وَسَقْفَهُ
السَّاجُ قَالَ أَبُودَاوُدَ الْقَصَّةُ الْجِصُ
﴿ش﴾ ﴿قوله وهو أتمّ﴾ أى حديث مجاهد أتمّ فى الرواية من حديث محمد بن يحيى
(قوله حدثنا أبى) هو إبراهيم بن سعد (قوله صالح) بن كيسان ﴿قوله مبنيا باللبن الخ) بفتح

٤٩
مازاده عمر رضى الله عنه من البناء فى المسجد النبوى كان بإشارته صلى الله عليه وسلم
اللام وكسر الموحدة جمع لبنة وهو ما يعمل من الطين مربعا للبناء غير مطبوخ ﴿قوله وسقفه
بالجريد) وفى أكثر النسخ مبنيا باللبن والجريد أى وسقفه الجريد كما صرّح به فى رواية البخارى
والجريد سعف النخل إذا جرّد عن الخوص (قوله قال مجاهد وعمده الخ﴾ غرض المصنف بهذا
بيان الاختلاف بين لفظى شيخيه فإن محمد بن يحيى قال عمده بفتحتين ، ومجاهد بن موسى قال عمده
بضمتين هكذا ضبطه بعض الشراح. فالخلاف بينهما فى ضبط لفظ عمد. ويحتمل أنهما اتفقا
على قوله وعمده وزاد مجاهد قوله من خشب النخل . ويؤيده ما فى بعض النسخ قال مجاهد
من خشب النخل بدون لفظ وعمده، وهذا هو الظاهر . وعمد جمع كثرة لعمود وجمع القلة
أعمدة وهو مبتدأ خبره قوله من خشب النخل . وخشب بفتح الخاء والشين المعجمتين ويجوز
ضمهما ، وفى بعض النسخ وعمده خشب النخل بإسقاط لفظ من ﴿ قوله فلم يزدفيه أبو بكر شيئا الخ)
أى لم يغير أبو بكر الصديق رضى الله تعالى عنه فى مسجده صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم شيئا بالزيادة
والنقصان حين بناه بل أعاده على ما كان عليه من المقدار وزادعمر رضى الله عنه فى طوله وعرضه وبناه
بمانى به زمن النبي صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم (وروى) أحمد عن نافع أن عمررضى الله تعالى عنه
زاد فى المسجد من الأسطوانة إلى المقصورة وقال عمر لولا أنى سمعت رسول الله صلى اللّه تعالى
عليه وعلى آله وسلم يقول ينبغى أن نزيد فى مسجدنا مازدت (وروى) يحيى أن ابن عمر قال إن
الناس كثروا فى عهد عمر فقال له قائل يا أمير المؤمنين لووسعت فى المسجد فقال عمر لولا أنى
سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول إنى أريد أن أزيد فى قبلة مسجدنا
ما زدت فيه (وقال ابن سعد) أخبرنا يزيد بن هارون أخبرنا أبوأمية بن يعلى عن سالم أبى النصر
قال لما كثر المسلمون فى عهد عمر رضى الله تعالى عنه وضاق بهم المسجد فاشترى عمر ما حول
المسجد من الدور إلا دار العباس بن عبد المطلب وحجر أمهات المؤمنين فقال عمر للعباس
يا أبا الفضل إن مسجد المسلمين قد ضاق بهم وقد ابتعت ماحوله من المنازل نوسع به على المسلمين
فى مسجدهم إلا دارك وحجر أمهات المؤمنين فأما حجر أمهات المؤمنين فلا سبيل إليها وأما
دارك فبعنيها بما شئت من بيت مال المسلمين أوسع بها فى مسجدهم فقال العباس ما كنت
لأفعل قال فقال له عمر اختر من إحدى ثلاث إما أن تبيعنيها بما شئت من بيت المال وإما
أن أخطك حيث شئت من المدينة وأبنيها لك من بيت مال المسلمين وإما أن تصدّق بها على المسلمين
فتوسع فى مسجدهم فقال لا ولاواحدة منها فقال عمر اجعل بينى وبينك من شئت فقال أبيّ بن
كعب فانطلقا إلى أبىّ فقصا عليه القصة فقال أبىّ إن شئتما حدّثتكما بحديث سمعته من رسول الله
صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم فقالا حدثنا فقال سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى
آله وسلم يقول إن الله تعالى أوحى إلى داود أن ابن لى بيتا أذكر فيه خط له هذه الخطة خطة بيت
(م ٧ - المنهل العذب المورود - ج ٤)

(كتاب الصلاة) بناء المساجد
المقدس فإذا تربيعها بزاوية بيت رجل من بنى إسراءيل فسأله داود أن يبيعه إياها فأبى تحدّث
داود نفسه أن يأخذه منه فأوحى الله إليه أن ياداود أمرتك أن تبنى لى بيتا أذكر فيه فأردت
أن تدخل فى بيتى الغصب وليس من شأنى الغصب وإن عقوبتك أن لا تبنيه قال يارب فمن
ولدى قال فمن ولدك فأخذ عمر بمجامع أبيّ بن كعب فقال جئتك بشىء جئت بما هو أشدّ منه
لتخرجنّ مما قلت فجاء يقوده حتى دخل المسجد فأوقفه على حلقة من أصحاب رسول الله صلى
الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فيهم أبوذرّ فقال أبىّ نشدت الله رجلا سمع رسول الله صلى الله
تعالى عليه وعلى آله وسلم يذكر حديث بيت المقدس حين أمر الله داود أن يبنيه إلا ذكره
فقال أبوذرّ أنا سمعته من رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وقال آخر أنا سمعته
يعنى من رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال فأرسل أبيا قال فأقبل أبىّ على عمر
فقال يا عمر أنتهمنى على حديث رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال عمر والله
يا أبا المنذر ماتهمتك عليه ولكن أردت أن يكون الحديث عن رسول الله صلى الله تعالى عليه
وعلى آله وسلم ظاهرا قال وقال عمر للعباس اذهب فلا أعرض لك فى دارك فقال العباس أما إذا
قلت ذلك فإنى قد تصدقت بها على المسلمين أوسع عليهم فى مسجدهم فأما وأنت تخاصمنى فلا
قال خط له عمر داره التى هى اليوم وبناها من بيت مال المسلمين ذكره السمهودى فى تاريخ
المدينة ﴿قوله وأعاد عمده الخ﴾ أى قال محمد بن يحيى فى روايته وأعاد عمر عمده التى كان عليها
المسجد فى عهد النبي صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم وقال مجاهد بن موسى فى روايته أعاد عمده حال
كونها خشبا. وهو مع كثرة الفتوحات فى أيامه وسعة المال عنده لم يغير المسجد عما كان عليه
من هيئة البناء وإنما احتاج إلى تجديده التوسعة . والقصة بفتح القاف وتشديد الصاد المهملة
الجصّ بلغة أهل الحجاز (وقال) الخطابى تشبه الجصّ وليست به (وقال) العينى الجصّ لغة
فارسية معرّبة وأصلها كجّ وفيه لغتان فتح الجيم وكسرها وهو الذى يسميه أهل مصر جيرا
وأهل الشام يسمونه كلسا اهـ (قوله وسقفه بالساج الخ﴾ أى قال محمد فى روايته وسقف عثمان
المسجد بالساج فهى جملة فعلية معطوفة على قوله وجعل عمده. وقال مجاهد فى روايته وسقفه
الساج فهى جملة اسمية. والساج خشب يجلب من الهند واحدته ساجة وهو من شجر يعظم جدًا
ويذهب طولا وعرضا وله ورق عريض يتغطى الرجل بورقة منه فتكنه من المطر اه من اللسان
(وروى) يحيى عن المطلب بن عبد الله بن حنطب قال لما ولى عثمان كلمه الناس أن يزيد فى مسجدهم
وشكوا إليه ضيقه يوم الجمعة حتى إنهم ليصلون فى الرحاب فشاورفيه عثمان أهل الرأى من أصحاب
رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأجمعوا على أن يهدمه ويزيد فيه فصلى الظهر بالناس
ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس إنى قد أردت أن أهدم مسجد رسول الله

٥١
( كتاب الصلاة) صفة مسجد النى صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم فى عهده
صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم وأزيد فيه وأشهد أنى سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه
وعلى آله وسلم يقول من بنى للّه مسجدا بنى الله له بيتا فى الجنة وقد كان لى سلف وإمام سبقنى
وتقدّمنى عمر بن الخطاب كان قد زاد فيه وبناه وقد شاورت أهل الرأى من أصحاب رسول الله
صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأجمعوا على هدمه وبنائه وتوسيعه حسن الناس يومئذ ذلك ودعوا
له فأصبح فدعا العمال وباشر ذلك بنفسه . وكان ذلك فى شهر ربيع الأول سنة تسع وعشرين
وفرغ منه حين دخلت سنة ثلاثين اهـ (قال) ابن بطال الحديث يدلّ على أن السنة فى بنيان
المساجد القصد وترك الغلوّ فى تحسينها وتشييدها والمباهاة بينيانها خشية الفتنة فقد كان عمر مع
كثرة الفتوح فى أيامه وسعة المال عنده لم يغير المسجد عما كان عليه فى عهده صلى الله تعالى
عليه وعلى آله وسلم وإنما احتاج إلى تجديده لأن جريد النخل قد نخر فى أيامه ثم كان عثمان
والمال فى زمانه أكثر ولم يزد على أن يجعل مكان اللبن حجارة وقصة وسقفه بالساج مكان
الجريد نحسنه بما لا يقتضى الزخرفة ومع ذلك فقد أنكر بعض الصحابة عليه فلم يقتصر هو
وعمر رضى الله تعالى عنهما عن البلوغ فى تشييده إلى أبلغ الغايات إلا عن عليهما بكراهة النبى
صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم ذلك وليقتدى بهما بالأ خذ من الدنيا بالقصد والزهد والكفاية
فى معالى أمورها وإيثار البلغة منها اهـ
﴿فقه الحديث ) دلّ الحديث على بيان هيئة بناء مسجد النبى صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم
وعلى أنه حصل فيه تغيير فى زمان عمروعثمان رضى الله تعالى عنهما لكنه لم يكن بالزخرفة المكروهة
﴿من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البخارى
﴿ص﴾ حَدَّثَ مَد بْنُ حَاتِمَ تَاعُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى عَنْ شَيْبَنَ عَنْ فِرَاسِ عَنْ عَطَّةَ
عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ إِنَّ مَسْجِدَ الَّيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ كَْ سَوَارِهِ عَلَى
عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَ مِنْ جُنُوعِ النَّْلِ أَعْلَاهُ مُظَلٌ
بِجَرِيدِ الَّعْلِ ثُمَّإنَّهَا تَخِرَتْ فِى خلَفَةِ أَبِ بَكْرِفَهَ بُوعِ الَّْلِ وَ بِجَرِيدِ الَّْلِ ثُمَّ
إِنَّهَا تَخَرَتْ فِى خَلَقَةِ عَْنَ فَنَهَا بِالْآَجْرِّ فَلْ تَزَلْ ثَابَةً حَتَّى الآنَ
(ش﴾ ﴿رجال الحديث﴾ ﴿قوله شيبانَ﴾ بن عبد الرحمن أبو معاوية التميمى البصرى
سكن الكوفة ثم انتقل إلى بغداد ومات بها. روى عن الحسن البصرى وقتادة والأعمش
وعبد الملك بن عمير وسماك بن حرب وغيرهم . وعنه عبد الرحمن بن مهدى وأبوداود الطيالسى

٥٢
( كتاب الصلاة) بناء المساجد
ومعاذ بن معاذ وعبيد الله بن موسى وآخرون . قال أبو حاتم حسن الحديث صالحه يكتب حديثه
ووثقه العجلى والنسائى والترمذى والبزّار وابن سعد وابن شاهين وابن حبان وابن معين وقال
ابن خراش كان صدوقا وأثنى عليه أحمد وقال الساجى صدوق وعنده منا كير وأحاديث
عن الأعمش تفرّد بها . مات سنة أربع وستين ومائة. روى له الجماعة ﴿قوله عن عطية)
ابن سعد بن جنادة العوفى أبى الحسن الكوفى. روى عن أبى سعيد الخدرى وابن عباس
وأبى هريرة وابن عمر وزيد بن أرقم وآخرين . وعنه فراس بن يحيى والأعمش وحجاج بن
أرطاة وفضيل بن مرزوق وغيرهم. قال ابن معين صالح وقال أبو داود ليس بالذى يعتمد عليه
وقال أبو زرعة لين وقال فضيل كان ثقة وله أحاديث صالحة وقال أحمد والنسائى والثورى
وابن عدى ضعيف زاد ابن عدى يكتب حديثه وكان يعدّ مع شيعة أهل الكوفة وقال ابن سعد
كان ثقة إن شاء الله تعالى وله أحاديث صالحة ومن الناس من لا يحتج به وقال أبو حاتم ضعيف يكتب
حديثه وحسن له الترمذى أحاديث. قيل توفى سنة إحدى عشرة ومائة وقيل سنة سبع وعشرين
ومائة . روی له أبو داود والترمذى وابن ماجه
﴿معنى الحديث﴾ ﴿قوله كانت سواريه الخ﴾ أى كانت أعمدته فى زمن رسول الله صلى الله
تعالى عليه وعلى آله وسلم من جذوع النخل وسقفه من جريد النخل ثم بليت الأ عمدة فى زمن
أبى بكر رضى الله تعالى عنه فأعادها كما كانت ثم بليت زمن عثمان فبناها بالطوب المحروق فلم يزل
كذلك حتى حدّث ابن عمر بهذا الحديث. فالسوارى جمع سارية وهى الأعمدة. والآجر بمدّ الهمزة
وضم الجيم وتشديد الراء واحده آجرة فارسى معرّب وهو الطوب المحروق (وظاهره ينافى) ما تقدم
من أن عثمان رضى الله تعالى عنه جعل عمده من حجارة منقوشة . ويمكن الجمع بأنه جعل بعض
الأعمدة من حجارة منقوشة وبعضها من الآجرّ. وقيل إن هذه الرواية ضعيفة لأن فيها عطية
ابن سعد العوفى وقدضعفه غير واحد. ولم يذكرابن عمر بناء عمر رضى الله تعالى عنه لأن بناءه كان
كبناء أبى بكر رضى الله تعالى عنه فكان فعله كفعله فلذا ذكره مرّة حيث أراد ذكر الزيادة وتركه
مرّة حيث لم يرد ذكرها وأما بناء عثمان فكان مغايرا لبنائهم باعتبار تغيير الآلات والزيادة
فاحتاج إلى ذكره
﴿َصَ﴾َ حَدَّتَا مُسَدَّدْ ثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ أَبِ النَّاحِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ قَالَ قَدِمَ
رَسُولُ الله صَلَى اللهُ تَعَلَى عَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَمَالَدِينَ ◌َلَ فِىِ عُلْوِ الْمِنَةِ فِى حَيّ ◌ُقَلُ لَمْ
بُو عَمْرِبِ عَوْفٍ فَمَ فِهِمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَةٌثُمْ أَرْسَلَ إلَى بَى النَّجَّارِ بَءُ وا مُتَغَلَِّينَ

٥٣
(كتاب الصلاة ) مبدأ الهجرة والمسجد النبوى
سُيُوْفَهُمْ قَالَ فَقَالَ أَنَسْ فَكَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهْ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَمَ
عَلَى رَاحَتْه وَأَبُوبَكْرِ رِدْقَهُ وَأُ بِ النَّجَّارِ حَوْلَهُ حَّى أَ بِنَاءِ أَبِ أَيُّوبَ وَ كَانَ رَسُولُ الله
صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلِهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَم يُصَلَّ حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ وَيُصَلّى فِى مَرَابِضٍ
الْغَمِ وَإِنَّه ◌ُمِرَبِنَاءِ الْمَسْجِدِ فَرْسَ إلَى بَنِى النَّجَارِ فَقَالَ يَِ النَّجَارِ ثَمِنُونِى بِحَنِطِكُمْ هُذَا
فَقَالُوا وَ الله لَنَطْلُبُ ثَمَنَهُ إلَّا إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ أَنَسْ وَ كَانَ فِيهِ مَاأَقُولُ لَكُمْ كَنَتْ
فِيهِ قُورُ الْرِكِينَ وَكَانَ فِهِ خَرَبٌ وَكَتْ فِهِ نَخْلٌ فَأَمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُتَعَلَى عَلَيْهُ
وَعَلَى آلِهِ وَسَلَمَ بِقُبُورِ الْرِكِيْنَ فَنُشَتْ وَبِالْخِرَبِ فَسُوِّيَتْ وَبِالَّْلِ فَقُطَّعَ نَصَقُّوا
النَّخْلَ قْلَةَ الْمَسْجِدِ وَجَعَلُواْ عِضَادَتْهِ حِجَارَةً وَجَلُوا يَنْقُلُونَ الصَّخْرَ وَلَمْ يَرْتَجِزُونَ
وَالنُّّ صَلَى اللهُ تَعَلَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَ مَعَهُمْ وَيَقُولُ
الَّهُمَّ لَخَيْرَ إِلَّ خَيْرُ الْآخِرَهُ فَانْصُرِ الْأَنْصَارَ وَالُهَاجَرَهُ
﴿ش﴾ ﴿قوله عبد الوارث) بن سعيد (قوله عن أبى التياح) هو يزيد بن حميد (قوله قدم رسول الله
صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم المدينة) أى أول هجرته إليها لما همّ كفار مكة بقتله وكان
قدومه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لثمان خلون من ربيع الأول كما قاله الحاكم، ويقال
لا ثنى عشرة خلت من ربيع الأول كما جزم به الكلبى والنووى وابن النجار. وفى نسخة لما قدم
﴿قوله فنزل فى علو المدينة) بضم العين المهملة وكسرها لغتان مشهورتان وهى العالية التى من جهة
نجدوما كان دون ذلك من جهة تهامة فهى السافلة . وأخذ من نزوله صلى الله عليه وسلم بأعلى المدينة
التفاؤل له ولدينه بالرفعة وعلوّ الشأن ﴿قوله فى حىّ الخ﴾ بتشديد المثناة التحتية القبيلة وجمعها
أحياء (ولما نزلْ) رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بنى عمرو بن عوف وكان بين
الأوس والخزرج ما كان من العداوة وكانت الخزرج تخاف أن يدخل دار الأوس والأوس
تخاف أن يدخل دار الخزرج وكان أبو أمامة أسعد بن زرارة قتل ابنا للحارث يوم بعاث فقال
رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أين أسعد بن زرارة فقال سعد بن خيثمة ومبشر
ابن عبدالمنذر ورفاعة بن عبدالمنذر كان يا رسول الله أصاب منا رجلا يوم بعاث فلما كانت ليلة

٥٤
بناء المساجد
( كتاب الصلاة )
الأربعاء جاء أسعد إلى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم متقنعا بين المغرب والعشاء
فلما رآه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال يا أبا أمامة جئت من منزلك إلى هنا وبينك
وبين القوم ما بينك قال أبو أمامة لا والذي بعثك بالحق ما كنت لأسمع بك فى مكان إلا جئت
ثم بات عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حتى أصبح ثم غدا فقال رسول الله
صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لسعدبن خيثمة ورفاعة ومبشر ابنى عبد المنذر أجيروه قالوا أنت
يارسول الله أجره بجوارنا فى جوارك فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بحيره
بعضكم فقال سعد بن خيثمة هو فى جوارى ثم قالت الأوس يا رسول الله كلنا له جار فكان
أسعد بن زرارة بعد يغدو ويروح إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (قوله
فأقام فيهم أربع عشرة ليلة) وعن عويمر بن ساعدة لبث فيهم ثمانى عشرة ليلة وفى رواية
للبخارى فلبث رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فى بنى عمرو بن عوف بضع عشرة
ليلة وأسس المسجد الذى أسس على التقوى وصلى فيه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله
وسلم. وروى يونس بن بكير عن المسعودى عن الحكم بن عتيبة قال لما قدم النبى صلى الله
تعالى عليه وعلى آله وسلم فنزل بقباء قال عمار بن ياسر ما لرسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى
آله وسلم بدّ من أن يجعل له مكانا يستظلّ به إذا استيقظ ويصلى فيه جمع حجارة فبنى مسجد
قباء فهو أول مسجد بنى بالمدينة وهو فى التحقيق أول مسجد صلى فيه النبى صلى الله تعالى عليه
وعلى آله وسلم بأصحابه جماعة ظاهرا وأول مسجد بنى لجماعة المسلمين عامة وإن كان قد تقدم بناء
غيره من المساجد (وروى) ابن أبى شيبة عن جابر قال لقد لبثنا بالمدينة قبل أن يقدم علينا
رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بسنين نعمر المساجد ونقيم الصلاة. فهذه الرواية
تدلّ على أن المسجد الذى أسس على التقوى هو مسجد قباء (وروى) مسلم من طريق عبدالرحمن
ابن أبى سعيد عن أبيه سألت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن المسجد الذى
أسس على التقوى فقال هو مسجد كم هذا (ولاً حمد) والترمذى من وجه آخرعن أبى سعيد اختلف
رجلان فى المسجد الذى أسس على التقوى فقال أحدهما هو مسجد النبى صلى الله تعالى عليه
وعلى آله وسلم وقال آخر هو مسجد قباء فأتيا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
فسألاه عن ذلك فقال هو هذا وفى ذلك ( يعنى مسجد قباء)) خير كثير. وهذا السؤال صدر ممن
ظهرت له المساواة بين المسجدين فى اشترا كهما فى أن كلا منهما بناه النبى صلى الله تعالى عليه
وعلى آله وسلم فلذلك سئل النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عنه فأجاب بأن المراد مسجده
( قال) فى الفتح يحتمل أن تكون المزية لما اتفق من طول إقامته صلى الله تعالى عليه وعلى
آله وسلم بمسجد المدينة بخلاف مسجد قباء فما أقام به إلا أياما قلائل وكفى بهذا مزية والحق

٥٥
فرح أهل المدينة بقدوم النبى صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم عليهم
أن كلا منهما أسس على التقوى وقوله تعالى فى بقية الآية ((فيه رجال يحبون أن يتطهروا)) يؤيد
كون المراد مسجد قباء. وعند أبى داود بإسناد صحيح عن أبى هريرة عن النبي صلى الله تعالى عليه
وعلى آله وسلم قال نزلت هذه الآية فى أهل قباء فيه رجال يحبون أن يتطهروا. وعلى هذا فالسرّ
فى جوابه صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم بأن المسجد الذى أسس على التقوى مسجده دفع
توهم أن ذلك خاص بمسجد قباء اهـ ﴿ قوله ثم أرسل إلى بنى النجار ) هم قبيلة كبيرة
من الأنصار والنجار أبو هذه القبيلة وإسمه تيم اللات ولقب بالنجار لأنه كما قيل اختتن بالقدوم
وإنما دعا بنى النجار لأنهم كانوا أخوال عبد المطلب (قوله متقلدين سيوفهم﴾ كذا فى رواية
الأكثر بثبوت النون ونصب السيوف . وفى رواية متقلدى سيوفهم بالإضافة. والتقليد جعل
تجاد السيف على المنكب ﴿قوله فقال أنس الخ﴾ مرتب على محذوف أى جاء بنو النجار متقلدين
سيوفهم وسار بهم صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم من بنى عمرو بن عوف إلى المدينة فقال
أنس فكأنى أنظر إلى أبى بكر وهو خلفه. وأردفه صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم تشريفا
له وإشارة إلى عظيم قدره وإلا فقد كان لأ بى بكر ناقة أخرى هاجر عليها (قوله وملأ بى النجار
حوله الخ﴾ أى أشراف بنى النجار ورؤساؤهم سائرون حوله. وسموابذلك لأنهم ملأى بالرأى والغنى
وكأنهم مشوا معه صلى الله عليه وآله وسلم متقلدين سيوفهم أدبا وتشريفا حتى ألقى بفناء أى نزل فى
فناء دار أبى أيوب خالد بن زيد الأنصارى. والفناء بكسر الفاء فضاء أمام الدار وجمعه أفنية
(وروى) أن الناقة لما بركت عند باب أبى أيوب جعل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله
وسلم يريد أن ينزل عنها فتحلحل فطاف بها أبو أيوب فوجد جبار بن صخر ينخسها برجله
فقال له أبو أيوب ياجبار عن منزلى تنخسها أماوالذي بعثه بالحق لولا الإسلام لضربتك بالسيف
فنزل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم منزل أبى أيوب وقرّ قراره واطمأنت داره
(وعن) عمارة بن خزيمة أنه قال لما كان يوم الجمعة وارتفع النهاردعا رسول الله صلى الله تعالى
عليه وعلى آله وسلم براحلته وحشد المسلمون ولبسوا السلاح وركب رسول الله صلى الله تعالى
عليه وعلى آله وسلم ناقته القصوى والناس معه عن يمينه وعن شماله وخلفه منهم الراكب والماشى
فاعترضنا الأنصار فمامرّ بدار من دورهم إلا قالوا هلمّ يارسول الله إلى العزّة والمنعة والثروة
فيقول لهم خيرا ويدعو ويقول صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم خلوا سبيلها فإنها مأمورة
وقد أرخى لها زمامها ومايحرّ كها وهى تنظريمينا وشمالا والناس كنفيها حتى بركت على باب
مسجده ثم ثارت وهو عليها فسارت حتى بركت على باب أبى أيوب الأنصارى ثم التفتت يمينا
وشمالا ثم ثارت وبر كت فى مبر كها الأول وألقت جرانها ((أى مقدّم عنقها)) بالأرض فنزل عنها
وقال هذا المنزل إن شاء الله تعالى فاحتمل أبو أيوب رحله وأدخله بيته فاختار الله لنبيه صلى الله

٥٩
( كتاب الصلاة ) بناء المسجد النبوى
تعالى عليه وعلى آله وسلم ما كان يحبه فقد كان يحب النزول على بنى النجار لنسبه فيهم. وقد صحّ عنه
صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنه قال خير دور الأنصار دار بنى النجار فهم أوسط دور
الأنصار وأخوال عبد المطلب . واستمرّ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فى منزل أبى أيوب حتى
بنى مسجده ومساكنه . قيل كانت إقامته عنده شهرا (قوله يصلى حيث أدركته الصلاة) أى
فى المكان الذى أدركه فيه وقت الصلاة ، وفى رواية البخارى وكان يحب أن يصلى حيث أدركته
الصلاة ( قوله وإنه أمر ببناء المسجد) أى أمره الله تعالى ببناء مسجد المدينة. وإن بكسر الهمزة
لأنه كلام مستقل. وأمر بالبناء للمجهول. ويحتمل أن يكون مبنيا للمعلوم والضمير فى إنه للنبي صلى
الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. والمسجد بكسر الجيم وفتحها الموضع الذى يسجد فيه. وفى الصحاح
المسجد بفتح الجيم موضع السجود وبكسرها البيت الذى يصلى فيه (قوله فأرسل إلى بنى النجار الخ)
وفى رواية الشيخين فأرسل إلى ملاً بنى النجار فقال يابنى النجار فهو عطف على محذوف أى جاءوا
فقال يابنى النجار وقد صرّح به فى رواية مسلم. وقوله ثامنونى بحائطكم هذا أى قدّروا ثمنه
وبيعونيه بالثمن يقال ثامنت الرجل فى البيع أثامنه إذا قاولته فى ثمنه وساومته على بيعه واشترائه
اهـ نهاية. والحائط البستان فيه النخيل إذا كان عليه جدار. ﴿قوله لا تطلب ثمنه إلا إلى اللّه) أى لا نطلب
ثمنه إلا من الله عزّ وجلّ فإلى بمعنى من كما عند الإسماعيلى ويجوز أن تكون لانتهاء الغاية
ويكون التقدير نهى طلب الثمن إلى اللّه تعالى والمعنى لانطلب منك الثمن بل نتبرّع به ونطلب
الأجر من الله تعالى. وهذا هو المشهور فى الصحيحين (وظاهر الحديث) أنهم لم يأخذوا
ثمنه منه صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم لكن روى عن الزهرى أن المربد الذى بنى
فيه المسجد كان لسهل وسهيل ابنى عمرو وأنهما كان فى حجر أبى أمامة أسعد بن زرارة وأنه
صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال حين بركت ناقته هذا المنزل إن شاء الله تعالى ثم دعا
اليتيمين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا فقالا بل نهبه لك يارسول الله فأبى أن يقبله هبة حتى
ابتاعه منهما ثم بناه مسجدا (وروى) الواقدى أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اشتراه
من بنى عفراء بعشرة دنانير ذهبا دفعها أبو بكر (وروى) أن أسعد بن زرارة عوّض الغلامين
نخلا له فى بنى بياضة (وروى) أيضا أن أبا أيوب قال هو ليتيمين وأنا أرضيهما فأرضاهما (وروى)
مثله أيضا عن معاذ بن عفراء (وطريق) الجمع بين رواية الباب ورواية الزهرى أنهم لما قالوا
لا نطلب ثمنه إلا إلى الله تعالى سأل صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم عمن يختص بملكه منهم
فعينوا له الغلامين فابتاعه منهما (ويجمع) بين رواية الواقدى وما بعدها بأن أبابكر رغب فى الخير
كما رغب فيه أسعد وأبو أيوب ومعاذ بن عفراء فدفع أبو بكر العشرة ودفع كل من أولئك مادفع
فاشتركوا فى الثمن ﴿ قوله وكان فيه الخ﴾ أى كان فى الحائط الذى بنى فى مكانه المسجد خرب

٥٧
أقوال الفقهاء فى جعل القبور مساجد أو تزرع أو تملك
(كتاب الصلاة )
بفتح الخاء المعجمة وكسر الراء جمع خربة ككلم وكلمة كماقاله ابن الجوزى وهو مضبوط فى بعض النسخ
كذلك. ويجوز أن يكون بكسر الخاء وفتح الراءجمع خربة كعنب وعنبة وهو ما يهدم من البناء (وقال)
الخطابى لعلّ صوابه خرب بضم الخاءجمع خربة بضمها أيضاوهى الخروق فى الأرض إلا أنهم يقولونها
فى كل ثقبة مستديرة فى أرض أو جدار. أو لعل الرواية جرف جمع جرفة . وأبين منه إن ساعدته
الرواية حدب جمع حدبة لقوله فسوّيت وإنما يسوى المحدودب أو الخروق فى الأرض
وأما الخرب فإنها تعمر ولا تسوى اهـ(قال القاضى) عياض هذا التكلف لاحاجة إليه فإن الذى
فى الرواية صحيح المعنى لأنه كما أمر بقطع النخل لتسوية الأرض أمر بالخرب فرفعت رسومها
وسوّيت مواضعها لتصير جميع الأرض مبسوطة مستوية للمصلين . وفى مصنف ابن أبى شيبة
فأمر بالحرث نحرث. وهو الذى قاله ابن الأثير إنه روى بالحاء المهملة وبالثاء المثلثة يريد الموضع
المحروث للزراعة ﴿قوله فنبشت) أى كشفت وأخرج مافيها من العظام والصديد. وأمر بنيشها
لأنهم لاحرمة لهم ((فإن قيل، كيف اشترى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قبور المشركين
وأمر بنبشها والقبر مختص بمن دفن فيه فلا يجوز بيعه ولانقله عنه ((قيل)) إن ذلك مختص بقبور
المسلمين لا الكفار. أو يقال إنه دعت الضرورة والحاجة إلى نبش قبورهم فأمر به لذلك. والأول
أظهر (وبهذا الحديث) احتج من أجاز نبش فبور الكفار لتتخذ مكانها مساجد. وبماسيأتى للصنف
عن عبد الله بنعمرو قال سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حين خرجنا
معه إلى الطائف فمررنا بقبر فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم هذا قبر أبى رغال
وكان بهذا الحرم يدفع عنه فلما خرج أصابته النقمة التى أصابت قومه بهذا المكان فدفن فيه
وآية ذلك أنه دفن معه غصن من ذهب إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه فابتدره الناس فاستخرجوا
الغصن. وقالوا إذا جاز نبشها لطلب المال فنبشها للانتفاع بمواضعها فى المساجد أولى وليس
حرمتهم موتى بأعظم منها أحياء بل هو مأجور فى مثل ذلك (وقال) الأوزاعى لا يفعل لأن رسول الله
صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم لمامرّ بالحجر قال لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلا أن تكونوا
باكين فنهى أن ندخل عليهم بيوتهم فكيف قبورهم اهـ (وردّ بأن) ماقاله قياس معارض للنصّ
فلا يعوّل عليه (وأمابناء المساجد) فى مقابر المسلمين فلا يجوز مالم تندرس فإذا اندرست جاز ذلك
(قال) ابن القاسم من المالكية لو أن مقبرة من مقابر المسلمين عفت فبنى قوم عليها مسجدا لم أربذلك
بأسا وذلك لأن المقابر وقف من أوقاف المسلمين لدفن موتاهم لا يجوز لأحد أن يملكها فإذا
درست واستغنى عن الدفن فيها جاز صرفها إلى المسجد لأن المسجد أيضا وقف من أوقاف
المسلمين لا يجوز تمليكه لأحدوما هو لله فلا بأس أن يستعان ببعضه فى بعض (وقال) ابن وهب
منهم أيضا إن المقبرة إذا ضاقت عن الدفن تحرث ((أى تزرع)) بعد عشرسنين (وقال) ابن الماجشون
(م٨ - المنهل العذب المورود - ج ٤)

٥٨
( كتاب الصلاة) صفة بناء الحرم النبوى فى عهده صلى اللّه تعالى عليه وآله وسلم
منهم أيضا المقبرة إذا ضاقت عن الدفن وبجانبها مسجد ضاق بأهله لا بأس أن يوسع المسجد
ببعضها والمقبرة والمسجد حبس على المسلمين (وقالت ) الحنابلة إذا صار الميت رميما جازت
زراعة المقبرة وحرثها والبناء عليها وإلا فلا يجوز (وقال) العينى من الحنفية ذكر أصحابنا أن
المسجد إذا خرب ودثر ولم يبق حوله جماعة والمقبرة إذاعفت ودثرت تعودملكا لا ربابها فإذا
عادت ملكا يجوز أن يبنى موضع المسجد دار وموضع المقبرة مسجد وغير ذلك فإن لم يكن لها
أرباب تكون لبيت المال اهـ(وقالت) الشافعية يكره البناء فى مقبرة غير مسبلة ويحرم فى المسبلة سواء
أ كان البناء فوق الأرض أم فى باطنها فيجب على الحاكم هدم جميع الأبنية التى فى القرافة المسبلة
للدفن فيها وهى التى جرت عادة أهل البلد بالدفن فيها لأنه يضيق على الناس ولا فرق بين أن يكون
البناء قبة أوبيتا أومسجدا أو غير ذلك ( قوله وبالنخل فقطع) أى أمر بالنخل فقطع. وهو محمول على
غير المثمرفإن قطعه جائز مطلقا أو على المثمر لاً جل الحاجة (قوله فصفوا النخل قبلة المسجد) وفى
نسخة فصفف النخل الخ أى جعلوهسوارى جهة القبلة ليسقف عليها (وعن) الحسن لما أخذرسول الله
صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فى بناء المسجد قال ابنوالى عريشا كعريش موسى تمامات وخشبات
وظلة كظلة موسى والأمر أعجل من ذلك قيل له وماظلة موسى قال كان إذا قام أصاب رأسه السقف
((والثمامات جمع ثمامة وهو نبت يسدّبه خصاص البيوت)) (وروى) أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله
وسلم صلى فيه وهو عريش اثنى عشريوما ثم بناه باللبن وسقفه (وروى) أن جبريل عليه السلام
أتى النبي صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم وقال له يا محمد إن الله تعالى يأمرك أن تبنى له بيتا
وأن ترفع بنيانه بالرهص والحجارة فقال كم أرفعه يا جبريل قال سبعة أذرع. وقيل خمسة أذرع
ولما ابتدأ فى بنائه أمر بالحجارة وأخذ حجرا فوضعه بيده أوّلا ثم أمرأبا بكر بنجاء بحجر فوضعه
إلى جنب حجر النبى صلى الله عليه وآله وسلم ثم عمر كذلك ثم عثمان كذلك ثم عليا نقله السمهودى
عن الأقشهرى (وروى) البيهقى وأبو يعلى نحوه وزاد فيه قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
هؤلاء الخلفاء من بعدى ((والرهص الطين الذى يتخذ منه الجدار)) ولما أسسوه جعلوا قبلته إلى
بيت المقدس وجعلوا طوله مما يلى القبلة إلى مؤخره مائة ذراع وفى الجانبين الآخرين مثل ذلك
فهو مربع وقيل كان أولا سبعين ذراعا فى ستين ثم لما فتح صلى الله عليه وآله وسلم خيبر زاد
عليه مثله وجعل له ثلاثة أبواب باب فى مؤخره وباب عاتكة المسمى بباب الرحمة والباب الذى
كان يدخل منه صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم المسمى بباب آل عثمان اليوم وهذان البابان
لم يغيرا بعد أن صرفت القبلة ولما صرفت القبلة عن بيت المقدس سدّ النبى صلى اللّه تعالى
عليه وعلى آله وسلم الباب الذى كان خلفه وفتح بابا حذاءه (قوله وجعلوا عضادتيه حجارة)
أى بنوا جانبى الباب بحجارة. والعضادة بكسر العين المهملة الخشبة التى على كتف الباب (وقال)

٥٩
صفة بناء الحرم النبوى فى عهده صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم
الأزهرى عضادتا الباب الخشبتان المنصوبتان عن يمين الداخل منه وشماله فوقهما العارضة ( قوله
وجعلوا ينقلون الصخر﴾ أى صاروا ينقلون الحجارة لأجل تأسيس المسجد (فقد) روى أنهم
أسسوه إلى ثلاثة أذرع بالحجارة وكملوه باللبن (وعن) أم سلمة قالت كان رسول اللّه صلى اللّه
تعالى عليه وعلى آله وسلم وأصحابه يبنون المسجد جعل أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله
وسلم يحمل كل رجل منهم لبنة وعمار بن ياسر لبنتين لبنة عنه ولبنة عن رسول الله صلى الله تعالى
عليه وعلى آله وسلم فقام إليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فمسح ظهره وقال
يا ابن سمية لك أجران وللناس أجر وآخر زادك من الدنيا شربة من لبن وتقتلك الفئة الباغية
(وما رواه) أحمد عن أبى هريرة أنهم كانوا يحملون اللبن إلى بناء المسجد ورسول الله صلى الله تعالى
عليه وعلى آله وسلم معهم قال فاستقبلت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو
عارض لبنة على بطنه فظننت أنهاشقت عليه فقلت ناولنيها يارسول الله قال خد غيرها يا أباهريرة
فإنه لاعيش إلا عيش الآخرة (فكان) فى البناء الثانى لأن أباهريرة لم يحضر البناء الأول لأن
قدومه كان عام خيبر فلامنافاة بينه وبين حديث أم سلمة ﴿قوله وهم ير تجزون) جملة حالية من
الضمير فى ينقلون أى يقولون رجزا. والرجز بحر من بحور الشعر معروف يكون كل مصراع
منه مفردا تسمى قصائده أراجيز واحدها أرجوزة فهو كهيئة السجع إلا أنه فى وزن الشعر
ويسمى قائله راجزا كما يسمى قائل الشعر شاعرا يقال رجز الرجل يرجز من باب قتل قال شعرا
رجزا وارتجز مثله ﴿قوله ويقول اللهم﴾ أى وهم يقولون معه ذلك كما فى رواية الشيخين
فكانوا يرتجزون ورسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم معهم وهم يقولون اللهم لاخير
الخ وفى رواية للبخارى اللهم لا أجر إلا أجر الآخره ((ولا يقال)) كيف يقول ذلك والشعر محرّم
عليه لقوله تعالى ((وما علمناه الشعر وما ينبغى له)) (لأن ما هنا) سجع لا شعر لأنه غير موزون، وعلى
فرض أنه موزون فهو إنشاد من كلام الغير ((ففى، رواية للبخارى بعد البيت فتمثل بشعر رجل
من المسلمين لم يسمّ لى: والمحرّم عليه إنشاؤه لا إنشاده. على أنهم اتفقوا على أن الشعر ما قصد
وزنه فإن جرى الموزون على اللسان من غير قصد فليس بشعر وعليه يحمل ماجاء من ذلك عنه
صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كقوله: هل أنت إلا أصبع دميت، وفى سبيل اللّه ما لقيت
وقوله: أنا النبى لا كذب، أنا ابن عبد المطلب (قوله فانصرالأنصار والمهاجره) الأنصار
جمع نصير كأشراف جمع شريف وناصر كصاحب وأصحاب والاسم النصرة بالضم وسموابذلك
لأنهم أعانوه صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم على أعدائه. والمهاجره الجماعة المهاجرة
الذين هاجروا من مكة إلى المدينة محبة فيه صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم وطلبا للآخرة والهجرة
فى الأصل اسم من الهجر ضدّ الوصل ثم غلب على الخروج من أرض إلى أرض وترك الأولى

٦٠
جواز الصلاة فى مقابر المشركين بعد نبشها وجعلها مسجدا
(كتاب الصلاة)
﴿ فقه الحديث) والحديث يدلّ على مشروعية الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام
وعلى جوازالارداف، وعلى مشروعية التفاف المرءوسين حول الرئيس، وعلى مشروعية الصلاة
فى أىّ مكان حضرت الصلاة فيه، وعلى جواز الصلاة فى مرابض الغنم، وعلى طلب المبادرة
ببناء المساجد، وعلى مشروعية البيع والشراء ومنع الغصب، وعلى مشروعية التبرّع الله عزّوجلّ
وعلى جواز نبش قبور المشركين الدارسة وبيعها، وعلى جواز قطع الأشجار المثمرة لأجل
الحاجة ، وعلى جواز الصلاة فى مقابر المشركين بعد نبشها وإخراج مافيها (قال) الخطابى إن
المقابر إذا نبشت ونقل ترابها ولم يبق هناك نجاسة تخالط أرضها فإن الصلاة فيها جائزة وإنما
نهى عن الصلاة فى المقبرة إذا كان قد خالط ترابها صديد الموتى ودماؤهم فإذا نقلت عنها زال ذلك الاسم
وعادحكم الأرض إلى الطهارة اهـ، ودلّ الحديث أيضا على جواز بناء المساجد موضع قبور المشركين
(قال) الخطابى فيه دليل على أن من لا حرمة لدمه فى حياته لا حرمة لعظامه بعدمماته اه ودلّ أيضا على
جواز قول الشعر ولاسيما الرجز للتعاون على الأعمال الشاقة لما فيه من تحريك الهمة وتشجيع
النفوس على معالجة الأمور الصعبة ، وعلى تواضعه صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم وكمال
أخلاقه، وعلى أن خير الآخرة هو الخير الدائم دون غيره، وعلى مشروعية الدعاء بالنصر للمسلمين
﴿من روى الحديث أيضا) رواه البخارى ومسلم والنسائى
(ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَا حَدُ بْنُ سَلَةَ عَنْ أَبِ النَّحِ عَنْ أَنَسِ بْنِ
مَالِك قَالَ كَانَ مَوْضِعُ الْمَسْجِدِ حَائِطَالَبِ النَّجَّارِ فِهِ حَرْثٌ وَنَخْلٌ وَقُبُورُ الْرِكِينَ فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُتَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ ثَمُونِى بِهِ فَقَالُوا لَا نَبْغِى قَتُطِعَ الَّخْلُ
وَسُوِّىَ الْحَرْثُ وَنُبِشَ قُبُرُ الْمُشْرِكِينَ وَسَاقَ الْحَدِيثَ وَقَالَ فَاغْفِرْ مَكَانَ فَانْصُرْ
(ش) ساق المصنف هذه الرواية لبيان أنه قد اختلف على أبى التياح فى بعض ألفاظه
فرواه عنه عبد الوارث باللفظ المتقدم ورواه عنه حماد بن سلمة وقال فيه حرث مكان كانت فيه
خرب فى رواية عبد الوارث ، وفيه فاغفر للاً نصار بدل فانصرالأنصار. وأخرج هذه الرواية
ابن ماجه من طريق وكيع عن حماد بن سلمة بلفظ كان موضع مسجد النبي صلى الله تعالى عليه
وعلى آله وسلم لبنى النجار وكان فيه نخل ومقابر للمشركين فقال لهم النبي صلى اللّه تعالى عليه
وعلى آله وسلم ثامنونى به قالوا لا نأخذ له ثمنا أبدا قال فكان النبي صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله
وسلم يبنيه وهم يناولونه والنبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول ألا إن العيش عيش