النص المفهرس
صفحات 21-40
إلى الحكم عليه بالجهالة إلا بعد التفتيش ، لما ينشأ عنه من توقف الفقيه عن الاستدلال به للحکم، مع کونه مسمی فی رواية أخرى ، ولیس پإسناده ولا متنه ما يمنع کونه حجة» . ثم قال: (( وكلام الحاكم فى المنقطع یشیر إليه ، فإنه قال : وقد یروى الحديث وفى إسناده رجل غير مسمى وليس بمنقطع ، ثم ذكر مثالا من وجهين يسمى الراوى فى أحدهما، وأبهم فى الآخر)) (١). المسألة الثانية : إذا کان الراوی عن المبهم ثقة ، فهل تعد روايته عنه۔ مع الإبهام - توثيقا له ؟ اختلف فى هذه المسألة ، فقيل : يعتبر ذلك تعديلاً له ، إذ لو علم العدل فيه جرحاً . لذكره . وقيل : لا يعتبر ذلك تعديلا ، لاحتمال أن لا يكون العدل يعرفه . وممن اعتبر ذلك تعديلاً الحميدىُّ، فقد روى الخطيب بسنده إليه قال: ((فإن قال قائل : فما الحديث الذى يثبت عن رسول اللـه عليه ، ويلزمنا الحجة به ؟ قلت: هو أن يكون الحديث ثابتا عن رسول الله عَلّة متصلاً غير مقطوع، معروف الرجال أو يكون حديثا متصلا حدثنيه ثقة معروف ، عن رجل جهاتُه، وعرفه الذى حدثنى عنه، فيكون ثابتا يعرفه من حدثنيه عنه، حتى يصل إلى النبى عَّه ، وإن لم يقل كل واحد ممن حدثه: سمعت ، أو حدثنا، حتى ينتهى ذلك إلى النبى معَّه ، وإن أمكن أن يكون بين المحدّث والمحدَّث عنه واحد أو أكثر، لأن ذلك عندى على السماع ، لإدراك المحدّث من حدث عنه، حتى ينتهى ذلك إلى النبى عليه، ولازم صحيح ، يلزمنا قبوله ممن حمله إلينا إذا كان صادقا مدر كا لمن روى ذلك عنه ... )) (٢) إلخ. وهذا الرأى قد ردَّه أكثر العلماء (٣) . (١) فتح المغيث ١٤٥،١٤٤/١. وكلام الحاكم عن المنقطع فى ((معرفة علوم الحديث)) ص٢٧ ،٢٨ يفيد أنه إن وردت تسمية المبهم من طريق آخر لم يسم الإسناد منقطعا، وإنما المنقطع إذا لم يرد تسمية المبهم ، أو كان فى الإسناد قبل التابعى راو لم يسمع ممن فوقه . وتقييده بالتابعى تابعه عليه ابن الصلاح وغيره ، وقال السيوطى : الصواب ((قبل الصحابى)). انظر: مقدمة ابن الصلاح ص١٤٤، التقييد والإيضاح ص٧٨ -٨٠ ، الباعث الحثيث ص٥٠ ، تدريب الراوى ٢٠٨/١. (٢) الكفاية ص٢٥،٢٤. (٣) انظر: مقدمة ابن الصلاح ص ٢٢٥، التقييد والإيضاح ص ١٤٣، الباعث الحثيث ص ٩٦، تدريب الراوى ٠٣١٥:٣١٤/١ ٢١ قال الخطيب: (( احتج من زعم أن رواية العدل عن غيره تعديل له بأن العدل لو كان يعلم فيه جرحاً لذكره . وهذا باطل ، لأنه يجوز أن يكون العدل لا يعرف عدالته، فلا تکون روایته عنه تعدیلا، ولا خبراً عن صدقه ، بل يروى عنه لأغراض يقصدها. كيف وقد وجد جماعة من العدول الثقات رووا عن أقوام أحاديث أمسكوا فى بعضها عن ذكر أحوالهم ، مع علمهم بأنها غير مرضية ، وفى بعضها شهدوا عليهم بالكذب فى الرواية، وبفساد الآراء والمذاهب)). ثم ذكر الخطيب أمثلة لذلك (١). وقال الخطيب أيضا: (( باب فى قول الراوى : حُدِّثْتُ عن فلان، وقوله: حدثنا شيخ لنا: لا يصح الاحتجاج بما كان على هذه الصفة ، لأن الذى يحدث عنه مجهول عند السامع . وقد ذكرنا أنه لو قال: حدثنا الثقة ولم يسمه لم يلزم السامع قبول ذلك الخبر ، مع تزكية الراوى وتوثيقه لمن روى عنه، فبأن لايلزم الخبر عن المجهول الذى لم يزكّه الراوى أولى)) (٢). المسألة الثالثة: إذا عدَّل الراوى من روى عنه بالإبهام ، فهل يقبل هذا التعديل ؟ قال ابن الصلاح : ((لا يجزئ التعديل على الإبهام من غير تسمية المُعَدَّل، فإذا قال: حدثنى الثقة، أو نحو ذلك مقتصرا عليه لم يُكْتَفَ به فيما ذكره الخطيب الحافظ والصيرفى الفقيه وغيرهما ، خلافا لمن اكتفى بذلك ، وذلك لأنه قد يكون ثقة عنده ، وغيره قد اطلع على جرحه بما هو جارح عنده أو بالإجماع ، فيحتاج إلى أن يسميه حتى يعرف، بل إضرابه عن تسميته مريب يوقع فى القلوب تردداً ، فإن كان القائل لذلك عالما أجزأ ذلك فى حق من يوافقه فى المذهب على ما اختاره بعض المحققين)) (٣). وممن أكثر من قول:)) حدثنى الثقة)) أو ((حدثنى من لا أتهم)): مالك والشافعى وابن إسحاق . وذلك واضح فى مصنفاتهم. (١) الكفاية ص٨٩. (٢) الكفاية ص٣٧٤ . (٣) مقدمة ابن الصلاح ص٢٢٤. وانظر كلام الخطيب فى ذلك فى ((الكفاية ) ص٩٢ وص ٣٧٣ و٣٧٤. وانظر كذلك فى هذه المسألة: الباعث الحثيث ص٩٦، التقييد والإيضاح ص ١٤٣، تدريب الراوى ٣١١/١. ٢٢ وقد ذكر شيخ الإسلام ابن حجر فى (( تعجيل المنفعة)) - ونقل عنه السيوطى فى التدريب - قول الشافعى: حدثنى الثقة، مبينا أسماءهم باعتبار شيوخهم (١) . كما نقل السيوطى فى التدريب (٢) قول ابن عبد البر والنسائى وبعض أهل العلم، فى تسمية من قال فيهم مالك : حدثنى الثقة . تنبيه : مما ينبغى التنبيه إليه أن الراوى إذا كنى عن المبهم فى الإسناد أو فى المتن بقوله ((فلان)) فإنه يكون معروفاً بالنسبة للراوى ومن يحدثه ، وانبهامه إنما هو بالنسبة لنا ، على أن معرفة المُحَدِّث والمحَدَّث له لاتعنى الحكم بعدالته، إذ أنه بالنسبة لنا غير مسمى ، فصار فى حكم المجهول . والله أعلم . المسألة الرابعة: ما الفرق بين المبهم والمهمل ؟ المهمل هو : من ذكر اسمه دون تمييز ، كأن يقول الراوى : حدثنا محمد ، دون تمييز محمد هذا عن غيره ، وهذا كثير جدا فى تصانيف المحدثين . وهو يختلف عن المبهم ، فى أن المبهم غير مذكور الاسم أصلا ، بخلافه، وبالتالى فالمبهم مجهول العين والعدالة، أما المهمل فهو معلوم للمحدِّث والمحدَّث معاً. ومع ذلك فبعض المصنفین یجعل تمییزالمهمل من باب توضیح المبهم ، کما یأتی فی. الخبر(٥٦٩) حيث أهمل الراوى ((محمد))، فبين المصنف أن المراد به: ((محمد بن عجلان)). مع أن المصنف قد عاب على ابن طاهر مثل ذلك ، فقد ذكر فى المقدمة حديث ابن طاهر الذى رواه بسنده عن الزبير، وقال: الزبير هو ابن أبى هالة، فقال المصنف: ((ومثل هذا لا يذكر فى المبهمات ، لأن صحابيه مسمى ، ويستدعى ذكره ذکر كل حديث فيه اسم رجل لم یذ کر أبوه ، وهذا باب واسع جدا)(٣). ومما ينبغى التنبه له أن بعض المحدثين لهم فى ذلك اصطلاحات خاصة . (١) تعجيل المنفعة ص٥٤٨ (١٥٧٠)، تدريب الراوى ٣١٣/١. (٢) ٣١٢/١: (٣) انظر ص ٨،٧. ٢٣ فالبخارى مثلاً إذا قال : ((عبد الله)) من غير تمييز، فالمراد ((عبد الله بن محمد الأسدى))(١)، وعبد الرزاق إذا قال: حدثنا سفيان، من غير تمييز، فالمراد ((الثورى))، فإن أراد (ابن عيينة)) ميّزه. والحميدى والشافعى إذا قالا: ((سفيان)) فالمراد ابن عيينة. ومعرفة ذلك إحدى طرائق تمييز المهمل (٣). ومن طريق تمييز المهمل كذلك : ١ - جمع طرق الحديث، فقد يكون مميزا فى بعضها . ٢ - النظر فى شيوخ وتلاميذ الراوى المهمل وطبقته . ٣ - النظر فى الشروح والتفاسير. ٤ - النظر فى أقوال الأئمة فى ذلك . (١) انظر فى تفصيل ذلك : هدی الساری ص٢١٧. (٢) اطلعت فى كتاب سير أعلام النبلاء ٤٦٤/٧ - ٤٦٦ بعد ترجمة الحمادين : ابن سلمة وابن زيد على كلام نفيس جدا للإمام الذهبى رأيت من الخير نقله بنصه؛ لعظيم فائدته. قال رحمه الله تعالى : ((فصل: اشترك الحمادان فى الرواية عن كثير من المشايخ ، وروى عنهما جميعاً جماعة من المحدثين، فربما روى الرجل منهم عن حمَّاد ، لم ينسِبْه ، فلا يعرف أىّ الحمادين هو إلا بقرينة، فإن عَرِى السَّند من القرائن - وذلك قليل - لم نقطع بأنه ابن زيد ولا أنه ابن سلمة ، بل نتردد، أو نقدره ابن سلمة، ونقول : هذا الحديث على شرط مسلم . إذ مسلم قد احتج بهما جميعاً . فمن شيوخهما معً: أنس بن سيرين، وأيوب، والأزرق بن قيس، وإسحاق بن سويد، وبُرْد بن سنان، وبشر بن حرب، وبَهْز بن حكيم، وثابت، والجَعْد أبو عثمان، وحُمَيد الطويل، وخالد الحَذَّاء، وداودبن أبى هند، والجريرى، وشُعيب بن الحبحاب، وعاصم بن أبى النجود، وابن عون، وعبيد الله بن أبى بكربن أنس، وعبيد الله بن عمر، وعطاء أبن السائب ، وعلى بن زيد ، وعمرو بن دينار، ومحمد بن زياد، ومحمد بن واسع، ومَطَر الوراق ، وأبو جمرة الضّبعى، وهشام بن عروة، وهشام بن حسان ، ويحيى بن سعيد الأنصارى، ويحيى بن عتيق، ويونُس بن عُبيد. وحدّث عن الحمادين: عبد الرحمن بن مهدى ، ووكيع، وعفَّان، وحجَّاج بن مِنهال، وسُليمان بن حرب ، وشَيبان، والقَعْنَبى، وعبد الله بن معاوية الجُمَحِى، وعبد الأعلى بن حماد، وأبو النُّعمان عارم، وموسى بن إسماعيل - لكن ماله عن حماد بن زيد سوى حديث واحد - ومؤمَّل بن إسماعيل، وهُدبة، ويحيى بن حسان، ويونس بن محمد المؤدب، وغيرهم . والحفّاظ المختصون بالإكثار، وبالرواية عن حماد بن سلمة: يَهْزُ بن أسد، وحِبَّنُ بن هلال، والحسن الأشيب، وعمر ابن عاصم. والمختصون بحماد بن زيد، الذين مالحقوا ابن سَلمة، فهم أكثر وأوضح: كعلى بن المدينى وأحمد بن عَبْدة، وأحمد. ابن المِقْدام، وبشر بن مُعاذ العَقَدى، وخالدبن خِدَاش، وخلف بن هشام، وزكريا بن عدى ، وسعيد بن منصور، وأبى الرّبيع الزَّهْرانى، والقواريرى، وعمرو بن عَون، وقُقتيبة بن سعيد، ومحمد بن أبى بكر المقَدِّمى، وتُوَيْن، = ٢٤ = ومحمد بن عیسی بن الطباع ، ومحمد بن عُبید بن حساب ، ومُسَدِّد، ویحیی بن حبيب، ویحیی بن یحیی التميمى، وعدة من أقرانهم . فإذا رأيت الرجل من هؤلاء الطّقة، قد روى عن حماد وأبهمه ، علمت أنه ابن زيد، وأنَّ هذا لم يدرك حمادبن سلمة، وكذا إذا روى رجل ممن لقيهما، فقال: حدثنا حمَّد، وسكت ، نظرت فى شيخ حماد من هو ، فإن رأيته من شيوخهما على الاشتراك، ترددت، وإن رأيته من شيوخ أحدهما على الاختصاص والتفرد عرفته بشيوخه المختصين به. ثم عادة عفَّان لايروى عن حماد بن زَيد إلا وينسِه، وربما روى عن حماد بن سَلَمة فلا ينسِه، وكذلك يفعل حجاج بن مِنهال، وهُدْبَة بن خالد ، فأما سُليمان بن حرب ، فعلى العكس من ذلك ، وكذلك عارم يفعل ، فإذا قالا: حدثنا حمَّاد ، فَهو ابن زيد، ومتى قال موسى التُّوذكى: حدثنا حمَّاد، فهو ابن سَلَمة، فهو راويته، والله أعلم. ويقع مثل هذا الاشتراك سواء فى السّفيانَينِ، فأصحاب سفيان الثورى كبار قدماء، وأصحاب ابن عيينة صِغار، لم يدركوا الثورى، وذلك أبين، فمتى رأيت القديم قد روى، فقال: حدّثنا سُفيان، وأبهم ، فهو الثورى ، وهم کو کیع، وابن مهدی، والغریابی، وأُبی نُعيم. فإن روی واحد منهم عن ابن عيينة بينه، فأما الذى لم يلحق الثورى، وأدرك ابن عيينة، فلا يحتاج أن ينسبه لعدم الإلباس، فعليك بمعرفة طبقات الناس ». ٢٥٠ المبحث الثانى أسباب الإبهام وكيفيته وفوائد هذه المعرفة وعلاقة مبهم الحديث بمبهم القرآن أسباب الإبهام : تتعدد أسباب الإبهام فى المتن ، فمنها : ١ - عدم معرفة الراوى لاسم الرجل، فيروى الحديث بالإبهام ، بينما يعرفه راو آخر فیرویه بالبيان . مثال ذلك: الخبر رقم (٤) فى حديث جابر فى الرجل السائل عن أى المسلمين أفضل؟ فبّن أبو موسى الأشعرى أنه هو السائل. ٢ - شك الراوى أو وهمه فى اسم المبهم، فيرويه بالشك أو الإبهام، بينما يجزم غيره بالبيان. مثال ذلك: الخبر رقم (٣٩١) فى قصة ابن مكمل الذى طلق نساءه وهو مريض، فقد رواه عبد الله بن الفضل عن الأعوج، فقال ((ابن مكمل))، ورواه عمرو بن دينار فسماه ((عبد الرحمن بن مكمل)). وروى ابن شهاب القصة فقال: ((عبد الله بن مكمل)). ٣ - الاختصار والاجتزاء ، فيسوق الراوى الحديث للاستدلال على شىء معین، فيروى من الحديث ما يفى بغرضه فقط ، إذ لا يتعلق ببيانه كبير غرض، مثال ذلك الخبر رقم (١٠) فى أشج عبد القيس . وهذا صنيع البخارى فى صحيحه . ٤ - الستر على المسلم (١)، إذ يكون الحديث عن شىء غير طيب ، کوصفه بالنفاق، أو رمیه بالزنا ، أو نحو ذلك . (١) وليس معنى هذا أن البيان يقصد به كشف العورات، إذ أن الستر على المسلمين مقصد شرعى، والبيان فى مثل هذا إنما يقصد به تحديد الشخص، حتى لا يجول الظن فى غيره من أفاضل الناس، فالذى أبهم قَصَد الستر، والذى أبان قصد عدم شيوع التهمة . ٢٦ مثال ذلك: الخبر رقم (٤٢٧) فى الأسلمى الزانى ، والخبر رقم (٤٢٩) فى المرأة الغامدية. ٥ - التعظيم والتفخيم والإجلال(١): مثال ذلك: الخبر رقم (٢٤٠) فى قول عمران بن حصين: ((أنزلت آية المتعة فى كتاب الله وفعلناها مع رسول الله عَّه، ولم ينزل قرآن يحرمه، ولم يُنْهَ عنها، حتى مات، وقال رجل برأيه ما شاء)). وقصد بالرجل: عمر رضى الله عنه . ٦ - وقد يكون الإبهام لغرض فى نفس الراوى : مثال ذلك: الخبر رقم (٥٩٢) فى قول سعد بن أبى وقاص فى سبب نزول قوله تعالى: ﴿واصبر نفسك ... ﴾ الآية: فىُّ نزلت، كنت أنا وابن مسعود وبلال، ورجلان لست أسميهما ... الحديث. والخبر (٧٢) فى تسمية عائشة لأحد الرجلين اللذين خرج بينهما النبى معَّ للصلاة وتركها تسمية الآخر، حتى سماه ابن عباس ، فبين أنه على بن أبى طالب . ٧ - تحقير المبهم وعدم الاهتمام له ، كما فى أحاديث المنافقين. ٨- وضوح المبهم بحیث یُظنَّ أنه لا يحتاج إلى بيان . مثال ذلك: الخبر (١٥٠) فى قول جابر: أوصى رأس المنافقين أن يكفن فى قميص رسول الله ٩ - دفع الهمم إلى الاجتهاد والتقصى والبحث، فإن النفس إذا تشوفت إلى شىء جدّت فى تحصیله وسعت فی نواله . وأما أسباب الإبهام فى الإسناد فمنها : ١ - عدم معرفة الراوى لا سم من روى عنه . مثاله: الخبر (١١١) فى الرجل الأعرابى الذى حدث إسماعيل بن أمية، عن أبى هريرة فى القول فى آخر سور التين والقيامة والمرسلات . (١) وليس معنى ذلك أيضاً أن البيان سينفى هذا المقصد ، بل ربما كان فى البيان زيادة تعظيم وتفخيم، ومدار الأمر فى الإبهام والبيان على مراعاة مقتضى الحال. ٢٧ ٢ - ضعف الراوى المبهم عند من روى عنه ، أو ضعفه عند غيره، فيخشى الراوى أن یرد حديثه ، فيبهمه وهذا ضرب من التدليس . وقد أخرج النسائى أحاديث متعددة من طريق عبد الله بن وهب ، عن عمرو بن الحارث، وذكر آخر (١). فهذا الآخر هو ابن لهيعة كما يظهر فى رواية غير النسائى. وسترى كثيراً من ذلك واضحا فى أثناء الكتاب . کیف یعرف المبهم؟: يعرف المبهم بإحدى الطرق الآتية : ١ - بوروده مسمی فی بعض الروايات (٢). مثال ذلك: الخبر (٢٢١) عن ابن عباس فى الرجل الذى قال : الحج كل عام ؟ فهذا الرجل بَّن ابن عباس فى رواية أخرى أنه الأقرع بن حابس . ٢ - بالتنصيص من أهل السير وغيرهم، إِن اتفقت الطرق على الإبهام (٣). مثال ذلك: الخبر (٥٠٥) فى إسلام أم أبى هريرة، فقد سماها ابن قتيبة فى ((المعارف)). ٣ - قال السخاوى: «وربما استدل له بورود تلك القصة المبهم صاحبها لمعين ، مع احتمال تعددها)) (٤) . وقال السيوطى: (( وربما استدلوا بورود حديث آخر أسند لذلك الراوى المبهم فى ذلك. قال العراقى: وفيه نظر ، لجواز وقوع تلك الواقعة لاثنين)) (٥). مثال ذلك: الخبر(٣) عن ابن مسعود، فى الكبر ، وقول الرجل: إنى أحب أن يكون ثوبى حسناً ونعلى حسنة ... الحديث ، فقد تعددت الروايات المسندة لصحابيين يسندون فيها هذه المراجعة إلى أنفسهم . (١) انظر تهذيب التهذيب ٣٣٠/٥ (٢) مقدمة ابن الصلاح ص٥٧٣، التقييد والإيضاح ص٤٢٧، فتح المغيث ٢٧٥/٣، الباعث الحثيث ص٢٣٦، تدريب الراوى ٣٤٣/٢ (٣) فتح المغيث ٣/ ٢٧٥، تدريب الراوى ٣٤٣/٢. (٤) فتح المغيث ٢٧٥/٣. (٥) تدريب الراوى ٣٤٣/٢. ٢٨ فوائد معرفة المبهم: أما مبهم المتن، فقال ابن كثير: (( هو فن قليل الجدوى بالنسبة إلى معرفة الحكم من الحديث ، ولكنه شىء يتحلى به كثير من المحدثين وغيرهم)). (١) وتعقبه السخاوى، فقال: (( بل من فوائده : أن يكون المبهم سائلا عن حكم عارضه حديث آخر، فيستفاد بمعرفته النسخ وعدمه، إن عرف زمن إسلام ذلك الصحابى، وكان قد أخبر عن قصة شاهدها وهو مسلم)) (٢) . وزاد المصنف ولى الدين أبو زرعة من فوائده : - تحقيق الشىء على ما هو عليه، فإن النفس متشوفة إليه. - ومنها : أن يكون فى الحديث منقبة لذلك المبهم، فيستفاد بمعرفته فضيلته، فينزل منزلته، ويحصل الامتثال لقوله عليه: ((أنزلوا الناس منازلهم)). - ومنها أن يشتمل على نسبة فعل غير مناسب إليه، فيحصل بتعيينه السلامة من جولان الظن فى غيره من أفاضل الصحابة)) (٣). وأما مبهم الإسناد، فقال عنه ابن كثير: ((وأهم مافيه: ما رفع إبهاما فى إسناد، كما إذا ورد فى سند : عن فلان بن فلان، أو عن أبيه، أو عمه، أو أمه، فوردت تسمية هذا المبهم من طريق أخرى، فإذا هو ثقة أو ضعيف، أو ممن ينظر فى أمره. فهذا أنفع ما فى هذا)). (٤) وأوضح ذلك السخاوى فقال: ((لأن شرط قبول الخبر - كما علم - عدالة راويه، ومن أبهم اسمه لاتعرف عينه ، فكيف عدالته ؟ . بل لو فرض تعديل الراوى عنه له مع إبهامه إياه لا يكفى على الأصح، كما تقرر فى بابه)). (٥) علاقة مبهم الحديث بمبهم القرآن : يمكن أن نلمح علاقة تشابه واضحة بين الأمرين على النحو التالى : ١ - فائدة معرفة كل منهما أنه يعين على فهم المراد، ومعرفة الناسخ من المنسوخ عند التعارض. (٢) فتح المغيث ٢٧٤/٣. (١) الباعث الحثيث ص٢٣٦. (٣) انظر ص ٩٣. (٤) الباعث الحثيث ص٢٣٧. (٥) فتح المغيث ٢٧٤/٣. ٢٩ ٢ - يعتبر مبهم القرآن جزءًا من مبهم الحديث، إذ بيان الإبهام فى القرآن إنما يكون بالسنة كما يتضح من كتابى ((أسباب النزول))، و((فضل القرآن)) فى آخر هذا الكتاب. فكل من مبهم القرآن ومبهم الحدیث يتضح بالحديث. ٣ - فى أن كلّ منهما قد يتعدد بيان المراد بالمبهم فيه . ومثال ذلك فى القرآن : آية اللعان فقد تعدد بيان المراد بالملاعن(١). ومثاله فى الحديث الخبر (٣) فى الرجل الذى قال : إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة. (١) انظر الخبر (٤٠٠) و(٤٠١) ٣٠ المبحث الثالث الأصل فى معرفة المبهمات وأشهر من صنف فى ذلك الأصل فيه: قول عبد الله بن عباس رضى الله عنهما: (( طلبت اسم رجل أربع عشرة سنة، حتى وقفت عليه، وهو اسم الذى خرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله، يقال إنه ضَمْرَة بن العيص)) (١) . وقال السخاوى: (( والأصل فيه قول ابن عباس : لم أزل حريصا على أن أسأل عمر عن المرأتين اللتين قال الله لهما: ﴿ إن تتوبا إلى الله﴾، إلى أن خرج حاجاً، فخرجت معه، فلما رجعنا وكنا ببعض الطريق عدل إلى الأراك لحاجة له، فوقفت له حتى فرغ، ثم سرت معه، فقلت: ياأمير المؤمنين، من المرأتان اللتان تظاهرتا على النبى عَّه من أزواجه؟. قال: هما حفصة وعائشة)) (٢) . وهاتان القصتان تكشفان عن مدى وَلَعِ حَبْرَ الأمة رضى الله عنه بكشف الإبهام، وحرصه على إزالة الغموض. وقد كان رضى الله عنه من أسبق المهتمين بهذا الفن، وقد تمارى هو والحرِّبنُ قيس بن حصن الفزارى فى صاحب موسى عليه السلام، حتى مَرّ بهما أبى بن كعب، فدعاه ابن عباس ليحكم بينهما ، وليذكر البيان الصحيح (٣) . وممن اشتهر بمعرفة هذا الفن عبد الملك بن عبد العزيز، المعروف بابن خريج، فكثيراً ما يعزو إليه المصنفون البيان . كما أن أصحاب السّيّر من أمثال الزُّبَيْر بن بَكَّار، ومحمد بن إسحاق ، ومحمد بن عمر الواقدى، وموسى بن عقبة، قد عُنُوا ببيان أبطال السيرة وتحديد أسمائهم. وقد ظلت آثار هذا الفن منثورة لا يجمعها كتابٌ حتى أواخر القرن الرابع الهجرى وأوائل الخامس، فبدأ المصنفون فى جمعها . (١) انظر: الحديث رقم (١٣٥٥) فى الخبر (٥٨٥) . (٢) فتح المغيث ٢٧٥/٣. وانظر: تخريج الخبر رقم (٦١٧) (٣) انظر : الخبر (٥٢٤). ٣١ أشهر من صنف فى مبهمات الحديث : ١ - أجمع المصنفون على أن أول من صنف فى ذلك : عبد الغنى بن سعيد بن على ابن سعيد بن بشر الأزدى المصرى الحافظ. ولد لليلتين بقيتا من ذى القعدة سنة اثنتين وثلاثین و ثلثمائة (٣٣٢). وهو تلميذ الدارقطنى الذى خلفه بمصر بعد خروجه منها، وتوفى ليلة الثلاثاء سابع صفر سنة تسع وأربعمائة (٤٠٩ ) بمصر. وكان إمام زمانه فى علم الحديث وحفظه ، ثقة مأمونا(١). وكتابه يسمى (( الغوامض والمهملات)) ومنه نسخة خطية فى دار الكتب الظاهرية بدمشق(٢) . وهذا الكتاب ينقل عنه كثير من الشُرَّاح وأهل الصناعة فى هذا الباب . ٢ - وتلاه فى التصنيف الإمامُ الخطيب البغدادى أبو بكر أحمد بن على بن ثابت بن أحمد بن مهدى بن ثابت، المولود فى جمادى الآخرة سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة (٣٩٢) يوم الخميس لست بقين من الشهر ، والمتوفى يوم الاثنين سابع ذى الحجة سنة ثلاث وستين وأربعمائة (٤٦٣)، صاحب التصانيف الكثيرة المفيدة(٣). وكتابه يسمى ((الأسماء المبهمة فى الأنباء المحكمة)) وقال فى أوله: ((هذا كتاب أوردت فيه أحاديث تشتمل على قصص متضمنةٍ ذكر جماعةٍ من الرجال والنساء ، أَبْهِمَت أسماؤهم وكُتَّى عنها، وجاءت فى أحاديث أُخَرَ مُحْكَمَةٍ ، فجمعت بينهما، وجعلت إنْر كل حديثٍ فيه اسمٌ مبهم، حديثا فيه بيانه، ورتبت ذلك على نسق حروف المعجم))(٤) . يعنى رتب أسماء المبهمين على حروف المعجم، وقد عاب المصنفُ ولىُّ الدين هذه الطريقة فى الترتيب ، فقال : (١) العبر ١٠٠/٣، طبقات الحفاظ ص ٤١٢ (٩٢٩). (٢) ذكر ذلك محقق كتاب ابن بشكوال ١٦/١ وقال: ((انظر فهرس الأستاذ الألبانى ص٣٤٨)). أما الكتانى فسماه فى الرسالة المستطرفة ص٩١ ((الغوامض والمبهمات)). (٣) العبر ٢٥٣/٣، شذرات الذهب ٣١١/٣، طبقات الحفاظ ص٤٣٣-٤٣٥ (٩٨٠). (٤) الأسماء المبهمة ص٣. ٣٢ : ((وفى تحصيل الفائدة منه عُسر، فإن العارف بالمبهم لا يحتاج إلى كشفه، والجاهل به لایدری مظنته التی یذ کر فیھا» (١) . وقد اختصر هذا الكتاب وهذَّبِه الإمامُ النووى محيى الدين أبو زكريا يحيى بن شرف، المولود فى المحرم سنة إحدى وثلاثين وستمائة (٦٣١)، والمتوفى ليلة الأربعاء رابع عشر رجب سنة ست وسبعين وستمائة (٦٧٦)(٢)، وسمى مختصره ((الإشارات إلى بيان الأسماء المبهمات)). وقد أوضح منهجه فى الاختصار فقال : ( ... فقصدت اختصاره متوسطاً بين البسط والإطالات، أذكر فيه طرفاً من الحديث ، بحيث يعرف بما فيه معرفة سالمة من الترددات، وأزيد فيه جُمَلاً نفيسة لم يذكرها، من ضبط ما يُشْكِل ويُخَافُ تصحيفه من الأسماء واللغات، وأنبه على ما خولف فيه الخطيب رحمه الله، أو كان فيه خلاف لم يذكره فى معظم الحالات، وألحق فى أثنائه أسماءٌ قليلةٌ لم يذكرها الخطيب، مُنَّهاً على أنها من الزيادات، وأزيد فى آخر الكتاب فصولاً نفيسة فى لطائف ما يحتاج إليه متعرف المستبهمات. واعلم أن الخطيب رحمه الله رتب كتابه على حروف المعجم، معتبراً اسم الرجل المبهم ، وهذا الذى اختاره رحمه الله من الترتيب يُخِلَّ بتيسير حصول المطلوب، وقد رتبته أنا ترتيباً أسهل فى التعريف ، فإنه من مهمات مطلوبات التصنيف، فأعتبر اسم راوى الحديث الذى فيه المبهم، ليقرب تناول الكتاب، وتتيسر فائدته على أولى الرغبة من الطلاب، فإن كان الراوى مشهوراً بكنيته دون اسمه ذكرته فى حرف كنيته، ليشترك الخواص وغيرهم فى تيسير علمه. وخير المصنفات ما سهلت فائدته ، وعظمت مع السلامة من الإشكال وغيره عائدته»(٣) . قال المصنف ولى الدين : (( ومع هذا قد يصعب الكشف منه، لعدم استحضار اسم صاحبی ذلك الحديث، مع كونه فاته كثير من المبهمات)) (٤). وقد عَدَّ السيوطى عدد أحاديث الخطيب : مائة وأحداً وسبعين حديثاً (٥) (١٧١) بينما (١) انظر : ص٩٥. (٢) شذرات الذهب ٣٤٥/٥، العبر ٣١٢/٥، طبقات الحفاظ ص٥١٢ (١١٢٨). (٣) الإشارات بذيل الأسماء المبهمة ص ٥٣٢، ٥٣٣. (٤) انظر : ص٩٥. (٥) تدريب الراوى ٣٤٢/٢. ٣٣ عدها محقق الكتاب : مائتين و ثمانية وثلاثین . فى حين ذكرها النووى مائتين وسبعة أربعين (١). وسترى خلال تحقيق هذا الكتاب أن بعض الأحاديث التى يوردها المصنف معزوة إلى الخطيب غير موجودة فى مطبوعة الأسماء المبهمة بينما هى. مذكورة فى (الإشارات)) كالخبر (٢٢٤) و(٢٢٧) و(٤٠٩). كما أن بعض الأحاديث التى يعزوها المصنف إلى الخطيب ليست موجودة فى ((الأسماء المبهمة)) ولا فى ((الإشارات)) كالخبر (٢٣١). وقد قام الدكتور عز الدين السيد رحمه الله بتحقيق كتاب الخطيب وألحق بذيله كتاب النووی (٢) .. ٣ - ثم جاء الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر بن على بن أحمد المقدسى، المولود فى السادس من شوال سنة ثمان وأربعين وأربعمائة (٤٤٨) والمتوفى يوم الجمعة لليلتين بقيتا من ربيع الأول سنة سبع وخمسمائة ببغداد (٣)، فألف كتاب ((إيضاح الإشكال)) (٤)، وقال فى مقدمته: (( هذه أسامى أقوام من الصحابة يروى عنهم أولادهم ، ولايُسَمّوْن فى الرواية، فيعسُر على من ليس الحديث من بضاعته معرفة اسم ذلك الرجل، أفردنا لهم هذه الأجزاء على الاقتصار، دون ذكر أحاديثهم والاستدلال، إذالحاجة تحصل بهذا القدر . والله الموفق للصواب)). ثم فصل ذلك فی أبواب: باب الجد ۔ باب الجدة ۔ باب الأُب۔۔ باب الأم .ثم أردف أبواب الإبهام فى الإسناد بأبواب المبهمات فى المتون على الإيجاز الكافى فى الدلالة (٥). قال السيوطى: (( ولكنه جمع فيه ماليس من شرط المبهمات))(٦). (١) وقال فى آخره: ((هذا آخر ما ذكره الخطيب رحمه الله، ولم أُخلّ بشىء منه، إلا نحو خمسة أحاديث ولم تطب نفسى بذكرها ، مع أنه لا فائدة فى ذكرها » الإشارات ص ٥٩٤. (٢) طبعته مكتبة الخانجى بالقاهرة ١٩٨٤م/١٤٠٥ هـ. (٣) العبر ١٤/٤، طبقات الحفاظ ص٤٥٢ (١٠١٨). (٤) ذكر محقق كتابى الخطيب وابن بشكوال أن منه نسخة مصورة بمكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. انظر الأسماء المبهمة ص٨، وغوامض الأسماء المبهمة ص١٩. (٥) نقلاً عن مقدمة التحقيق لكتاب ((غوامض الأسماء المبهمة »: ص١٩. (٦) تدريب الراوى ٣٤٢/٢. ٣٤ وقال المصنف ولی الدین: ( وقد جمع فيه نفائس حسنة،إلا أنه تَوسع فيه، حتی ذکر مثل حديث عيسى بن يونس، عن وائل بن داود، عن البهى (١)، عن الزبير قال : قتل النبى ◌َّ يوم بدر رجلاً من قريش، ثم قال: (( لا يقتل اليوم رجل من قريش صبراً )) ثم قال: قال أبو حاتم: الزبير هذا هو ابن أبى هالة . انتهى . ومثل هذا لايذكر فى المبهمات ، لأن صاحبيه مسمى، ويستدعى ذكره ذکر كل حديث فيه اسم رجل لم يذكر أبوه، وهذا باب واسع جدا))(٢). ٤ - ثم جاء من بعد ابن طاهر الإمام الحافظ أبو القاسم خلفُ بن عبد الملك بن بشكوال، المولود فى يوم الاثنين الثالث، وقيل الثامن، من ذى الحجة سنة أربع وتسعين وأربعمائة والمتوفى ليلة الأربعاء لثمانٍ خلون من شهر رمضان سنة ثمان وسبعين. وخمسمائة، فجمع فى هذا الموضوع كتاباً كبيراً، قال عنه المصنف ولى الدين: (( وهو أنفس كتاب صنف فى المبهمات))(٣) وقال السيوطى: (( وهو أكبر كتاب فى هذا النوع وأنفسه، جمع فيه ثلثمائة وأحداً وعشرين حديثاً، لكنه غير مرتب)) (٤). ولم يلتزم ابن بشكوال ترتيباً معينا فى كتابه، ولذلك قال عنه المصنف ولى الدين: (ثم · إن كتاب ابن بشكوال الذى هو أجمعها غير مرتب، فتصعب الاستفادة منه على من أراد ذلك)) (٥) . وقد اختلفت تسمية العلماء لهذا الكتاب ، فأكثرهم يسميه (( الغوامض والمبهمات)) وقد قال كاتبه فى آخره: ((آخر الجزء الثالث عشر من كتاب الغوامض والمبهمات)) (٦). وبعضهم يسميه ((الغوامض من الأسماء المبهمة)) وبعضهم يسميه (المبهمات من الأسماء)) . وقد طبع الكتاب بتحقيق الدكتور عز الدين على السيد ومحمد كمال عز الدين بعنوان ((غوامض الأسماء المبهمة الواقعة فى متون الأحاديث المسندة))(٧). وذكر المحققان فى مقدمته أن ابن بشكوال لم يسمه هذه التسمية ، وإنما استفاداها من. (١) فى أصل الكتاب ((البتى)) وسيأتى تحقيق ذلك. (٣) انظر ض ٩٥. (٥) انظر ص ٩٥. (٧) طبعته عالم الكتب /بيروت ١٤٠٧هـ١٩٨٧م. (٢) انظر ص٩٥. (٤) تدريب الراوى ٣٤٢/٢. (٦) ٨٧٨/٢. ٣٥ قول ابن بشكوال فى تقديمه: (( وبعد ، فإنى أذكر فى كتابى هذا ما وقع إلى من غوامض الأسماء المبهمة الواقعة فى متون الأحاديث المسندة ، التى أخبرنا بها شيوخنا ، وذاكرنا بها الحفاظ من أصحابنا)) (١). وقد عَدّ المحققان أحاديثه أربعة وعشرين و ثلثمائة حديث، بزيادة ثلاثة أحاديث على ما ذكره السيوطى . وطريقة ابن بشكوال - كالخطيب - أنه يسوق الحديث بإسناده ، ثم يذكر البيان ، ویسوق حجة البیان بسنده إلى من ذکرها . وقد اتفق مع الخطيب فى ثمانية وسبعين(٢) حديثاً، يتفقان فى البيان والحجة أحياناً، ويختلفان أحياناً، ثم انفرد كل منهما بالطائفة الباقية من عدة أخباره . قال السخاوى: (( واختصر أبو الحسن على بن السراج بن الملقن، والبرهان الحلبى(٣) كتاب ابن بشكوال ، بحذف الأسانيد، وأتى أولهما فيه بزيادات (٤). ٥ - ثم تلاه فى التأليف الحافظ قطب الدين أبو بكر محمد بن أحمد بن على المصرى القُسْطَلاَنى، نسبه إلى قُسْطِلَينة - بضم القاف وتخفيف اللام ، وبعضهم يضبطها بفتحها وتشديد اللام - من أقاليم أفريقيا بالمغرب ، والمتوفى فى محرم سنة ست وثمانين وستمائة (٦٨٦)، فألف كتابه ((الإفصاح عن المعجم من الغامض والمبهم)). ورتبه على الحروف(٥) . ٦ - ثم جاء المصنف ولىُّ الّدين أبو زرعة ابن العراقى فصنف كتابه الحافل ((المستفاد من مبهمات المتن والإسناد)» وهو الكتاب الذى بين أيدينا . وسيأتى الكلام عنه بعد . وهذه التصانيف السابقة لم تختص بمبهمات كتاب معينٍ بل جمع كل مصنف فى كتابه ما وقع له . سـ (١) انظر : مقدمة التحقيق ٣٣/١. (٢) وقد ذكر محقق كتاب ابن بشكوال أنهما اجتمعا على ما يقرب مائة وعشرين حديثا، وليس كذلك . (٣) هو الحافظ أبو الوفاء إبراهيم بن محمد بن خليل الطرابلسى، والشهير بسبط ابن العجمى، ولد سنة ٧٥٣، وتوفى سنة ٨٤١، طبقات الحفاظ ص ٥٥١ (١١٨٧). (٤) فتح المغيث ٣ / ٢٧٥. وانظر الرسالة المستطرفة ص ٩١، ٩٢. (٥) الرسالة المستطرفة ص ٩٢، وفتح المغيث ٢٧٥/٣ وسماه ((الإيضاح عن المعجم من الغامض والمبهم). ٣٦ وهناك من أفرد مبهمات کتب معينة أو كتاب مخصوص . ٧- منهم العلامة مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيبانى المعروف بابن الأثير، المولود سنة أربع وأربعين وخمسمائة والمتوفى سنة ست وستمائة (١)، فقد اعتنى فى آخر كتابه (جامع الأصول فى أحاديث الرسول)) بتحرير مبهمات الكتب التى جمعها فيه . ٨ - ومنهم الإمام الحافظ أبو الفضل أحمد بن على بن محمد ، الشهير بابن حجر العسقلانى ، المولود فى مصر فى الثانى عشر من شعبان سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة (٧٧٣) ، والمتوفى ليلة السبت الثامن والعشرين من ذى الحجة سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة (٢) فقد عقد فصلا فى كتابه ((هدى السارى))، ذكر فيه المبهمات فى صحيح البخارى ، على ترتيب البخارى فى الأبواب . قال السخاوى : ((اعتنى شيخنا بذلك، لكن بالنسبة لصحيح البخارى ، فأربى فيه على من سبقه ، بحيث كان معول القاضى جلال الدين البلقينى فى تصنيفه المفرد فى ذلك عليه)»(٣) . وقد اعتنى ابن حجر بذلك فى ((فتح البارى)) فى مواضعه، وفى (( تلخيص الحبير)) و(الإصابة)). وقد استفدت كثيراً جداً فى تحقيق هذا الكتاب من جهود شيخ الإسلام رحمه الله تعالى . ٩ - وتلاه الحافظ جلال الدين أبو الفضل عبد الرحمن بن سراج الدين أبى حفص عمر البلقيني - بضم الباء وفتح القاف وكسرها - المتوفى سنة أربع وعشرين وثمانمائة، فألف کتابه « الإفهام بما وقع فى البخارى من الإبهام )) ، وقد اعتمد فيه على ما ذكره ابن حجر فى ((هدى السارى))(٤). كما أن العلامة عز الدين أبا الحسن على بن محمد ، ابن الأثير ، شقيق السابق، المولود سنة خمس وخمسين وخمسمائة والمتوفى فى شعبان سنة ثلاثين وستمائة (٥) ، قد ذكر فى (١) وفيات الأعيان ٢٨٩/٣-٢٩١، شذرات الذهب ٢٣،٢٢/٥. (٢) حسن المحاضرة ٣٦٣/١، الضوء اللامع ٣٦/٢، طبقات الحفاظ ص٥٥٢، ٥٥٣ (١١٩٠). (٣) فتح المغيث ٢٧٥/٣، الرسالة المستطرفة ص ٩٣ . (٤) فتح المغيث ٢٧٥/٣، الرسالة المستطرفة ص ٩٣ . (٥) العبر ١٢٠/٥، طبقات الحفاظ ص ٤٩٥، ٤٩٦(١٠٩٠). ٣٧ آخر كتابه «أسد الغابة فى معرفة الصحابة )» فصلاً فى مبهمی الرجال من الصحابة ، وآخر فى المبهمات من النسوة ، إلا أنه لم يَعتَنِ ببيان المبهم فيها، وغالبها ممن لا يُعْرِف. كما أورد ابن الجوزى فى ((تلقيح فهوم أهل الأثر)) جملة منها (١). (١) فتح المغيث ٢٧٥/٣، الرسالة المستطرفة ص٩٢. ٣٨ الفصل الثانى حياة أبى زرعة وكتابه المستفاد المبحث الأول حياة أبى زرعة ومكانته العلمية أولاً : العصر الذى عاش فيه المصنف لما كان (( الناس بزمانهم أشبه)) فإن من الخير - قبل التعريف بالمصنّف - أن نُعَرِّف بالعصر الذى نشأ فيه ، والبيئة التى ترعرع فيها، وأن نلقى نظرة على الظروف العامة التى أحاطت بنشأته ، نظراً لما للبيئة من أثرٍ فى تكوين الرجال وتشكيلهم . فأقول والله ولىُّ التوفيق : ١ - الحالة السياسية : عاش المصنف رحمه الله جزءاً من حياته ( اثنين وعشرين عاما) فى عصر دولة المماليك البحرية (١)، وعاش الجزء الآخر (اثنين وأربعين عاما) فى عصر دولة المماليك البرجية أو الجركسية (٢)، فقد ولد عام ٧٦٢ وتوفى عام ٨٢٦. (١) دولة المماليك البحرية بدأت بعز الدين أيبك الذى تزوج شجرة الدر ، وتولى عرش مصر بعد الدولة الأيوبية، وذلك سنة (٦٤٨هـ)، وهم طائفة من المماليك أسكنهم الصالح نجم الدين الأيوبى قلعة بجزيرة الروضة يبحر النيل ، فسموا البحرية. وحكمت هذه الطائفة نحو مائة وست وثلاثين سنة (٦٤٨هـ - ٧٨٤هـ). انظر موسوعة التاريخ الإسلامى ١٩٩/٥ وخطط المقريزى ٢٤٠/٢ - ٢٤١و٢٣٦/٢. (٢) دولة المماليك البرجية أو الجركسية بدأت بالملك الظاهر برقوق بن أنس بن عبد الله الجركسى، الذى كان يقوم بأمر آخر الخلفاء البحريين: أمير حاج بن سفيان، الذى كان فى الحادية عشرة من عمره حين بويع له (سنة ٧٨٣هـ)، ثم وثب على السلطنة (سنة ٧٨٤هـ) وهم طائفة من المماليك ، أصل ملوكهم من الجنس الجركسى ، ولذلك سموا الجراكسة، وكانوا يقيمون فى أبراج القلعة ، ولذلك سموا البرجية. وقد استمرت دولتهم نحو مائة وتسع وثلاثين سنة (٧٨٤هـ - ٩٢٣م). وكل من الدولة البحرية والدولة الجركسية أصلهم من معتوقى المماليك ، الذين اشتراهم الأيوبيون وغيرهم ، وكلا الدولتين قد اتبع نظاماً وراثيا فى تولية الأمراء والسلاطين فى الغالب . انظر موسوعة التاريخ الإسلامى ٢٠٠/٥ وخطط المقريزى ٢٤١/٢. ٣٩ وقد اتّسم هذ العصر بالاضطراب، وعدم الاستقرار، وكثرة القلاقل والفتن الداخلية ، إذا كان الأمراء يتطلعون إلى الاستئثار بالسلطة والوصول إلى مراكز القيادة بأى ثمن، فكانت النزاعات مستمرة، والاغتيالات متتابعة، إذ كانت الإطاحة بأحد السلاطين لا تتم إلا بالعنف غالباً ، أو بأن ينتهز من يدير أمر المملكة للسلطان - إذا كان صغيراً - الفرصة، لينتزع منه الملك ، بل كانوا يحكمون على الملك بالموت وهو فى أزهى ساعات مجده، كالذى حدث لقطز بعد انتصاره الساحق على التتار فى عين جالوت ، وكالذى حدث للأشرف خليل عقب استيلائه على عكا آخر حصون الصليبيين(١). وقد عاصر المصنف رحمه الله ثلاثة عشر سلطاناً فترة حياته ، منهم أربعة فى أقل من عام ونصف ، وهم : ١ - صلاح الدين بن حاجى بن الناصر بن قلاوون ٧٦٢هـ = ١٣٦١م. ٢ - شعبان بن حسن بن الناصر محمد بن قلاوون ٧٦٤هـ = ١٣٦٣م. ٣ - على بن شعبان بن الناصر محمد بن قلاوون ٧٧٨هـ = ١٣٧٦م. ٤ - حاجى بن شعبان بن الناصر محمد بن قلاوون، وكان عمره أحد عشر عاما ٧٨٣-٧٨٤هـ = ١٣٨١-١٣٨٢م. ٥ - برقوق بن أنس بن عبد الله الجركسى ، أول سلاطين المماليك الجركسية وكان قائماً بتدبير أمر حاجى بن شعبان ثم خلعه وتولى السلطنة ٧٨٤-٨٠١هـ = ١٣٨٢- ١٣٩٨م. وفى خلال سلطنته استطاع يَلْبُغَا أن يتغلب عليه ويعيد السلطنة إلى حاجى بن شعبان المملوكى البحرى لمدة عام واحد (٧٩١ -٧٩٢ هـ)، ثم استطاع برقوق أن يستعيد مكانته . ٦ - فرج بن برقوق ٨٠١هـ = ١٣٩٨ م. ٧ - عبد العزيز بن برقوق ٨٠٨هـ = ١٤٠٥م. ٦ - ثم فرج مرة ثانية ٨٠٩ هـ = ١٤٠٦م. ٨- العادل المستعين بالله، الخليفة العباسى ٨١٥هـ = ١٤١٢ م. (١) أنظر موسوعة التاريخ الإسلامى ١٩٨/٥ - ١٩٩. ٤٠