النص المفهرس
صفحات 1-20
المثَلِ العَدُ المُدِ
شْعُ سُتِ الاِم أبى دَاوُدَ
للإمام الجليل المحقق . والعارف الربانى المدقق
محي السنة وقامع البدعة صاحب الفضيلة والإرشاد الشيخ
محمود محَ بَطَهُ السَّيكِ
تاج العلماء الأعلام بالأزهر المعمور
المُ الأوان
مِومُالسَّة التَّاريخ العَربي
بَيروت - لبنان
الحمد لله رب العالمين، الذى شرح صدور من اصطفاهم من خيار المؤمنين، لنصرة وكشف
التام عن هدى سيد الأولين والآخرين، فبذلوا الجهد فى بيان ما ورد عنه صلى اللّه تعالى عليه
وعلى آله وسلم من معالم الدين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلها صمدا ليس
كمثله شىء وهو السميع البصير. وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله خير بشير ونذير القائل
﴿نضر الله امرأ سمع منا شيئا فبلغه كما سمعه فرب مبلغ أوعى من سامع) (١) والقائل (اللهم
ارحم خلفانی قلنا يارسول الله ومن خلفاؤك قال الذین یأتون منبعدى يروون أحادثی ویعلونها
الناس﴾ (٢) والقائل (من أدّى إلى أمتى حديثا تقام به سنة أو تثلم به بدعة فله الجنة﴾ (٢)
صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وعلى كل من نهج نهجه القويم
﴿أما بعد) فيقول محمود بن محمد بن أحمدين خطاب السبكى (٤) إنى لما شرعت بعون الله
تعالى وتيسيره فى قراءة سنن الإمام الورع الثبت الحجة أبى داود سليمان بن الأ شعث السجستانى
فى ربيع الثانى من سنة ١٣٤٣ ثلاث وأربعين وثلاثمائة وألف مجرية، وكانت نسخ ذلك
الكتاب نادرة الوجود، وقدصعب على الطلبة اقتناؤها ، أردت طبعه ليسهل الحصول عليه، ويعمّ
النفع به، فطلب منى أن أكتب عليه شرحا يكشف عنه النقاب، ويوضح مافيه للطلاب، إذ لم يكن
مشروحا شرحاوافيا، فشمرت عن ساعد الجدّ والاجتهاد، واستعنت بالملك المقتدر الهادى
إلى سبيل الرشاد، وشرحته شرحا واضحا غاية الإيضاح؛ مفصحا عن معانيه كلّ الإفصاح
(١) رواه الإمام أحمد والترمذى وصححه عن ابن مسعود رضى اللّه تعالى عنه (٢) رواه الطبرانى
فى الأوسط عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما (٣) أخرجه أبو نعيم فى الحلية عن ابن عباس
رضى اللّه تعالى عنهما (٤) نسبة إلى سبك الأحد مركز أشمون بمديرية المنوفية
٣
مقدمة
وتوخيت فيه تأييد الحق، وقوّيته حسبما وصل إليه الجهد، وسميته ( المنهل العذب المورود
شرح سنن الإمام أبى داود) وقد عنيت فيه بيان تراجم رجال الحديث، وشرح ألفاظه
وبيان معناه، وما يستفاد منه من الأحكام والفوائد، مبينا أوجه الخلاف وأدلته إن كان
ثم أذكر من أخرج الحديث غير المصنف سواء أكان من الأئمة الستة أم غيرهم، وأبين حاله
من صحة أو حسن أو غيرهما ، سالكا فى كل ذلك سبيل الإنصاف ، متنكبا طريق الاعتساف
ولا تمام الفائدة بدأت الشرح بذكر مقدمة تشتمل على نبذة من مصطلح الحديث وعلى ترجمة
المصنف وتلاميذه وبيان النسخ المرويّة عنه وأسانيد روايتى هذه السنن عن المصنف وأسأل
الله تعالى أن يجعله عملا مقبولا لديه خالصا لوجهه الكريم ولا اعتماد لى فى شىء إلا عليه
وهو حسبي ونعم الوكيل
مقدمة
تشتمل على مبادى علم الحديث، وشذرات من علم المصطلح، وترجمة الإمام أبى داود
والتعريف بسننه، وشرطه ؛ وطريقته فيها ؛ والكلام على ماسكت عليه
والنسخ المرويّة عنه؛ وتراجم رواتها؛ وسندنا إليه
﴿مبادئ علم الحديث)
الحديث لغة ضد القديم ، واصطلاحا ينقسم إلى مسمين علم الحديث رواية، وعلم الحديث دراية.
أما علم الحديث رواية فهو علم يشتمل على نقل ما أضيف إلى النبي صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم
قولا أو فعلا أو تقريرا أو صفة خلقية بكسر فسكون ككونه صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم ليس
بالطويل ولا بالقصير أو خلقية بضمتين ككونه لا يواجه أحدا بمكروه، وليس المراد بالعلم هنا
القواعدالكلية بل هو قضايا جزئية يتبين بها ما ذكر ( وموضوعه) أقوال النبى صلى اللّه تعالى
عليه وعلى آله وسلم وأفعاله وتقريراته وصفاته ( وفائدته ) الاحتراز عن الخطأ فى نقل
ما أضيف إلى النبي صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم ومعرفة كيفية الاقتداء به فى أفعاله
وغير ذلك ﴿وواضعه﴾ أعنى أوّل من جمعه محمد بن مسلم بن شهاب الزهرى بأمر سيدنا
عمر بن عبد العزيز (﴿وحكمه﴾ الوجوب العينىّ على من انفرد به ؛ والكفائى عند التعدد
وأما علم الحديث دراية فهو علم يعرف به أحوال السند والمتن من صحة وحسن وضعف
ورفع ووقف وقطع وعلوّ ونزول وغيرها . فالعلم هنا عبارة عن القواعد كقولهم
٤
مقدمة
كل حديث صحيح أو حسن يستدلّ به ﴿والسند﴾ الطريق الموصل إلى المتن وهو الرواة
(والمتن) ما انتهى إليه السند من الكلام ﴿ وموضوعهَ﴾ السند والمتن من حيث إثبات
هذه الأحوال لهما ﴿ وفائدته﴾ معرفة المقبول والمردود منهما ﴿وواضعه) القاضى أبو محمد
الرامهرمزى بشدّ الراء وفتح الميم الأولى وضم الهاء والميم الثانية بينهما راء ساكنة. ثم الحاكم
ثم آخرون كأبى نعيم وابن الصلاح ﴿ واسمه) علم مصطلح الحديث. وله تعريف آخر
وهو علم يعرف به حقيقة الرواية وشروطها وأنواعها وحكمها وحال الرواة وشروطهم
وأصناف المرويات وما يتعلق بها . حقيقة الرواية نقل السنة ونحوها وإسناد ذلك إلى من
عزى إليه بتحديث أو إخبار أو غير ذلك ﴿ وشرطها) تحمل راويها لما يرويه بنوع من
أنواع التحمل من سماع وإجازة ونحوهما ﴿وأنواعها) الاتصال والانقطاع ونحوهما
﴿ وأحكامها) القبول والردّ ﴿ وحال الرواة، العدالة والجرح ﴿وشروطهم) فى التحمل.
وفى الأداء ماهو مذكور فى المصطلح ﴿ وأصناف المروّات) المصنفات والمسانيد والمعاجم
والأحاديث والآثار وغيرها (وما يتعلق بها) هو معرفة اصطلاح أهلها .
شذرات من علم مصطلح الحديث
﴿الخبر مرادف للحديث على الصحيح وله تقسيمان)
التقسيم الأول له باعتبار طرقه
ينقسم الخبر إلى متواتر وآحاد ﴿فالمتواتر) مارواه عدد كثير تحيل العادة تواطؤهم على الكذب
عن مثلهم وكان مستند انتهائهم الحسّ كسماع أو رؤية ولا يتعين عددهم على الصحيح. وحكمه
أنه يفيد العلم الضرورىّ على المشهور. وهو مقبول لإ فادته القطع بصدق مخبره ﴿والآحاد)
ما ليس بمتواتر : وأقسامه ثلاثة (الا ول المشهور﴾ وهومارواه عدد فوق اثنین عن أکثر من
اثنين وهكذا بحيث لم يجتمع فيه شروط المتواتر ( الثانى العزيز) وهو ما رواه اثنان عن اثنين
ولو فى طبقة واحدة عن متعدد فالزيادة عنهما أحيانا لا تضرّ إذ الحكم للأقلّ ﴿الثالث الغريب:
وهو ما تفرد بروايته واحد فى أى موضع من السند . وينقسم إلى مطلق ونسيّ. فالمطلق ما تفرد فيه
الصحابى أو التابعى . والنسىّ ما تفرد فيه غيرهما . وأقسام الآحاد منها المقبول والمردود لتوقف
الاستدلال بها على البحث عن أحوال رواتها .
هوه الحديث المقبول
هو ما ترجح صدق المخبر به، وينقسم إلى أربعة أقسام . صحيح لذاته ولغيره. وحسن لذاته
ولغيره لأنه إن اشتمل من أوصاف القبول على أعلاها فالصحيح لذاته. وإن اشتمل على
مقدمة
أوسطها أو أدناها ووجد ما يجبر القصور ككثرة الطرق فهو الصحيح لغيره. وإن اشتمل على
أوسطها أو أدناها ولم يوجد ما يجبر القصور فهو الحسن لذاته . وإن لم يشتمل على شىء من
أوصاف القبول لكن كثرت طرقه أو تقوّى بمتابع أو شاهد (١) فهو الحسن لغيره. وصفات
القبول هى العدالة ، والضبط ، واتصال السند، والسلامة من العلة والشذوذ. فالعدالة ملكة تحمل
من اتصف بها على ملازمة التقوى والمروءة . والضبط ضبط صدر وهو أن يحفظ ماسمعه بحيث
يتمكن من استحضاره متى شاء. وضبط كتاب وهو تصحيحه وصيانته عنده منذ سمع فيه إلى أن
يؤدّى منه. واتصال السند سلامته من سقوط راو منه أو أكثر بحيث يكون كل من رواته سمع
ذلك المروىّ من شيخه أو أخذه عنه إجازة على المعتمد . والعلة أمر قادح مؤثر فى ردّ الحديث
يظهر للنقاد عند جمع طرقه كإرسال ووقف مرفوع: والشذوذ مخالفة الثقة من هو أرجح منه
حفظا أو عددا بزيادة أو نقص مع عدم إمكان الجمع . وتتفاوت رتب الصحيح بتفاوت هذه
الأوصاف فى القوة. فما كانت رواته فى الدرجة العليا من العدالة والضبط وتحرّى مخرّجيه
كان أصح مما دونه ولهذا اتفقوا على أن أصح الحديث ما اتفق على إخراجه البخارى ومسلم
ثم ما انفرد به البخارى فى صحيحه على رأى الجمهور إلا أن الصفات التى تدور عليها الصحة من
كتابه أتمّ منها فى مسلم ولأن شرطه أن يكون الراوى قد ثبت لقاؤه بمن روى عنه ولو مرة
وأمامسلم فا كتفى بمطلق المعاصرة مع إمكان اللقىّ عادة. ثم ما انفرد به مسلم. ثم ما كان على شرطهما
ثم ما كان على شرط البخارى ثم ما كان على شرط مسلم ثم ما كان على شرط غيره واتفقوا
أيضا على أن صحيح ابن خزيمة أصح من صحيح ابن حبان وهو أصح من مستدرك الحاكم لتفاوتهم
فى الاحتياط وفائدة هذا الترتيب الترجيح عند التعارض وعدم مرجح آخر
﴿فوائد) الأولى إذا جمع بين وصفين كأن يقال حديث حسن صحيح فذلك لكون الحديث
له إسنادان: أحدهما حسن. والآخر صحيح. أو له إسناد واحد وتردّد فى وصفه بالحسن أو الصحة
وغاية ما فيه أنه حذف منه حرف الترديد إذحقه أن يقال فيه حسن أو صحيح (الثانية) لاتلازم
بين السند والمتن فى الصحة والحسن إذ قد يصح السند أو يحسن لاجتماع شروط الصحة أو الحسن
دون المتن لشذوذ أو علة قادحة فيه وقد لا يصح السند ويصح المتن من طريق آخر (الثالثة) زيادة
الثقة مقبولة مالم تناف رواية من هو أوثق منه على الصحيح. فإن خولف بأرجح منه لمزيد ضبط
(١) المتابع بالفتح هو الفرد النسيّ الذى تبين بعدظن فرديته أن غيره قد وافقه حتى انتهيا إلى
صحابىّ واحد ؛ والمتابع بالكسر هو هذا الغير الموافق للفرد النسيّ وهذا هو المراد هنا؛ والمتابعة
قسمان: تامة وهى ما حصلت للراوى نفسه فى الأخذعن شيخه ؛ وناقصة وهى ماحصلت لشيخه فمافوقه
دون الراوى. والشاهدهو ماخالف الفرد النسيّ فى الصحابى وشابه متنهمتنه لفظا ومعنى أو معنى فقط
٦
مقدمة
أو كثرة عدد أو غير ذلك من المرجحات فالراجح يقال له المحفوظ. والمرجوح يقال له الشاذ
فالمحفوظ ما رواه الثقة مخالفا من هو أقلّ منه بزيادة أو نقص مع عدم إمكان الجمع بينهما. والشاذ
ما رواه الثقة مخالفا من هو أوثق منه بزيادة أو نقص فى المتن. وإن خولف براو ضعيف لسوء
حفظه أو نحوه . فالراجح يقال له المعروف. ومقابله المنكر. فالمعروف ماراه الثقة مخالفا الضعيف
والمنكر مارواه الضعيف مخالفا للثقات ويطلق على ما تفرد به الضعيف وإن لم يخالف غيره :
(الرابعة) إذا روى العدل الضابط المتقن حديثا انفرد به فمقبول اتفاقا. وإذا رواه بعض الثقات
متصلا وبعضهم مرسلا أو رواه بعضهم موقوفا وبعضهم مرفوعا أو وصله هو فى وقت وأرسله
فى وقت آخرأو رفعه فى وقت ووقفه فى وقت آخر فالصحيح الذى قاله المحققون أن الحكم لمن
وصله أورفعه ولو كان المخالف له أكثر أ وأحفظ. وقيل الحكم للأكثر. وقيل للأحفظ. وينقسم
المقبول أيضا إلى معمول به وغير معمول به: فالمعمول به المحكم، ومختلف الحديث؛ والناسخ؛
والراجح: وغير المعمول به المنسوخ؛ والمرجوح، والمتوقف فيه لأن الخبر إن سلم من
المعارض فهو المحكم. ومن هذا الباب أكثر الأحاديث فإن أكثرها غير معارض والمعارض
منها قليل وإن عورض بمثله وأمكن الجمع بلا تعسف فهو مختلف الحديث كديث جابر رضى
اللّه تعالى عنه مرفوعا ﴿لا عدوى ولا طيرة (١) ولا هامة (٢) ولا صفر (٣) ولا غول(٤))
رواه أحمد ومسلم. وحديث أبى هريرة رضى اللّه تعالى عنه عند البخارى وفيه (وفرّ من المجذوم
كما تفرّ من الأسد) فهذان الحديثان ظاهر هما التعارض وجمع بينهما بأن الأمراض لا تعدى
بطبعها لكن الله سبحانه وتعالى جعل مخالطة المريض سببا لسريان المرض إلى الصحيح وقد يتخلف ذلك
عن سببه كمافى غيره من الأسباب. أو بأن الأول محمول على كامل العقيدة والثانى على خلافه . وإن
لم يمكن الجمع وعرف التاريخ فالمتأخر ناسخ حديث ثوبان رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله
تعالى عليه وعلى آله وسلم {أفطر الحاجم والمحجوم) رواه أحمد والمصنف والنسائى وابن ماجه
وابن حبان والحاكم وهو متواتر صحيح. وحديث ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أن النبي صلى
الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (احتجم وهو محرم واحتجم وهو صائم) أخرجه الشيخان.
(١) بكسر ففتح من التطير وهو التشاؤم بالطيور (٢) بالتخفيف اسم طائر قيل هى البومة
كانوا يتشاءمون بها إذا وقعت على بيت أحدهم يقول نعت إلىّ نفسى أو أحد من أهل دارى
(٣) بفتحتين هو تأخير المحرم إلى صفر وهو النسىء وذلك أن العرب كانت تحرّم صفر وتستحلّ
المحرم فجاء الإسلام بردّ ما كانوا يفعلونه (٤) بضم فسكون قال النووى كانت العرب تزعم
أن الغيلان فى الفلوات وهى جنس من الشياطين تتراءى للناس وتتغوّل تغوّلا أى تتلوّن تلوّنا
فتضلهم عن الطريق فتهلكهم فأبطل النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ذلك
مقدمة
والمصنف والترمذى وصححه. فقد بين الشافعى أن الثانى ناسخ للأول لأنه كان فى سنة عشر
والا ول فىسنة ثمان. و إن لميعرف التاريخ وأمكنالترجيح بوجه من الوجوه ککون راوى
أحد الحديثين أزيد ثقة أو فطانة أو أكثر عددا عن الآخرفالأقوى هو الراجح؛ وإن لميمكن
الترجيح وجب التوقف عن العمل بأحدهما ﴿الخبر المردود) هو مالم يترجح صدق المخبر به
ولا يعمل به . والردّ إما لحذف من السند أو لطعن فى راو من رواته. فالمردود للحذف أنواع
(الأول المعلق) وهو ماحذف من أول سنده من جهة المحدّث واحد أو أكثر ولو كل السند
حذفا لاخفاء فيه وإنما كان المعلق مردودا للجهل بحال المحذوف. وقد يقبل إذا علم أن المحذوف
ثقة كأن يجىء من طريق آخر مصرّحا فيه باسمه أو كنيته أو لقبه (الثانى المرسل) وهو ما سقط
منه الصحابى كأن يقول التابعى قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كذا. ولم يحتجّ
به كثير من المحدّثين وعدّوه من المردود لاحتمال أن التابعى روى عن تابعى ضعيف وأسقطه.
أيضا. وذهب مالك وأحمد فى المشهور عنهما إلى الاحتجاج به وكذا أبو حنيفة إن عرف
أن التابعى لايرسل إلا عن ثقة. وقال الشافعی لا يقبل إلا إن تقوی بمجيئه من وجهآخر
(الثالث المعضل) وهو ماسقط من سنده اثنان فصاعدا على التوالى سواء أكان السقوط من أول
السند أم أثنائه أم آخره (الرابع المنقطع) وهو على المشهور ماسقط من سنده راو واحد قبل
الصحابى فى أى موضع ولو تعددت المواضع فيكون منقطعا من مواضع. وقيل هوما لم يتصل
إسناده ولو سقط منه أكثر من واحد فهو أعمّ عموما مطلقا من المرسل والمعلق والمعضل
وينقسم الحذف من السند إلى واضح وخفىّ . فالواضح ما يعلم بدون بحث كأن يروى البخارى
عن ابن عمر أوعن أبى حنيفة. والخفىّ مالا يعلم إلا بالبحث. وينقسم إلى مدلس ومرسل خفىّ
فالمدلس ثلاثة أنواع: الأول مداس الإسناد . وهو ما أسقط فيه المحدّث من سمعه منه ورواه عن
شيخ لم يسمعه منه موهما أنه سمعه منه بصيغة لا تقتضى اتصالا كعن وقال. فإن أتى بصيغة تقتضى
الاتصال كدثنى كان كاذبا: الثانى مدلس الشيوخ وهو مالم يسقط فيه المحدّث من سمعه منه لكن
وصفه بغير ما اشتهربه من اسم أو كنية أولقب: الثالث مداس التسوية. وهو ما أسقط فيه الراوى
ضعيفاً بين ثقتين لقى أحدهما الآخر ورواه عن شيخه الثقة عن الثقة الثانى بلفظ محتمل كعن
فسوّى بين الرجال يجعلهم ثقات. وهذا القسم أشدّ الأنواع ذما. وظاهر كلام شعبة حرمته لأنه
يوهم الاحتجاج بمالا يحتج به . ويليه النوع الأول . وأخفها النوع الثانى. ومن عرف منه هذا
التدليس وأتى بحديث بلفظ يقتضى الاتصال فهو مقبول على الصحيح إذا كان المدلس عدلا
وقيل من عرف منه هذا التدليس صار مجروحا لا تقبل روايته فى شىء وإن بين السماع. ثم هذا
الحكم فى المدلس جار فيمن دلس ولومرة واحدة. والمرسل الخفيّ مارواه المحدّث عمن عاصره
٨
مقـدمة
ولم يلقه ( والمردود للطعن) ماطعن فى راويه بواحد من عشرة. خمسة منها تتعلق
بالعدالة. وهى الكذب. وتهمته. وظهور الفسق . والجهالة بأن لا يعرف تعديل
الراوى ولا تجريحه. والبدعة . وهى اعتقاد ما أحدث على خلاف المعروف عن النبى
صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لابمعاندة بل بنوع شبهة. فإن كانت بمكفر لا يقبل
صاحبها كأن يعتقد أن النار تؤثر بطبعها . وإن كانت بمفسق. يقبل كأن يعتقد
أن العبد يخلق أفعال نفسه الاختيارية ما لم يكن داعيا إلى بدعته. وخمسة تتعلق بالضبط
وهى خش الغلط أى كثرته، وخش الغفلة وهى كثرة ذهوله عن الإتقان، والوهم بأن يروى عن توهم
وتردّد لاعن يقين. ومخالفة الثقات، وسوء الحفظ وهو إن كان ملازما للراوى لم يقبل حديثه
وإن كان طارئا عليه لنحو كبر سنّ أو ضعف أو ضياع كتبه قبل ماحدّث به قبل الاختلاط
لا ماعرف أنه حدّث به بعده ﴿ والمردود للطعن أنواع﴾ الأول الموضوع وهو المطعون
فيه بكذب الراوى بأن يروى عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مالم يقله متعمدا ذلك
﴿ الثانى المتروك﴾. وهو على ما اختاره السيوطى ما تفرد بروايته واحد مجمع على ضعفه لتهمته
بالكذب أو خش غلطه أو كثرة غفلته أو ظهور فسقه ﴿الثالث المعلّ} وهو ما أوهم الراوى
سلامته ثم اطلع فيه بعد البحث على قادح خفىّ من وصل مرسل أو منقطع أو إبدال ثقة بضعيف
أو إدخال حديث فى حديث ﴿ الرابع مدرج الإسنادَ﴾ وهو ماخالف راويه الثقات بتغيير
سياق إسناده وهو أقسام (أولها) أن يسمع الراوى حديثا من جماعة مختلفين فى إسناده فيرويه
عنهم بإسناد واحد بدون بيان الاختلاف ( ثانيها﴾ أن يروى الشيخ بعض المتن بإسناد وباقيه
بآخر فيرويه كله عنه راو بأحد الإسنادين ﴿ ثالثها أن يروى شخص حديثين بإسنادين فيرويهما
عنه راو بأحد الإسنادين أو يروى أحدهما بإسناده ويزيد عليه بعضا من الثانى ﴿ الخامس
مدرج المتن ) وهو ما خالف راويه الثقات بأن يزيد فيه ماليس منه لتفسير كلمة غريبة بدون
تمييز بينهما حديث الزهرى عن عائشة رضى الله تعالى عنها كان النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
يتحنث فى غار حراء. وهو التعبد الليالى ذوات العدد﴾(١) فقوله وهو التعبد مدرج لتفسير التحنث
﴿السادس المقلوب﴾ وهو ما خالف راويه الثقات بتقديم أو تأخير فى السند أو المتن كأن يقع
فى الإسناد كعب بن مرة غلطا بدل مرة بن كعب وفى المتن كحديث أبى هريرة رضى الله تعالى عنه
فى السبعة الذين يظلهم الله تحت ظل عرشه ففيه ( ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه
ماتنفق شماله) فهذا مما انقلب على أحد الرواة وإنما هو( حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه﴾ (السابع
المزيد فى متصل الأسانيد) وهو ما خالف راويه الثقات بزيادة راو فأكثر فى موضع من سنده
(١) رواه البخارى فى صحيحه ضمن حديث طويل فى بدء الوحى
٩
مقدمة
قد صرّح فيه الأكثر إتقانا بالسماع أما إن عنعن الأتقن فى موضع الزيادة ترجحت رواية
الزيادة كأن يقول الأتقن حدثنا مالك حدثنا نافع حدثنا ابن عمر ويقول الأقل منه إتقانا
حدثنا مالك حدثنا الزهرى حدثنا نافع ﴿ الثامن المضطرب) وهو ماوقع الاختلاف فى سنده
أو متنه أو فيهما مع تساوى الروايتين وتعذّر الجمع بينهما فالاختلاف فى السند كحديث سنده
هكذا قال الثورىّ حدثنا إسماعيل بن أمية حدثنا أبو عمرو حدثنا محمد بن أحمد حدثنا أبو هريرة
وقال بشر حدثنا إسماعيل بن أمية حدثنا أبو عمرو حدثنا أبو سلمة حدثنا أبو هريرة. والاختلاف
فى المتن كحديث فاطمة بنت قيس عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (إن فى المال حقا
سوى الزكاة) فقد روى عنها بهذا اللفظ. وروى عنها أيضا بلفظ ( ليس فى المال حق سوى
الزكاة) فقد حكم بعض المحدّثين باضطرابه وجمع بعضهم بينهما فأوّل الحق المثبت بالمستحب
والمنفى بالواجب فلا اضطراب ﴿التاسع المصحف) وهو ما كانت المخالفة فيه بالنقط كحديث
(من صام رمضان وأتبعه ستا من شوّال) الخ صحفه أبوبكر الصولى فقال شيئا بالشين المعجمة
والمثناة التحتية بدل ستا (العاشر المحرّق) وهو ما كانت المخالفة فيه بالشكل مع بقاء صورة
الخط كحديث جابر (رمى أبىّ يوم الأحزاب على أكله فكواه رسول الله صلى اللّه تعالى
عليه وعلى آله وسلم) حرّفه غندر فقال فيه أبى بالإضافة وإنما هو أبيّ بن كعب. والأكل
عرق فى الذراع يقصد ﴿الحادى عشر المبهم) وهو ماجهل فيه راو لعدم تسميته كأن يقال
روى الزهرىّ عن رجل ويستدلّ على معرفة اسمه بوروده من طريق آخر مسمى فيه أومن بعض
الأمة المطلعين.
﴿ التقسيم الثانى للخبر باعتبار نهاية السند ﴾
ينقسم الخبر إلى ثلاثة أقسام ﴿الأول المرفوع﴾ وهو ما أضيف إلى النبي صلى اللّه تعالى
عليه وعلى آله وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة تصريحا أو حكما (١) سواء اتصل سنده
أم لا أضافه صحابىّ أم غيره فدخل فيه المرسل والمعضل والمنقطع والمعلق دون الموقوف
والمقطوع. فالمرفوع إليه صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم صريحا من القول قول الراوى قال
رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (إنما الأعمال بالنيات) ومن الفعل قول الراوى
(سها رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فسجد ومن التقرير: كأن يفعل الصحابي شيئا
بحضرته صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم ويسكت عليه. ومن الصفة كأن يقال ( كان النبى
(١) كقول الصحابيّ أمرنا أو نهينا أو أوجب أو حرّم أو رخص لنا لظهور أن فاعلها
النبي صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم
(٢ - المنهل العذب المورود - ١)
١٠
مقدمة
صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حليما كريمًا﴾ ﴿الثانى الموقوف) وهو ما أضيف إلى
الصحابىّ من قوله أو فعله أو تقريره متصلا أو منقطعا وكان للرأى فيه مجال أما ماليس للرأى
فيه مجال فهو فى حكم المرفوع كما فى رواية البخارى ( كان ابن عمر وابن عباس يفطران ويقصران
فى أربعة برد) فمثل هذا لا يقال من قبل الرأى (الثالث المقطوع) وهو ما أضيف إلى التابعى
فن دونه من قول أو فعل أو تقریر کأن يقول الراوى قال ابن المسيب کذا أو فعل كذا مما
للرأى فيه مجال. وعدّه من أنواع الحديث فيه تسامح كما قاله الزركشى ومثله الموقوف
﴿فائدة) إذا قال الصحابى كنا نقول أو تفعل كذا أو كنا لانرى بأسا بكذا فعند الجمهور
أنه إن لم يضفه إلى زمن النبي صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم فهو موقوف وليس بمرفوع
وإن أضافه فقال كنا نفعل فى حياة النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أو وهو فينا فهو
مرفوع مطلقا. وقيل إن كان ذلك الفعل مما لا يخفى غالبا كان مرفوعا كأن يقول الصحابى
( كنا نکبر على الجنائز فى عهد النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أربع تكبيرات) وإن
كان مما يخفى كان موقوفا كقوله (كنا نعزل المنىّ عن الإماء بغير إذنهنّ وعن الزّوجات
بإذنرنّ فى عهد النبي صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم) وإلا كان موقوفا. وأما إذا قال الصحانى
أمرنا بكذا أونهينا عن كذا أومن السنة كذا فهو فى حكم المرفوع على الصحيح. وإذا قال التابعى
من السنة كذا فالصحيح أنه مرفوع أيضاً مرسل. ولو قال التابعى عن الصحابى يرفعه أو ينهيه
أو يبلغ به أو يرويه أو ينميه أو رواية أو رواه فهو مرفوع متصل اتفاقا كحديث مسلم عن
أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة يبلغ به (الناس تبع لقريش) وقوله (ينميه)) بفتح المثناة
التحتية وسكون النون أى ينسبه. وهذه من الصيغ التى يكنى بها أصحاب الحديث عن قولهم قال
رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لكونه روى بالمعنى أو اختصر
( أقسام السند)
ينقسم السند إلى عال ونازل. وكل منهما مطلق ونسيّ. فالعالى المطلق هو سند قلّ عدده
بالنسبة لسند آخر وانتهى إلى النبي صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم والمتن فيهما واحد. والنازل
المطلق هو ما كثر عدده من هذين السندين وانتهى إلى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
والعالى النسبىّ هو سند قلّ عدده بالنسبة لسند آخر وانتهى إلى إمام ذى صفة علية من نحو حفظ
وضبط ، كمالك والبخارى ، والمتن واحد . والنازل النسيّ هو ما كثر عدده من هذين السندين
وانتهى إلى الإمام صاحب الصفة العلية ويقدّم العالى على النازل لكونه أقرب إلى الصحة وقلة
الخطأ إذ مامن راو من رجال الإسناد إلا ويجوز عليه الخطأ فكلما كثرت الوسائط كثرت
مقـدمة
مظان تجويز الخطأ وكلما قلت الوسائط قلت المظانّ فإن كان فى النازل مرّة ليست فى العالى
كأن يكون رجاله أوثق أو أحفظ أو أفقه كان مقدّمًا على العالى ﴿والعلوّ النسيّ أنواع)
(الأول) الموافقة وهى الوصول إلى شيخ أحد المؤلفين من طريق آخر أقلّ عددا من طريقه
كما لو روى البخارىّ عن قتيبة عن مالك حديثا فلو رواه ابن حجر من طريق البخارى كان بينه
وبين قتيبة ثمانية. ولو رواه من طريق أبى العباس السرّاج عن قتيبة كان بينه وبين قتيبة سبعة
(الثانى) البدل وهو الوصول إلى شيخ شيخ أحد المؤلفين من طريق آخر أقلّ عددا من طريقه
مثلا لو روى ابن حجر حديثا من طريق البخارى عن قتيبة عن مالك كان بينه وبين مالك تسعة
ولو رواه من طريق أبى العباس عن القعنىّ عن مالك كان بينه وبينه ثمانية (الثالث) المساواة
وهى استواء عدد سند راو إلى ذى صفة علية مع عدد سند أحد المصنفين إلى ذى الصفة كأن
يروى أبوداود حديثا سنده إلى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تسعة ورواه ابن حجر بسند
آخر عدده تسعة ولو رواه بطريق أبى داود لزاد العدد (الرابع) المصافة وهى استواء عدد
السند من الراوى إلى ذى صفة علية مع عدد سند من تلميذ أحد المصنفين إلى ذى الصفة. وسميت
مصافحة لأن العادة جرت بمصافة المتلاقيين فكأن الراوى صافح التلميذ المذكور
﴿أنواع الرواية) وهى كثيرة: منها رواية الأقران وهى رواية الشخص عن قرينه أى مشاركه
فى السنّ أو اللقىّ أى الأخذ عن المشايخ والمراد بالمشاركة فى السنّ المساواة فيه أو المقاربة
وهى قسمان: المدتج وهى رواية كل من القرينين عن الآخر إما مباشرة كرواية أبى هريرة عن
عائشة ورواية عائشة عنه وإما بواسطة كرواية اليث عن يزيد عن مالك ورواية مالك عن
يزيد عن الليث. ويشترط فى هذا القسم المشاركة فى السنّ واللقىّ معا. وغير المدتج وهو أن يروى
أحدهما عن الآخر فقط بشرط التشارك فى السنّ أو اللقىّ كرواية الأعمش عن التيمىّ وهما
قرينان (ومنها) رواية الأ كابر عن الأصاغر وهى أن يروى الراوى عمن دونه فى السنّ واللقىّ
أى زمن التلقى كرواية الزهرىّ عن مالك ويدخل فيها رواية الآباء عن الأبناء كرواية
العباس عمّ النبى صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم عن ابنه الفضل حديث الجمع بين الصلاتين
بالمزدلفة . وهذا النوع قليل . وفائدة ضبط هذا النوع الأمن من ظنّ الانقلاب فى السندوتنزيل
الناس منازلهم (ومنها) رواية الأ صاغر عن الأكابر وهو كثير (ومنها السابق واللاحق) وهو أن يشترك
اثنان فى الرواية عن شيخ مع تقدم موت أحدهما على الآخر بزمن بعيد . وفائدة ضبط هذا
النوع الأمن من ظن سقوط شىء من إسناد المتأخر بينه وبين شيخه (ومنها المهمل) وهو أن
يروى الراوى عن اثنين متفقين فى الاسم أو غيره مابه التمييزولم يتميزا كأن يكون له شيخان
كل منهما اسمه أحمد وقال حدثنى أحمد ولم يعلم من هو منهما فإن كانا ثقتين فلا يضرّ ذلك وإلاضرّ
١٢
مقدمة
على الصحيح. وفائدة ضبط هذا النوع أمن اللبس . والفرق بين المهمل والمبهم السابق أن المبهم
لم يذكرله اسم والمهمل ذكر اسمه مع الاشتباه (ومنها المتفق والمفترق) أى المتفق فى الاسم والمفترق
فى المسمى وهو مارواه قوم اتفقت أسماؤهم وأسماء آبائهم فصاعدا أى ما كان بعض سنده بهذه
الصفة وهو أقسام (منها) ما اتفقت أسماؤهم وأسماء آبائهم كالخليل بن أحمد فإن المسمى بهذا ستة
رجال (ومنها) ما اتفقت أسماؤهم وأسماء آبائهم وأجدادهم كأحمد بن جعفر بن حمدان. إلى غير ذلك
من باقى الأقسام المبينة فى المبسوطات . وفائدة ضبط هذا النوع أمن اللبس (ومنها) المؤتلف
والمختلف وهو ما اتفقت فيه الأسماء خطا واختلفت نطقا كسلام بتشديد اللام وسلام بتخفيفها
وفائدة ضبط هذا النوع الاحتراز عن التصحيف والتحريف فى الأسماء (ومنها) المتشابه وهو ما اتفقت
فيه أسماء الأبناء خطا ونطقا واختلفت فيه أسماء الآباء نطقاً مع ائتلافهما خطا أو بالعكس كمحمد
ابن عقيل بفتح العين ومحمد بن عقيل بضمها وكشريح بن النعمان بالشين المعجمة والحاء المهملة
وسريج بن النعمان بالسين المهملة والجيم (ومنها المسلسل) وهو ما اتفقت رواته على صفة من الصفات
سواء أ كانت صفة للرواة أم للإسناد، مثال الأول حدثنى فلان وهو قائم قال حدثنى فلان
وهو قائم وهكذا إلى آخر السند، ومثالالثانىحدثنی فلان قالحدثیفلان وهكذا إلى آخر السند
بصيغة التحديث ومثل صيغة التحديث غيرها من صيغ الأداء. والأصل أن يكون التسلسل
من أول السند إلى آخره وقد يكون فى أكثره كالحديث المسلسل بالأوّلية وهو ﴿الرّاحمون
يرحمهم الرحمن ارحموا من فى الأرض يرحمكم من في السماء﴾ فقد قال الراوى سمعت حديث
الرحمة المسلسل بالا وآلية من شيخى فلان وهو أوّل حديث سمعته منه ويقول شيخ شيخه سمعت
حديث الرحمة المسلسل بالأ وّلية من شيخى فلان وهو أوّل حديث سمعته منه وهكذا إلى أن
انتهت السلسلة بالأ وّلية إلى سفيان بن عيينة وانقطع بالاً وّلية فى سماع ابن عيينة من عمرو بن
دینار وفى سماع ابن دینار من أبى قابوس وفى سماع أبی قابوس من عبد الله بن عمرو بن العاص
من الرسول صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
طرق تحمل الحديث
هى سبعة (الا ول) السماع من لفظ الشيخ إملاء أو تحديثا أو من حفظه أو كتابه (الثانى) القراءة
على الشيخ وتسمى عرضا (الثالث) الإجازة وهى أنواع: إجازة معين فى معين كأجزتك كتاب
البخارى وأجزت فلانا جميع ما اشتملت عليه كل كتبى ، والصحيح جواز الرواية بالإجازة
مطلقاً . وإجازة معين فى غير معين كأجزتك مسموعاتى أو مروّاتى، والجمهور على جوازها
وإجازة العموم كأجزت للمسلمين أولمن أدرك زمانى. والصحيح جوازها ، وإجازة المجاز كأجزت
لك ما أجازنى به فلان . وينبغى لمن يروى بها أن يتأمل كيفية إجازة شيخ شيخه فليس له أن
١٣
مقدمة
يروى الحديث عن شيخه عن شيخ شيخه حتى يتيقن أنه ماصح عند شيخه كونه فى مسموعات
شيخه، وتستحب الإجازة إذا كان المجيز والمجازله من أهل العلم. وينبغى للمجيز بالكتابة التلفظ
بها ويصح الاقتصار على الكتابة (الرابع) المناولة وأعلاها ما تقرن بالإجازة بأن يدفع إليه أصل
سماعه أو فرعا مقابلا عليه ويقول هذا سماعى أوروايتى عن فلان أجزت لك روايته ثم يتركه
فى يده. ومنها أن يناول الطالب الشيخ سماعه فيتأمله وهو عارف متيقظ ثم يناوله الطالب
ويقول هو حديثى وسماعى أو روايتى فاروه عنى (الخامس) الكتابة وهى أن يكتب مسموعه
أو يأذن بكتابته للغير ولو حاضرا وهى إمامقرونة بالإ جازة أو مجرّدة عنها (السادس) الإعلام
وهو أن يعلم الشيخ الطالب أن هذا الكتاب روايته أوسماعه غير قائل اروه عنى. والأصح
أنه لاتجوز روايته لاحتمال أن الشیخ عرف خللافیه لکن یصح العمل به إذا صح سنده عند
المطلع (السابع) الوجادة وهى أن يقف على كتاب بخط الشيخ فيه أحاديث فله أن يقول وجدت
أو قرأت بخط فلان أو فى كتاب فلان بخطه حدثنافلان ويسوق بقية السند والمتن وعليه العمل
قديما وحديثا ولا يقول أخبرنى أو حدثنى فلان إلا إن كان له منه إذن بالرواية عنه
صيغ الأداء
هى مراتب : سمعت وحدثنى ثم أخبرنى وقرأت عليه، وكان الاخبار أقلّ من التحديث لأنه
أعمّ منه لصدقه على السماع من الشيخ مشافهة أوبواسطة بخلاف التحديث فلا يكون إلامشافهة
ثم قرىُ عليه وأنا أسمع ثم أنبأنى ونبأنى وكانتا أقلّ من الإخبار لأنهما فى عرف المتأخرين
للإجازة ثم ناولنى ثم شافهنى بالإجازة كأجزتك بالبخارى، ثم كتب إلىّ بالإجازة ثم عن
فلان وقال ونحوهما من الصيغ المحتملة للسماع وعدمه والإجازة إلا إذا كانت العنعنة من
معاصر ثبت لقاؤه بالشيخ ولو مرة فتكون بمعنى السماع فقط مالم يكن مدلسا ثم أوصى إلىّ
أى بكتاب عند موته أو سفره. والجمهور على عدم الاكتفاء بالوصية فى الرواية إلا إذا كان له منه
إجازة ثم وجدت بخطه (فوائد) الأولى جرت عادة أهل الحديث بحذف قالونحوه فما بينرجال
الإسناد فى الخط وينبغى للقارئ أن يلفظ بها وإذا كان فى الكتاب قرى على فلان أخبرك فلان
فليقل القارئ قرئُ على فلان قيل له أخبرك فلان وإذا كان فيه قرىء على فلان أخبر نا فلان فليقل
قرىُ على فلان قيل له قلت أخبرنا فلان وإذا تكررت كلمة قال كقوله حدثنا صالح قال قال
الشعبى فإنهم يحذفون إحداهما فى الخط فليلفظ بهما القارئ فلو ترك القارئ لفظ قال فى هذا
كله فقد أخطأ والسماع صحيح للعلم بالمقصود ويكون هذا من الحذف لدلالة الحال عليه (الثانية)
جرت العادة بالاقتصار على الرّمز فى حدثناوأخبرنا واشتهر ذلك فيكتبون من حدثنا (ثنا) وهى
الثاء والنون والألف وربما حذفوا الثاء و يكتبون من أخبرنا (أنا) ولا تحسن زيادة الباءقبل
١٤
مقدمة
(نا) وإذا كان للحديث إسنادان أو أكثر كتبوا عند الانتقال من إسناد إلى إسناد (ح) وهى
حاء مهملة مفردة والمختار أنها مأخوذة من التحوّل لتحوّله من إسناد إلى إسناد وأنه يقول القارىء
إذا انتهى إليها (ح) ويستمر فى قراءة مابعدها. وقد كتب جماعة من الحفاظ موضعهاصح وهو
حسن لئلا يتوهم أنه سقط متن الإسناد الأول (الثالثة) ليس للراوى أن يزيد فى نسب غير
شيخه ولا صفته على ماسمعه من شيخه لئلا يكون كاذبا عليه فإن أراد تعريفه وإيضاحه وزوال
اللبس المتطرّق إليه لمشابهة غيره فطريقه أن يقول قال حدثنى فلان يعنى ابن فلان أو الفلانى
أو هو ابن فلان أو الفلانى أو نحو ذلك فهذا جائز حسن قد استعمله الأئمة وهذا مبحث نفيس
يعظم الانتفاعبه فإن من لا يعانى هذا الفنّ قد يتوهم أن قوله یعنی وقوله هو زيادة لا حاجة إليها
وأن الأولى حذفها وهذا جهل بصناعة الفنّ (الرابعة) يستحب لكاتب الحديث إذا مرّ بذكرالله
تعالى أن يكتب عزّوجل أو تعالى أو سبحانه وتعالى أو تبارك وتعالى أو جلّ ذكره أو تبارك
اسمه أوجلت عظمته أو ما أشبه ذلك وكذلك يكتب عند ذكر الني صلى الله تعالى عليه وعلى آله
وسلم بتمامها لارامزا إليها ولا مقتصرا على الصلاة أو السلام وكذلك يقول فى الصحابى رضى
الله تعالى عنه. وإن كان صحابيا ابن صحابى قال رضى الله تعالى عنهما وكذلك يترضى أو يترحم
على سائر العلماء والأخيار ويكتب كل هذا وإن لم يكن مكتوبا فى الأصل الذى ينقل منه فإن
هذا ليس رواية وإنما هو دعاء. وينبغى للقارئ أن يقرأ كل ماذكرناه وإن لم يكن مذكورا
فى الأصل الذى يقرأ منه ولا يسأم من تكرار ذلك، ومن أغفل هذا حرم خيرا عظيما وفوّت
فضلا جسيما (الخامسة) إذا أراد رواية الحديث بالمعنى فإن لم يكن خبيرا بالاً لفاظ ومدلولاتها
لم يجز له ذلك اتفاقا وإن كان عالما بذلك فالجمهور على جواز الرواية بالمعنى إذا جزم بأنه أدّى
المعنى وهذا هو الصواب الذى تقتضيه أقوال الصحابة فمن بعدهم فى روايتهم القضية الواحدة
بألفاظ مختلفة . ثم هذا فى الذى يسمعه فى غير المصنفات. أما المصنفات فلا يجوز تغييرها وإذا
وقع فى الرواية أو التصنيف غلط لاشك فيه فالصواب الذى عليه الجمهور أنه لا يغير فى الكتاب
بل ينبه عليه حال الرواية فى حاشية الكتاب فيقول كذا وقع والصواب كذا (السادسة) من
الألفاظ التى ينبغى معرفتها الأثر والسند والمسند بالفتح والجامع والجزء والمسند بالكسر
والمحدّث والحافظ والحجة. فالأثر لغة البقية واصطلاحا الحديث مرفوعا أو موقوفاً. وقيل هو
الموقوف . والسنة لغة الطريقة. واصطلاحا مرادقة للحديث وهى كل ما أضيف إلى النبي صلى الله
تعالى عليه وعلى آله وسلم. وقيل الحديث خاص بقوله وفعله والسنة أعمّ . والمسند بفتح النون
اسم مفعول ما اتصل سنده من أوله إلى منتهاه ولو موقوفا. وقيل ما أضيف إلى النبي صلى الله تعالى
عليه وعلى آله وسلم متصلا أو منقطعا. ويطلق أيضا على الكتاب الذى جمع فيه مروىّ كل
١٥
مقدمة
صحابىّ على حدة. والجامع ما كان مرتبا على أبواب الفقه كالكتب الستة أو على ترتيب الحروف
فى أوائل الترجمة ككتاب الإيمان والبر والتوبة والثواب. وهكذا كما فعله صاحب جامع
الأصول أو باعتبار رعاية الحروف فى أوائل الحديث كما فعل السيوطى فى الجامع الصغير
وقد جمع فى جامعه الكبير بين الجامع والمسند جعل القسم القولى على ترتيب الحروف والقسم
الفعلى على ترتيب المسانيد. والجزء يطلق على ماهو أعمّ من الجامع والمسند وقد يطلق على
ما ألف فى نوع خاص . والمسند بكسر النون من يروى الحديث بإسناده. والمحدّث بضم
ففتح فشد الدال مكسورة هو العالم بطرق الحديث وأسماء الرواة والمتون . والحافظ من حفظ
مائة ألف حديث متنا وإسنادا وإن تعددت الطرق ووعى مايحتاج إليه. والحجة من أحاط
بثلاثمائة ألف حديث. والحاكم من أحاط علمه بجميع الأحاديث المروية متنا وإسنادا
وجرحا و تعديلا وتاريخا.
ترجمة الإمام الحافظ أبى داود
هو الإمام الحافظ العلم أبو داود سليمان بن الأ شعث بن إسحاق بن بشير بن شدّاد بن عمرو
ابن عمران الأزدى السجستانى الشافعى أو الحنبلى أحد حفاظ الحديث ونقاده وهو فى الدرجة
العليا من الصلاح والورع والإتقان والفقه. قال ابن حبان: أبو داود أحد أئمة الدنيا فقها وعلما
وحفظا ونسكا وإتقانا وهو أحد من رحل وطوّف البلاد وجمع وصنف وسمع بخراسان والعراق
والجزيرة والشام والحجاز ومصر. ولد سنة اثنتين ومائتين. وأخذ الحديث عن الإمام
أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وقتيبة بن سعيد وغيرهم من ستقف على تراجمهم فى أثناء الكتاب
إن شاء الله تعالى. قال أحمد بن محمد بن الليث جاء سهل بن عبد الله إلى أبى داود فرحب به وأجلسه
فقال له سهل يا أباداود لى إليك حاجة قال وماهى قال حتى تقول قضيتها مع الإمكان قال قضيتها
مع الإمكان قال أخرج إلىّ لسانك الذى حدثت به أحاديث رسول الله صلى الله تعالى عليه
وعلى آله وسلم حتى أقبله فأخرج إليه لسانه فقبله. وقال أبو سليمان بسنده إلى أبى بكر بن جابر
خادم أبى داود قال كنت معه ببغداد فصلينا المغرب إذ قرع الباب ففتحته فإذا الأمير أبو أحمد
الموفق يستأذن فأذن له أبو داود فدخل وقعد ثم أقبل أبو داود وقال ماجاء بالأمير فى مثل هذا
الوقت قال خلال ثلاث قال وماهى قال تنتقل إلى البصرة فتتخذها وطنا لترتحل إليك طلبة العلم
من أقطار الأرض قال هذه واحدة هات الثانية قال تروى لأ ولادى كتاب السنن قال نعم هات
الثالثة فقال تفرد لهم مجلسا للرواية فإن أولادالخلفاء لا يقعدون مع العامة فقال أماهذه فلاسبيل
إليها فإن الناس شريفهم ووضيعهم فى العلم سواء. قال ابن جابر فكانوايحضرون ويضرببينهم
١٦
مقدمة
وبين الناس ستر فيسمعون مع العامة . وقد أخذ الحديث عنه ابنه أبو بكر عبد الله وكان من
أكابر الحفاظ عالما متفقا على علبه . وأخذ عنه أيضا الحافظ أبو عبد الرحمن النسائى صاحب
السنن وعبدالرحمن النيسابورى وأبو عيسى الترمذى وغيرهم. وروى عنه الإمام أحمد بن حنبل
حديثا واحدا وهو حديث العتيرة (١) وكان أبو داود يفتخر بذلك. توفی أبو داود رضى الله
تعالى عنه بالبصرة ودفن بها يوم الجمعة منتصف شوال سنة خمس وسبعين ومائتين
والسجستانى منسوب إلى سحستان بكسر السين المهملة فالجيم فسكون السين المهملة إقليم معروف
بين خراسان وكرمان ويقال فى النسبة إلى سمستان سجزى أيضا وهو من عجيب التغيير فى النسب
﴿ التعريف بكتاب السنن لأ بى داود)
قال الخطانى إن كتاب السنن لأ بى داود رحمه اللّه تعالى كتاب شريف لم يصنف فى علم
الدين كتاب مثله وقد رزق القبول من كافة الناس فصار حكما بين فرق العلماء وطبقات الفقهاء
فلكل فيه ورد ومنه شرب وعليه معوّل أهل العراق ومصر وبلاد المغرب وكثير من أقطار
الأرض ، وهو أحسن وضعاوا کثر فقهامن الصحیحین . والحدیث منهصحیح و حسن. و کتاب
أبى داود جامع لهما ومنه سقيم وهو على طبقات شرّها الموضوع ثم المقلوب ثم المجهول وكتاب
أبى داود خلىّ منها فإن وقع فيه شىء منها لضرب من الحاجة فإنه يبين أمره ويذكر علته ويخرج
من عهدته. وقال أبو العلاء المحسن الوادادى رأيت النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فى
المنام فقال من أراد أن يستمسك بالسنن فليقرأ سنن أبي داود اهـ. وقال النووى فى قطعة كتبها
فى شرح سنن أبى داود وينبغى للمشتغل بالفقه وغيره الاعتبار بسنن أبى داود وبمعرفته التامة
فإن معظم أحاديث الأحكام التى يحتج بهافيه مع سهولة تناوله وتلخيص أحاديثه وبراعة مصنفه
واعتنائه بتهذيبه اهـ وقال أبو بكر أحمد بن على الخطيب كان أبو داود قد سكن البصرة وقدم
بغداد غيرمرة روى كتابه المصنف فى السنن بها ونقله عنه أهلها ويقال إنه صنفه قديما وعرضه
على أحمد بن حنبل رضى الله تعالى عنه فاستجاده واستحسنه. وقال أبو بكر محمد بن بكر بن
داسه سمعت أبا داود يقول كتبت عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خمسمائة
ألف حديث انتخبت منها ماتضمنه کتاب السننوهو أربعة آلاف و ثمانمائة حديث ليس فيها
(١) رواه الإمام أحمد والبخارى ومسلم والمصنف والترمذى والنسائى عن أبى هريرة رضى
الله تعالى عنه مرفوعا ﴿لافرع ولاعتيرة) وفرع بفاء وراء وعين مهملة مفتوحات هو أول
نتاج الناقة كانت الجاهلية تذبحه لطواغيتها. وعتيرة بفتح المهملة وكسر المثناة الفوقية فمثناة تحتية
ساكنة فراء ما يذبح أول رجب تعظيما له فنهى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن ذلك
١٧
مقدمة
حدیث أجمع الناس على تر که اهـ وقال ابن الا عرابی من کان عنده کتاب الله وسنن أبى داود
لم يحتج إلى شىء معهما من العلم. ومن ثمّ صرّح الغزالى وغيره بأنه يكفى المجتهد فى أحاديث
الأحكام. وسنن أبى داود وجامع الترمذى ومجتبى النسائى فى الطبقة الثانية من كتب الحديث
بعد الصحيحين وموطأ مالك . قد عرف مصنفوها بالوثوق والعدالة والحفظ والتبحر فى فنون
الحديث ولم يرضوا فى كتبهم هذه بالتساهل فيما اشترطوا على أنفسهم فتلقاها من بعدهم بالقبول
وعلى هاتين الطبقتين اعتماد المحدّثين اهـ. وقال أبو داود فى رسالته لأهل مكة يصف كتابه
السنن هو كتاب لا يرد عليك سنة عن النبى صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم إلا وهى فيه،
ولا أعلم شيئا بعد القرآن ألزم الناس من هذا الكتاب ولا يضرّ رجلا أن لا يكتب من العلم
شيئا بعد ما يكتب هذا الكتاب وإذا نظر فيه وتدبّره وتفهمه حينئذ يعلم مقداره
شرط أبى داود وطريقته فى سننه
قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده شرط أبى داود والنسائى إخراج حديث
أقوام لم يجمع على تركهم إذاصح الحديث باتصال السند من غير قطع ولا إرسال . وقال أبوداود
فى رسالته لأهل مكة سلام عليكم فإنى أحمد اللّه الذى لا إله إلا هو وأسأله أن يصلى على محمد
عبده ورسوله صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم . أما بعد عافانا الله وإياكم عافية لامكروه معها
ولاعقاب بعدها فإنكم سألتمونى أن أذكر لكم الأحاديث التى فى كتاب السنن أهى أصح ما عرفت
فى الباب ووقفت على جميع ماذكرتم ، فاعلموا أنه كله كذلك إلا أن يكون قدروى من وجهين
أحدهما أقوى إسنادا والآخر صاحبه أقدم فى الحفظ فربما كتبت ذلك. وإذا أعدت الحديث
فى الباب من وجهين أو ثلاثة مع زيادة كلام فيه أو كلمة على الحديث الطويل لأنى (١) لو كتبته
بطوله لم يعلم بعض من سمعه ولا يفهم موضع الفقه منه فاختصرته لذلك. أما المراسيل فقد كان
يحتج بها العلماء فيما مضى، مثل سفيان الثورى ومالك والأ وزاعى حتى جاء الشافعى نتكلم
فيها وتابعه على ذلك أحمد بن حنبل وغيره. فإذا لم يكن مسند غير المراسيل فالمرسل يحتج به
وليس هو مثل المتصل فى القوة. وليس فى كتاب السنن الذى صنفته عن رجل متروك الحديث
شىء. وإذا كان فيه حديث منكر بينت أنه منكر وليس على نحوه فى الباب غيره. وما كان
فى كتابى من حديث فيه وهن شديد فقد بينته. ومنه مالا يصح سنده ؛ وما لم أذكر فيه شيئا
فهو صالح وبعضها أصح من بعض أهـ
(١) قوله لأنى لو كتبته الخ لعله علة بمحذوف تقديره اقتصرت على الزائد أو على محل الشاهد
بدليل قوله فاختصرته لذلك
(٣- المنهل العذب المورود - ١)
١٨
مقدمة
=هه الكلام على ماسكت عليه أبوداود
قال الحافظ ابن حجر إن قول أبى داود وما فيه وهن شديد بينته يفهم منه أن مايكون فيه
وهن غير شديد لم يبينه ومن هنا تبين لك أن جميع ماسكت عليه أبوداود لا يكون من الحسن
الاصطلاحى بل هو على أقسام. منها ماهو صحيح أو على شرط الصحة . ومنها ماهو حسن لذاته. ومنها
ماهو حسن لغيره وهذان القسمان كثير فى كتابه جدًا. وفيه ماهو ضعيف لكنه من رواية من
لم يجمع على تركه غالبا وكل من هذه الأقسام تصلح عنده للاحتجاج بها كما نقل ابن منده عنه أنه يخرّج
الحديث الضعيف إذا لم يجد فى الباب غيره وأنه أقوى عنده من رأى الرجال وكما حكاه ابن العربى
عنه أنه قال لابنه إن أردت أن أقتصر على ماصح عندى لم أرو من هذا المسند إلا الشىء بعد
الشىء ولكنك يابنىّ تعرف طريقتى فى الحديث أنى لا أخالف ما يضعف إلا إذا كان فى الباب
مايدفعه، ومن هنا يظهر لك طريق من يحتج بكل ماسكت عليه أبو داود فإنه يخرج أحاديث
جماعة من الضعفاء فى الاحتجاج ويسكت عليها كابن لهيعة وصالح مولى التوصمة وموسى بن وردان
فلا ينبغى للناقد أن يتابعه فى الاحتجاج بأحاديثهم بل طريقه أن ينظر هل لذلك الحديث متابع
يعتضد به أو هو غريب فيتوقف فيه لاسيما إن كان مخالفا لرواية من هو أوثق منه فإنه ينحط
إلى قبيل المنكر. وقد يخرّج أحاديث من هو أضعف من هؤلاء بكثير كالحارث بن وجيه وصدقة
الدقيقى ومحمد بن عبد الرحمن البيلانى. وكذا مافيه من الأسانيد المنقطعة وأحاديث المدلسين
الضعفاء والأسانيد التى فيها من أبهمت أسماؤهم فلا يتجه الحكم على أحاديث هؤلاء بالحسن من
أجل سكوت أبى داود لأن سكوته تارة يكون اكتفاء بما تقدم له من الكلام فى ذلك الراوى
وتارة يكون لذهول منه وتارة يكون لظهور شدة ضعف ذلك الراوى واتفاق الأئمة على طرح
روايته كأبى الحدير ويحيى بن العلاء، وتارة يكون لاختلاف الرواة عنه وهو الأكثر فإن
فى رواية أبى الحسن بن العبد عنه من الكلام على جماعة من الرواة والأسانيد ماليس فى رواية
اللؤلؤى وإن كانت روايته عنه أشهر. ثم قال والصواب عدم الاعتماد على مجرّد سكوته لما وصفنا
من أنه يحتج بالأحاديث الضعيفة ويقدّمها على القياس هذا إن حملنا قوله ((ومالم أذكر فيه شيئا
فهو صالح، على أن مراده صالح للحجية وهو الظاهر وإن حملناه على ماهو أعمّ من ذلك وهو
الصلاحية للحجية وللاستشهاد أو المتابعة فلا يلزم منه أنه يحتج بالضعيف ويحتاج إلى تأمل
ماسكت عليه وهو ضعيف أله أفراد أم لا فإن وجد له أفراد تعين الحمل على الأول وإلا تعين
الحمل على الثانى اهـ بتصرف من التحفة المرضية للقاضى المحدّث حسين بن محسن اليمانى
﴿ النسخ المروية عن أبى داود وتراجم رواتها )
اعلم أنهروى كتاب السنن عن أبى داود خمسة حفاظ من تلاميذه ولهذا تعدّدت نسخ السنن
١٩
مقدمة
فى ديار العرب وغيرها (النسخة الأولى نسخة اللؤلؤى) وهى المنتشرة فى بلاد المشرق والمعروفة
بسنن أبى داود عند الإطلاق . واللؤلؤى هو الإمام الحافظ أبو على محمد بن أحمد بن عمرو
البصرى اللؤلؤى نسبة إلى اللؤلؤ لأنه كان يبيعه، روى هذه السنن عن أبى داود فى المحرّم سنة
خمس وسبعين ومائتين ، وروايته من أصح الروايات لأنها من آخر ما أملى أبوداود وعليهامات
وعليها عوّلنا فى كتابتنا لهذا الشرح. وأخذ عن اللؤلؤى الإمام أبو عمرو القاسم بن جعفر
ابن عبد الواحد الهاشمى والحافظ عبد الله الحسين بن بكر بن محمد الورّاق (النسخة الثانية نسخة
ابن داسة) وهى مشهورة فى بلاد المغرب وتقارب نسخة اللؤلؤى وإنما الاختلاف بينهما
بالتقديم والتأخير. وهو الإمام الحافظ أبو بكر محمد بن بكر بن محمد بن عبدالرزاق التمار البصرى
المعروف بابن داسة بفتح السين المهملة المخففة، وقيل بتشديدها ، وقيل إن روايته أكمل الروايات
أخذعنه الإمام أبو سليمان الخطابى وأبو محمد عبد الله بن عبدالمؤمن القرطبى وأبو عمر أحمد بن سعيد
ابن حزم وجماعة (النسخة الثالثة نسخة الرملى) وهى تقارب نسخة ابن داسة، والرملى هو الإمام
الحافظ أبو عيسى إسحاق بن موسى بن سعيد الرملى منسوب إلى الرملة مدينة بفلسطين . روى عنه
الإمام الحافظ أبو عمر أحمد بن دحيم بن خليل (النسخة الرابعة نسخة ابن الأعرابي) وهو الإمام
الحافظ أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد بن بشر المعروف بابن الأعرابى وقدسقط من نسخته كتاب
الفتن والملاحم والحروف والقراءات والخاتم ونحو النصف من كتاب اللباس وفاته أيضا من
كتاب الوضوء والصلاة والنكاح أوراق كثيرة. أخذ عنه أبو إسحق إبراهيم بن على بن محمد
التمار وأبو عمر أحمد بن سعيد بن حزم اهـ ملخصا من بعض الشروح (النسخة الخامسة نسخة
العبدى) وهو أبو الحسن بن العبد فيها من الكلام على جماعة من الرواة والأسانيدماليس فى رواية
اللؤلؤى كما تقدم عن ابن حجر . وقال السخاوى ومما ينبه عليه أن سنن أبى داود تعددت رواتها
عن مصنفها ولكل أصل وبينها تفاوت حتى فى وقوع البيان فى بعضها دون بعض ولاسيما رواية
أبى الحسن العبدى ففيها من كلامه أشياء زائدة على رواية غيره اهـ من التحفة
( أسانيد الكتاب منى إلى المؤلف رضى الله تعالى عنه)
اعلم أن كتاب السنن للإمام الحافظ أبى داود قد أجزت به من شيخنا العلامة المحدّث
المفسر الفقيه محبى السنة إمام الأئمة . ذى التآليف المفيدة الجمة . سيدى أبى عبد الله الشيخ
محمد عليش الشهير. وهو مجاز من الإمام الجليل سيدى محمد الأمير الصغير. وهو مجاز
من والده شيخ أكابر المحققين سيدى محمد الأمير الكبير . وهو مجاز من قدوة العارفين
سيدى محمد الحفنى. عمهم جميعا بزائد رحمته الواحد القدير. ونص عبارة الأمير الكبير
فی کتاب الأ سانيد له : سننالحافظ أبى داود بن الأ شعث السجستانىالا زدی أرويها عن البدر
٢٠
مقدمة
الحفنى إجازة عن العلامة البديرى عن الملا. إبراهيم الكردى النقشبندى عن شيخه صفيّ الدين
القشاش المدنى بإجازته العامة عن الشمس الرملى عن زكريا بن محمد عن مسند الديار المصرية
عزّ الدين بن عبد الرحيم المعروف بابن الفرات عن أبى حفص عمر بن الحسن بن يزيد المراغى
عن الفخر على بن أحمد بن عبد الواحد عن أبى حفص عمر بن محمد بن طبرزد البغدادى أنبأنا به
الشيخان إبراهيم بن محمد بن منصور الكرخى وأبو الفتح مفلح بن أحمد الرومى سماعا عليهما ملفقا
قالا أنبأنا به الحافظ الكبير أبو بكر أحمد بن على بن ثابت الخطيب البغدادى أنبأنا به أبو عمرو
القاسم بن جعفر الهاشمى أنبأنا به أبو على محمدبن اللؤلؤى أنبأنا به أبو داود((يعنى المؤلف)) وبه
قال حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا عبد السلام بن أبى حازم أبو طالوت قال شهدت أبا برزة دخل
على عبيد الله بن زياد حدثنى فلان سماه مسلم وكان فى السماط (١) فلما رآه عبيد اللّه قال إن
محمديكم هذا الدّجداح ففهمها الشيخ فقال ما كنت أحسب أنى أبقى فى قوم يعيرونى بصحبة محمد
صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال له عبيد الله إن صحبة محمد صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم
لك زين غير شين قال إنما بعثت إليك لأسألك عن الحوض هل سمعت رسول الله صلى الله
تعالى عليه وعلى آله وسلم يذكر فيه شيئا فقال أبوبرزة نعم لامرة ولاثنتين ولا ثلاثا ولا أربعا
ولا خمسا فمن كذّب به فلا سقاه الله منه ثم خرج مغضبا. وهذا من الرباعيات التى فى حكم
الثلاثیات وهو أن یروی تابعی عن تابعی عن الصحابى أو صحابى وهو عن صحابى آخر فیحسب
التابعيان أو الصحابيان بدرجة واحدة فهما اثنان فى حكم الواحد فإذا كان معهم راو أخذ عنه
المؤلف يقال فيه رباعى فى حكم الثلاثى. وهذا أعلى ماعند أبى داود (وأرويه) أيضا من طرق أخر
منها طريق شيخنا السقاط بسنده إلى أبى بكر محمد البصرى التمار المعروف بابن داسة وهو آخر
من حدّث عن أبى داود اهـكلام الشيخ الأمير الكبير (وكما) أجزت برواية هذا الكتاب من هذا
الطريق أجزت به أيضا من الأستاذ الكبير والعلامة التحرير الألمعى الأوحد واللوذعى المفرد
إمام علماء الأزهر وشيخ شيوخه ذى التآليف الكثيرة والتحقيقات المفيدة مولانا شيخ
الإسلام الشيخ محمد ابن الحاج محمد ابن الحاج حسين الإنبابى الشافعىّ الحائز قصب السبق
فى الأصول والفروع وصاحب اليد الطولى فى التفسير والبيان الثبت فى الرواية والتخريج
والتأويل. ولد سنة أربعين ومائتين وألف هجرية وتوفى بمصر ليلة السبت الحادى والعشرين
من شوّال سنة ثلاث عشرة وثلثمائة وألف مجرية فرحمه الله تعالى رحمة واسعة (وأجزت) به
أيضا من العلامة المحقق والفهامة المدقق تاج العلماء الأعلام شيخ الأزهر والإسلام
أستاذنا الشيخ سليم البشرى المالكى. تولى مشيخة الأزهرمرتين وتوفى أوائل شهر ذى الحجة
(١) بوزن کتاب الجماعة من الناس