النص المفهرس

صفحات 121-140

المطلب الثالث
فقهه
لم أقف على كتاب فقهي خاص لابن أبي شيبة، ولكنه من فقهاء
المحدثين - ولا ريب-، فلم يكن ممن يروي ولا يعي، فمدونته العظيمة
((المصنف)) خير شاهد، وذلك بتبويباته الفقهية التفصيلية في أكثر مسائل الفقه
شيوعاً، قال الرامهر مزي: ((وتفرد بالكوفة: أبو بكر بن أبي شيبة بتكثير
الأبواب، وجودة الترتيب، وحسن التأليف)) (١). أقول: ففقه ابن أبي شيبة في
تبويبه، كتلميذه البخاري. وهذه طريقة متقدمي المحدثين. وأما المتأخرون
منهم، فإنهم ربما خلطوا رأيهم بالأثر، ومنهم: ابن المنذر ومحمد بن نصر
وغيرهما؛ لذا فإنه لا يوجد في ((المصنف)) شيء من آرائه الفقهية، وإنما هو
أبواب ونقول، وربما شرح بعض الغريب فحسب.
نعم وقفت على بعض ترجيحاته فيه ولكنها نادرة في جنب هذا التراث
الفقهي العظیم، ومن هذه الترجيحات:
١ - قوله في باب: من كان يعيد الصلاة والوضوء (يعني من
الضحك) في كتاب الصلاة، بعد أن سرد الآثار في المسألة، وعددها اثنان
وحديث مرسل؛ قال في آخره: ((قال أبو بكر: يعيد الصلاة ولا يعيد
الوضوء))(٢).
(١) المحدث الفاصل: ٦١٤.
(٢) المصنف ٣٨٨/١ (ط السلفية).
١٢١

الفصل الأول: المؤلف
المبحث الرابع: شخصيته
٢ - وقوله في باب: من كره أن يركع دون الصف، في كتاب الصلاة،
بعد أن سرد آثار الباب، وعددها: أربعة؛ قال في آخره: ((قال أبو بكر: إذا كان
هو وآخر؛ ركع دون الصف، وإذا كان وحده؛ فلا يركع)) (١).
٣ - وقوله في باب: من قال القنوت في النصف من رمضان، من كتاب
الصلاة أيضاً، بعد أن سرد الآثار، وعددها: عشرة، قال آخره: ((قال أبو بكر:
هذا القول عندنا)) (٢)، أي قول ابن مسعود، وهو أنه يقنت في الوتر كل ليلة
قبل الركوع، وليس السنة كلها في الفجر.
٤ - وقوله في باب: ما قالوا فيه إذا قال: أنتِ عليّ كظهر أمي إن
قربتك، من کتاب الطلاق، بعد سرد الآثار، وعددها: ستة، قال في آخره، بعد
قول الحكم وحماد: ((وبه يأخذ أبو بكر)) (٣). أي: أنه إذا مضت أربعة أشهر؛
فهي تطليقة.
أقول: ويوجد غيرها، ولكني أظن أنها في الكتاب كله لا تجاوز العشرة
أو قريباً منها؛ فيبقى لنا أن ابن أبي شيبة فقيه؛ بتبويباته العظيمة التي لا يقدر
عليها إلا من فقهها، خاصة أنه يُقطّع المتون، ويروي بالمعنى، ويختصر؛ فهذا
كله يدل على فقهه.
ثم إن العلماء نقلوا عنه هذا الفقه ودونوه في بعض الكتب الفقهية ومن
ذلك النقول التي نقلها عنه ابن قدامة في كتابه ((المغني )) - وحسبك بالكتاب
(١) نفسه ١/ ٢٥٧.
(٢) نفسه ٣٠٦/٢.
(٣) نفسه ٥/ ٩٥.
١٢٢

فقهه
المطلب الثالث
ومؤلفه - ومنها (١):
١- في مسألة التأمين للإمام والمأموم، وأنه سنة بعد ﴿ولا الضالين﴾ (٢).
٢- في مسألة وجوب السجود على الأنف(٣).
٣- في مسألة التحيل لإسقاط الشفعة وأنه حرام (٤).
٤- في مسألة وجوب خدمة المرأة زوجها في العَجْن والخَّبْز والطبخ
وأشباهه (٥).
٥- في مسألة متى يصح إسلام الصبي (٦).
٦- في مسألة ما يعطى الفرس من السهام إذا كان هجيناً (٧).
أقول نقل ابن قدامة عنه وسلكه إياه في عداد من يعتد بفقهه؛ يدل على
أنه يعده في الفقهاء، وهو كذلك، وإن نازع من نازع!؛ فقد نازع بعضهم
بوصف مثل أحمد بن حنبل بالفقه!، فلا أظنهم يسلمون ذلك لأبي بكر بن
أبي شيبة!؟ والله المستعان.
(١) كنت انتبهت إلى هذه المسألة من رسالة د. عبدالله اللحيدان: ٢٨، وذکر فیھا خمس
مسائل، وأحال على طبعة ليست عندي، فاضطرني ذلك للبحث عن هذه الأقوال
وفقاً لطبعتي (بتحقيق الحلو والترکي)، فوجدت هذه المسائل وزدت عليها، وذلك
وفقاً لفهارس الكتاب العامة.
(٢) المغني ٢/ ١٦٠ (١٥١).
(٣) نفسه ١٩٦/٢.
(٤) نفسه ٧/ ٤٨٥.
(٥) نفسه ٢٢٥/١٠.
(٦) نفسه ٢٧٨/١٢، ٢٨٠.
(٧) نفسه ١٣/ ٨٧.
١٢٣

.

المطلب الرابع
مكانته العلمية العامة
سبق أن بينت في المطلب الثاني من هذا المبحث مكانته عند أهل
الحديث خاصة من حيث حفظه وإتقانه ومن حيث درجته عندهم، وأما الآن
فأذکر ما وقفت عليه من أقوال للعلماء الآخرین سوی أهل الحديث، أو
أقوالهم في غير ضبطه ودرجته، ولا أُعيد شيئاً دونته في ذلك المطلب إلا
لزيادة فائدة، وأرتبهم على النهج الذي ارتضيته سالفاً. فأقول وبالله تعالى
التوفيق:
١- عده ابن سعد (ت ٢٣٠هـ) في الطبقة التاسعة من أهل العلم في
الكوفة (١).
٢- وعده خليفة بن خياط (ت ٢٤٠ هـ) في الطبقة الحادية عشرة منهم(٢).
٣- وقال ابن النديم (ت ٣٨٥هـ): ((من المحدثين المصنفين)) (٣).
٤- وقال ابن عبدالهادي (ت ٧٤٤هـ): ((الحافظ الثبت، العديم النظير))(٤).
٥- وقال الذهبي (ت ٧٤٨هـ): ((الحافظ عديم النظير، الثبت النّحرير))(٥).
(١) الطبقات ٦/ ٤١٣.
(٢)
الطبقات: ١٧٣.
(٣)
الفهرست: ٣٢٠.
طبقات علماء الحديث ٢/ ٨٤.
(٤)
(٥) تذكرة الحفاظ ٢/ ٤٣٢.
١٢٥

الفصل الاول: المؤلف
المبحث الرابع: شخصيته
وقال أيضاً: (الإمام، أحد الأعلام)) (١). وقال أيضاً: ((الإمام العلم،
سيد الحفاظ، وصاحب الكتب الكبار )) (٢).
.
٦- وقال ابن كثير (ت ٧٧٤هـ): ((أحد الأعلام، وأئمة الإسلام)) (٣).
٧- وقال السخاوي (ت ٩٠٢هـ): ((كان آية في الحفظ، يشبه أحمد في
المعرفة )» (٤).
٨- وقال الخزرجي (ت بعد ٩٢٣هـ): ((الحافظ، أحد الأعلام، وصاحب
المصنف ))(٥).
٩- وقال الداودي (ت ٩٤٥هـ): ((الحافظ، العديم النظير، الثبت
النِّحریر))(٦).
١٠- وقال ابن العماد (ت ١٠٨٩ هـ): ((الإمام، أحد الأعلام .. صاحب
التصانيف الكبار))(٧).
١١- وقال إسماعيل باشا البغدادي (ت ١٣٣٩ هـ): ((الحافظ)) (٨).
١٢- ومثله قال الكتاني (ت ١٣٤٥ هـ)(٩).
(١) العبر ٣٣١/١.
(٢) السير ١١/ ١٢٢.
(٣) البداية والنهاية ٣٢٨/١٠.
(٤)
الإعلان بالتوبيخ: ٣٤٣.
(٥) الخلاصة ٢/ ٩٤.
(٦)
طبقات المفسرين ١/ ٢٥٢.
(٧) الشذرات ٢/ ٨٥.
(٨) هدية العارفين ١ / ٤٤٠.
(٩) الرسالة المستطرفة: ٤٠.
١٢٦
-
-

المطلب الرابع
مكانته العلمية العامة
١٣- وقال الزركلي: (ت ١٣٩٦ هـ): ((حافظ للحديث، له فيه كتب)) (١).
١٤ - وقال عمر رضا كحالة (ت ١٤٠٨ هـ): ((محدث، حافظ مكثر، فقيه،
مؤرخ، مفسر)) (٢).
١٥- وقال فؤاد سزكين: ((كان في عصره محدثاً ذا شهرة واسعة))(٣).
هذا ما قدرت الوصول إليه من أقوال للمتقدمين والمتأخرین فیه عند أهل
العلوم كلها، فمن مجموعها يفهم اعتمادهم ابن أبي شيبة في العلوم التالية :
٤ - الفقه.
٢ - التفسير. ٣- التاريخ.
١ - الحدیث.
وهذه هي أصول العلوم الشرعية، ويمكن أن يزاد عليها :
٥ - العقيدة، حيث أن له فيها مصنفاً.
٦ - اللغة، حيث وجدنا ذلك في بعض المواطن من ((المصنف)) (٤).
٧- الزهد، حيث كتب فيه كتاباً ضمن ((المصنف)).
والله تعالى أعلم.
(١) الأعلام ١١٨/٤.
(٢) معجم المؤلفين ٦/ ١٠٧.
(٣) تاريخ التراث العربي ٢٠٥/١/١.
(٤) انظر الفصل التالي عن ((المصنف)).
١٢٧

الفصل الثاني
كتاب ((المُصَنَّف))
تمھید:
هذا هو الشطر الثاني من هذه المقدمة؛ فإن أولها متصل بمؤلف الكتاب،
وآخرها بالكتاب ذاته - وهذا أهم - وأما بيان عملنا في تحقيق هذا الكتاب؛
فإنه تابع للحديث عن الكتاب أيضاً.
والحق أن المؤلفات في هذا الشأن شحيحة؛ فعانيت في كتابة هذا الفصل
شيئاً ليس باليسير - اسأل الله أن يُثقّل به الميزان- فلم أجد كلاماً عند
المتقدمين عن ((المصنف)) إلا نادراً (١)، وأما المتأخرون، فيوجد عندهم بعض
الدراسات في ذلك، إلا أنها كلها غير منشورة! (٢). ولم أقف إلا على
إحداها (٣)، وهي المتصلة بالكتاب، وأما باقيها ففي موضوع خاص من
مواضيعه.
وقد قسمت هذا الفصل إلى أربعة مباحث:
الأول - الآثار السلفية والمؤلفات فيها. وفيه مطلبان:
الأول: أهميتها، وتعريفها.
الثاني: المؤلفات فيها.
(١) ویأتي قريباً بيان سبب ذلك.
(٢) انظر هذه الدراسات في صدر الفصل الأول من هذه المقدمة.
(٣) وهي رسالة الباحثة/ عيشة المشعبي عن ابن أبي شيبة ومنهجه في مصنفه.
١٢٩

--
المبحث الثاني - ((المصنف)) لابن أبي شيبة، وفيه أربعة مطالب:
الأول: تسمیته، وإثبات نسبته لمؤلفه.
الثاني: روایاته، وترجمة رواته.
الثالث: أقوال العلماء فيه مدحاً وقدحاً.
الرابع: علاقته بالمصادر الأخرى .. تأثراً وتأثيراً.
المبحث الثالث- المادة العلمية في ((المصنف)) ومنهج ابن أبي شيبة فيه،
وفيه مطالب:
الأول: المادة العلمية فيه.
الثاني: منهج ابن أبي شيبة فيه.
الثالث: قيمة ((المصنف)) العلمية.
المبحث الرابع - العناية بالكتاب وطبعاته.
وربما تطلبت بعض المطالب تقسيمها إلى فروع؛ يأتي بيانها - بحول الله-
في حینھا.
١٣٠

المبحث الأول
الآثار السلفية، والمؤلفات فيها
المطلب الأول
أهمية الآثار السلفية، وتعريفها
أولاً - أهميتها :
يتهاون كثير من المتأخرين بشأن الآثار السلفية، وربما رأى بعضهم أن
الاشتغال بها عبث لا طائل من ورائه بحجة أن هذه الأقوال ليست دليلاً
شرعياً يجب العمل بمقتضاها؛ لذا تراهم يهتمون بالأحاديث المرفوعة
فحسب؛ فنقّبوا عن كتب السنة وحققوها وطبعوها طبعات، ثم أفردوا لها
الفهارس المتنوعة، ثم سعوا لجمعها في موسوعات شاملة .. أقول: وهذا كله
- والحمد لله - يُثلج صدر المؤمن، غير أن المحزن أن الآثار السلفية قد تُكّبت
عن الجادة! فتری أحدهم - ربما يطبع كتاباً من كتب الحديث، فيعتني بتخريج
المرفوع وبيان درجته، فإذا جاء إلى الموقوف - فضلاً عن المقطوع - أمسك!،
بل ربما يُفهرس لأحاديث الكتاب، ثم يهمل الآثار، وعندي أمثلة كثيرة جداً
من هذا القبيل، على أني لا أَعُمّ الجميع بذلك، ولكن هذا الغالب، والله
المستعان.
وفي إزاء هذا يبرز عمل بعضهم مهتماً بالأمرين - الأحاديث والآثار -
طباعة وفهرسة وما يتبع ذلك، ولكنه قليل، لذا أردت أن أُقدم بهذه المقدمة
١٣١

الفصل الثاني: الکتاب
المبحث الاول/ الاثار
في أهمية الآثار في تحقيق المسائل الشرعية والاعتماد عليها، والتحذير من
تعطیلها أو تهوین أمرها.
قال الإمام البيهقي (ت ٤٥٨هـ) - رحمه الله تعالى -: ((باب: أقاويل
الصحابة رضي الله عنهم إذا تفرقوا فيها، ويُستدل به على معرفة الصحابة
والتابعين ومن بعدهم من أكابر فقهاء الأمصار )) (١)، ثم ذكر نقولاً وافرة عن
الشافعي وأبي حنيفة - رحمهما الله - في العمل بأقوالهم، وأنها أولى من كثير
من الأقيسة، ثم شرع في بيان فضل القرون الأولى، ثم خصّ الصحابة إجمالاً،
ثم فصّل في فضائل الأربعة منهم، ثم باقي العشرة، ثم باقي الصحابة
الفقهاء، ثم شرع في بيان فضل التابعين، وخصّ بعضهم، وذكر عمّن أخذوا
العلم، ومن أخذ عنهم وجمع علمهم إلى عهد الشافعي رحمه الله تعالى (٢).
وقال ابن القيم (٣) - رحمه الله تعالى -: ((فصل: في جواز الفتوى بالآثار
السلفية، والفتاوى الصحابية، وأنها أولى بالأخذ بها من آراء المتأخرين
وفتاويهم، وأنها أقرب إلى الصواب؛ بحسب قُرب أهلها من عصر الرسول
- صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله - وأن فتاوي الصحابة أولى أن
يؤخذ بها من فتاوي التابعين، وفتاوي التابعين أولى من فتاوي تابعي
التابعين، وهَلُمّ جَراً. وكلما كان العهد بالرسول أقرب؛ كان الصواب أغلب،
وهذا حكم بحسب الجنس، لا بحسب كل شخص، ولكن المُفَضَّلون في العصر
المتقدم أكثر من المفضلين في العصر المتأخر، وهكذا الصواب في أقوالهم أكثر
(١) المدخل: ١٠٩.
(٢) راجع ((المدخل)): ١٠٩ - ١٧٤ - فهو مهم في بابه - إن شئت.
(٣) إعلام الموقعين ١١٨/٤ - ١١٩.
١٣٢

المطلب الأول: أهمية الاثار وتعريفها
أولا : آھمیتھا
من الصواب في أقوال من بعدهم؛ فإن التفاوت بين علوم المتقدمين
والمتأخرين، كالتفاوت الذي بينهم في الفضل والدين .. ».
ثم بيّن أنه لا يسع المفتي أو الحاكم أن يأخذ بقول فلان من المتأخرين
المقلدين أو ترجيحه ويترك أقوال السلف وفتاويهم!، ثم ضرب الأمثلة
ببعض فقهاء السلف من عصر الصحابة إلى عصر البخاري - رحمه الله - ثم
لَمّحَ لحال كثير من الفقهاء المُعلّدة المتعصبين لأقوال أئمتهم، وكيف أعرضوا
عن فتاوي السلف وتمسكوا بترجيحات المتأخرين من أصحابهم، وعدّوا من
يعوّل على فتاوي السلف مبتدعاً ضالاً مضلاً يكيد للإسلام وأهله!؟ (١).
إلى آخر كلامه - رحمه الله تعالى، وأسكنه بحبوحة جناته - ولم أشأ نقله كله
برمته - على متانته وجزالته وقوة حجته - لما فيه من الإطالة، ومن أراده؛
فلیرجع إليه.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ) - رحمه الله تعالى -:
((وللصحابة فهم في القرآن يخفى على أكثر المتأخرين، كما أن لهم فَهْماً بأمور
(١) عن هذه المآسي والمواجع التي ذكرها - رحمه الله - راجع كالآتي:
- إعلام الموقعين ٧/١ - ٨، ٧٦، ١٧٧/٤ وفيه مواضع أخرى أيضاً.
- قواعد الأحكام، العز بن عبدالسلام ١٣٥/٢ - ١٣٦.
- رسالة ((الاتباع)) لابن أبي العز الحنفي (كامل الرسالة).
- عمدة التحقیق، لمحمد سعيد الباني: ٨٨ ومواضع أخرى.
- رسالة «هل المسلم ملزم باتباع مذهب معين )» للمعصومي (كامل الرسالة).
- أضواء البيان، الشنقيطي ٧/ ٤٣٠ - ٤٧٧، خاصة ٤٣٤ - ٤٤٠.
- بدعة التعصب المذهبي، لشيخنا عيد العباسي (كامل الكتاب، وهو أجمعها).
- وغيرها.
١٣٣

الفصل الثاني: الکتاب
المبحث الاول/ الاثار
السنة وأحوال الرسول # لا يعرفها أكثر المتأخرين؛ فإنهم شهدوا التنزيل،
وعاينوا الرسول 8$، وعرفوا من أقواله وأفعاله وأحواله مما يستدلون به على
مرادهم ما لم يعرفه أكثر المتأخرين الذين لم يعرفوا ذلك، فطلبوا الحكم مما
اعتقدوه من إجماع أو قياس!)) (١) .
وقال: ((وقد تأملت من هذا الباب ما شاء الله، فرأيت الصحابة أفقه
الأمة وأعلمها، واعتبر هذا بمسائل الأيمان بالنذر والعتق والطلاق وغير ذلك
... وإلى ساعتي هذه ما علمت قولاً قاله الصحابة ولم يختلفوا فيه إلا وكان
القیاس معه )) (٢).
وقال- أيضاً -: (( .. ولهذا كان معرفة أقوالهم في العلم والدين وأعمالهم
خيراً وأنفع من معرفة المتأخرين وأعمالهم في جميع علوم الدين وأعماله،
كالتفسير وأصول الدين وفروعه والزهد والعبادة والأخلاق والجهاد وغير
ذلك؛ فإنهم أفضل ممن بعدهم كما دلّ عليه الكتاب والسنة، فالاقتداء بهم
خير من الاقتداء بمن بعدهم، ومعرفة إجماعهم ونزاعهم في العلم والدين خير
وأنفع من معرفة ما يذكر من إجماع غيرهم وتنازعهم؛ وذلك لأن إجماعهم لا
يكون إلا معصوماً، وإذا تنازعوا فالحق لا يخرج عنهم؛ فيمكن طلب الحق في
بعض أقاويلهم، ولا يُحكم بخطأ قول من أقوالهم حتى يعرف دلالة الكتاب
والسنة على خلافه .. وأما المتأخرون الذين لم يتحروا متابعتهم وسلوك
سبيلهم ولا لهم خبرة بأقوالهم وأفعالهم .. فهؤلاء تجد عمدتهم في كثير من
الأمور المهمة في الدين إنما هو ما يظنونه من الإجماع وهم لا يعرفون في ذلك
(١) مجموع الفتاوى ٢٠٠/١٩.
(٢) السابق ٢٠/ ٥٨٢. وانظر كذلك ٣٦٢/١٠، ١٤/٢٠، ٥٧٤.
١٣٤

المطلب الأول: أهمية الاثار وتعريفها
أولا : آھمیتھا
أقوال السلف البتة .. الخ )) (١).
قلت: فظهر - بذلك- أهمية الاعتماد على آثار السلف - رحمهم الله-
في تحقيق المسائل الشرعية، وأنه يجب ألا يتم البتّ بحكم شرعي صحيح قبل
مراجعة أقوالهم؛ كي لا يندّ فهم الباحث في المسألة عن وجهتها التي ينبغي أن
تسير فيه (٢)؛ فهم - أولاً - قد أوجب الله علينا اتباعهم (٣)؛ خاصة إذا لم
يختلفوا، وأما إذا اختلفوا؛ ففيه مسالك ينبغي سلوكها في ذلك (٤). ثم هم
- ثانياً- قد انفردوا عنّا بأمور كثيرة؛ تؤهلهم أن يكون الحق معهم - غالباً-
وأما ما شاركناهم فيه من العلم والمدارك ودلالات الألفاظ والأقيسة ((فلا
ريب أنهم كانوا أبرّ قلوباً، وأعمق علماً، وأقل تكلفاً، وأقرب إلى أن يوفقوا
فيها لما لم نوفق له نحن؛ لما خصّهم الله تعالى به من توقد الأذهان، وفصاحة
اللسان، وسعة العلم، وسهولة الأخذ، وحسن الإدراك وسرعته، وقلة
(١) الفرقان بين الحق والباطل ١٨/١ - ١٩ (الرسالة الأولى ضمن مجموعة الرسائل
الكبرى - دار إحياء التراث العربي - ط٢/ ١٣٩٢هـ).
(٢) وبمراجعة أقوالهم تبين عدم صحة بعض الإجماعات المدعاة للسلف في بعض
المسائل!
(٣) انظر الأدلة على ذلك في: ((إعلام الموقعين)) ١٢٣/٤ - ١٥٦. وقد أطنب في هذا،
وفي الرد على نفاته.
(٤) انظر في ذلك: ((إعلام الموقعين)) ١١٩/٤ - ١٢٤، و((المدخل)) للبيهقي: ١٠٩ -
١١١، و((الرسالة)) للشافعي: ٥٩٧ - ٥٩٨. وانظر كتاب: ((الصحابي وموقف
العلماء من الاحتجاج بقوله)» لشيخنا د. عبدالرحمن الدرويش، لمعرفة القول
الصحيح فيما يحتج به من أقوال الصحابة. وانظر كذلك كتاب: ((فصول في أصول
التفسير)) لأخينا الشيخ مساعد الطيار: ٣٠، ٣٥ وما بعدهما؛ لمعرفة حكم
الاحتجاج بأقوال الصحابة والتابعين في تفسير القرآن، وأنها أولى من غيرها.
١٣٥

الفصل الثاني: الكتاب
المبحث الاول/ الاثار
المعارض أو عدمه، وحسن القصد، وتقوى الرب تعالى؛ فالعربية طبيعتهم
وسليقتهم، والمعاني الصحيحة مركوزة في فطرهم وعقولهم، ولا حاجة إلى
النظر في قواعد الأصول وأوضاع الأصولیین، بل غنوا عن ذلك كله، فليس
في حقهم إلا أمران:
أحدهما: قال الله تعالى كذا، وقال رسوله كذا، والثاني: معناه كذا
وكذا. وهم أسعد الناس بهاتين المقدمتين، وأحظى الأمة بهما؛ فقواهم
متوفرة مجتمعة عليهما .. )) (١).
ولأهمية هذه الآثار، وضرورة الاعتماد عليها في تحقيق المسائل وفهم
الدلائل؛ فإن علماء الشريعة حفظوا لنا هذه الآثار بأسانيدها المتعددة
وألفاظها المختلفة، وبوّبوها على الأبواب، ولهم في ذلك مناهج شتى، وقبل
أن أعرض لشيء من ذلك أُعرف الآثار والمقصود بها في اللغة والاصطلاح،
ثم أنتقل لبيان تلك المؤلفات والمناهج في كتابتها في المطلب التالي، بحول الله
وقوته .
(١) إعلام الموقعين ١٤٨/٤ - ١٥٠.
١٣٦

المطلب الأول: أهمية الاثار وتعريفها
ثانيا : تعريفها
ثانياً - تعريف ((علم الآثار)):
لغة:
الآثار جمع أثر. قال ابن فارس (ت ٣٩٥هـ): ((الهمزة والثاء والراء، له
ثلاثة أصول: تقديم الشيء، وذكر الشيء، ورسم الشيء الباقي .. )) (١). ثم
شرع في تفصيل هذه الأصول. قلت: ومجملها في خمسة معان (٢).
النقل: يقال: أَثَرْتُ الحديث أثْراً، أي: نقلته. ومنه: الحديث المأثور، أي
المنقول. ومنه: المأثرة، أي المكرمة؛ لأنها تُنقل ويُتحدث بها.
البقية: يقال: أثر الدار، أي: بقيتها. وجمعها: آثار. ومثله: الأثارة.
الاتباع: يقال: جئت في أثره، و: في إثره؛ كلاهما بمعنى: تبعته عن قرب.
التفضيل: يقال: آثرتُّه - بالمد- أي: فضلته. واستأثَّر به: استبد به،
والاسم: الأَثَرة.
العلامة: يقال: أَثْرتُ فيه تأثيراً؛ جعلت فيه أثراً وعلامة.
والمعنى المناسب لعلم الآثار هو الأول: النقل.
اصطلاحاً :
له معنيان: عام عند سائر العلماء، وخاص بعلماء الحديث.
--
(١) معجم مقاييس اللغة ٥٣/١. وأما ما جاء في ((التعريفات)) للجرجاني: ٩؛ فإنه
داخل في المعاني الآتية على عوز فيه !.
(٢) هذه المعاني ملخصة من المصباح المنير: ٤، والقاموس المحيط: ٤٣٥ - ٤٣٦.
١٣٧

الفصل الثاني: الكتاب
المبحث الاول/ الآثار
المعنى العام:
علم ((الآثار))، هو: علم يُبحث فيه عن أقوال العلماء الراسخين من
الأصحاب والتابعين، والسلف الصالحين، وأفعالهم وسيرهم في أمر الدنيا
والدين. ومبادئه: أمور مسموعة من الثقات. والغرض منه: معرفة الأمور
المذكورة؛ ليقتدى بهم، ويُنال ما نالوه من العلم والعمل الصحيحين (١).
المعنى الخاص:
وهو عند المحدثين، واختلفت عباراتهم في تعريفه، ومن أجمعها عبارة
الحافظ ابن حجر (ت ٨٥٢هـ): في ((النُّخبة)): هو أن ينتهي السند إلى
الصحابي من قوله أو فعله أو تقريره، أو إلى التابعي كذلك، فالأول:
الموقوف، والثاني: المقطوع، ويقال لهما: الأثر (٢).
وبعض المحدثين يرى أن الأثر أعم من ذلك كله، فيجعلون منه: الحديث
المرفوع المضاف إلى النبي # أيضاً. قال النووي (ت٦٧٦هـ): ((هذا هو
المذهب المختار الذي قاله المحدثون وغيرهم واصطلح عليه السلف وجماهير
الخلف .. )) (٣). وقال التهانوي (ت بعد ١١٥٨ هـ): (( .. والبعض يطلقه على
الحديث المرفوع - أيضاً - كما يقال: جاء في الأدعية المأثورة كذا .. )) (٤).
(١) انظر: مفتاح دار السعادة، لطاش كبري زاده ٢/ ٥٥٢، وأيجد العلوم، لصديق
حسن خان ٢٣/٢ - ٢٤، وكشف الظنون ١/ ٨؛ علماً أنهم جميعاً قد خصوه هنا
في المواعظ! وهذا تحجير لواسع، بل هو أشمل وأعم من ذلك بكثير.
(٢) انظر: نخبة الفكر مع شرحها: نزهة النظر، كلاهما لابن حجر: ٥٥ - ٦٩ بمعناه.
(٣) حاشية لقط الدرر على شرح نخبة الفكر، لابن السمين العدوي المالكي: ١٢١.
(٤) كشاف اصطلاحات الفنون ١/ ٨٧.
١٣٨
٠

المطلب الأول: أهمية الاثار وتعريفها
ثانيا : تعريفها
قلت: ولا مشاحة في الاصطلاح؛ إذا عُرف مقصود كل فريق به. ولا
ريب أن بينهما عموماً وخصوصاً. فالأثر في التعريف الأول (تعريف ابن
حجر) أخص، وفي الثاني (تعريف النووي) أعم. ويصح أن يقال في هذين
الاصطلاحين: الحديث والأثر - على التعريف الثاني- أنهما من الألفاظ التي
إذا اجتمعت؛ افترقت، وإذا افترقت؛ اجتمعت. وأما على التعريف الأول فلا
ينطبق هذا، وهو أدق. والأمر واسع، والحمد لله.
١٣٩