النص المفهرس
صفحات 281-300
المطلب الثاني
منهج ابن أبي شيبة في ((المصنف ))
تمهيد :
البحث في منهج عالم من العلماء في كتاب له أو عدة كتب يتطلب جهداً
كبيراً لا يُقدّره إلا الذي عانى ذلك، خاصة إذا لم يكتب هذا العالم مقدمة
توضح ذلك؛ لذا فأشد ما تكون الصعوبة عند المتقدمين الذين لا يكتبون
شيئاً من المقدمات البتة.
ومن أراد استنباط منهج عالم في كتاب له أو عدة كتب؛ فإن ذلك
يستلزم عليه قراءة كل إنتاجه بتمعن ويقظة، مع الإلمام الكافي بمتطلبات هذا
العلم الذي يخوض فيه الكتاب؛ حتى لا يفوت الباحث شيئاً ذا بال، وحتى
يُحسن تنظيم ما يصل إليه ويُقعّده على أوضح القواعد وأصحها؛ ويجب
عليه أن يدلل على كل ما يذكره - حينئذ- من كلام المؤلف بعدة أمثلة ما
أمكنه ذلك؛ حتی یکون کلامه مقبولاً.
وعليه فما دام هذا هو الحال؛ فقد علمت من نفسي أني لا أجد الوقت
الكافي لذلك، فكتبت لمحات في منهج ابن أبي شيبة فيها غنية للعجلان وريّ
للظمآن (١) - إن شاء الله - ولم أكن قد وقفت على شيء يساعدني في ذلك
وقتها. ثم وقفت على رسالة علمية في منهج ابن أبي شيبة في مصنفه،
(١) في مقدمة الطبعة الأولى للمجلد الأول من ((المصنف)) بتحقيقنا عام ١٤١٦ هـ: ٣٨
- ٤٧. وهذا بدون المقارنة بين ((المصنف)) لابن أبي شيبة، ومصنف عبدالرزاق.
٢٨١
الفصل الثاني: الكتاب وعلمه
المبحث الثالث: الناحية العلمية فيه
للباحثة/ عيشة المشعبى (جامعة أم القرى ١٤٠٨ هـ)، فقرأتها بتمعن
وإنصاف، فوجدتها تشفي وتكفي - على ملاحظات فيها لا تقلل من
قدرها- ولكني لم أرتض الخطة التي سارت عليها الباحثة في عرض المنهج،
كما لم يظهر لي صوابها في بعض ما ذهبتْ إليه؛ لذا فقد عزمت على إعادة
ما كَتَبْتُه عن منهج ابن أبي شيبة بعد الاستفادة من هذه الرسالة، وأعدت
الخطة حسب ما ظهر لي أنه أوضح، وأعرضت عن أوهام الباحثة التي
وقفت عليها، ولم أشتغل بالرد والتفصيل؛ فكتبت هذا المطلب مستفيداً مما
كتبْتُه سابقاً ثم من رسالة الأخت الباحثة، ثم من فهارس كتاب ((المصنف))
(ط دار عالم الكتب)، ومن مراجع أخرى تراها مبثوثة في الحواشي (١).
وإليك الخطة التي سرت عليها في هذا المطلب:
قسمته إلى ثلاثة فروع:
الأول- الترتيب. وفيه ثلاث مسائل:
الأولى/ ترتيب الروايات.
الثانية/ ترتیب الأبواب.
الثالثة/ ترتيب الكتب.
الثاني- التبويب (الترجمة). وفيه ثلاث مسائل:
الأولى/ ورود كلمة ((باب)) في العنوان أو عدمها.
(١) وممن وقفت عليه قد تكلم عن منهج ابن أبي شيبة: د.عبدالله اللحيدان في مقدمة
أطروحته لتحقيق قطعة من ((المصنف)): ٤٦ - ٦٥، ود.عبدالعزيز العمري في
مقدمة تحقيقه لكتاب المغازي: ٦١ - ٦٣.
٢٨٢
١
المطلب الثاني: منهجه
تمهید
الثانية/ أنواع التبويب.
الثالثة/ مطابقة الترجمة لروايات الباب.
الثالث- طريقته في عرض الروايات. وفيه ثلاث مسائل:
الأولى/ في الإسناد وعلومه. وفیہ أربع فقر:
أولاً- صيغ التحمل والأداء.
ثانياً- دقته في نقل الإسناد.
ثالثاً- إبهامه الرواة.
رابعاً - الجرح والتعديل عنده.
الثانية/ في المتن وعلومه. وفیه خمس فقر:
أولاً - الرواية بالمعنى.
ثانياً - تحرير لفظ الراوي.
ثالثاً- شرح المقصود بالمتن.
رابعاً- شرح الغريب.
خامساً - الشواهد.
الثالثة/ في المشترك بينهما. وفيه فقرتان:
أولاً- صیغ رفع الحدیث ووقفه.
ثانياً- طريقته في سوق الروايات المتعددة لمتن واحد، أو العكس.
ویتقدم ذلك كله هذا التمهيد.
٢٨٣
الفصل الثاني: الكتاب وعلمه
المبحث الثالث: الناحية العلمية فيه
وحيث أن هذا المطلب يتطلب ذكر الأمثلة على كل ذلك؛ فقد حرصت
على إيراد واحد منها - في أقل الأحوال- والغالب: ثلاثة، وإن كانت
الأمثلة قصيرة لا تأخذ حيزاً كبيراً ربما زودتها إلى خمسة أو سبعة.
وأشرع الآن في بيان المقصود من هذا المطلب، والفضل - بعد الله-
للذين نقلت عنهم. والحمد لله رب العالمين.
٢٨٤
المطلب الثاني: منهجه
الفرع الأول: الترتيب
الفرع الأول
منهج ابن أبي شيبة في الترتيب
أولاً- ترتیب الروايات:
الروايات في ((المصنف)) على ثلاثة أنواع: أحاديث مرفوعة، وآثار
موقوفة على الصحابة، أو آثار مقطوعة على التابعين. ومِنْ تتبع أبواب
((المصنف))؛ ظهر أن ابن أبي شيبة قد يجتمع عنده في الباب هذه الأنواع
الثلاثة كلها، أو بعضها، أو أحدها؛ فهذه سبعة أنواع (١). ولا إشكال في
كيفية ترتيب الروايات في الباب إذا كانت من نوع واحد، وأما إذا اختلفت،
فإن ابن أبي شيبة سار على منهجين في هذا:
أ - الترتيب: إما من الأعلى إلى الأسفل؛ فيفتتح الباب بحديث أو
أحاديث مرفوعة، ثم يسوق ما حفظه عن الصحابة، ثم التابعين حسب
أقدمیتهم وهكذا. أو العكس يبدأ بالأنزل فالأعلى حتى يصل الصحابة ثم
يختم الباب بحديث مرفوع في المسألة أو عدة أحاديث.
ب - عدم الترتيب: فقد لا يلتزم بهذا الترتيب في بعض الأقوال، فتجد
الخلط بين الأقوال، غير مراع لنوع القول ولا زمن صاحبه، بل قد يفرق
الأقوال المروية عن الفقيه الواحد في الباب الواحد؛ لذا فإنه حين البحث عن
قول لفقيه فيه يجب فلي الباب كله، وربما يجب تتبع الأبواب الأخرى !.
(١) من أراد الأمثلة على هذه الأنواع، فليراجع: أطروحة منهج ابن أبي شيبة: ٢٤١ -
٢٧٨.
:
٢٨٥
الفصل الثاني: الكتاب وعلمه
المبحث الثالث: الناحية العلمية فيه
ثانیا- ترتيب الأبواب:
يأتي - إن شاء الله - أنه دقيق في عزو الأقوال لأصحابها في الأبواب،
وأنه قد يُفرد أبواباً لبعض الأقوال في المسألة إذا اقتضى الأمر ذلك، حتى
بلغت الأبواب عنده عدداً كبيراً جداً، ولا ريب أن هذا دليل فقهه وسعة
روايته، وقَلّ من العلماء من يجمع بين سعة حفظ روايات المحدثين وفهم
استنباطات الفقهاء.
ولكنه في ترتيب الأبواب داخل الكتاب غير دقيق أبداً، فالسمة العامة
للكتاب أنه مبعثر الأبواب، وفيه أبواب كثيرة قد لا تجدها في مَظِنّتها، فقد
أورد أبواباً من الطهارة في الصلاة، وأبواباً من الصيام في الصلاة كذلك.
والمناسبات بين أبوابه - في كثير من الأحيان- ضعيفة !. وأضرب لذلك مثالاً
واحداً، وهو أنه حينما كان يورد أبواباً من مكروهات الصلاة، والإمامة،
وصلاة العُراة؛ شرع في أبواب الجمعة والعيدين، ثم عاد للمسائل الأخرى
المتعلقة بالصلاة، ولعل هذا راجع إلى أنه لم يُنقّح الكتاب ویرتبه، بل كان
- والله أعلم- يمليه إملاء؛ ويأتي بيان ذلك. وفوق ذلك فإنه توجد أبواب
كثيرة جداً على الترتيب المتعارف عليه، وهو الذي يتبادر للذهن عادة.
وسنقوم بصنع فهارس للكتاب حين الانتهاء منه كاملاً - إن شاء الله-
على الألفاظ والأبواب والمسانيد؛ لتسهيل الاستفادة منه. هذا فضلاً عن
فهارس كل مجلد على حدة. ومن الله نستمد العون.
٢٨٦
المطلب الثاني: منهجه
الفرع الأول: الترتيب
ثالثاً- ترتیب الكتب:
فيه بعض الغرابة، ولكن هذا لا يضر؛ فإن الإشكال إنما يقع في ترتيب
الأبواب التي بداخلها. وأما ترتيب الكتب فإن اللبس فيها مأمون، والوقوف
علیه سهل، کحال کتب الحدیث الأخرى.
والذي يظهر لي - والله أعلم - أن ترتيب هذه الكتب من عمل التلاميذ
(الرواة)، فابن أبي شيبة أملى عليهم الكتاب في وقت أو أوقات، کله أو
بعضه. فحفظوا مضمون هذه الكتب، واجتهد كل واحد منهم في ترتيبها،
فربما زاد عليها كتباً أخرى لابن أبي شيبة- كما زيد ((التاريخ)) و((الأوائل))
وغيرهما - وربما نقصت في رواية هذا التلميذ بعض الكتب. والله أعلم.
٢٨٧
الفصل الثاني: الكتاب وعلمه
المبحث الثالث: الناحية العلمية فيه
الفرع الثاني
منهج ابن أبي شيبة في التبويب (ترجمة الأبواب)
تكثير الأبواب والتفنن في ترجمتها من سمات ((مصنف ابن أبي شيبة))
البارزة. قال الرامهرمزي: ((وتفرد بالكوفة: أبو بكر بن أبي شيبة بتكثير
الأبواب، وجودة الترتيب (١)، وحسن التأليف)) (٢).
قلت: ولعل البخاري - رحمه الله- أخذ هذه الصفة عن شيخه ابن أبي
شيبة، والله أعلم.
وسيكون الحديث في هذا الفرع في ثلاث مسائل:
الأولى/ إيراده كلمة (باب) مع عنوان الباب أو عدمها.
الثانية / أنواع التبويب.
الثالثة / مطابقة الترجمة لمضمون الباب.
أولاً - إيراده كلمة (باب) مع عنوان الباب أو عدمها (٣):
أ - الغالب على الكتاب كله أن يذكر عنوان الباب دون كلمة باب،
وربما قال: في كذا .. أو: ما قالوا في كذا .. أو: ما جاء في كذا .. ونحو ذلك.
ب - قد يجمع بين كلمة (باب) وعنوان الباب، وهذا قليل، وهو
(١) أي بالنسبة للمتقدمين.
(٢) المحدث الفاصل: ٦١٤.
(٣) هذه الفقرة برمتها مستفادة من رسالة: منهج ابن أبي شيبة: ٢٠٨ - ٢١١.
٢٨٨
المطلب الثاني: منهجه
الفرع الثاني: التبويب
محصور في (٢٥ موضعاً) من الكتاب كله (١).
ج - قد يُعَنْون للباب بكلمة (باب) فحسب دون ترجمة. وهذا نادر جداً، وله
ثلاثة أمثلة فقط، اثنان في كتاب الإيمان (١١/ ٢٠، ٢٢) وواحد في کتاب الرؤيا
(١١/ ٧٥). وهذه الطريقة معروفة عند العلماء من قديم، وممن استعملها كثيراً:
الإمام البخاري في صحيحة. ولهم في ذلك تعليلات كثيرة مقبولة.
ثانياً - أنواع التبويب (٢):
١ - الترجمة المرسلة (بدون عنوان):
فیقول: ((باب )) فحسب، ثم يورد فيه ما بلغه من الروايات. وليس له
في ((المصنف)) إلا ثلاثة أمثلة، ذكرتها في الفقرة السابقة. ولعله صنع ذلك
اكتفاء بدلالة النصوص على المعنى المراد، مع صلتها القوية بالباب الذي
قبله، والله أعلم.
٢ - الترجمة لكل قول من الأقوال في المسألة بباب مستقل:
* إذا كان الخلاف في المسألة عظيماً، فيورد فيه كل ما بلغه من آثار،
وربما استدل لهذا القول بشيء من الحديث، ثم يورد بعده باباً لمن قال بخلاف
القول الأول، ويصنع فيه كالأول، وإن كان في المسألة قولاً ثالثاً؛ فكذلك.
ومن أمثلته: قوله في كتاب الطهارة: ((من كان يرى المسح على
العمامة)»، ثم بعده: ((من كان لا يرى المسح عليها ويمسح على رأسه)) (٣).
(١) يراجع لها المصدر السابق.
(٢) أكثر هذه الفقرة مستفاد بتفاصيله من رسالة: منهج ابن أبي شيبة: ٢١٢ - ٢٣٨،
مع تهذیب وزيادات طفيفة وحذف للأوهام !.
(٣) المصنف ٢٣،٢٢/١.
٢٨٩
الفصل الثاني: الكتاب وعلمه
المبحث الثالث: الناحية العلمية فيه
وقوله في كتاب الصلاة: ((التسليم في السجدة إذا قرأها الرجل)).
وبعده: ((من كان لا يسلم من السجدة)) (١).
وقوله في كتاب الصيام: ((من كره صيام رمضان في السفر))، وبعده:
((من كان يصوم في السفر ويقول هو أفضل)) (٢).
وقوله في كتاب الحج: ((من قال: تعرقب البدن))، وبعده: ((من قال لا
تعرقب)) (٣).
وقوله في الحدود: ((من كره إقامة الحدود في المساجد))، وبعده: ((من
رخص في إقامة الحدود في المساجد)» (٤).
وقوله في السير: ((ما رخص فيه من لباس الحرير)) -يعني في الحرب-
وبعده: ((من كرهه في الحرب)) (٥) وغير ذلك من الأمثلة.
* وإذا لم يكن الخلاف في المسألة طويلاً جمع الأقوال كلها في باب
واحد، ثم ترجم له بإحدى الطرق التالية:
٣ - الترجمة للباب بآية المسألة، ثم يذكر اختلافهم في تفسيرها:
ومن الأمثلة: قوله في كتاب الطهارة: ((قوله: ﴿أو لامستم النساء﴾(٦).
(١) المصنف ١/٢.
(٢) المصنف ١٤/٣، ١٥.
(٣) المصنف ٤/ ٤٨/٢.
(٤) المصنف ١٠/ ٤٤،٤٢.
(٥) المصنف ٢٣٠/١٢، ٢٣١.
(٦) المصنف ١٦٦/١.
٢٩٠
المطلب الثاني: منهجه
الفرع الثاني: التبويب
وقوله في كتاب الصلاة: ((في قوله تعالى: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾(١).
وقوله في كتاب الزكاة: ((قوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ وما جاء فيه)(٢).
وقوله في كتاب الحج:((في قوله تعالى: ﴿فصيام ثلاثة أيام في الحج﴾(٣).
وقوله في كتاب الصيد: ((قوله تعالى: ﴿متاعاً لكم وللسيارة﴾ (٤) وغيرها.
٤ - الترجمة للباب باقتباس من الحديث الوارد فيه:
ومن الأمثلة عليه:
قوله في كتاب الصلاة: ((صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم)) (٥).
وقوله في كتاب الصيد: ((الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب)) (٦).
وقوله في كتاب البيوع: ((الراشي والمرتشي)) (٧).
وقوله في كتاب الأشربة: ((ساقي القوم)) (٨). وغيرها.
٥ - الترجمة للباب بأداة الاستفهام:
ومن الأمثلة عليه:
قوله في كتاب الطهارة: ((في الوضوء كم هو مرة؟))(٩).
(١) المصنف ٢/ ٢٣٥.
المصنف ١٨٥/٣.
(٢)
المصنف ٤/ ١/٢.
(٣)
المصنف ٥/ ٣٨٢.
(٤)
المصنف ٢/ ٥٢.
(٥)
المصنف ٤١٠/٥.
(٦)
المصنف ٦/ ٥٨٧.
(٧)
المصنف ٨ / ٤٣.
(٨)
(٩) المصنف ٨/١.
٢٩١
الفصل الثانى: الكتاب وعلمه
المبحث الثالث: الناحية العلمية فيه
وقوله في كتاب الصلاة: ((ما قالوا فيما إذا نسي فقام في الركعتين، ما يصنع؟)) (١).
وقوله في كتاب الصيام: ((ما قالوا في الرجل يرى أن الشمس قد غربت؟)) (٢).
وقوله في كتاب الحج: (المكي يريد أن يعتمر من أين يعتمر؟)) (٣).
وقوله في كتاب الطلاق: ((في الرجل يقول لامرأته اعتدي، ما
یکون؟»(٤). وغيرها.
٦ - الترجمة للباب بأداة الشرط:
ومن الأمثلة:
قوله في كتاب الطهارة: ((الماء إذا كان قلتين أو أكثر)) (٥).
وقوله في كتاب الصلاة: ((إذا دخل المسافر في صلاة المقيم)) (٦).
وقوله في كتاب الجنائز: ((ما قالوا إذا اجتمعت جنازة وصبي)) (٧).
وقوله في كتاب الحج: ((إذا أحرم بحجتين)) (٨).
وقوله في كتاب الصيد: ((إذا أرسله ونسي أن يسمي)) (٩).
(١) المصنف ٣٤/٢.
(٢) المصنف ٢٣/٣.
(٣) المصنف ٢/٤/ ٨٧.
(٤) المصنف ٢٩/٥.
(٥) المصنف ١٤٤/١.
(٦) المصنف ١/ ٣٨٢.
(٧) المصنف ٣١٦/٣.
(٨) المصنف ٦/٢/٤.
(٩) المصنف ٣٦٠/٥.
٢٩٢
المطلب الثاني: منهجه
الفرع الثاني: التبويب
٧ - الترجمة بالصيغة الخبرية. وهي نوعان:
أ - الصيغة الخبرية العامة: وهي التي تحتمل عدة أوجه من المسألة،
ويعرف مقصود ابن أبي شيبة منها بالتأمل في النصوص التي ساقها. ومن
أمثلته: قوله في كتاب ((الطهارة)): ((ما ذكر في السواك )) (١) يعني في فضله،
وهدي النبي 18 وأصحابه فيه.
وقوله في كتاب الطلاق: ((في مداراة النساء)) (٢). يعني: ما جاء فيها عن
الأنبياء والصحابة والحث عليها لئلا يقع الطلاق.
وقوله في كتاب البيوع: ((ما جاء في ثمن الكلب)) (٣). يعني من تحريم أخذه.
وقوله في كتاب البيوع أيضاً: ((ما ذكر في الغش )) (٤). يعني في تحريمه.
وقوله في كتاب الأدب: ما جاء في الكذب (٥). يعني من الزجر، وغيرها.
ب - الصيغة الخبرية الخاصة: وهي التي لا يتطرق إليها احتمال غير ما
هو معنون به لوضوحها. وهي أكثر أبواب المصنف. ومن أمثلتها:
قوله في كتاب الطهارة: ((باب في المحافظة على الوضوء وفضله)) (٦).
وقوله في كتاب الصلاة: ((من كره الكلام في الأذان)) (٧).
(١) المصنف ١٦٨/١.
(٢) المصنف ٢٧٥/٥.
(٣) المصنف ٦/ ٢٤٣.
(٤) المصنف ٧/ ٢٩٠.
(٥) المصنف ٨/ ٥٩٠.
(٦) المصنف ١/ ٥.
(٧) المصنف ٢١٢/١.
٢٩٣
الفصل الثانى: الكتاب وعلمه
المبحث الثالث: الناحية العلمية فيه
وقوله في كتاب الصيام: ((ما ذكر في فضل الصيام وثوابه)) (١).
١
وقوله في كتاب البيوع: ((من رخص في بيع المصاحف)) (٢). وغيرها.
ثالثاً - مدى مطابقة الترجمة لروايات الباب :
جمع ابن أبي شيبة في هذا الكتاب بحراً من الأحاديث والآثار، وقَسّمها
على نحو أربعين كتاباً، وقسّم كل كتاب إلى أبواب كثيرة جداً، وجعل تحت
كل باب ما يناسبه من النصوص، حتى تبدو المناسبة ظاهرة بين النصوص
وعنوان الباب لأدنى نظر. ولكن في الكتاب بعض الأبواب التي تحتاج إلى
إمعان النظر وإنعامه، والرويه؛ لمعرفة مطابقتها لنصوص الباب (٣).
هذا وقد يُعنون ابن أبي شيبة للمسألة بأحد الأقوال فيها، ثم يسوق فيه
الأقوال المؤيدة له، وهذا لا إشكال فيه، وإنما الإشكال أن يورد في بعض هذه
الأبواب ما يخالف العنوان فيجعله آخر الباب.
قلت: لعل عذره في ذلك أن هذا القول المخالف لا يستحق أن یبوب له
باباً مستقلاً، فيجعله في آخر الباب المخالف له. ومن الأمثلة عليه: ما جاء في
(١) المصنف ٤/٣.
(٢) المصنف ٦/ ٦٤.
(٣) وانظر: مقدمة د.عبدالله اللحيدان للقطعة التي حققها: ٤٧. وقد قالت صاحبة
رسالة: ((منهج ابن أبي شيبة)): ١١٢: ((تنوعت الترجمة في ((المصنف)) من حيث
مطابقتها لما اشتمل عليه الباب ودلالتها عليه إلى ثلاثة أقسام )) ولم يرد في رسالتها
إلا النوع الظاهر الدلالة !.
٢٩٤
المطلب الثاني: منهجه
الفرع الثاني: التبويب
كتاب الطلاق، باب: ((من قال: كل فُرقة تطليقه)) (١). فأورد فيه الآثار القائلة
بهذا القول وختمه بأثر طاوس: (((ليس) كل فرقة طلاق)) (٢). وقد أسقط
أداة النفي طابعو الطبعة الأولى اعتقاداً منهم أنها خطأ، مع أنها ثابتة في جميع
النسخ الخطية، وذلك لأنهم لم يفهموا منهج المؤلف !.
وأما إنْ بوّب لأحد الأقوال، ثم بوّب للقول المخالف، فساق في الباب
الثاني ما يخالفه، ويؤيد الأول؛ فلا ريب أنه وقع خطأ في الأصول حينئذ،
ومن أمثلته ما جاء في كتاب الطلاق - أيضاً- باب: «في الرجل يأذن لعبده في
النكاح، من قال الطلاق بيد العبد)) (٣)، ثم أورد فيه الأقوال القائلة بذلك،
ثم ساق أثراً عن أنس وجابر وابن عباس أنهم قالوا: ((الطلاق بيد
[العبد]))(٤). والذي في الأصول الخطية ((السيد )) وهذا مخالف لعنوان الباب،
وسوف يّوب لهذا القول بعده (٥) فلا يتصور أن يورد هذا القول هنا. ولكن
جاءت هذه اللفظة الصحيحة من المطبوعة ولم يذكروا أنهم غيّروها من عند
أنفسهم؛ لذا فالظاهر أنه الصواب، والله أعلم.
ومن الأمثلة - أيضاً - ما أورده تحت باب: في شحمة الأذن (٦) من
(١) المصنف ٥/ ٩٦.
(٢) المصنف ٥/ ٩٧.
(٣) نفسه ٥/ ٨٧.
(٤) نفسه ٨٩/٥.
(٥) في نفس الصفحة السابقة.
(٦) المصنف ٩/ ٤٦٣.
٢٩٥
المطلب الثاني: منهجه
الفرع الثاني: التبويب
كتاب الديات، حيث أورد ثلاثة آثار، الأول منها مطابق للباب، وأما
الآخران ففي شيء آخر! قلت، لعله سقط العنوان الأصلي، والله أعلم.
٢٩٦
الفرع الثالث
طريقته في عرض الروايات
أولاً- في الإسناد وعلومه، وفیہ أربع مسائل:
أ - صيغ التحمل والأداء في ((المصنف)):
وهي على ضربين:
الأول- بین ابن أبي شيبة وشيوخه (١):
روى لنا ابن أبي شيبة هذا ((المصنف )) كله عن شيوخه بأعلى درجات
التحمل، وهي قوله (حدثنا) (٢) إلا في مواضع يسيرة جداً استبدلها بصيغ
أخرى، وهي - على سبيل الحصر -:
١ - قوله: ((بلغنا)) أو ((بلغني)) أو ((ذُكر أن))، وهي صيغ تدل على
الانقطاع، ولها أمثلة: ((بلغني عن يحيى بن سعيد عن .. الخ)) (٣). وقوله في
باب الكنى من كتاب التاريخ: ((بلغنا أن اسم أبي بكر .. الخ)) (٤). وقوله في
(١) انظر: منهج ابن أبي شيبة: ١٦٤ - ١٦٧ مع تهذيب وزيادات.
(٢) تنبيه: هذه الصيغة ثابتة في جميع ((المصنف)) قطعاً إلا المواضع المنبه عليها، ولكنها
قد تسقط في بعض النسخ؛ اختصاراً من النساخ، فيكتبون بداية الأثر هكذا: أبو
بكر قال: حدثنا فلان .. ، أو: وكيع حدثنا فلان .. ، أو: هشيم عن فلان .. ونحو
ذلك، فنحن أثبتنا هذه الصيغة في رأس كل أثر حتى ولو سقطت في أكثر
المخطوطات؛ فقد ثبتت في نسخة (ج) في كل أثر، ولم تسقط البتة. وأما باقي
النسخ، فإنهم ربما كتبوها وربما حذفوها اختصاراً.
(٣) المصنف ٣٠١/١.
(٤) المصنف ١٣/ ٧٥.
٢٩٧
الفصل الثاني: الكتاب وعلمه
المبحث الثالث: الناحية العلمية فيه
جميع كتاب الرد على أبي حنيفة: ((وبلغنا أن أبا حنيفة قال كذا)) (١).
٢ - قوله: ((حُدّثت)) بصيغة المبني للمجهول. فقد أخفى عنا اسم شيخه
هنا. وله أمثلة:
(حُدّثت عن جرير)) (٢)، وقوله: (حُدّثت عن ابن عيينة)) (٣)، وقوله:
((حُدّثت عن ابن المبارك)) (٤).
٣ - الوجادة. وليس لها في الكتاب كله إلا مثال واحد، وهو قوله:
((وجدت في كتاب أبي .. )) (٥).
٤ - إبهام الشيخ أو الشيوخ، وله أمثلة:
((حدثنا بعض أصحابنا)) (٦)، ((حدثنا بعض البصريين)) (٧)، ((حدثنا شيخ
لنا)) (٨)، ((حدثنا شيخ لقيته بمنى)) (٩)، ((حدثنا بعض المشيخة)) (١٠).
فصيغة السماع في هذه الأمثلة تدل على الاتصال، ولكن تبقى علة
الجهالة.
(١) المصنف ١٤٨/١٤ - ٢٨٢.
(٢) المصنف ٤/ ٤١٦/٢، ٦٥/٥.
(٣) المصنف ١٢/ ٥٣٥.
المصنف ١٣/ ٢٢١/٥،١٣٣.
(٤)
المصنف ٣١٠/١.
(٥)
(٦) المصنف ١٣٨/٣.
(٧) المصنف ٢٢٨/١٢.
(٨) المصنف ١٣/ ٥٢ في موضعين، ٥٨، ١٦٠/٢.
(٩) المصنف ٣٥/١٠.
(١٠) المصنف ١١٥/٧.
٢٩٨
المطلب الثاني: منهجه
الفرع الثالث: طريقته في عرض الروايات
الضرب الثاني - بين باقي رجال السند (١):
ينبه الحافظ أبو بكر بن أبي شيبة على صيغ التحمل والأداء عند رواة
السند أو الرواة إذا اختلفوا ويضبط لفظ كل واحد، وله أمثلة:
١ - قوله: ((حدثنا أبو معاوية وابن نمير عن الأعمش عن المنهال عن
زاذان عن البراء قال ... الخ)). ثم قال في آخره: ((إلا أن ابن نمير قال: حدثنا
الأعمش قال حدثنا المنهال )) (٢).
فبين أن صيغة رواية ابن نمير: (حدثنا)، وليست (عن) كما في رواية أبي
معاوية، وذلك في موضعين من السند.
٢ - قوله: ((حدثنا وكيع وأبو معاوية عن الأعمش قال: سمعت مجاهداً
يحدث عن طاوس عن ابن عباس .. )) (٣) ثم قال في آخره: ((ولم يقل أبو
معاوية: سمعت مجاهداً )).
فبيّن أن في رواية وكيع السماع وفي رواية أبي معاوية العنعنة أو غيرها.
٣ - قوله: ((حدثنا محمد بن بشر وأبو أسامة عن مسعر عن عمرو بن
مرة عن مصعب بن سعد. وقال أبو أسامة: سمعت مصعباً يقول .. الخ))(٤).
فبّن أن في رواية أبي أسامة التصريح بالسماع بينما في رواية محمد بن
بشر العنعنة )).
(١) انظر: منهج ابن أبي شيبة: ٢٩٥ - ٢٩٨.
(٢) المصنف ٣٧٤/٣.
(٣) المصنف ٣/ ٣٧٥.
(٤) المصنف ٤٥١/١٣.
٢٩٩
الفصل الثاني: الكتاب وعلمه
المبحث الثالث: الناحية العلمية فيه
ب - دقته في نقل الإسناد:
تجلت دقة ابن أبي شيبة في هذه المسألة - ولعل تلميذه مسلماً أخذ عنه
هذه الخاصية- وأذكر لها أربعة ضروب:
الأول- التنبيه على الاختلاف بين الرواة في صيغ التحمل والأداء،
وتقدمت أمثلته في الفقرة السابقة.
الثاني - التنبيه على الزيادة والنقص في السند من قبل الرواة، وله أمثلة:
١ - قوله: ((حدثنا أبو معاوية ووكيع عن الأعمش عن ثمامة بن عقبة
المحملي عن الحارث بن سويد قال: قال عبدالله .. الخ)) ثم قال في آخره: ((إلا
أن أبا معاوية زاد فيه: قال الأعمش: فذكرته لإبراهيم، فحدّث عن عبدالله
بمثله وزاد فيه: من شر الجن والإنس)) (١).
٢ - قوله: ((حدثنا عدي بن يونس ومعتمر بن سليمان عن الأخضر
ابن عجلان عن أبي بكر الحنفي عن أنس بن مالك، أن النبي 8# باع حلساً
وقدحاً فيمن يزيد. إلا أن معتمراً قال: عن أنس بن مالك عن رجل من
الأنصار عن النبي {18)) (٢).
٣ - قوله: ((حدثنا وكيع عن مسعر وسفيان عن مصعب بن المثنى -
قال سفيان: عن رجل عن زيد بن صوحان، وقال مسعر: عن مصعب بن
المثنى - أنه قال يوم الجمل .. الخ)) (٣).
(١) المصنف ١٠/ ٢٠٢ - ٢٠٣.
(٢) المصنف ٣٣٨/١٢.
(٣) المصنف ٣/ ٢٥٢.
٣٠٠