النص المفهرس
صفحات 961-980
ح ٤٤٦ ٩٦١ كتاب الصلاة كتاب الصلاة فرض الصلاة وذکر اختلاف الناقلین في حديث أنس رضي عب واختلاف ألفاظهم ٤٤٦ - أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ الدَّسْتَوَائِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ قَالَ: ((بَيْنَا أَنَا عِنْدَ الْبَيْتِ بَيْنَ النَّائِمِ والْيَقْطَانِ إِذْ أَقْبَلَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، فأُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبِ مَلآنٍ حِكَّمَةً وإيماناً، فَشَقَّ مِنَ النَّحْرِ إِلَى مَرَاقٌ الْبَطْنِ فَغَسَلَ الْقَلْبَ بِمَاءِ زَمْزَمَ ثُمَّ مُلِىَ حِكْمَةً وإِيمَاناً، ثُمَّ أُتِيتُ بِدَابَّةٍ دُونَ الْبَغْلِ وَفَوْقَ الْحِمَارِ، ثُمَّ انْطَلَقْتُ مَعَ جِبْرِيلَ عَلَّا فَأَتَيْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيا فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: مَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ مَرْحَباً بِهِ ونِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَأَتَيْتُ عَلَى آدَمَ عَّ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ قَالَ: مَرْحَباً بِكَ مِنْ ابْنٍ وَنَبِيٍّ، ثُمَّ أَتَيْنَا السَّمَاء الثانِيَةَ قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلْ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، فَمِثْلُ ذَلِكَ، فَأَتَيْتُ عَلَى يَحْيَى وَعِيسَى فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِمَا فَقَالَا: مَرْحَباً بِكَ مِنْ أَخْ وَنَبِيٍّ، ثُمَّ أَتَيْنَا السَّمَاءَ الثَّالثَةَ قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: حِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، فَمِثْلُ ذَلِكَ، فَأَتَيْتُ عَلَى يُوسُفَ عَلَّا فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ قَالَ: مَرْحَباً بَِكَ مِنْ أَخْ وَنِيٍّ، ثُمَّ أَتَيْنَا السَّمَاءَ الرَّابِعَةَ فَمِثْلُ ذَلِكَ، فَأَتَيْتُ عَلَى إِدْرِيسَ عَهُ فَسَلَّمْتُ عَلَّيْهِ فَقَالَ: مَرْحَباً بِكَ مِنْ أَخْ ونِيٍّ، ثُمَّ أَتَيْنَا السَّمَاءِ الْخَامِسَةَ فَمِثْلُ ذَلِكَ، فَأَتَيْتُ عَلَى هَارُونَ عَهُ فَسَلَّمْتُ عُّلَيْهِ قَالَ: مَرْحَباً بَِكَ مِنْ أَخْ ونَبِيٍّ، ثُمَّ أَتَيْنَا السَّمَاء السَّادِسَة فَمِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ أَتَيْتُ عَلَى مُوسَى عَُّ فَسَلَّمْتُ عَلَّيْهِ فَقَالَ: مَرْحَبَاً بِكَ مِنْ أَخْ ونَبِيٍّ، فَلَمَّا جَاوَزْتُهُ بَكَى، قِيلَ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: يَا رَبِّ هَذَا الْغُلَامُ الَّذِي بَعَثْتَهُ بَّعْدِي يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِهِ الْجَنَّةَ أَكْثَرُ وأَفْضَلُ مِمَّا ح ٤٤٦ ٩٦٢ كتاب الصلاة يَدْخُلُ مِنْ أُمَِّي، ثُمَّ أَتَيْنَا السَّمَاءِ السَّابعَةَ فِمِثْلُ ذَلَكَ، فَأَتَيْتُ عَلى إِبْرَاهِيمَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: مَرْحَباً بِكَ مِن ابْنٍ ونَبِيٍّ، ثُمَّ رُفِعَ لِي الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ فَسَأَلْتُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: هَذَا الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ يُصَلِّ فِيهِ كُلَّ يَوْمِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكِ، فَإِذَا خَرَجُوا مِنْهُ لَمْ يَعُودُوا فِيهِ آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ رُفِعَتْ لِيَّ سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى فَإِذَا نَبْقُهَا مِثْلُ قِلَالِ هَجَرٍ، وإِذَا وَرَقُهَا مِثْلُ آذَانِ الْفِيَلَةِ، وَإِذَا فِي أَصْلِهَا أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ: نَهْرَانٍ بَاطِنَانِ وَنَهْرَانِ ظَاهِرَانٍ، فَسَأَلْتُ جِبْرِيلَ فَقَالَ: أَمَّا الْبَاطِنَانِ فَفِي الْجَنَّةِ، وأَمَّا الظَّاهِرَانِ فَالْفُرَاتُ والنِّيلُ، ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَيَّ خَمْسُونَ صَلَاةً، فَأَتَيْتُ عَلَى مُوسَى فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: فُرِضَتْ عَلَيَّ خَمْسُونَ صَلَاةً، قَالَ: إِنِّي أَعْلَمُ بِالنَّاسِ مِنْكَ، إِني عَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ، وإِنَّ أُمَّتَكَ لَنْ يُطِيقُوا ذَلِكَ، فارْجِعْ إلى رَبَّكَ فاسْأَلَهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكَ، فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي فَسَأَلْتُهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنِّي فَجَعَلَها أَرْبَعِينَ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى مُوسَى عَلَّا فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: جَعَلَهَا أَرْبَعِينَ، فَقَالَ لِي مِثْلَ مَقَالَتِهِ الأُوَلِى، فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي وَنْ فَجَعَلَهَا ثَلاَثِينَ، فَأَتَيْتُ عَلَى مُوسَى عََّ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ لِي مِثْلَ مَقَالَتِهِ الأُولَى، فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي فَجَعَلَهَا عِشْرِينَ ثُمَّ عَشْرَةً ثُمَّ خَمْسَةً، فَأَتَيْتُ عَلَى مُوسَى عَلَُّ فَقَالَ لِي مِثْلَ مَقَالَتِهِ الأُولى، فَقُلْتُ: إِنِّي أَسْتَجِي مِنْ رَبِّي رَكَ أَنْ أَرْجِعَ إِلَيْهِ، فَنُودِي أَنْ قَدْ أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي وأَجْزِي بِالْحَسَنَةِ عَشْرَ أَمْثَالِهَا)). [رواته: ٦] ١ - يعقوب بن إبراهيم بن كثير الدورقي مولى عبد القيس: تقدم ٢٢. ٢ - يحيى بن سعيد بن فروخ القطان الأحول: تقدم ٤. ٣ - هشام بن أبي عبد الله واسمه سنبر الدستوائي: تقدم ٢٥. ٤ - قتادة بن دعامة السدوسي: تقدم ٣٤. ٥ - أنس بن مالك نظمته: تقدم ٦. ٦ - مالك بن صعصعة الأنصاري المازني، روى عن النبي ◌َّ حديث المعراج بطوله وعنه أنس بن مالك، قال ابن حجر: نسبه ابن سعد فقال: مالك بن صعصعة بن وهب بن عدي بن مالك بن عدي بن عامر بن غنم بن ح ٤٤٦ ٩٦٣ كتاب الصلاة عدي بن النجار. قال ابن حجر في فتح الباري: (ماله في البخاري ولا من غيره سوى هذا الحديث، ولا يعرف راوٍ عنه إلا أنس بن مالك) اهـ، والله أعلم. التخريج أخرجه البخاري ومسلم وأحمد وابن خزيمة، وحديث الإسراء ثابت بروايات متعددة وطرق مختلفة مطولة ومختصرة، فهي بمجموعها يحصل بها التواتر المعنوي. قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى بعد نقله لأحاديث الإسراء عن جماعة من الصحابة في الصحيحين والنسائي ومسند أحمد والبيهقي في الدلائل والطبراني وابن جرير، بطرق متعددة منهم أنس بن مالك بدون واسطة وبواسطة مالك بن صعصعة وأبي بن كعب وأبي ذر وجابر وابن عباس وأبي هريرة وشداد بن أوس وابن مسعود وحذيفة وبريدة بن الخطيب وأبي سعيد الخدري وعمر بن الخطاب وعائشة وأم هانئ، وذكر طرقاً كثيرة مطولة ومختصرة ثم قال رحمه الله تعالى -: فإذا حصل الوقوف على هذه الأحاديث كلها صحيحها وحسنها وضعيفها؛ يحصل مضمون ما اتفقت عليه من مسرى رسول الله ﴾ من مكة إلى بيت المقدس، وأنه مرة واحدة وإن اختلفت عبارات الرواة في أدائه أو زاد بعضهم فيه أو نقص منه، فإن الخطأ جائز على غير الأنبياء عليهم السلام. اهـ. ثم قال: قال الحافظ أبو الخطاب عمر بن دحية في كتابه (التنوير في مولد السراج المنير) - وقد ذكر حديث الإسراء من طريق أنس وتكلم عليه فأجاد وأفاد - ثم قال: (وقد تواترت الروايات في حديث الإسراء عن عمر بن الخطاب وعلي وابن مسعود وأبي ذر ومالك بن صعصعة وأبي هريرة وأبي سعيد وشداد بن أوس وابن عباس وأبي بن كعب وعبد الرحمن بن قطى وأبي حية وأبي ليلى الأنصارييين وعبد الله بن عمرو وجابر وحذيفة وبريدة وأبي أيوب وأبي أمامة وسمرة بن جندب وأبي الحمراء وصهيب الرومي وأم هانئ وعائشة وأسماء بنتي أبي بكر الصديق رضي الله عنهم الجميع. منهم من ساقه بطوله ومنهم من اختصره على ما وقع في المسانيد، وإن لم تكن رواية بعضهم على شرط الصحة؛ فحديث الإسراء أجمع عليه المسلمون وأعرض عنه الزنادقة الملحدون، يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون) اهـ. ح ٤٤٦ ٩٦٤ -٧٠٠٠٠ كتاب الصلاة اللغة والإعراب والمعنى قوله: (فرض الصلاة) الفرض في اللغة: القطع والواجب لأنه مقطوع بلزومه وتعيين الحق وتحديده، ومنه قوله تعالي: ﴿قَدّ فَرَضَ اَللَّهُ لَكُنْ تَجِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ﴾ أي: عيّنها لك، وقوله ﴿أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةٌ﴾ أي: تعيّنوا لهن الصداق لأنه يجب ما تعيّن منه وحدد، وفريضة الزكاة: الواجب في المال أو هو النصاب وكل منهما يسمى فريضة، قال الشاعر: كانت فريضة ما تقول كما كان الزناء فريضة الرجم أي: الموجب له. وفرضه يفرضه فرضاً وفرَّضه للتكثير: أوجبه وعيّنه، وفرائض الله: حدود شرعه ومعالم دينه الذي أوجب على عباده العمل به، والفرائض: الحقوق الواجبة في الميراث لأنها لازمة متعينة لأهلها، وفرضة النهر: المشرب منه، وجمعه فرض وفرائض، والمشرعة أيضاً وفراض فيهما . قال لبيد: تجري خزائنه على من نابه جري الفرات على فراض الجدول وفرضة البحر: محط السفن، وقوله تعالى: ﴿سُورَةُ أَنْزَلْتَهَا وَفَرَضْتَهَا﴾ بالتخفيف والتشديد: أوجبنا العمل بما فيها أو بيّنا فيها الفرائض الواجبة. والفرض والواجب عند الجمهور مترادفان بمعنى، وعند أبي حنيفة تكْلَتُ الفرض آكد من الواجب. قال ابن عرفة: التوقيت في الواجب يعني التحديد والتعيين، وفرض الصلاة يجوز أن يكون إلزام العباد بها وبيان حكم ذلك لهم، فتكون أل في الصلاة للجنس، وهذا بناء على أنها لم تكن فرضت قبل ذلك، ويحتمل أن يكون المراد به بيان مقدار المفروض منها على التحديد، وهو الأظهر لأن الأدلة ثبتت بمشروعية الصلاة وفعلها قبل ليلة الإسراء، وإنما الذي خص ليلة الإسراء تحديد الصلوات الخمس في الأوقات المخصوصة، وأما قبل ذلك فلم يتعين ما كان عليه الأمر كما سيأتي في الباب الثاني إن شاء الله في شرح حديث عائشة غيًّا، وهذا هو ظاهر القرآن في الأمر بها في أول البعثة، وفعل النبي ◌َّله لها في أول البعثة، فيكون معنى فرض الصلاة: بيان المفروض منها المحتم فعله على العباد، فـ(أل) في الصلاة على هذا تكون للعهد الذهني أي: قدر الصلاة التي فرضت عليكم. وفرض: مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، ح ٤٤٦ ٩٦٥ كتاب الصلاة والأصل فيه الجر بالإضافة لأن تقدير الكلام: هذا بيان فرض الصلاة، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، فأعرب بإعرابه على القاعدة المشار إليها بقول ابن مالك تَخْذَتُهُ : وما يلي المضاف يأتي خلفا عنه في الإعراب إذا ما حذفا وقوله: (واختلاف) معطوف على فرض، والمراد بهذا الاختلاف كونهم نقلوه عن أنس عن النبي وَل﴿ بلا واسطة، وعنه بواسطة جماعة من الصحابة منهم مالك بن صعصعة وأبي ذر وأبي بن كعب، وذلك محمول على أن أنساً رَظُه سمعه من النبي وَل، وسمعه من هؤلاء الصحابة عنه عليه الصلاة والسلام، واختلاف الألفاظ سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وليس فيه تناقض ولكنه محمول على تفاوت الرواة في الضبط والحفظ، ولا يدل على اضطراب كما تقدم. وجواز النسيان على كل أحد ما عدا الأنبياء، وتقدمت الإشارة إلى ذلك في تخريج الحديث، ولفظ الصلاة تقدم الكلام عليه أول هذا الكتاب المبارك في شرح الآية، وأن الأصل فيها عند الأكثرين: الدعاء، وأغنى عن إعادته هنا، وقد ذكر النووي أن كون الصلاة بمعنى الدعاء قول جماهير العلماء من أهل العربية والفقهاء وغيرهم، ثم ذكر القول بأنها من التصلية وهو كون الشيء ثانياً لما سبقه، لأن الصلاة هي الركن الثاني بعد الشهادتين، تشبيهاً بالمصلى من الخيل وهو الثاني في الحلبة عند السباق والله أعلم. قوله فعلا: (بينا أنا نائم): أصل كلمة (بينا) (بين) التي هي ظرف في الأصل، فأشبعت الفتحة فتولد منها الألف، ويزاد بعد النون ميم فتصير بينما، والمعنى فيها واحد فهي - فعلى - وليست الألف فيها وصلاً، قال القاضي عياض ◌َُّهُ: (بينا أنا في أمري) أي بينما، وكأنه من البين الذي هو الوصل، أي بينما أنا متصل بفعلي. قلت: وذلك لأن البين في الأصل كلمة تستعمل لشيئين متضادين: أحدهما البعد والقطع والثاني الوصل والقرب، فمن استعماله في الوصل قول الشاعر: فقرّت بذاك الوصل عيني وعينها لقد فرّق الواشون بيني وبينها فالبين هنا بمعنى الوصل، وقول قيس بن ذرع: ولولا الهوى ما حنّ للبين آلف لعمرك لولا البين لانقطع الهوى ح ٤٤٦ ٩٦٦ كتاب الصلاة أي: للوصل، فهو في هذين البيتين بمعنى القرب، واستعماله في البعد والافتراق هو الأكثر، ومنه قول الآخر: حبل النوى في أيديهم قطع لما دنا البين بين الحي واقتسموا وشك الفراق فما أبكى وما أدع جادت بأدمعها ليلى وأعجلني و قول جرير: ما شئت إذ ظعنوا لبين فانعب نعب الغراب فقلت بينٌ عاجل ومنه قول كثير: وأما واسط فمقيم فأما آل عزة غدوة فبانوا وقد جمع بين المعنيين القائل: فأعقبه البين الذي شتت الشملا فلله لفظ ما أمر وما أحلى وكنا على بين فجمَّع شملنا فيا عجبا ضران واللفظ واحد قلت: استعمله جرير في الناحية في قوله: غدت هوج الرياح مبشرات إلى بين نزلت به السحابا فالبين: الناحية والمكان، وبينا وبينما ظرفان بمعنى المفاجأة، ويضافان إلى جملة من فعل وفاعل أو مبتدأ وخبر، ويحتاجان إلى جواب يتم به المعنى، والأفصح في جوابهما أن لا يقترن بإذ ولا بإذا، كما في قول الشاعر: تباكره أفياؤها وتراوح فبينا الفتى في ظل نعماء غضة تضيق بها منه الرحاب الفسائح إلى أن رمته الحادثات بنكبة وقول الشاعر: يوما أتيح له جرئ سلفح بينا تعنقه الكماة وروغه ومجيء إذ وإذا في جوابهما كثير، قالت حرقة بنت النعمان: بينا نسوس الناس والأمر أمرنا إذا نحن فيهم سوقة نتنصف . ومن زعم أن إذ لا تأتي إلا مع جواب بينما، يردّه قول حميد بن الأرقط - وقيل: هو لجند الطهوي: أنوك في نوكاء من نوكاته بينا الفتى يخبط في غيساته فاجتاحها بشفرتي مبراته إذ انتحى الدهر إلى عفراته ح ٤٤٦ M ٩٦٧ كتاب الصلاة ویروی : تقلب الحية في قلاته بينا الفتى يخبط فى غيساته فاجتاحها بشفرتي مبراته إذ أصعد الدهر إلى عفراته والغيسان: شرخ الشباب، والعفرات: شعر وسط الرأس. وقال الراغب: (بين) لفظ موضع للخلالة بين الشيئين ووسطهما. فقوله ظلَّلا (بينا أنا عند البيت) أضاف (بين) إلى الجملة الاسمية قدر محذوفها، أي بين أوقات كذا، وتضاف إلى المفرد بشرط عطف غيره عليه بالواو خاصة دون غيرها، وهنا أضيفت إلى الجملة الاسمية وهي قوله (أنا عند البيت)، فالتقدير على هذا: بين أوقات أنا عند البيت، وعلى قول عياض كَتُهُ التقدير: بينا أنا متصل بكوني عند البيت: وقوله: (بين النائم واليقظان) أي: بين حالة النائم واليقظان، والظرف هنا متعلق بمحذوف حال، وهذه صفة نومه ◌َّلي فإنه تنام عينه ولا ينام قلبه، وتقدم الكلام على النوم واليقظة في شرح حديث أبي هريرة أول حديث من كتاب السنن (إذا استيقظ أحدكم ... الحديث). وفي رواية للبخاري: بينما في الحجر، وفي رواية له من حديث أبي ذر: في الحطيم، وربما قال: في الحجر، وهو شك من قتادة الراوي عن أنس، وبينت ذلك رواية أحمد عن عفان عن همام بلفظ: ((بينا أنا نائم في الحطيم - وربما قال قتادة : في الحجر))، ورجح ابن حجر نَّتُهُ أن المراد بالحطيم هنا: الحجر، وذلك أن الحطيم مختلف فيه بين أن يكون الحجر أو ما بين الركن والمطاف أو بين زمزم والحجر، أو بين الباب وزمزم، فترجيح كونه الحجر هاهنا من أجل أنه يجمع بين هذه الروايات لأن القصة واحدة على الصحيح، ومخرج الحديث هنا واحد أيضاً لأنه حديث أنس، والفرض بيان المحل الذي حصل فيه ما ذكر، فلا يتجه تخريجه على التعدد ما دام المخرج واحداً، ورواية الزهري عن أنس: فرج سقف بيتي وأنا بمكة. وروى الواقدي بإسناده أنه أسري به من شعب أبي طالب، وأخرج الطبراني من حديث عبد الأعلى بن أبي مساور عن عكرمة عن أم هانئ قالت: بات رسول الله وسلم ليلة أسري به في بيتي، ففقدته من الليل فامتنع مني النوم مخافة أن يكون عرض له بعض قريش، فقال: إن جبريل أتاني وأخرجني .. وذكر الحديث. ح ٤٤٦ ٩٦٨ كتاب الصلاة وكذا روى ابن إسحاق قال: حدثني محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح باذان عن أم هانئ بنت أبي طالب في مسرى رسول الله وَل* أنها كانت تقول: ما أسري برسول الله وسير إلا وهو في بيتي نائم عندي تلك الليلة، فصلى العشاء الآخرة ثم نام ونمنا، ثم ذكرت الحديث، وقد روى الحافظ البيهقي من طرق عن جماعة من التابعين عن علي وابن مسعود وابن عباس أنه كان في بيت أم هانئ راقداً وقد صلى العشاء الآخرة فذكر الحديث، وعند البيهقي من رواية أبي هارون العبدي - قال ابن كثير: وهو ضعيف - عن أبي سعيد الخدري به عن النبي ◌ّله أنه قال له أصحابه: يا رسول الله أخبرنا عن ليلة أسري بك فيها، قال: قال اللهِ ◌ّ: ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِنَ اُلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ... ) الآية. قال: فأخبرهم، قال: فبينا أنا نائم عشاءً في المسجد الحرام إذ أتاني آت فأيقظني، وذكر الحديث بطوله، وفي رواية لأنس عند البزار في مسنده: (بينا أنا نائم إذ جاء جبريل نَالَّ فوكز بين كتفي فقمت) فذكر الحديث، وفي مرسل الحسن عند ابن إسحاق أن جبريل أخرجه إلى المسجد فأركبه البراق. قلت: وهذا يرشد إلى طريق الجمع بين الروايات، والأولى في الجمع أن النبي وَّر كان في بيت أم هانئ وهو بشعب أبي طالب أي: أبيها، فجاءه الملك فأخرجه إلى المسجد وهو بين النائم واليقظان، ثم أيقظه من المسجد وشقّ صدره وحمله على البراق، فيكون البيت لأم هانئ وأضافه إلى نفسه لأنه كان نائماً فيه، أما قول ابن حجر تَظْلَتُهُ أنه كان يسكنه؛ ففيه بُعْدٌ، وتقدم قولها: (نائم عندي تلك الليلة) لأنه چ# كان يسكن بيته، وكونه أسري به من الشعب يكون المراد به ابتداء مجيء الملائكة للإسراء به من هذا البيت وهو في الشعب، وأما نفس الإسراء - أعني الشروع في السفر وركوب البراق - فإن ذلك من المسجد كما هو ظاهر الآية، قال تعالى: ﴿مِّنَ اَلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وحقيقة المسجد هو المكان المعروف دون سائر مكة، وإطلاقه في بعض الأحيان على الحرم كله أو على مكة من تسمية الشيء باسم جزئه، وهو نوع من المجاز لا يصار إليه إلا عند تعذر الحقيقة ووجود دليل يدل عليه كما هو معلوم، وأما قوله ظلَّا: (بينا أنا نائم). وقوله: (بين النائم واليقظان) فلا تعارض بينهما، لأن نومه ظلَّا كان على ذلك الحال تنام عينه ولا ينام قلبه ح ٤٤٦ ٩٦٩ كتاب الصلاة كما ثبت في الصحيح، وفي رواية: إن العين نائمة والقلب يقظان، غير أنه جاء التصريح في بعض الروايات كما تقدم - بكون الملك أيقظه قبل أن يركب البراق، ولا يعارض ذلك ما قدمنا من حال نومه، وسيأتي تمام الكلام على ذلك في فوائد الحديث إن شاء الله تعالى. وقوله: (إذ أقبل أحد الثلاثة) إذ هنا تكون للمفاجأة، فإنها إذا وقعت بعد بينا أو بينما تكون للمفاجأة، كقول الشاعر - وهو بعض بني عذرة: فبينما العسر إذا دارت مياسير استقدر الله خيراً وارضين به إذ صار في الرمس تعفوه الأعاصير وبينما المرء في الأحياء مغتبطا وذو قرابته في الحي مسرور يبكي الغريب عليه ليس يعرفه وهي في هذه الحالة عندهم محتملة لأن تكون ظرف زمان، أو ظرف مكان، أو حرف مفاجأة أو حرف توكيد، أو حرفاً زائداً، خمس احتمالات. ولإذ غير هذا المعنى ثلاثة معان أخر: أن تكون اسماً للزمان الماضي، والجمهور على أنها حينئذٍ لا تكون إلا ظرفاً أو مضافاً إليه نحو (إذ أخرجه الذين كفروا)، وقيل: إنها تكون مفعولاً به نحو قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُوّا إِذْ كُتُمْ قَلِيلًا﴾ وجزم ابن هشام بأنها في أول القصص مفعولاً به، وغلط من أعربها ظرفاً في تلك الحالة بتقدير (اذكر)، لأن هذا الذكر المأمور به لا يختص بحالة أو وقت دون غيره، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَبِكَةِ﴾ وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ وما أشبه ذلك، الثاني: أن تكون اسماً للزمان المستقبل نحو ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَأْ (١)﴾ وأنكره الجمهور وحملوها في مثل ذلك على أنها من باب تنزيل المخبر بوقوعه في المستقبل، منزلة الواقع بالفعل لتحقق الوقوع نحو قوله تعالى: ﴿وَنُّخَ فِي الصُّورِ﴾. والثالث: التعليل، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَّوْمَ إِذ ◌َلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِى الْعَذَابِ مُشْتَرِكُنَ ﴿وَإِ ومنه قول الفرزدق: اعتز لتموهُمْ ﴾ فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم إذ هم قريش وإذ ما مثلهم بشر فهذا معظم ما يتعلق بها، وتقدم في شرح هذا الحديث أن جواب بينا وبينما يقترن باذا وبإذ، وأن من زعم أن إذ لا تقترن إلا بجواب بينما لم يصب في ذلك. وقوله: (أقبل أحد الثلاثة بين الرجلين). أقبل: من الإقبال ضد ح ٤٤٦ ٩٧٠ كتاب الصلاة الإدبار وهو عبارة عن التقدم إلى الشيء، وتقدم الكلام على لفظ (أحد) في أول الكتاب في شرح الآية، وفي الحديث الأول، والمعنى أن أحد النفر الثلاثة وهم الملائكة الذين أتوه في صورة البشر، وأل في الثلاثة للعهد الحضوري ولم يتقدم ذكر لهم في هذه الرواية، ولعله وَّل * كان قد ذكرهم للصحابة قبل التحديث بالقصة أو أثناءها واختصر ذلك بعض الرواة، وعلى فرض أنه ذكرهم وأل تكون للعهد الذكري، وعن مسلم (أحد الثلاثة بين الرجلين) وفيه: فسمعت قائلاً يقول: أحد الثلاثة ... إلخ. وفيه: من رواية أبي ذر: فرج سقف بيتي وأنا بمكة، وكذا من رواية أبي ذر عند البخاري: فنزل جبريل، فيحتمل أنه المراد بقوله بين الرجلين جواب الملك لأحد الملائكة، لما ورد عند أحمد: فجعل يقول لصاحبه الأوسط بين الثلاثة، وفي رواية له أيضاً: فسمعت قائلاً يقول: أحد الثلاثة، وفي رواية مسلم المشار إليها من طريق سعيد عن قتادة: ((إذ سمعت قائلاً يقول: أحد الثلاثة بين الرجلين))، فهي توضح المراد بهذه العبارة وأن أل في الرجلين للعهد الحضوري، والرجلان هما حمزة وجعفر كما ذكره ابن حجر وغيره، وفي رواية أبي ذر عنده وعند البخاري وغيرهما: ((فرج سقف بيتي وأنا بمكة فنزل جبريل))، فبيّنت هذه الرواية أن الذي أقبل إليه من الملائكة هو جبريل، كما جاء في بعض الروايات التصريح بأن معه: ميكائيل، وأنه الذي ناوله الطست، ولم يرد تعيين الثالث من الملائكة فيما وقفت عليه. قلت: وسياق هذه الرواية صريح في أن المراد هنا بأحد الثلاثة واحد من الملائكة، وأما قوله: بين الرجلين؛ فينبغي أن يقدر قبله محذوف، كما قدمنا في الروايات الصحيحة التي ذكرناها أن الملك هو القائل: أحد الثلاثة بين الرجلين، وأن جواب لمن قال له: أيهم هو؟ كما في الرواية الأخرى، فيكون أحد الثلاثة المذكور في قوله: أقبل أحد الثلاثة؛ غير المقدر، وهو جواب الملك بقوله: أحد الثلاثة بين الرجلين والله أعلم. وتعيين جعفر هنا إن صح يدل على أن الإسراء كان في أول البعثة؛ وهو خلاف ما عليه الجمهور لأن جعفراً خرج إلى الحبشة في الهجرة الأولى، وأكثرهم على أنها سنة خمس بعد البعثة، ولم يرجع إلى سنة سبع عند فتح خيبر ولا خلاف أنها كانت سنة سبع من الهجرة والله أعلم، ولم ح ٤٤٦ ٩٧١ كتاب الصلاة أر من نبه على ذلك، وتقدم الكلام على (بين) أول شرح الحديث. وقوله: (فأُتِيتُ) بالبناء للمجهول أي: أتاني الملك، وقد تقدم أن الذي جاء بالطست أنه ميكائيل، وقوله: (من ذهب) (من) هنا بيانية، والطست بكسر الطاء وتفتح، ويقال: طسٍّ؛ بالإدغام، وتقدم الكلام عليه في شرح حديث عائشة في الطهارة ٣٣، وقوله: (ملآن) صفة لطست، وفي رواية: ((ملأى)) وفي أخرى: ((مملوء))، أي ذلك الطست المذكور مملوء بالإيمان والحكمة، ونصب حكمة وإيماناً على التمييز، وذكر بعضهم أن نصبهما على المفعولية وليس عندي بجيد، وظاهر كلام السيوطي في حاشيته (زهر الربى) أن الرواية (ملأى) لأنه شرحها على ذلك، وتبعه الشيخ السندي في حاشيته أيضاً على أنها بألف التأنيث المقصورة، وهذه الروايات الثلاث التي قدمنا ذكرها لا تأثير لاختلافها من جهة المعنى. والطست تذكّر على معنى الإناء وتؤنث، والحكمة والإيمان من المعاني التي لا تتجسم فلهذا قال بعضهم: إن في هذا الطست شيء تحصل به الحكمة والإيمان. قلت: والواجب أن نعتقد أنه مملوء حكمة وإيماناً كما أخبر وله، ولكن لا يلزمنا أن نتعقل وجه ذلك، وستأتي زيادة الكلام عليه في فوائد الحديث آخر شرحه عند الكلام على الفائدة الخامسة منه. قوله: (فشقّ من النحر) الضمير يعود إلى جبريل وهو المذكور في قوله: (أقبل ... ) إلخ كما تقدم، و(من) هنا لابتداء الشق وهو الفتح، والنحر هو منتهى أعلى الصدر عند الإنسان عند منحدر الطعام، و(إلى) تقدم الكلام عليها في شرح الآية، وهي هنا لبيان الغاية، وقوله: (مراق) المراق آخر البطن مما يلي العانة، وهي بفتح الميم وتشديد القاف، لأن جلد الإنسان يكون فيها رقيقاً أكثر من غيره، قيل: جمع لا واحد له من لفظه، وقيل: واحده مرق، وقوله: (فغسل القلب)، أي غسل الملك قلب النبي ◌َّر، والفاء في هذه الجمل كلها عاطفة، وأل في قوله: (القلب) إما للعهد الحضوري أو هي عوض عن الإضافة لأن الأصل: قلبي، وقوله: (بماء زمزم)، الباء للمصاحبة، وزمزم: البئر المعروفة عند الكعبة وهي سقاية إسماعيل، قيل: سميت زمزم لأن هاجر لما نبع الماء جعلت تقول: يا ماء زم زم، ولعل غسله بها لفضلها على غيرها من المياه. وقوله: (ثم ملئ حكمة وإيماناً) تقدم الكلام على ثم، وهي هنا لترتيب الفعل، وقوله: (ملئ ح ٤٤٦ ٩٧٢ كتاب الصلاة حكمة وإيماناً) أي ملأه الملك من الحكمة والإيمان، وتقدم الكلام عليهما قريباً وسيأتي في الفوائد، كما تقدم الكلام على ثم في السواك (ح٤). وقوله: (أتيت بدابة) أي أتاني الملك كما هو مصرح به في غير هذه الرواية، (بدابة) الدابة أصلها ما دبّ على وجه الأرض أي تحرك، غير أن العرف في الاستعمال خصّصها بذات الأربع فصارت عرفاً عليها، وقد صرحت الروايات الأخر في الصحيحين وغيرهما أنها تسمى (البراق)، وأن الأنبياء كانت تركبها قبله عليه الصلاة والسلام. وقوله: (دون البغل) دون ظرف مكان في الأصل ويكون وصفاً فيكون نقيض فوق، وهو تقصير عن الغاية فتقول في التقريب: هذا دون هذا أي أقرب منه، وهذا دون هذا في التحقير أي أقل منه قدراً وعدداً، وحقه في التحقير ونحوه إذا كان وصفاً أن يرفع ويدخل عليه تغيير الإعراب، ولكنه لما كان الأكثر فيه الظرفية نصب في الغالب، إلا إذا دخل عليه حرف الجر كما قال سيبويه في قوله تعالى: ﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكٌ﴾ أي: قوم دون ذلك، وهي منصوبة وموضعها رفع، ويكون بمعنى أمام وبمعنى وراء، فمن الأول: قول الشاعر يصف خمراً: تريك القذى من دونها وهي دونه إذا ذاقها من ذاقها يتمطق حمل على أن المراد أن القذى من ورائها وهي دونه، فوصفه بقوله (من دونها) وفيه عندي نظر. ومن الثاني: قولهم: أمير على ما دون جيحون؛ بمعنى ما وراءه. وتكون بمعنى فوق، كأن تجيب من وصف شخصاً بالشرف فتقول: هو دون ذلك أي فوق ذلك، وبضده أن يكون أقل منه منزلة أو قدراً؛ وهو المراد في الحديث هذا لأنه قابله بقوله: (وفوق الحمار)؛ ومن هذا المعنى قوله: ((ليس فيما دون خمس أواق صدقة)) ويكون بمعنى غير كقوله: ﴿أَبِفْكًا ءَالِهَةٌ دُونَ اَللَّهِ﴾ أي غير الله، ومثله: ﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي غير ذلك، وله نظائر في القرآن ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي: ما سوى ذلك. ومن استعماله في الحقارة قول الشاعر: ويقنع بالدون من كان دونا إذا ما علا المرء نال العلاء أي حقيراً، والمعنى في الحديث أن هذه الدابة التي هي البراق حجمها متوسط بين حجم البغل وحجم الحمار، أي: أصغر من حجم البغل وفوق ح ٤٤٦ ٩٧٣ كتاب الصلاة حجم الحمار، وهذه صفة للدابة، يقال: هذا الشيء دون هذا؛ إذا كان أقل منه، وفوق إذا كان أكثر منه. وقوله: (ثم انطلقت مع جبريل) أي: خرجت أسير معه، والانطلاق: الذهاب وعدم وجود ما يمنع من السير عند إرادته، وقوله: (أسير) جملة في محل نصب على الحال، والتقدير: انطلقت حال كوني سائراً مع جبريل، ويجوز أن يكون (انطلقت) هنا ضمن معنى: شرعت في السير، ومع ظرف يقتضي المصاحبة للشيء أي مصاحباً له ومرافقاً، و(جبريل) علم، قيل: إن أصل الوضع فيه عجمي تلقته العرب فاستعملته استعمال أوضاعها، أو اتفقت فيه اللغة العربية مع غيرها في الوضع ولهذا لم تضع له اسماً. وصحح القرطبي وغيره فيه وفي نظائره من الألفاظ المسمى بها التي جاءت في القرآن؛ أنها عربية نزل بها جبريل بلسان عربي، ولا يضر على ذلك اتفاق غير العربية فيها معها، وفيه عشر لغات: الأولى: جبريل بياء وبدون همز، وهي لغة أهل الحجاز، قال كعب بن مالك قه : وببئر بدر إذ يرد جموعهم جبريل تحت لوائنا ومحمد الثانية: جَبْريل بفتح الجيم، وبها قرأ ابن كثير والحسن، الثالثة: جبريل بياء بعد الهمزة وبدون ألف، وقرأ بها بعض أهل الكوفة وأنشد في شرح القاموس لكعب بن مالك رقڅبه : شهدنا فما تلقى لنا من كتيبة مدى الدهر إلا جبريل أمامها وهي لغة قيس وتميم، والرابعة: جبرئل من غير ياء بعد الهمزة، وقرأ بها أبو بكر عن عاصم. الخامسة مثلها إلا أن اللام مشددة وبها قرأ يحيى بن معمر، السادسة: جبرائل بألف بعد الراء وبدون ياء بعد الهمزة قراءة عكرمة، السابعة مثلها إلا أن فيها ياء بعد الهمزة. الثامنة: جبراييل بياءين من غير همزة، قرأ بها الأعمش ويحيى بن يعمر أيضاً. التاسعة جبرءين بفتح الجيم وبعد الهمزة ياء وبدل اللام نون. العاشرة: جبرين بكسر الجيم من غير همز والياء بعد الراء ساكنة وآخره نون، قيل: إنها لغة بني أسد ولم يُقرأ بها. وقوله: (فأتينا السماء الدنيا) والضمير في أتينا للنبي وَّر وجبريل، ففيه استعمال ضمير الجماعة للاثنين كما في قوله تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَهِدِينَ﴾. والسماء الدنيا أي القربى من السموات التي هي سقف للعالم السفلي، والدنيا ح ٤٤٦ ٩٧٤ كتاب الصلاة هنا تأنيث الأدنى أي التي تلي الناس، ولم يذكر هنا مرورهم ببيت المقدس، وهو ثابت في الروايات الأخر كما سنبينه إن شاء الله. وقوله: (فقيل: من هذا) فيه حذف كما في الروايات الأخر وهو قوله: (فاستفتح جبريل) والقائل هو الملك أو الملائكة الموكلون بأبواب السماء، و(من هذا؟) أي: من المستفتح؟ وقوله: (قال: جبريل) أي: مجيباً للسائل: جبريل، التقدير: المستفتح جبريل أو هذا جبريل، فحذف المبتدأ للعلم به على حد قول ابن مالك: وحذف ما يعلم جائز كما تقول زيد بعد من عندكما وقوله: (وقيل: من معك) دليل على أنهم قد عرفوا أنه معه أحد، ولعلهم كانوا أُخبروا بأنه سيأتيهم معه رسول الله وَّر، ويشهد له ما في بعض الروايات من قول الملك: أُمرت أن لا أفتح لأحد قبلك. وقوله: (محمد) أي معي محمد، وقوله: (وقد أرسل إليه) الأصل: أوَ قد أرسل إليه؟ فحذفت همزة الاستفهام، والحديث حجة على من أنكر جواز حذفها، ومثله قوله تعالى: ﴿هَذَا رَبِّ﴾ أي أهذا ربي؟ وقوله: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُهَا عَلَّ﴾ أي: أوَ تلك؟ ومن شواهده قول ابن أبي ربيعة: فوالله ما أدري وإن كنت داريا بسبع رمين الجمر أم بثمان أي: أبسبع؟ وقول الآخر: رفوني ثم قالوا يا خويلد لا ترع فقلت وأنكرت الوجوه هُم هُم أي: أهمْ هم؟ والاستفهام يحتمل أن يكون عن أصل رسالته، وأن يكون المراء الإرسال إليه للعروج إلى السماء، فعلى الأول: يكون دليلاً على أن بوابي السماء لم يكونوا علموا ببعثته، وعلى الثاني: يكونون عالمين بأصل البعثة وكأنهم منتظرون للإرسال إليه للصعود إلى السماء. وقد تعقب الشهاب في شرح الشفاء تجويز ابن حجر وغيره لعدم علم الملائكة بالرسالة إليه بمعنى البعثة. والظاهر أن كلامه أولى بالتعقب في ذلك، لعدم وجود التصريح بكون البوابين على السماء علموا بعثته، فغاية ما في الأمر تجويز علمهم بذلك. وقوله: (مرحباً به) أي جاء مكاناً رحباً أي واسعاً، به أي بوجوده فيه. وقوله: (نعم المجيء جاء) نِعْمَ: فعل مبني للمدح، والمجيء اسمها، وقوله: (جاء) أي الذي جاء. قال ابن مالك في شواهده: من هذا الكلام شاهد على ح ٤٤٦ ٩٧٥ كتاب الصلاة الاستغناء بالصلة عن الموصول أو الصفة عن الموصوف في باب نعم، لأنها تحتاج إلى فاعل هو المجيء، وإلى مخصوص بمعناها وهو مبتدأ مخبر عنه بنعم وفاعلها، وهو في هذا الكلام وشبهه موصول أو موصوف بجاء، والتقدير: ولنعم المجيء الذي جاء، أو: لنعم المجيء مجيء جاء، وكونه موصولاً أجوز لأنه مخبر عنه، وكون المخبر عنه معرفة أولى من كونه نكرة. وقوله: (فأتيت على آدم) أي: فمررت عليه في السماء الدنيا، كما في الرواية الأخرى: فإذا فيها آدم. وقوله: (فسلمت عليه) تقدم أن الفاء عاطفة، (قال) أي آدم، (مرحباً بك) ولم يذكر أنه ردَّ السلام، ولعل ذلك من الاختصار في الحديث فلقد ثبت عن النبي صل* أن آدم ردًّ عليه السلام، كما في صحيح البخاري من رواية جابر بن عبد الله ﴿ه، فدل ذلك على أن حذفها ههنا اختصار في الرواية. وقوله: (مرحباً) هذه كلمة تستعمل للقادم على المكان، وتفسيرها عندهم: جئت مكاناً رحباً أي واسعاً بك أو أصاب رحباً وسعة، وكنى بذلك عن الانشراح وسعة الصدر بالقادم. وقوله: (من ابن) يحتمل أنها بيانية ويحتمل أنها زائدة والأول أظهر، قوله: (ثم أتينا السماء الثانية) وفيه (فمثل ذلك) أي: قيل لنا مثل ذلك القول السابق، وهو مصرح به في أكثر الروايات، فذكر يحيى وعيسى في السماء الثانية ويوسف في الثالثة، وفي رواية ثابت عند مسلم: فإذا هو قد أعطي شطر الحسن، وعند الطبراني وابن عائذ من رواية أبي هريرة: (فإذا أنا برجل أحسن ما خلق الله، قد فضل الناس بالحسن كالقمر ليلة البدر على سائر الكواكب)، ومثلها من حديث أبي سعيد عند البيهقي، وهو محمول على أنه أحسن الناس ما عدا النبي ◌َّ، بدليل ما روى الترمذي من حديث أنس: ما بعث الله نبياً إلا حسن الوجه حسن الصوت، وكان نبيكم أحسنهم وجهاً وأحسنهم صوتاً. ثم ذكر إدريس في الرابعة وذكر أنه قال له: مرحباً بك من أخ ونبي، فاستدل بذلك من قال: إن إدريس ليس أباً لنوح كما ذكره بعض المؤرخين، لأنه لو كان أباً لنوح لكان أباً للنبي وَله، ولقال له ما قال آدم: مرحباً بك من ابن، ولذا قال بعضهم: إن إدريس هذا ليس بالذي قيل فيه إنه أب لنوح، بل هو إلياس النبي، روي ذلك عن ابن مسعود كما ذكره الشهاب الخفاجي، وهو يحتاج إلى دليل مع بُعْدِهِ، وعّل ذلك ح ٤٤٦ ٩٧٦ ٤ كتاب الصلاة بعضهم بأن إدريس قاله تواضعاً، والأنبياء كلهم إخوانه في الدين، وفي الحديث: ((الأنبياء أولاد علّات))، والعلات: الضرائر، فمعناه ما وضحه الحديث: بأن الدين واحد، كالأب الواحد والشرائع مختلفة كالأمهات المختلفات، ومن قال: إنه أب لنوح قال: اسمه آخنوخ بالعبرية، وهو سبط شيث وجدّ أبي نوح، قالوا: هو أول من نظر في النجوم وخظّ، وفي رواية شاذة أنه قال له: بالابن، ولم أقف عليها وإنما ذكرها الشهاب من شرح الشفا والعيني في شرح البخاري، ثم ذكر أن في السماء الخامسة هارون وفي السادسة موسى وفي السابعة إبراهيم. وقوله: (في موسى فلما جاوزته بكى) وذلك للسبب الذي ذكره موسى وهو أنه أسف لعدم كثرة من يدخل الجنة من أمته، فبكى أسفاً عليهم لا أنه حسد أخاه على فضل الله عليه وعلى أمته، لأن الحسد في حق الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ممنوع، وهو من الأمراض السيئة في القلوب، وأكبر شاهد على حبه للخير لمحمد وَله ولأمته؛ أمره له بمراجعة ربه حتى خفّف عنهم الصلاة. وما جاء في الرواية الأخرى من قوله: يا رب ما ظننت أن ترفع علي أحداً؛ نوع من الغبطة إن صحت الرواية به، وكذا قوله (هذا الغلام) إنما هو على سبيل التوجع السابق، ووصفه له بكونه غلاماً يحتمل أنه قال ذلك لكبر سن موسى عليه، وهو على ما قاله بعضهم: إن العرب تصف المستجمع القوى من الرجال بالغلام لأن العادة جرت أن الشباب محل القوة والنشاط. قال أبو جهل لعنه الله: ما تنقم الحرب العوان مني بازل عامين حديث سنيّ ومما يقوي الوجه الأول قوله: (الذي بعثه بعدي) أي بزمن طويل، فكأنه شاب بالنسبة لزمن موسى، وقال العيني: (لم يرد به استصغار شأنه، فإن الغلام قد يطلق ويراد به القوي الطري الشباب، والمراد: استقصار مدته مع عظيم منة الله عليه وكثرة فضائله)، وقال الخطابي: الغلام ليس علامة على الازدراء والاستصغار لشأنه، إنما هو على تعظيم منة الله، عليه مما أناله من النعمة وأتحفه به من الكرامة، من غير طول عمر أفناه في طاعة الله، وقد تسمي العرب الرجل المستجمع السن: غلاماً، ما دام فيه بقية من القوة، وذلك في لغتهم مشهور. فذكر أنه وجد موسى في السماء السادسة وإبراهيم في السابعة، ح ٤٤٦ ٩٧٧ كتاب الصلاة وهذا الذي عليه أكثر الروايات إلا رواية شريك وأبي ذر. أما شريك فقد ذكر مسلم وغيره أنه قدّم فيها وأخّر، وطعن غير واحد فيها لأن شريكاً خالف فيها من نحو اثنتي عشرة مسألة، وهو عند المحدثين لا يقبل انفراده لأنه تغير حفظه بعدما ولي القضاء، وأما رواية أبي ذر فقد صرح بأنه لم يضبط أماكنهم. وأما قول بعضهم كالعيني وغيره أن يجمع بين الروايتين بأن موسى كان في السادسة ثم ارتفع إلى السابعة؛ فغير مرضي لعدم وجود ما يدل على أن أحداً منهم صحبه في الصعود، ورواية مالك بن صعصعة هذه تشهد لكون الذي في السابعة إبراهيم، لأنه ذكر رؤيته البيت المعمور عند وصوله إليه، وفي بعض الروايات أن إبراهيم مسند ظهره إلى البيت المعمور والله أعلم. وهي رواية ثابت البناني في أول صحيح مسلم عند أنس بن مالك أن رسول الله وَله ... رفعه أنس بدون واسطة، قال ابن حجر كثّثهُ: (ومجموع ما خالفت فيه رواية شريك غيره من المشهورين عشرة أشياء بل تزيد على ذلك: (١) أمكنة الأنبياء في السموات، وقد صرح بأنه لم يضبطها ووافقه الزهري في بعض ما ذكر (٢) كون المعراج قبل البعثة (٣) كونه مناماً (٤) مخالفته في محل سدرة المنتهى وأنها فوق السماء السابعة بما لا يعلمه إلا الله، والمشهور أنها في السابعة أو السادسة كما تقدم (٥) مخالفته في النهرين وهما النيل والفرات وأن عنصرهما في السماء الدنيا، والمشهور في غير روايته أنهما في السماء السابعة وأنهما من تحت سدرة المنتهى (٦) شقُّ الصدر عند الإسراء، وقد وافقته رواية غيره كما بينت ذلك في شرح رواية قتادة عن أنس بن مالك بن صعصعة (٧) ذكر نهر الكوثر في السماء الدنيا، والمشهور في الحديث أنه في الجنة (٨) نسبة الدنو والتدلي إلى الله وَق، والمشهور في الحديث أنه جبريل (٩) تصريحه أن امتناعه من الرجوع إلى سؤال ربه التخفيف كان عند الخامسة، ومقتضى رواية ثابت عن أنس أنه بعد التاسعة (١٠) قوله: فعلا به الجبار فقال وهو مكانه (١١) رجوعه بعد الخمس، والمشهور في الأحاديث أن موسى عليه الصلاة والسلام أمره بالرجوع بعد أن انتهى التخفيف إلى الخمس (١٢) زيادة ذكر النور في الطست) اهـ. وقوله: (ثم أتينا السماء السابعة فمثل ذلك) تقدم الكلام على هذه الألفاظ. وقوله: (فأتيت على إبراهيم عليّ فسلمت عليه فقال: مرحباً بك من ح ٤٤٦ ٩٧٨ كتاب الصلاة ابن وبني) تقدم الكلام أيضاً على مفردات ألفاظها، وفيها التصريح بأن الرسول * ابن للخليل وهذا ما لا خلاف فيه بين المسلمين. وقوله: (ثم رفع لي البيت) أي أبصرته من بعد، يقال: رفع السراب الشخص يرفعه رفعاً: زهاه، وهو مجاز ورفعت الشيء: قربته مني، ورفع لي أيضاً: قرب مني. قال ذو الرمة : بروحك واقتته لها قيتة قدرا فقلت ارفعها إليك وأحيها أي: قربها منك، فالمعنى أنه أظهر له البيت وأبرز حتى رآه كأنه قريب منه. وقد يكون هذا الرفع بإزالة الحواجز بينه وبين البيت المعمور، كما جاء في حديث الإسراء أن قريشاً لما سألته عن بيت المقدس رفع له حتى صار يراه عند دار عقيل .. الحديث، وهذا من أنواع خرق العادة له وَ ل *. وقوله: (المعمور) أي الذي يكثر عامروه، وقد اتفقت روايات الأكثرين فيه أنه بيت يقال له: الضراح، وهو في السماء السابعة يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه آخر الدهر حتى تقوم الساعة، وقد روى ذلك ابن جرير نَظّتُهُ من عدة طرق كعادته الحسنة، وأخرجه ابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن أنس مرفوعاً، وأخرجه عبد الرزاق وجماعة عن علي ربه أن ابن الكوّاء سأله عنه فقال: ذلك الضراح بيت فوق سبع سماوات تحت العرش يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، وفي رواية عنه وكذا عن ابن عباس: أنه حيال الكعبة بحيث لو سقط سقط عليها . اهـ. وذكر قتادة وابن زيد أن في كل سماء بحيال الكعبة بيتاً حرمته کحرمتها، وعمارته بكثرة الواردين عليه من الملائكة لتظل*، وقال الحسن: هو الكعبة يعمرها الله كل سنة بستمائة ألف من الناس، فإن نقصوا أتم العدد من الملائكة. قلت: وهذا عندي في غاية السقوط لمصادمته الأحاديث الصحيحة في تعيين البيت المعمور، ولعله لا يصح عن الحسن إلا إذا قيل: مراده أن صفة المعمور ينطبق على الكعبة، لأنه من المجاز المشهور: بيت معمور بمعنى مسكون تكثر الناس عنده في محل هو فيه مأهول بالناس مسكون، وعمارة الكعبة بالمجاورين عندها والقادمين عليها، فإن أريد هذا المعنى فهو صحيح، أما إرادة الكعبة في الأحاديث الصحيحة في الإسراء التي تنص على البيت ح ٤٤٦ ٩٧٩ W كتاب الصلاة المعمور فهو بعيد والله أعلم. وقوله: (فسألت جبريل) أي عن البيت الذي رفع له (فقال) أي جبريل (هذا البيت المعمور يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك فإذا خرجوا منه لم يعودوا فيه آخر ما عليهم) أي آخر الدهر (ثم رفعت لي سدرة المنتهى) أي جليت لي حتى رأيتها كما تقدم مثله في البيت المعمور. والسدرة واحدة السدر، وهو اسم جنس شجر معروف، والمنتهى سميت به لأنه ينتهي إليها علم الملائكة، لم يجاوزها أحد إلا رسول الله وَلقره، وينتهي إليها ما يرفع من الأرض وما ينزل من فوقها. ومن رواية هدية بن خالد عن همام بن يحيى عن قتادة عند البخاري في المناقب باب المعراج؛ تقديم ذكر السدرة على البيت المعمور، فقد يكون ذلك من عدم ضبط الرواة. قوله: (فإذا نبقها مثل قلال هجر) الفاء هنا يشبه أن تكون الفصيحة والتقدير: فرأيتها فإذا، ويحتمل أنها التي تقترن بإذا الفجائية كأنه فاجأته رؤية نبقها لعظم شأنه. وقوله: (نبقها) النبق ثمر السدر وهو معروف، وقوله: (مثل قلال هجر) أي في العظم وكبر الحجم، والقلال جمع قلة. قال في التاج: والقلة الحب العظيم أو الجرة العظيمة أو الجرة عامة أو الجرة الكبيرة من الفخار وقيل: هو الكوز الصغير، قال: وهذا هو المعروف الآن بمصر ونواحيها فهو ضد؛ يعني أنه يقال للكبير وللصغير فهو من الأضداد. قال: والجمع قلل وقلال كصرد وجبال، قال جميل بن معمر: وشربنا الحلال من قلله فظللنا بنعمه واتكانا وقال حسان رقڅبه : وقد كان يسقى فى قلال وحنتم وأقفر من حضاره ورد أهله وفي الحديث: ((إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث)). قال أبو عبيد: بعض هذه الحباب العظام وهي معروفة بالحجاز وقد تكون بالشام، قال: وفي صفة سدرة المنتهى ونبقها كقلال هجر، وهجر: قرية قرب المدينة وليست هجر البحرين، وكانت تعمل بها القلال. وروى شمر عن ابن جريج: أخبرني من رأى قلال هجر تسع القلة منها الفرق. قال عبد الرزاق: الفرق أربعة أصوع بصاع النبي ◌ّر. قلت: هذا خلاف ما عليه الأمر، فإن عامة من ذكروا الفرق قالوا: إنه ثلاثة أصوع، وقد تقدم ذلك في الطهارة ويأتي في فدية الحج ح ٤٤٦ ٩٨٠ كتاب الصلاة إن شاء الله. قال صاحب التاج تتمة كلامه: وروى عيسى بن يونس: القلة نحو أربعين دلواً أكثر ما قيل في القلتين قلتين، وقال الأزهري: وقلال هجر والأحساء ونواحيها؛ تأخذ القلة منها مزادة كبيرة من الماء وتملأ الراوية قلتين، وكانوا يسمونها الخروس. قال: وأراها سميت قلالاً لأنها تُقلُّ أي ترفع إذا ملئت وتحمل. اهـ. منه، قال ابن حجر: قال ابن التين: القلة مائتا رطل وخمسون رطلاً بالبغدادي، والأصح عند الشافعي خمسمائة رطل، وقال الخطابي: القلال الجرار وهي معروفة عند المخاطبين معلومة القدر. قال ابن فارس: القلة ما أقله الإنسان من جرّة أُجُبّ وليس في ذلك عند أهل اللغة حد محدود، وهذا أقرب إلى الصواب، أما قول الخطابي تخّتُهُ أنها معروفة عند المخاطبين معلومة، فلا يتجه إلا على ما ذكره ابن فارس من أن المعنى معلوم، وأما كونها معروفة فاشية بقدر معين فالظاهر خلافه، وذلك بالنسبة لتحديدها في الماء. أما على قول الهروي أنها ما يقل فهو ظاهر في اللغة، ويبقى التشبيه بقلال هجر فهو يدل على أن هناك نوع يعرفه بعض الناس الذين رأوه، والخلاف في المسألة طويل الذيل. قال الهروي: القلة ما يأخذ مزادة من الماء، سميت بذلك لأنها تقل أي ترفع، والقول بأن هجر قرية بنواحي المدينة محتمل، مع أنه يبعد كونها لا تعرف بعينها، ولم أر من نص على محلها بالتعيين من كثرة الكلام على حديث ابن عمر في القلتين واختلاف الناس فيه، وإلى اليوم لا تعرف عنه الناس ولا في كتب البلدان وتواريخ المدينة لم يذكر أحد منهم محلها، إلا ما يقولون من الخلاف في حديث القلتين: هل هي هجر الأحساء أو غيرها؟ وقد تقدم ذلك وأنهم لم يذكروا ما بينها، فلهذا يترجح أحد الوجهين الآتيين عن الماوردي من أنها كانت تجلب من هجر إلى المدينة، أو أنها عملت بالمدينة على مثال قلال هجر، كما نقله ياقوت عنه مع حكايته القول بأنها قرية حول المدينة، حكاه بصيغة التمريض. قال ياقوت: (وهجر: قصة بلاد البحرين، والهجر: بلد من اليمن وبينه وبين عثّر يوم وليلة من جهة اليمن. قال ابن الحائك: الهجر: قرية صمد وجازان وهجر: اسم للمستقر) اهـ. وقوله: (وإذا ورقها مثل آذان الفيلة) جمع أذن وهي الجارحة التي بها السمع، والفيلة بكسر الفاء وفتح الياء جمع فيل، وفي رواية للبخاري