النص المفهرس

صفحات 101-120

المبحث الرابع
شخصية ابن أبي شيبة
أقصد بهذا المبحث تقييم ابن أبي شيبة عند العلماء مدحاً أو ذماً، وبيان
مکانته عندهم، ومن ذلك توضیح عقيدته، ودرجته، وحفظه، وفقهه، ونحو
ذلك.
وقد حرصت أن أكتب هذا المبحث بأسلوب علمي بعيد عن التحيز
والعواطف، فمحبتنا لابن أبي شيبة لا يجوز أن تحيد بنا عن أسلوب أهل
الحديث في معاملة الرجال؛ لذا فلم أدون شيئاً إلا وذكرت مصدري فيه،
وليكن هذا المبحث في مطالب أربعة:
الأول - عقيدته.
الثاني - درجته عند أهل الحديث.
الثالث- فقهه.
الرابع - مكانته العلمية العامة.
والتوفيق من الله تعالى.
١٠١

المطلب الأول
عقيدته
عقيدته السلفية:
أبو بكر بن أبي شيبة من أهل الحديث، واعتقاده اعتقادهم، ولم أقف
على أحد نصّ على عقيدته ممن ترجم له، ولكن لم أقف أيضاً على من غمزه
في معتقده، ولا ريب أنه - رحمه الله - كان من أهل السنة والجماعة، بل من
أئمتهم، ويدل على هذا أمور (١) :
١ - أن المتوكل أشخصه - فيمن أشخص - إلى بغداد ليحدثوا
بالأحاديث التي فيها الرد على المعتزلة والجهمية. ويأتي تفصيل ذلك في
المسألة التالية لهذه المسألة، عند الحديث عن موقفه من القول بخلق القرآن.
٢ - أنه ألف كتابين في عقيدة السلف، هما: ((الإيمان)) و ((السنة)) (٢).
٣ - أنه رد على الفرق الضالة المخالفة لأهل السنة، فمن ذلك:
أ - أنه أورد في كتاب «الإیمان )) الأحاديث التي فيها رد على بعض
الفرق الضالة، كالخوارج والمرجئة. وهذا في أكثر الكتاب.
ب - كما أنه أورد أحاديث يسيرة في الرد على القدرية، ومنها
(١) هذه الأمور مستفادة مما ذكره د.عبدالله اللحيدان في رسالته: ٣٣، ولكني أعدت
صياغتها، وزدت عليها، واختصرتها.
(٢) الأقرب أنهما واحد، وانظر المبحث السابق، عند الحديث عن مؤلفاته.
١٠٣

الفصل الاول: المؤلف
المبحث الرابع: شخصيته
حديث ابن عمر المشهور(١).
ج - كما أنه رَدّ على المعتزلة قولهم بأن القرآن مخلوق، فقد سأله
رجل: القرآن كلام الله وليس بمخلوق؟ فقال: ((من لم يقل هذا؛
فهو ضال مُضل مبتدع)) (٢).
د - كما رَدّ على الجهمية في كتابه ((السنة))، على ما أفاده شيخ
الإسلام ابن تيمية (٣).
٤ - أن اللالكائي (٤) ذكره في أئمة أهل السنة الذين رسموا بالإمامة في
السنة والدعوة والهداية إلى طريق الاستقامة، ضمن أعلام الصحابة والتابعين
ومن تبعهم.
٥ - أن ابن القيم أحال على عقيدته في نونيته، وعده من أئمة أهل
الحديث والسلف بقوله:
ومحمد المولود من عثمان
((واقرأ كتاب ((العرش)) للعبسي وهـ
أتر اهما نجمين بل شمسان)» (٥)
واقرأ لمسند عمِّه و((مصنفٍ))
فهذه الأمور مجتمعة تدل على عقيدة الرجل، وأنه سلفي متبع للسنة
والأثر ليس غير. زد على هذا أنه لم يتكلم أحد في عقيدته بشيء حتى نحتاج
للدفاع عنه، أو تمحيص الأمر، بل إن الأمر الذي يدفع للعجب أن الرجل
(١) انظر: الإيمان: ٤٤.
(٢) أورده د.اللحيدان، ولم يعزه لأحد، وهو في (السنة)) لعبدالله بن أحمد (١٦٢).
(٣) الفتاوى ٢٤/٥، ضمن الرسالة الحموية، وتقدم الإشارة لذلك.
(٤) انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٤٢،٢٩/١.
(٥) النونية: ١٢٤ البيتان (١٤٠٧ - ١٤٠٨).
١٠٤

المطلب الاول
عقيدته
كوفي - والكوفة موطن الشيعة - وكثير من مشايخه فيهم تشيع (١)
- كعبيدالله بن موسى وإسحاق بن منصور وعائذ بن حبيب وعباد بن العوام
وعبدالرزاق بن همام والفضل بن دكين ومحمد بن فضيل وغيرهم - وفوق
هذا، فلم يقل بقولهم أو يتبعهم فيما ذهبوا إليه، وكذلك مشايخه المرجئة،
والقدرية.
موقفه من فتنة القول بخلق القرآن:
مضى لنا الكلام عن هذه الفتنة بإيجاز (٢)، ولن نعيده، ولكن أذكر هنا
موقف ابن أبي شيبة من هذه الفتنة. فأقول- وبالله تعالى التوفيق -: إنني لم
أقف - فيما قرأته من مصادر - على موقف ابن أبي شيبة الواضح من هذه
الفتنة (٣)، ولكن العلماء الذين أجابوا معروفون، وكذلك العلماء الذين
رفضوا إجابة المأمون صراحة. وبقية العلماء ورّوا للمأمون مكرهين، ولم
يُنكروا عليه صراحة خوفاً من السيف، والظاهر أن ابن أبي شيبة من هؤلاء،
ولا شك أن هذا لا ينقص من قدره، فبمثل هذه الحالة يجوز للمسلم أن
يقول الكفر ما لم يطمئن قلبه بذلك، وأما إنكار أحمد -رحمه الله- على
هؤلاء؛ فلأنهم جميعاً تواطؤوا على ذلك حتى خشي أن يضيع الحق؛ فكان
الأولى حينئذ الصبر على القتل أو العذاب وترك التورية، والله أعلم.
ولكن لما خَبًا نار هذه الفتنة ونصر الله السنة بالمتوكل؛ أمر علماء أهل
السنة أن يجلسوا للتحديث، ويصدعوا بقول أهل السنة في مسائل الاعتقاد،
(١) وهو تشيع السلف، الذي هو تقديم علي على عثمان فحسب رضي الله عنهما.
(٢)
في المبحث الأول (عصره) من هذا الفصل.
(٣) وكذلك د. عبدالعزيز العمري في تقديمه لكتاب ((المغازي)): ٢٠.
١٠٥

الفصل الاول: المؤلف
المبحث الرابع: شخصيته
فكان في جملة هؤلاء العلماء إمامنا أبو بكر بن أبي شيبة، وإليك ما أورده
الخطيب في تاريخه (١): قال:
((أخبرني الأزهري، أخبرنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا إبراهيم بن محمد بن
عرفة (٢) قال: سنة أربع وثلاثين ومائتين، فيها أشخص المتوكل الفقهاء
والمحدثين، فكان فيهم ... وعبدالله وعثمان ابنا محمد بن أبي شيبة الكوفيان
- وهما من عبس -، وكانا من حفاظ الناس - فقسمت بينهم الجوائز،
وأُجريت عليهم الأرزاق، وأمرهم المتوكل أن يجلسوا للناس وأن يحدثوا
بالأحاديث التي فيها الرد على المعتزلة والجهمية، وأن يحدثوا بالأحاديث في
الرؤية. فجلس عثمان بن محمد بن أبي شيبة في مدينة أبي جعفر المنصور،
ووضع له منبر واجتمع عليه نحو من ثلاثين ألفاً من الناس ... وجلس أبو
بكر بن أبي شيبة في مسجد الرصافة، وكان أشد تقدماً من أخيه عثمان،
واجتمع عليه نحو من ثلاثين ألفاً )) اهـ.
فهذا الخبر يدل على صحة موقف ابن أبي شيبة من هذه الفتنة، ولو كان
رأيه بخلاف ذلك، لما تبوأ هذه المنزلة ولقي هذا القبول، ولما كان أحمد ليسكت
عنه. ولكن فوق ذلك، فإن هذا لا يعني أن موقف ابن أبي شيبة كان واضحاً
وحازماً في هذه الفتنة (٣)، ولكنه مع المسكوت عنهم، والعلم عند الله تعالى.
تاريخ بغداد ٦٧/١٠، وعنه الذهبي في ((السير)) ١٢٥/١١.
(١)
(٢) هو الملقب بـ: نفطويه. وأفاد د. أكرم العمري في ((موارد الخطيب البغدادي)):
١٤١ - ١٤٨ أنه له كتاباً في التاريخ مرتباً على السنين، وأنه الذي ينقل عنه
الخطيب.
(٣) كما قال د. العمري: ٢١.
١٠٦

المطلب الثاني
درجته عند أهل الحديث
هذا مطلب هام غاية، وأُقدّم له بهذه الفِقَر:
- مكانته عند أهل الحديث.
- سعة حفظه.
- ضبطه وإتقانه.
- رواية العلماء عنه.
- اعتماده في نقد الرجال.
- ثم أتكلم عن درجته عندهم.
أولاً- مکانته عند أهل الحديث:
جلس أبو بكر بن أبي شيبة إلى أسطوانة الكوفة التي لا يجلس إليها إلا
أكابر العلماء في ذلك الوقت. قال أبو أحمد ابن عدي الحافظ الجرجاني:
(«سمعت عبدان يقول: ((كان يقعد عند الأسطوانة: أبو بكر وأخوه عثمان
ومُشکدانة وعبدالله ابن البراد وغیرهم، وکلهم سكوت إلا أبا بكر؛ فإنه يَهْدُر !.
قال ابن عدي: والأسطوانة هي التي يجلس إليها ابن سعيد (١). قال لي
ابن سعيد: هي أسطوانة ابن مسعود، وجلس إليها بعده علقمة، وبعده
(١) هو ابن عقدة، كما وضحه الذهبي في ((السير)) ١٢٤/١١، وليس هو يحيى، كما
يقول المعلقون على ((الكامل)) !.
١٠٧

الفصل الاول: المؤلف
المبحث الرابع: شخصيته
إبراهيم، وبعده منصور، وبعده الثوري، وبعده و کیع، وبعده أبو بكر بن أبي
شيبة، وبعده مُطَيِّن، وبعده ابن سعيد)) (١) اهـ.
بل هذا شيخه وكيع بن الجراح لما شك في حديث وهو في حلقة
الدرس، قال: ((أين ابن أبي شيبة))؟ قال أحمد بن حنبل - وكان من
الحضور -: ((كأنه أراد أن يسأله أو يستفتيه)) (٢).
ومن شيوخه: قتيبة بن سعيد يقول: ((كتبت عن أبي بكر بن أبي شيبة
غير شيء)) (٣).
وهذا ابن معين يُسأل عمّن يكتب حديثه من أهل الكوفة؟ فیدل عليه (٣)
وابن سعد يعده في الطبقة التاسعة من أهل الكوفة(٤). وخليفة بن خياط
يذكره في الطبقة الحادية عشرة منهم(٥). وأما الذهبي فيعده في طبقة أحمد وابن
المديني(٦).
ثانياً- سعة حفظه:
كان مضرب المثل في ذلك، كما قال الذهبي(٧). وأسوق الآن بعض
النقول عن العلماء في ذلك مرتبة حسب الوفاة ما استطعت:
(١) الكامل في ضعفاء الرجال ١٣٨/١، وعنه الخطيب ٦٩/١٠، والذهبي ١٢٤/١١،
والمزي ١٦ / ٤١.
(٢) تاريخ بغداد ٤٧٩/١٣ (نقلاً عن د.عبدالله اللحيدان: ٢٦).
(٣)
تاریخ بغداد ١٠/ ٧٠.
(٤)
الطبقات ٤١٣/٦.
(٥) الطبقات: ١٧٣.
(٦) المعين (٦٧) ص١٢٨.
(٧) السير ١٢٣/١١.
١٠٨

المطلب الثاني
درجته عند أهل الحديث
١ - قال أبو زيد الغُلفي: قلتُ لأحمد بن حميد - هو الطَّيثيثي القرشي
(ت ٢٢٠ هـ) -: من أحفظ أهل الكوفة؟ قال: أبو بكر بن أبي شيبة. فذكرت
ذلك لأبي بكر؟ فقال: ما ظننته يُقرّ لي(١).
٢ - وقال أبو عُبيد القاسم بن سلام (ت ٢٢٤ هـ): ((انتهى الحديث إلى
أربعة .. وأبو بكر أسردهم له))(٢).
٣ - وقال عمرو بن علي الفلاس (ت ٢٤٩هـ): ((ما رأيت أحفظ من
أبي بكر بن أبي شيبة)) (٣).
٤ - وقال العجلي (ت ٢٦١ هـ): ((وكان حافظاً للحديث)) (٤).
٥ - وقال أبو زرعة الرازي (ت ٢٦٤هـ): «ما رأيت أحفظ من أبي
بكر بن أبي شيبة )) (٥).
٦ - وقال صالح بن محمد الحافظ، المقلب بـ: ((جَزَرة)) (ت ٢٩٤هـ):
((أعلم من أدركته بحفظ الحديث عند المذاكرة: أبو بكر بن أبي شيبة)) (٦).
٧ - وقال ابن حبان (ت ٣٥٤هـ): ((كان أحفظ أهل زمانه
(١)
تاريخ بغداد ١٠/ ٧٠.
(٢) تاريخ بغداد ٦٩/١٠، ومضت العبارة بأتم وبألفاظها عند الحديث عن أقرانه من
هذه المقدمة.
(٣) تهذيب الكمال ٤٠/١٦، طبقات علماء الحديث ٢/ ٨٤، تذكرة الحفاظ ٤٣٣/٢،
السير ١٢٣/١١.
(٤) الثقات (٨٧٨).
(٥) الكامل ١/ ١٣٧ - ١٣٨، تاريخ بغداد ٦٩/١٠، السير ١٢٥/١١.
(٦) تاريخ بغداد ١٠/ ٧٠ بمعناه، والسير ١٢٥/١١.
١٠٩

الفصل الاول: المؤلف
المبحث الرابع: شخصيته
بالمقاطيع))(١).
٨ - وقال الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣هـ): ((كان أبو بكر مقتنا حافظاً
مكثراً)) (٢).
٩ - وقال ابن الجوزي (ت ٥٩٧هـ): ((كان حافظاً مقتناً صدوقاً
مکثراً»(٣).
١٠ - وقال ابن تغري بردي (ت ٨٧٤هـ): ((كان أحد كبار الحفاظ))(٤).
١١- ووصفه بالحافظ كل من: ابن عبدالهادي (٥)، والذهبي (٦)، والبوصيري(٧)،
وابن حجر (٨)، والسيوطي (٩)، والداودي (١٠)، وغيرهم.
١٢ - وأختم هذه الأقوال ببعض ما قال فيه الذهبي (ت ٧٤٨هـ):
((الحافظ الكبير)) (١١)، ((سيد الحفاظ)) (١٢)، ((كان بحراً من بحور العلم، وبه
(١) الثقات ٣٥٨/٨.
(٢) تاريخ بغداد ٦٦/١٠.
(٣)
المنتظم ٢٣٠/١١.
(٤) النجوم الزاهرة (٢/ ٢٨٢) (نقلاً عن رسالة الأخت عيشة: ١٤٠).
(٥)
طبقات علماء الحديث ٢/ ٨٤.
(٦) تذكرة الحفاظ ٢/ ٤٣٣.
(٧) اتحاف الخيرة المهرة ١/ ٤١.
(٨) التهذيب ٢٣٩/٣ (ط دار المعرفة)، ٦/ ٢ (ط الهند).
(٩) طبقات الحفاظ (٤١٩).
(١٠) طبقات المفسرين ١/ ٢٥٢.
(١١) الميزان ٤٩٠/٢.
(١٢) السير ١٢٢/١١.
١١٠
-
-

المطلب الثاني
درجته عند أهل الحديث
يضرب المثل في قوة الحفظ)) (١). ((كان آية في الحفظ، شبّه بأحمد بن حنبل في
المعرفة)) (٢).
١٣ - وذكره السخاوي في سلسلة الحفاظ التي نظمها من شيخه الحافظ
ابن حجر حتى مَرّ بابن أبي شيبة، وانتهى بأبي هريرة. ثم ذكره في سلسلة
أخرى بدأها بالدار قطني وانتهى بها عند أبي هريرة أو ابن مسعود (٣).
ثالثاً- ضبطه وإتقانه:
وصفه بذلك ابن حبان بقوله: ((وكان متقناً، وحافظاً ديّناً)) (٤)، ومثله
الخطيب (٥)، وابن الجوزي (٦).
وأذكر ثلاث حوادث تدل على ضبطه وإتقانه:
١ - أخرج الخطيب عن محمد بن إبراهيم مُرَبَّع الحافظ (ت ٢٥٦هـ):
قال: ((قدم علينا أبو بكر بن أبي شيبة، فانقلبت به بغداد، وتُصب له المنبر في
مسجد الرصافة، فجلس عليه، فقال من حفظه: حدثنا شريك، ثم قال:
هي(٧) بغداد، وأخاف أن تزل قدم بعد ثبوتها، يا أبا شيبة - يعني ولده
(١) السابق ١١/ ١٢٣.
(٢) ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل (١٧٤).
(٣) انظر: الجواهر والدرر ٩٥/١ - ٩٧.
(٤) الثقات ٣٥٨/٨.
تاريخ بغداد ٦٦/١٠.
(٥)
(٦) المنتظم ٢٣٠/١١.
(٧) لعلها: هیه، أو إيه.
١١١

الفصل الاول: المؤلف
المبحث الرابع: شخصيته
إبراهیم - هات الكتاب)) (١).
قلت: هذا صنيع الحفاظ الأثبات، ومن قلّ علمه يجعل هذا قادحاً في
ابن أبي شيبة !.
٢ - وقال الذهبي: ((وكان أبو بكر قوي النَّفْس بحيث إنه استنكر حديثاً
تفرد به يحيى بن معين عن حفص بن غياث، فقال: من أين له هذا؛ فهذه
كتب حفص ما فيها هذا الحديث؟!)) (٢).
قلت: ومن يجرؤ على تخطئة يحيى بن معين إلا من كان في منزلة ابن أبي
شيبة وحفظه وإتقانه.
٣ - وأخرج الخطيب بسنده عن علي بن المديني قال: ((قدم علينا أبو
بكر بن أبي شيبة - ويحيى وعبدالرحمن باقيين - قال: فأراد الخائب - يعني
سليمان الشاذكوني - أن يذاكره، فاجتمع الناس في مسجد الجامع (٣)، قال:
فقال لي عبدالرحمن بن مهدي: اذهب فامنعهما؛ فإني أخشى أن تقع فتنة
یتعصب مع هذا قوم ومع هذا قوم؟ )) (٤).
قلت: ولا ريب أن اختيار الشاذكوني لابن أبي شيبة دون غيره في
المسابقة على الحفظ له سبب !.
ونحن وقفنا على شيء من إتقان ابن أبي شيبة وضبطه، وذلك في
(١) تاريخ بغداد ٦٧/١٠ - ٦٨، وعنه: المنتظم ٢٣٠/١١.
(٢) السير ١٢٥/١١.
(٣) إلى هنا انتهى الخبر عند ابن الجوزي في ((المنتظم)) ٢٣١/١١، ثم ألحقه بخبر
الأسطوانة المتقدم، فإما أنه من تخليطه، أو أنه سقط من النسخة.
(٤) تاريخ بغداد ٦٩/١٠.
١١٢

المطلب الثاني
درجته عند أهل الحديث
مروياته في ((المصنف))(١).
ومن ذلك -أيضاً- ما أورده يحيى بن معين، أن ابن أبي شيبة كان
يقول: ((وجدتُ في كتاب أبي بخطه))، و: ((حُدِّثتُ عن رَوْح بحديث
الدجال)). قال يحيى: «وكنا نظن أنه سمعه من أبي هشام الرفاعي. وكان أبو
بكر لا يذكر أبا هشام )» (٢).
رابعاً- رواية العلماء عنه:
لسعة علم أبي بكر، ولحافظته التي اشتهر بها، ولثقته المجمع عليها،
ولمكانته العظيمة عند العلماء؛ فإن العلماء حرصوا على الأخذ عنه،
وبعضهم من شيوخه؛ فقد سبق قبل قليل سؤال وكيع له، وكتابة قتيبة بن
سعيد عنه. وبعضهم من أقرانه، ومن أجلّهم: أحمد بن حنبل. قال الذهبي:
((حدّث عنه الشيخان وأبو داود وابن ماجه، وروى النسائي عن أصحابه،
ولا شيء له في جامع أبي عيسى (٣)) (٤).
وقال الخطيب: ((حدّث عنه محمد بن سعد كاتب الواقدي ويوسف بن
يعقوب بن يوسف أبو عمرو النيسابوري، وبين وفاتيهما مائة وثمان أو سبع
سنين .. وحدث عنه أحمد بن حنبل وبين وفاته ووفاة النيسابوري ثمانون أو
إحدى وثمانون سنة))(٥).
(١) انظر الفصل التالي، عند الحديث عن منهجه في ((المصنف)).
(٢)
تاريخ بغداد ١٠/ ٧٠، تهذيب الكمال ٤٠/١٦.
(٣)
أرجع إلى المطلب الخاص بتلاميذه.
(٤) السير ١٢٣/١١، وانظر: المعجم المشتمل: ١٥٨.
(٥) السابق واللاحق (١٠٥).
١١٣

الفصل الاول: المؤلف
المبحث الرابع: شخصيته
قلت: وتقدمت بعض الإحصائيات في عدد مرويات أصحاب الكتب
الستة وأحمد وغيره عنه عند الحديث عن تلاميذه.
خامساً- اعتماده في نقد الرجال (١).
اعتمد عليه أهل الحديث في توثيق الرجال وتجريجهم؛ لأنه أهل لذلك؛
فقد ذكره ابن عدي في مقدمة ((الكامل )) ضمن الذين يعتد بقولهم في الجرح
والتعديل من الأئمة (٢)، وترجم له ترجمة مقتضبة.
كما ذكره الذهبي فيمن يعتمد قوله في الجرح والتعديل كذلك، في الطبقة
الرابعة (٣)، وأثنى عليه بما هو أصله.
كما ذكره السخاوي في المتكلمين في الرجال(٤)، وأثنى عليه كالذهبي.
وأشار د. عبدالله اللحيدان إلى بعض الأمثلة من كتب الرجال في اعتماد
العلماء توثيق ابن أبي شيبة للرجال، فمن ذلك قوله في یزید بن هارون: «ما
رأيت أتقن حفظاً من يزيد)» (٥)، وقوله في حميد بن عبدالرحمن الرؤاسي: ((قلّ
من رأيت مثله)) (٦). قلت: ووقفت على أقوال أخرى له في ((الجرح
(١) اعتمدت في هذه الفقرة على رسالة د.عبدالله اللحيدان: ٢٧ - ٢٨، مع زيادة
يسيرة.
(٢) الكامل ١٣٧/١.
(٣) في ((ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل)) (١٧٤).
(٤) رسالة ((المتكلمون في الرجال)) (٥٢)، جمعها عبدالفتاح أبو غدة من ((الإعلان
بالتوبيخ )) و ((فتح المغيث))، وطبعها ضمن: (أربع رسائل في علوم الحديث )).
(٥) تهذيب التهذيب (٢٢٥/٦)، (٣٦٧/١١ ط الهند).
(٦) السابق ٣٠/٢، (٤٤/٣ ط الهند).
١١٤
1

المطلب الثاني
درجته عند أهل الحديث
والتعديل))(١).
أقول: وله كتاب في التاريخ على منوال المحدثين، ضمن ((المصنف))
يذكر فيه التواريخ الهامة؛ لمعرفة اتصال الرواة وانقطاعهم، ويبين أسماء
بعض المشهورين بكناهم، أو العكس. وذكر وفيات بعض المشاهير من
الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ولن أذكر أمثلة لكل ذلك؛ لأنها كثيرة جداً،
ولأنها موجودة ضمن هذا الكتاب والاطلاع عليه يسير (٢).
ولكن فوق هذا فإن ابن أبي شيبة لم يشتغل بعلم الجرح والتعديل
اشتغاله بحفظ الحديث وروايته وتدوينه (٣)، أقول: لعل عذره أن غيره کابن
معين وأحمد وعلي بن المديني - كفوه المؤونة، والله أعلم.
سادساً- درجته عند أهل الحديث:
إجماعهم على ثقته وضبطه:
اتفق أهل العلم بالحديث على تزكيته وثقته وعدالته وحفظه وإتقانه. ولم
أقف على قول يعتد به بخلاف ذلك اللهم إلا قدحاً يسيراً مبهماً - يأتي
الجواب عنه - وإليك أقوال العلماء في ذلك (٤)، مرتبين حسب الأقدمية:
(١) انظر: ((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم: ٥٥٠/٣، ٩٩١، ٢٦١/٤، ٤١٧/٦،
٧/ ١٧٠١، ٦٢٩/٩ (نقلاً عن كتاب ((المزكون لرواة الأخبار عند ابن أبي حاتم)).
والإحالات السابقة على رقم الجزء والفقرة فيه.
انظر كتاب ((التاريخ)) ضمن ((المصنف)) في الجزء الثالث عشر.
(٢)
انظر: مقدمة ((المغازي)): ١٩.
(٣)
(٤) لا أذكر شيئاً من الأقوال في حفظه وإتقانه؛ فقد سبقت، ولا أذكرها عند العلماء
بعامة؛ فتأتي.
١١٥

الفصل الاول: المؤلف
المبحث الرابع: شخصيته
١ - قال يحيى بن معين (ت ٢٣٣ هـ): ((أبو بكر عندنا صدوق)) (١).
٢ - وقال أحمد (ت ٢٤١ هـ): ((صدوق، وهو أحبّ إليّ من عثمان))(٢).
٣ - وقال العجلي (ت ٢٦١ هـ): ((ثقة، وكان حافظاً للحديث)) (٣).
٤ - وقال أبو حاتم الرازي (ت ٢٧٧هـ): ((ثقة)) (٤).
٥ - وقال ابن خِراش (ت ٢٨٣هـ): ((ثقة)) (٥).
٦ - وقال ابن قانع (ت ٣٥١هـ): ((ثقة ثبت)) (٦).
٧ - وقال ابن حبان (ت ٣٥٤ هـ): ((وكان متقناً حافظاً دَيّناً، ممن كتب
وجمع وصَنّف وذاكر )) وعده في الثقات (٧).
٨ - وقال الدارقطني (ت ٣٨٥هـ): ((حافظ)) (٨).
٩ - وقال ابن شاهين (ت ٣٨٥هـ): ((صدوق)) (٩).
١٠ - وقال ابن الجوزي (ت ٥٩٧هـ): ((وكان صدوقاً مكثراً)) (١٠).
(١) تاريخ بغداد ١٠/ ٧٠، تهذيب الكمال ٤٠/١٦، السير ١٢٤/١١.
(٢) العلل، لعبدالله بن أحمد (٧٤٧، ٤٠٧٦)، الجرح والتعديل ١٦٠/٥، تاريخ بغداد
١٠/ ٧١، تهذيب الكمال ٣٩/١٦، السير ١٢٣/١١.
(٣) الثقات له (٨٧٨).
الجرح والتعديل ١٦٠/٥.
(٤)
(٥)
تاریخ بغداد ٧١/١٠.
(٦)
تهذيب التهذيب ٣/ ٢٤٠، (٤/٦ ط الهند).
(٧) الثقات ٣٥٨/٨.
(٨) انظر: الجامع في الجرح والتعديل ٢/ ٢٢؛ نقلاً عن ((العلل)) المخطوط له.
(٩) الثقات (٦٨٩).
(١٠) المنتظم ٢٣٠/١١.
١١٦
----

المطلب الثانى
درجته عند أهل الحديث
١١- وقال الذهبي (ت ٧٤٨هـ): ((الحافظ الكبير، الحجة)) (١)، وقال
أيضاً: ((الثبت، عديم النظير)) (٢).
١٢ - وقال ابن حجر (ت ٨٥٢هـ): ((ثقة حافظ، صاحب تصانيف))(٣).
فمن مجموع هذه الأقوال استحق هذا الإمام أعلى درجات التوثيق عند
المحدثين بلا مِنّة !. وفوق ذلك فلم يسلم من قدح، قال الذهبي: ((وثقه
الجماعة، وما كاد يسلم!)) (٤).
القدح فیه والجواب عنه:
وقفت على أربعة أخبار يُفهم منها الوقوع في ابن أبي شيبة، وليست
بصريحة، ولكن هكذا جاءت، فأذكرها، ثم أجيب عنها مستعيناً بالله.
١ - قال الميموني: ((تذاكرنا يوماً، فقال رجل: ابن أبي شيبة يقول: عن عَفّان.
فقال أحمد بن حنبل: دع ابن أبي شيبة في ذا، وانظر ما يقول غيره. قال
الميموني: يريد أبو عبدالله كثرة خطئه! )) (٥).
قال الخطيب مجيباً عن ذلك: ((أرى أن أحمد لم يُرِدْ ما ذكره الميموني من
أن أبا بكر كثير الخطأ، وأظن حديث عَفّان الذي ذُكر له عن أبي بكر قد كان
(١)
الميزان ٢/ ٤٩٠.
(٢)
تذكرة الحفاظ ٢/ ٤٣٢.
(٣)
التقريب (٣٥٧٥).
(٥) العلل (٤٧٤) برواية المرّوذي والميموني وصالح وغيرهم عن أحمد بن حنبل، وعنه
(٤)
الميزان ٢/ ٤٩٠.
الخطيب ٦٨/١٠، والميزان ٢/ ٤٩٠.
١١٧

الفصل الأول: المؤلف
المبحث الرابع: شخصيته
عنده، فأراد غيره؛ ليعتبر به الخلاف، والله أعلم)) (١).
قلت: ما ذكره الخطيب هو الصواب ولا يحتمل غيره، وأما الميموني،
فأساء الفهم - غفر الله له- وأما الهفوة، فلا يسلم منها أحد؛ فالكل بشر،
وقد كتب عليهم حظهم من الخطأ.
٢ - قال ابن أبي حاتم: ((قيل لأبي زُرعة: بلغنا عنك أنك قلت: لم أرَ
أحداً أحفظ من ابن أبي شيبة؟ فقال: نعم في الحفظ، ولكن في الحديث ..!
- قال ابن أبي حاتم: كأنه لم يحمده - فقال: روى مرة حديث حذيفة في
الإزار، فقال: حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن أبي معلى عن
حذيفة، فقلت له: إنما هو أبو إسحاق عن مسلم بن نذير عن حذيفة، وذلك
الذي ذكرت عن أبي إسحاق عن أبي المعلى عن حذيفة. قال- أي
أبو زرعة -: كنتُ ذرب اللسان، فبقي! فقلت للوراق أحضروا المسند، فأتوا
بمسند حذيفة، فأصابه كما قلت)) (٢).
قلت: الرجل لكثرة محفوظاته من الحديث والآثار أخطأ في هذا، فكان
ماذا؟ ولو أسقطنا كل من أخطأ لما سلم لنا أحد !.
٣ - قال الحسن بن علي بن شبيب المعمري: ((قعد أبو بكر بن أبي شيبة
في الرَّصَافة يُحدث الناس، فحدّث أول المجلس عن ابن فضيل عن يزيد بن
أبي زياد عن عبدالله بن الحارث قال: حدثني عبدالمطلب بن ربيعة بن الحارث
ابن عبدالمطلب قال: قال رسول الله #: ((احفظوني في العباس؛ فإنه بقية
(١) تاريخ بغداد ٦٨/١٠، وفي الميزان ٢/ ٤٩٠ مختصراً.
(٢) الجرح والتعديل (التقدمة) ٣٣٧/١ - ٣٣٨.
١١٨
.
- -

المطلب الثانى
درجته عند أهل الحديث
آبائي، وإن عم الرجل صنو أبيه )) فزاد في لفظه ما ليس في الحديث، ثم
أملاه أبو بكر علينا في المجلس الثاني بطوله لم يستغرق هذا الكلام فيه ! ».
قلت: يريد المعمري أن يغمز أبا بكر بن أبي شيبة أنه غيّر في لفظ
الحديث لمّا رواه ثانية! وليت شعري، هل المعمري خبير بأحوال أهل
الحديث في رواياتهم له؛ فمن المعلوم عند أدنى طلبة الحديث أن أكثر المحدثين
على جواز رواية الحديث بالمعنى، وعلى جواز تقطيعه، ولو عيب أبو بكر
لأجل هذا، فسيلحق أئمة الحديث الآخرين الذين جَرَوا على هذا كأحمد
والبخاري وقبلهم مالك وشعبة، وبعدهم خلائق لا يحصون !؟
وهذا الحديث لم ينفرد به أبو بكر، ولم يقع منه فيه خطأ، وقد روي من
طرق عن عبدالمطلب بن ربيعة وله ألفاظ عنه، كما أن له متابعات من حديث
علي والحسن بن علي والعباس وأبي هريرة، ويروي مرسلاً كذلك (١)، فلا
أدري وجه تخطئه ابن أبي شيبة فيه !!
أقول: وقف الذهبي على ترجمة ابن أبي شيبة عند الخطيب، فلم يورد
هذا في ((الميزان))؛ فكأنه رآه شيئاً لا ينبغي الالتفات إليه! وصدق، ولكن
أردت أن أستقصي ما قيل في الرجل حتى لا يقع عليه فيما بعد من يغتر بها.
٤ - أخرج الخطيب عن جعفر الفريابي قال: ((سألت محمد بن عبد الله(٢)
(١) انظر هذه الطرق والألفاظ والمتابعات في: المصنف ١٠٨/١٢ - ١٠٩ (ط السلفية)،
وجامع الترمذي ٦١٠/٥ - ٦١١، والكامل ٧٦٨/٢، ومجمع الزوائد ٢٦٩/٩،
وكنز العمال ٦٩٩/١١ - ٧٠٣. وبعض ألفاظه عند مسلم (٩٨٣) وأبي داود
(١٦٢٣).
(٢) وقع في الأصل: ((عبيدالله ))، وهو خطأ.
١١٩

الفصل الاول: المؤلف
المبحث الرابع: شخصيته
ابن نُمير عن بني أبي شيبة - ثلاثتهم -؟ فقال فيهم قولاً لم أحب أن
أُذکرہ)» !.
أقول: محمد بن عبدالله بن تُمير دُرّة العراق، كما كان يقول أحمد،
والظاهر أن الفريابي استحى من نقل هذا القول لعلمه ببعده عن الحق، ولم
يذكره لنا حتى نحكم عليه بالصواب أو ضده. ولكن يكفي جواب الذهبي:
((قلت: أبو بكر ممن قفز القنطرة، وإليه المنتهى في الثقة)) (١). أقول: وجواب
الذهبي محكم غاية؛ فإن القاسم: ضعيف، وعثمان: له أوهام. وأما أبو بكر
فالإجماع على ثقته كما مَرّ.
ولعل كلام ابن نمير في حقهما دون أبي بكر، فيكون صواباً، على أن
عثمان ثقة.
وبعد هذا أقول كما قال الشاعر:
من ذا الذي ترضی سجاياه كلها
كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه
وهذه الغمزات مطروحة في بحر الثناء عليه من العلماء، المتواتر،
المتعاقب على ممر القرون، فهي هباء، ويبقى التعديل والثناء؛ كما قال الله:
﴿فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض﴾(٢).
(١) الميزان ٢ / ٤٩٠.
(٢) الرعد:١٧.
١٢٠