النص المفهرس

صفحات 21-40

المبحث الأول
عصره
لم يكن في نيتي خوض هذا المبحث لبعده عن مقاصد المُحَدِّثين - لا
الْمُحْدَثين -، لكن لما رأيته مستوفى في بعض المصادر المتأخرة؛ رأيت تلخيصه
منها (١)، وفيه فوائد لا تخفى.
أولاً - الحالة السياسية :
عاصر ابن أبي شيبة الدولة العباسية في أوج عزها، فقد ولد في عهد
المهدي، وتوفي في عهد المتوكل فعاصر ثمانية (٢) من الخلفاء:
٢ - الهادي (١٦٩ - ١٧٠).
١ - المهدي (١٥٨ - ١٦٩).
٤ - الأمين (١٩٣ - ١٩٨).
٣- الرشيد (١٧٠ - ١٩٣).
٥- المأمون (١٩٨ - ٢١٨).
٦ - المعتصم (٢١٨ - ٢٢٧).
٧- الواثق (٢٢٧ - ٢٣٢).
٨- المتوكل (٢٣٢ - ٢٤٧).
فعصر أول هؤلاء الخلفاء (من المهدي إلى الرشيد) يعد عصر استقرار
وعلم وجهاد ومحاربة للزنادقة وتقدير للعلماء، أمثال: مالك بن أنس والليث
ابن سعد وأبي يوسف وابن المبارك والفضيل بن عياض وغيرهم، وقد
(١) وهي: أطروحة د.عبدالله اللحيدان: (٨-١٣)، ومقدمة د.عبدالعزيز العمري
لكتاب المغازي: (١٩- ٢١، ٢٧ - ٣٨). وكذلك أطروحة ((منهج ابن أبي شيبه)):
(٣-٢٧) للمشعبي.
(٢) ذكر د. العُمري: تسعة؛ وهذا وَهْم! كما ترى !.
٢١

الفصل الاول: المؤلف
المبحث الاول: عصره
اشتغل الناس في هذا العصر برواية الحديث وتدوينه وضبطه، وهذا يوافق
فترة الشباب لابن أبي شيبة.
ثم في عصر الأمين والمأمون بدأت الاضطرابات السياسية بينهما حتى
آل الأمر إلى الأخير الذي حكم المسلمين نحو عشرين سنة، وكان هذا الرجل
على دين المعتزلة والّهم بالتشيع، وابتلى المسلمين بفتنة القول بخلق القرآن،
وفتح عليهم باب شر بترجمة كتب اليونان والفلسفة !. ثم نشط لفتنة القول
بخلق القرآن، وأخذ يدعو الناس إليها منذ عام ٢١٢ هـ، ثم اشتد على
العلماء عام ٢١٨ هـ، فكرهه علماء السنة، وفَتَن الناس، وامتحن العلماء،
وكتب إلى أمرائه بذلك، وعذب بعضهم من أجل حملهم على اتباع رأي
المعتزلة (١). ولم يثبت في وجه هذه الفتنة من العلماء إلا خمسة: أحمد بن حنبل
ومحمد بن نوح (مات في الطريق بعد جلبه من الشام مكبلاً)، وأبو يعقوب
البويطي ونعيم بن حماد (وماتا في السجن)، وأحمد بن نصر الخزاعي (قتل لما
أبى أن يطاوعهم) (٢). ثم هلك المأمون غير مأسوف عليه، ففي عصره نشطت
أكبر الفرق الضالة في الإسلام، كالمعتزلة والجهمية والزنادقة بعامة(٣)، وقوي
عودهم.
ثم جاء بعده المعتصم، حيث كان عصره عصر جهاد وعزة للإسلام،
لولا ما شان به سؤدده بامتحان العلماء بخلق القرآن تبعاً لأخيه، بل إنه أمر
بضرب الإمام أحمد حتى يجيب عام ٢٢٠ هـ، واشتدت سطوة المعتزلة على
(١) كل ما سبق ملخص من مقدمة د.عبدالعزيز العمري لكتاب المغازي: ٢٧ - ٣١.
(٢) زاد الذهبي في ((العلو)): ١٦٢: أبا مسهر (عالم دمشق) وعفان (محدث العراق).
(٣) مقدمة د.عبدالله اللحيدان: ١٠ - ١١.
٢٢

الفصل الأول: المؤلف
المبحث الأول: عصره
أهل السنة.
ثم جاء الواثق وزادت الفتنة حتى قُتل أحمد بن نصر الخزاعي - رحمه
الله - عام ٢٣١ هـ، ومما يميز هذا الرجل أنه كان ألعوبة بيد المعتزلة !.
ثم لما أراد الله كشف هذه الفتنة؛ قيّض لها الخليفة المتوكل الذي اعتزل
المعتزلة، ونصر السنة وأهلها، ورفع المحنة وكتب بذلك إلى الآفاق، وقرّب
الإمام أحمد، وسجن ابن أبي دواد وصودرت أمواله حتى أصابه الفالج
فهلك شر ميتة، والحمد لله رب العالمين (١).
ومما يذكر هنا أن المتوكل أمر بإشخاص علماء السنة إلى بغداد ليحدثوا
بأحاديث الرؤية والصفات ويردّوا على المعتزلة والجهمية، ومن هؤلاء
العلماء: أبو بكر بن أبي شيبة وأخوه عثمان، كما سيأتي مفصلاً إن شاء الله
عند الكلام عن عقيدته.
وفي هذا العصر توفي عالمنا - رحمه الله -.
ثانياً - الحالة العلمية (٢) :
تعتبر هذه الفترة التي عاشها ابن أبي شيبة من أغزر الفترات العلمية في
عصور الدولة الإسلامية، فقد حفلت بالتدريس والتأليف والرحلات العلمية
وتكريم العلماء؛ خاصة الحديث والعلوم الشرعية. وفيها اعتنت الأمة
بتدوين السنة والآثار، وتمحيص الرواة، وتقييد التواريخ، وغيرها من العلوم.
(١) ما سبق ملخص من المرجعين السابقين.
(٢) هذا المبحث ملخص من مقدمة د.العُمري: ٣٦ - ٣٩، وهو لخصه من («تاريخ
الخلفاء )) للسيوطي، و ((بحوث في تاريخ السنة)) لأكرم العمري.
٢٣

الفصل الاول: المؤلف
المبحث الأول: عصره
ومن العلماء الذين عاشوا وتُوّفوا في هذه الفترة - على سبيل التمثيل -:
- من المحدثين: مالك وابن المبارك وابن عيينة وابن المديني ويحيى بن معين
وأحمد بن حنبل وسعيد بن منصور والبخاري وغيرهم.
- ومن الفقهاء: أبو يوسف ومحمد بن الحسن والشافعي والليث بن سعد
وأبو ثور وغيرهم.
- ومن القراء: سليم (صاحب حمزة)، ويعقوب (قارئ المدينة) وأبو بكر ابن
عياش (من شيوخ ابن أبي شيبة).
- ومن النحاة واللغويين: أبو عبيدالقاسم بن سلام، وسيبويه والكسائي
وغيرهم.
- ومن الوعاظ: ابن السَّمَّاك، والفضيل (شيخ المؤلف) وغيرهما.
ولا ريب أن لهؤلاء العلماء أثراً في ابن أبي شيبة وتحصيله العلمي. وهؤلاء
العلماء يتبعون لأهم المراكز العلمية في ذلك الوقت، وهي(١):
١ - المدينة.
٣ - الكوفة. ٤- البصرة.
٢- مكة.
ومما يلفت النظر أنه في هذا العصر جرى استخدام الورق وتصنيعه،
ولاريب أن لهذا أثراً كبيراً في النهضة العلمية في هذا العصر، فنشطت حركة
التأليف، ونسخ الكتب وغير ذلك.
ثالثاً - الحالة الاجتماعية والدينية (٢) :
كان المجتمع في ذلك العصر خليط من أجناس مختلفة، كالعرب والفرس
(١) ما يأتي ملخص من أطروحة الأخت عيشة: ٢٤ - ٢٦.
(٢) هذا المبحث ملخص من أطروحة الأخت عيشة: ١١ - ٢٢.
٢٤

الفصل الأول: المؤلف
المبحث الأول: عصره
والروم والترك وغيرهم من الأمم التي دخلت في الإسلام، وانصهرت في
بوتقته. وكانوا أول الأمر في وئام ولكن فيما بعد صار ذلك مصدر الفتن
ووقودها؛ إذ نشأت الخلافات العرقية والمذهبية بين هذه الأجناس، وصار
كل جنس يسعى لبسط نفوذه على الآخرين، فقامت الحروب بين الأمين
والمأمون، يدعم الأول العرب، والآخر الفرس، ثم جاء المعتصم ونحّاهما
وجاء بالترك، وقام على إثر ذلك وقبله طوائف في العراق خاصة، ومنها:
الرافضة، والخوارج، والمعتزلة، والجبرية، والمرجئة، والجهمية.
وكانت الحالة المعيشية ميسورة في ذلك الوقت، والناس في رغد من
العيش، بل كان الخلفاء يبالغون في الاحتفالات بالأعياد الإسلامية وحفلات
الزواج والمآدب العامة.
وكان أهل الذمة يشاركون المسلمين بلادهم وفق الشروط الشرعية
المعروفة. وفوق ذلك، فإن هذا العصر لم يعدم الوعاظ والزهاد والصالحين
أمثال المؤلف وأسرته، والإمام أحمد وسائر العلماء والفضيل وسائر الزهاد،
وأخبارهم معروفة مشهورة.
٢٥

المبحث الثاني
سيرته العامة
اسمه ونسبه ونسبته و کنیته:
- هو عبدالله بن محمد بن إبراهيم - أبي شيبة - بن عثمان بن
خُواسْتِي (١)، هكذا اتفق المترجمون له في جَرّ نسبه. الكوفي (٢)، إلا ما ذكره
الباجي أن أصله من واسط (٣)، ولم أجد من تابعه سوى الكتاني (٤)، ولعله
يريد أن جده كان قاضياً لها (٥).
- يُكنى بأبي بكر بلا خلاف بينهم. واشتهر بـ: ابن أبي شيبة (٦).
- العبسي، مولاهم، قال السمعاني: (( .. عبس بطن من غطفان)) (٧) ثم
عدّد بعض المنتسب إليها من المشاهير، ومنهم جد المؤلف وأسرته.
أسرته العلمية :
أبو بكر سَليل عائلة علمية شهيرة كما نبّه على ذلك جُلّ من ترجم له،
(١) الضبط من (المغني)) للفتني: ٩٦.
(٢) حيث عدّه ابن سعد في ((الطبقات)) ٦/ ٤١٣ في الطبقة التاسعة من الكوفيين، وعده
خليفه في ((الطبقات)»: ١٧٣ في الطبقة الحادية عشرة منهم.
(٣) التعديل والتجريح ٨٢٨/٢.
(٤)
الرسالة المستطرفة: ٤٠.
(٥).
كما سيأتي.
(٦)
تاريخ بغداد ٦٦/١٠.
(٧) الأنساب ٤/ ١٤٠، وانظر: اللباب ٣١٥/٢، ولب اللباب ١٠٤/٢.
٢٧

الفصل الأول: المؤلف
المبحث الثانى: سيرته العامة
وهو أَجَلُّهم مطلقاً، كما قال الذهبي (١).
١- فجدّه: إبراهيم أبو شيبة كان قاضياً، ولكنه كان ضعيفاً في رواية
الحديث، قال الحافظ في ((التقريب)): متروك (ت ١٦٩ هـ). ومن الفوائد: أن
الحكم بن عتيبة خاله (٢)، وأن یزید بن هارون كان كاتباً له (٣) .
٢- وأبوه محمد كان قاضياً، ثقة في الحديث (ت ١٨٢ هـ).
٣- وأخواه: عثمان: محدث مشهور ثقة، ولكنه أقل شأناً من أبي بكر.
وله أوهام (ت ٢٣٩ هـ).
٤ - والقاسم: محدث فيه ضعف شديد(٤)، (ت ما بين سنتي ٢٣١ -
٢٤٠ هـ) (٥) .
٥- وابنه: إبراهیم: صدوق (ت ٢٦٥).
٦- وابن أخيه عثمان: محمد أبو جعفر، صاحب التصانيف، فيه خلاف
(١) ((السير)) ١١/ ١٢٢.
(٢) من الفوائد ما ذكره السمعاني في ((الأنساب)) (٤/ ١٤٠) أنه كان قاضياً للمنصور
على واسط ثلاثاً وعشرين سنة وكان يزيد بن هارون يكتب له. وأفادت الأخت:
عيشة المشعبي: أن الحكم بن عتيبة خال لإبراهيم هذا (أطروحتها ص٣٣) ونقلت
عن «تاريخ بغداد)»: أن يزيد كان كاتباً لإبراهيم (أطروحتها: ٣٥).
(٣) الأنساب ٤/ ١٤٠ ونقلت الأخت عيشة (ص٣٥) هذه الفائدة عن ((تاريخ بغداد))
أيضاً.
(٤) انظر: اللسان (٦٧٠٧).
(٥) لم أقف على سنة وفاته على وجه التحديد، والتقدير المذكور في ((تاريخ الإسلام))
للذهبي حيث عده في هذه الطبقة: (٣٢٦) ص٢٩٨ (نقلاً عن حاشية ((لسان
الميزان)) ط دار إحياء التراث). وانظر: ((الإعلام بوفيات الأعلام))، للذهبي
(٩٥١ - ١٠٣٢) فإنه لم يعده فيه، والله أعلم.
٢٨

الفصل الاول: المؤلف
المبحث الثانى: سيرته العامة
طويل والراجح أنه ثقة (١)، (ت ٢٩٧ هـ).
قال يحيى الحِمّاني: ((أولاد ابن أبي شيبة من أهل العلم، كانوا يزاحموننا
عند كل مُحّدث)) (٢).
ولادته:
لم أقف على من نَصّ على تاريخ ولادته إلا ابن زَبْر (٣)، والخطيب
البغدادي (٤)، حيث نصًا على أنها سنة ١٥٩ هــ. وأما من عداهما فإنهم
ذكروا الوفاة فحسب، وأن عمره حين توفي بضع وسبعون سنة، وورد عند
بعض من ترجمه هذا الخبر الذي يدل على صحة ذلك أيضاً:
((قال محمد بن عمر الجرجاني: سمعت أبا بكر بن أبي شيبة وأنا معه في
جُبّانة كِندة، فقلت له: يا أبا بكر سمعتَ من شَريك وأنت ابن كم؟ قال:
سمعتُ من شريك وأنا ابن أربع عشرة، وأنا يومئذ أحفظ للحديث مني
اليوم!))(٥) .
قلت: وهذه النصوص كلها توافق ما ذكره الخطيب وابن زبر في ولادته؛
لأن شريكاً توفي سنة (١٧٧ أو ١٧٨ هـ)، ولعله سمع منه قبل وفاته
بسنوات.
(١) انظر: ((لسان الميزان)): ٧٨١٨ و((التنكيل)) (٤٦٠/١).
(٢) تاريخ بغداد ٦٨/١٠، تهذيب الكمال ٣٩/١٦، السير ١٢٣/١١.
(٣) تاريخ مولد العلماء ووفياتهم ١/ ٣٧٢.
(٤) تاريخ بغداد ٦٦/١٠.
(٥) الخبر ورد في ((تهذيب الكمال)) ٣٩/١٦ - ٤٠ و((السير)) ١٢٤/١١.
٢٩
1

الفصل الاول: المؤلف
المبحث الثاني: سيرته العامة
وفاته:
توفي بإجماع من ترجم له في المحرم عام ٢٣٥هـ، إلا ما ذكره الخطيب عن
ابن عرفة أنه توفي سنة ٢٣٤هـ، وَوَهّمه في ذلك (١). قلت: وكذلك ابن
الأثير (٢) فإنه عَدّه في وفيات عام ٢٣٤هـ! ولعله أخذه عن ابن عرفة، والله
أعلم.
ولقد كان الخطیب أکثر - من ترجم له - دقة في تحديد وفاته حينما قال:
((توفي وقت العشاء الآخرة، ليلة الخميس، لثمان مضت من المحرم، سنة خمس
وثلاثين ومائتين )) (٣).
عمره:
إذا ثبت أن ولادته عام ١٥٩ هـ، ووفاته عام ٢٣٥هـ فيكون عمره على
هذا: ٧٦ عاماً. وهذا يوافق ما ذكره الذهبي في ((العبر)) (٤): ((بضع وسبعون
سنة)). وأما ما ذكره ابن الجوزي في ((أعمار الأعيان)) (٥)، أنه: توفي وهو ابن
أربع وسبعين؛ فهو خطأ إلا على سبيل التقدير لولادته أنها قريبة من سنة
ولادة أقرانه؛ قال الذهبي: ((وهو من أقران أحمد بن حنبل، وإسحاق بن
راهويه، وعلي بن المديني في السن والمولد والحفظ. ويحيى بن معين أسن
تاريخ بغداد ١٠/ ٦٧.
(١)
الكامل في التاريخ ١٠٢/٦ (وفيات سنة ٢٣٤هـ).
(٢)
(٣) تاريخ بغداد ٧١/١٠ عن محمد بن عبدالله الحضرمي.
(٤) العبر ٣٣١/١.
(٥) أعمار الأعيان: ٥١.
٣٠

الفصل الاول: المؤلف
المبحث الثانى: سيرته العامة
منهم بسنوات)) (١).
فعلى هذا يكون ما ذكره ابن الجوزي تقديراً لا تحديداً، والله أعلم.
ذريته:
ذكر الذهبي في ((السير)) (٢)، أنه خلّف ولده الحافظ الثبت أبا بكر
إبراهیم، ثم ترجم له.
وله ولد آخر قال الذهبي في («الكاشف )» (٣): ((ولا یکاد یعرف )»،
اسمه: محمد، له روایة عند أبي داود (٤).
(١) انظر: السير ١٢٢/١١.
(٢) السير ١٢٧/١١ - ١٢٨.
(٣) الكاشف (٤٧٤٧) نقلاً عن رسالة الأخت عيشة: ٤٦.
(٤) في سننه ٢٣٢/٢ (نقلاً عن المصدر السابق). وهو في كتاب الحدود، باب: في
الرجم.
٣١

المبحث الثالث
سيرته العلمية
يتضمن هذا المبحث الكلام عن حياة ابن أبي شيبة المتصلة بالعلم،
وهذا الذي يعنينا من حياته، وما اشتهر إلا بذلك، وإلا فهو من عامة بني
آدم؛ لذا فإني قد أطلت في هذا المبحث بخلاف المبحثين السابقين. وقد جعلته
في ثلاثة مطالب:
الأول - في نشأته ورحلاته العلمية.
الثاني - في شيوخه وأقرانه وتلاميذه.
الثالث - في مؤلفاته.
وأظنني جمعت في المطلبين الأخيرين ما لم يجمعه غيري، فقد استقصيت
كل ما كتب عن ابن أبي شيبة في ذينك المطلبين ولم آل جهداً، والحمد لله رب
العالمين.
٣٣
٠٠

المطلب الأول : نشأته ورحلاته
نشأته وطلبه العلم:
مضى الكلام عن أسرته العلمية التي خرج منها، ومضى الكلام عن
عصره العلمي الذي عاش فيه، بقي أن نعرف أنه اشتغل بطلب العلم منذ
صغره، كما قال الذهبي: «وهو صبي )) (١)، ولا أدّل على ذلك من روايته عن
شريك؛ فإنه قديم الوفاة، وقد سمع منه وهو ابن أربع عشرة كما قال عن
نفسه، وتقدم خبر الجرجاني (٢). حتى إنه شكك في صحة سماعه منه! وسأل
ابن معين عن ذلك؟ فقال له: «أبو بكر عندنا صدوق، ولو ادعى السماع من
أَجَلَّ من شريك؛ لكان مُصَدَّقاً فيه.))(٣).
قلت: وله كثير من الشيوخ الكبار غيره، ويأتي الكلام عنهم مفصلاً في
مبحث مستقل - بحول الله -، وهؤلاء الشيوخ مختلفو البلدان إلا أن أكثرهم
من الكوفة والبصرة، فهذا يدل على أنه نهل منهم وهو صغير وفي شبابه
حتى نبغ هذا النبوغ، وربما رحل إليهم في بلدانهم.
رحلاته العلمية:
ابن أبي شيبة كوفي المولد والوفاة والنشأة؛ لذا فقد حفظ جُلّ ما عند
مشايخها - وأكثر مشايخه منها - واحتاج إلى الرحلة إلى البصرة - وهي قريبة
(١) السير ١١/ ١٢٢.
(٢) عند الحديث عن ولادته، (الفصل الأول - المبحث الثاني) من هذه الدراسة.
(٣) تاريخ بغداد ١٠/ ٧٠ - ٧١، تهذيب الكمال ٤٠/١٦، السير ١٢٤/١١.
٣٥

الفصل الاول: المؤلف
المبحث الثالث: سيرته العلمية
من الكوفة - فرحل وأخذ عن مشيختها (١). قال عمرو بن علي الفلاس
البصري: ((ما رأيت أحفظ من أبي بكر بن أبي شيبة؛ قدم علينا مع علي بن
المديني، فسرد للشيباني أربعمائة حديث حفظاً وقام!)) (٢).
ورحل إلى بغداد مرتين، بينهما نحو من أربعين سنة (٣). ولكنه كان في
الأولى تلميذاً والثانية شيخاً. قال محمد بن إبراهيم المربع الحافظ: ((قدم علينا
أبو بكر بن أبي شيبة، فانقلبت به بغداد، ونصب له المنبر في مسجد الرصافة،
فجلس عليه، فقال من حفظه: حدثنا شريك، ثم قال: هي(٤) بغداد!، وأخاف
أن تزلّ قدم بعد ثبوتها!، يا أبا شيبة - يعني: ولده إبراهيم - هات الكتاب))(٥).
قلت: فهذه أمصار العراق الشهيرة التي يُطلب فيها العلم رحل إليها،
وأما واسط، فلم أجد من نص على رحلته إليها على أن له مشايخ منها،
كهُشيم بن بشير، ويزيد بن هارون، ولكن لعلهما استقرا في الكوفة فأخذ
عنهما فيها.
والعراق في عصر ابن أبي شيبة موطن العلماء؛ لذا - والله أعلم - لم
يحتج إلى أن يرحل بعيداً اللهم إلا للحج، وفيه سمع من مشايخ الحجاز
- كما يلاحظ في شيوخه الحجازيين - بل إنه صرّح في ((المصنف)) (٦)، أنه
حدثه شيخ بمنى، والحجاز معدن العلم؛ فلعله اكتفى بشيوخ هذين المِصْرین.
(١) طبقات ابن سعد ٤١٣/٦.
(٢) تهذيب الكمال ١٦/ ٤٠، السير ١٢٣/١١، وغيرهما.
(٣) نص على ذلك الخطيب ٦٦/١٠. ثم ذكر قصة تفيد ما أثبته: ٦٦/١٠ - ٦٧.
(٤) كذا!، ولعلها: هيه.
تاريخ بغداد ١٠ / ٦٧ - ٦٨.
(٥)
(٦) المصنف ١٠/ ٣٥ (ط بالهند).
٣٦

المطلب الاول
نشاته ورحلاته
وما قلته في واسط يكون في الري والشام وغيرهما من بلدان مشايخه.
قال الذهبي بعد أن سرد شيوخه: (( ... وخلق كثير بالعراق والحجاز وغير
ذلك)) (١) .
.
٠٠
(١) السير ١٢٣/١١.
٣٧

المطلب الثاني
شيوخه، وأقرانه، وتلاميذه
أولاً - شيوخه:
أكثر ابن أبي شيبة من الشيوخ في تلقي العلم جداً، وقد ذكر جُلٌ من
تَرْجَمه بعضهم (١). ولكن المِزّي أربى على الجميع حيث سرد منهم: ١٢١
شيخاً. وقد تتبعت هذا الثبت الذي صنعه المزي - رحمه الله - وزدت عليه
من ((المصنف)) نحوه (٢). وأسرد الآن هؤلاء جميعاً مميزاً زياداتي عليه بهذه
النجمة (*). وأذكر علامات المزي كما ذكرها للفائدة (٣)، وما لم يرمز له؛
ترکته کذلك وقلت: ذکره المزي ولم يرمز له (٤) .
هذا وقد أفردت هؤلاء الشيوخ بكتاب مستقل، فمن أراد المزيد من
التفاصيل عنهم، فليرجع إليه إذا طبع مفرداً بحول الله(٥).
(١) انظر: تاريخ بغداد ٦٦/١٠، السير ١٢٣/١١، الجرح والتعديل ١٦٠/٥، ومن
المفيد هنا الثبت الذي ساقه د. عبدالله اللحيدان في أطروحته: ١٩ - ٢٤؛ حيث
ساق ٦٨ شيخاً، وبعضهم زائد على ما ذكره المزي، وأهم منه الثبت الذي ساقته
الأخت عيشة في أطروحتها عن ابن أبي شيبة: ١٦٨ - ٢٠٢، ولكنه بحاجة لضبط
وتحرير، وانظر ما سيأتي عنه.
(٢) بمساعدة الأخ / محمد اللحيدان، صاحبنا في تحقيق هذا الكتاب.
(٣) يرجع إلى شرح هذه الرموز في مقدمة ((تهذيب الكمال)).
(٤) والظاهر أن هؤلاء الذين روى عنهم ابن أبي شيبة خارج الكتب الستة.
(٥) هو على غرار ((معجم شيوخ الإمام أحمد في المسند )) لعامر حسن صبري. وسأترجم
فيه لكل شيخ ترجمة متوسطة، مع توثيق أول رواية عنه غالباً، وسأزوده =
٣٩

الفصل الاول: المؤلف
المبحث الثالث: سيرته العلمية
والآن أسرد هؤلاء الشيوخ مرتبين على الحروف:
١ - إبراهيم بن صدقة البصري (٢/ ٢٧٤ (١)، وترجمته (٢)).
٢- إبراهيم بن المغيرة، خَتَن لعبد الله بن المبارك (٢٠١/٣). ترجم له
ابن حبان (٦ /٢٥)(٣).
٣- إبراهيم بن مهدي (٤٦٢/٨). من رجال ((التقريب)).
*
٤- أحمد بن إسحاق الحضرمي (م).
٥- أحمد بن بشير، أبو بكر القرشي الكوفي (٢٣٤/١) من رجال ((التقريب)).
٦ - أحمد بن عبدالله بن يونس (ق).
٧- أحمد بن عبدالملك بن واقد الحراني (ق).
٨- أحمد بن المفضّل الحَفَري (دس).
٩- الأحوص بن جوّاب، أبو الجواب الضبي الكوفي (٧٩/١٢) من رجال ((التقريب)).
*
* ١٠ - أزهر بن سعد السمّان (١/ ٧٢). من رجال ((التقريب)).
= بستة ملاحق: للكنى والأنساب والأبناء والألقاب والمبهمين والأوهام، ثم
سأشفعه بدراسة مستفيضة عن عقائد هؤلاء الشيوخ وبلدانهم ودرجاتهم وغير
ذلك. يسّر الله إكماله وطباعته.
(١) الإحالات هنا على أرقام صفحات وأجزاء الطبعة السلفية بالهند لكتاب
((المصنف)). وفي طبعتنا إحالات عليها في الهوامش.
(٢) أي من ((تهذيب الكمال))، وإن كان من غيره أُصّرح به.
(٣) ووقع في ((الجرح)) ١٣٦/٢: ((ختن علي بن الحسين بن واقد، روى عن ابن
المبارك)) !.
٤٠