النص المفهرس

صفحات 461-480

كتاب الطهارة
٤٦١
W
ب ١٠٨ / ح ١٤٧
خَطَايَاكَ فَإِنْ أَنْتَ وَضَعْتَ وَجْهَكَ له رَنْ خَرَجْتَ مِنْ خَطَايَ كَيَوْمَ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ،
قَالَ أُبُو أُمَامَةَ: فَقُلْتُ: يَا عَمْرَو بْنَ عَبَسَةَ أَنْظُرْ مَا تَقُولُ أَكُلُّ هُذَا يُعْطَى فِي
مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فَقَالَ: أَمَا وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي وَدَنَا أَجَلِي وَمَا بِي مِنْ فَقْرٍ فَأَكْذِبَ
عَلَى رَسُولِ اللهِ نَّهِ وَلَقَدْ سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي مِنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ.
■ [رواته: ٩]
١ - عمرو بن منصور النسائي الحافظ أبو سعيد، روى عن عفان
وموسى بن داود الضبي والهيثم بن خارجة وأبي همام الدلال ومسلم بن إبراهيم
وعبد الله بن يوسف التنيسي وأحمد بن حنبل وخلق غيرهم، وعنه النسائي فأكثر
وعبد الله بن محمد بن سيار والقاسم بن زكرياء المطرز قال النسائي: ثقة ثقة
مأمون ثبت والله أعلم.
٢ - آدم بن أبي إياس واسمه عبد الرحمن بن محمد ويقال ابن ناهية بن
شعيب الخراساني أبو الحسن العسقلاني نشأ ببغداد وارتحل لطلب الحديث
فاستوطن عسقلان إلى أن مات روى عن ابن أبي ذئب وشعبة وشيبان النحوي
وحماد بن سلمة والليث وورقاء وجماعة وعنه البخاري والدارمي وابنه عبيد بن
آدم وأبو حاتم وأبو زرعة الدمشقي ويزيد بن محمد وآخر من روى عنه
إسحاق بن إسماعيل الرملي نزيل أصبهان قال أحمد: كان مكيناً عند شعبة وثقه
أبو داود وابن معين. وقال: ربما حدث عن قوم ضعفاء ووثقه أبو حاتم وقال:
مأمون وقال النسائي: لا بأس به وقال العجلي: ثقة وذكره ابن حبان في الثقات
مات سنة ٢٢٠، أو سنة ٢٢١، وقيل إنه نيف على التسعين والله أعلم.
٣ - الليث بن سعد: تقدّم ٣٥.
٤ - معاوية بن صالح: تقدّم ٦٢.
٥ - أبو يحيى سليم بن عامر الكلاعي الخبائري نسبة إلى بطن من حمير
الحمصي روى عن أبي أمامة وعبد الله بن الزبير وعوف بن مالك والمقداد بن
الأسود وجماعة من الصحابة وعنه صفوان بن عمرو وجرير بن عثمان
ومعاوية بن صالح الحضرمي ويزيد بن حمير وآخرون وثقه العجلي وقال

ب ١٠٨/ ح ١٤٧
٤٦٢
كتاب الطهارة
أبو حاتم: لا بأس به. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة مشهور ووثقه النسائي وابن سعد
وقال: قديم معروف وذكره ابن حبان في الثقات ونبه ابن حجر تكَّتُهُ على أن النسبة
للكلاعي لا تجامع النسبة للخبائر لأن كلاً منهما معروف غير الآخر.
قلت: يحتمل أنه منسوب إلى أحدهما بالإِصالة وللآخر بالحلف وله
نظائر في النسب ويحتمل أن كلاً منهما يجتمعان في أصل في النسب فينسب
أحياناً لهذا وأحياناً لذلك والله أعلم. مات سنة ١٣٠، - رحمنا الله وإياه -.
٦ - ضمرة بن حبيب بن صهيب الزبيدي أبو عتبة الحمصي، روى عن
شداد بن أوس وأبي أمامة الباهلي وعوف بن مالك وعبد الرحمن بن عمرو
السلمي وعبد الله بن زغب الإِيادي وغيرهم، وعنه ابنه عتيبة ومعاوية بن صالح
الحضرمي وأبو بكر بن أبي مريم وآخرون وثقه ابن معين وابن سعد والعجلي
وذكره ابن حبان في الثقات. مات سنة ١٣٠، وكان مؤذّن الجامع بدمشق.
٧ - أبو طلحة نعيم بن زياد الشامي الأنماري، روى عن بلال المؤذن
وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو وأبي كبشة وأبي أمامة وغيرهم من الصحابة،
وعنه مكحول الشامي ومعاوية بن صالح قال علي بن المديني: معروف ووثقه
النسائي وذكره ابن حبان في الثقات ووثقه العجلي والله أعلم.
٨ - أبو أمامة صدي بن عجلان بن وهب ويقال ابن عمرو الباهلي
الصحابي، روى عن النبي وَلهر وعمر وعثمان وعلي وأبي عبيدة بن الجراح
وعبادة بن الصامت وعمرو بن عبسة وغيرهم، وعنه سليمان بن حبيب المحاربي
وشداد بن عمار الدمشقي ومحمد بن زياد الألهاني وأبو سلام الأسود وغيرهم
سكن الشام وهو آخر من مات من الصحابة بالشام واختلفوا في سنة يوم مات
قيل ٩١، ولكن روى عنه أنه حضر حجة الوداع وهو ابن ثلاثين سنة فعلى هذا
يكون قد جاوز المائة لأنه مات سنة ٨١، وقيل سنة ست وثمانين وهو أبعد من
الأول.
٩ - عمرو بن عبسة بن عامر بن خالد بن غاضرة بن عتاب بن امرئ
القيس بن بهتة بن سليم السلمي أبو نجيح وقيل أبو شعيب وقيل غير ذلك في
نسبه، أسلم قديماً بمكة وكان أخا أبي ذر لأمه، روى عن النبي وضِّ، وعنه
ابن مسعود وسهل بن سعد وأبو أمامة الباهلي ومعدان بن أبي طلحة اليعمري

كتاب الطهارة
٤٦٣
ب ١٠٨ / ح ١٤٧
وأبو عبد الله الصنابحي وشرحبيل بن السمط وكثير بن مرة وسليم بن عامر
وعبد الرحمن بن البيلماني وعبد الرحمن بن عائذ وأبو طلحة الكلاعي
وأبو سلام الأسود وعبد الرحمن بن يزيد بن موهب وجبير بن نفير وآخرون،
قال الواقدي: أسلم بمكة ثم رجع إلى بلاد قومه، ثم قدم على رسول الله واصلفيه
بعد ذلك بالمدينة وقال ابن سعد: يقولون إنه رابع أو خامس في الإِسلام.
قلت: وفيه نظر لأن أبا بكر أول من أسلم من الرجال وفي صبيحة
إسلامه جاء بجماعة من الصحابة أسلموا على يديه، كما هو معروف في
موضعه وقال أبو نعيم: كان قبل أن يسلم يعتزل عبادة الأصنام وقال الحاكم:
أبو أحمد نزل الشام وقال غيره: مات بحمص وله عند مسلم حديث إسلامه
قال ابن حجر: كانت وفاته في آخر خلافة عثمان فيما أظن فإني ما وجدت له
ذكراً في الفتنة ولا في خلافة معاوية اهـ.
التخريج
أخرجه مسلم وأخرجه ابن خزيمة بأطول من هذا في باب الدليل على
الأمر بالوضوء قبل نزول الآية وأخرجه ابن ماجه مفرّقاً أوله في باب ما جاء في
الساعات التي نهى عن الصلاة فيها والباقي منه في باب الطهارة في ثواب
الطهور لكن من رواية ابن البيلماني وللدار قطني بلفظ: ((ما منكم من رجل)) إلخ.
اللغة والإعراب والمعاني
قوله: (كيف الوضوء) تقدّم الكلام على لفظ كيف في حديث عبد الله بن
زيد ٢٠. وأنها اسم استفهام ومبني على الفتح يكون في محل رفع أحياناً
وأحياناً يكون في محل نصب وهو هنا في محل رفع خبر مقدّم وتقدّم أنه في
مثل هذا يجوز فيه أن يكون في محل نصب على الحال فعلى الأول: التقدير
الوضوء كيف وعلى الثاني: الوضوء يكون على أي حال أي في الأجر والثواب
كما دل عليه الجواب فإنه دل على أن السؤال عن الأجر فيه.
وقوله: (أما الوضوء) أما حرف يدل على الشرط والتفصيل وعند سيبويه
أنه يقوم مقام أداة الشرط وفعل الشرط وأنه بمعنى مهما يكن كما قال ابن مالك
- رحمه الله تعالى -:

ب ١٠٨/ ح ١٤٧
٤٦٤
كتاب الطهارة
لتلو تلوها وجوباً ألفا
أما كمهما يك من شيء وفا
وحذف ذي الفاء قل في نشر إذا
لم يك قول معها قد نبذا
فأخبر أن الفاء تلزم مع جوابها لأنه جواب الشرط وأن حذفها في النثر
قليل ولذا خصّصه بعضهم بضرورة الشعر كقول الشاعر:
فأما القتال لا قتال لديكم ولكن سيراً في عراض المواكب
فحذف الفاء والتقدير فلا قتال لديكم ولهذا قال ◌َتلاقى: ((أما الوضوء:
فإنك)) فأدخل الفاء في جوابها على الأصل وعندهم أن حق الفاء أن تكون
داخلة على الإِسم بعدها ولكنهم يقولون إنهم كرهوا أن تلي أما فأخّروها إلى
الخبر وهذا على ما جرت به عادة النحويين في تعليل مثل هذا تقريباً للذهن
وضبطاً للقواعد التي اصطلحوا عليها لحفظ اللغة وإلا فوضع العرب لكلامها لم
يكن فيه مراعاة لشيء والمرفوع بعدها مبتدأ مخبر عنه فالوضوء مبتدأ وخبره
الجملة من إن وما دخلت عليه وتقدّم الكلام عليها في حديث عباس ٣١. وتقدّم
الكلام علي إذاً وجواب الشرط بعدها أول الكتاب في الكلام على الآية.
وجوابها: أي ((إذا)) هنا قوله: (خرجت).
وقوله: (فإنك) جواب لأما الوضوء، وهذا الجواب من النبي وَلقر على
سؤاله وهو يدل على أن سؤاله إنما كان عن الأجر: (إذا توضأت) أي شرعت
في الوضوء فعبّر بالماضي والمراد الشروع في الفعل بدليل ما بعده.
(فَفَسَلْتَ): الفاء عاطفة و(كفيك) تثنية كف وهو دليل لما تقدّم من البداءة
بهما ولو كان الشخص ليس قريب عهد بالنوم (فأنقيتهما) أي أحكمت وأجدت
غسلهما حتى تكونا نقيتين (خرجت) جواب إذا كما تقدّم وهذا توضيح للمراد
بقوله: (توضأت) وتقدّم الكلام على الخطايا وخروجها كناية عن غفرانها وقد
تقدّم أن المراد الصغائر دون الكبائر.
وقوله: (من بين أظفارك) وتقدّم الكلام على الظفر في حديث خصال
الفطرة.
وقوله: (أناملك) الأنامل جمع أنملة وفيها تسع لغات تثليت الهمزة مع
تثليث الميم فتضرب حركات الهمزة الثلاث كل واحدة في حركات الميم وفي .
اللسان أنها بالفتح واقتصر عليه ولكن ذكر فيها القاموس ما ذكرنا من الأوجه

كتاب الطهارة
٤٦٥
ب ١٠٨ / ح ١٤٧
وهي طرف الأصبع الذي فيه الظفر وتجمع أيضاً جمع سلامة على أنملات
وباقي الألفاظ تقدّم شرحها .
وقوله: (اغتسلت من عامة خطاياك) اغتسلت منها بمعنى غفرانها كأنها
وسخ غسل، والعرب تكنّى عن الذنب والفعل الذي ليس يستحسن بالوسخ كما
في قول الراجز:
اللهم إن عامر بن فهم أوذم حجاً في ثيابٍ دُسْم
وتقدّم في دعاء النبي ◌َّر: ((اللهم أغسل خطاياي الحديث)).
وقوله: (عامة) من ألفاظ التوكيد للعموم وأصلها عاممة بوزن فاعلة قال
ابن مالك نظَّتُهُ :
واستعملوا أيضاً ككل فاعلة من عم في التوكيد مثل النافلة
وعامة الشيء جميعه والعامة والكافة والعافية والعاقبة ألفاظ لا تثنى ولا
تجمع لأنها في الأصل مصادر.
وقوله: (فإن أنت) إن أداة شرط يجب تقدير الفعل بعدها يفسّره
المذكور.
وقوله: (وضعت وجهك) يعني صليت فسجدت لله والمراد به الصلاة بعد
الوضوء كما تقدّم في حديث عثمان وغيره.
وقوله: (كيوم ولدتك أمك) تشبيه في محو الذنوب كأنها لم تكن وكأن
الإِنسان في حال رفع القلم عنه فهي مبالغة في محو الذنوب والسلامة من تبعتها
والكاف في محل نصب نعت لمصدر محذوف والتقدير خروجاً مثل خروجك
يوم ولدتك وداخلة في الأصل على محذوف وهو خروجك.
وقوله: (يوم ولدتك أمك) الظرف هنا يحتمل أن يكون مجروراً معرباً
ويحتمل أنه مبني في محل نصب وبناؤه على الفتح كما هو الغالب في مثله من
الظروف والمختار فيه هنا البناء لأن بعده فعل مبني على القاعدة المشار لها
بقول ابن مالك نَظّتُهُ :
وابن أو أعرب ما كإذ قد أجريا واختر بنا متلو فعل بُنِيَا
والمعنى إذا فعلت ذلك تكون طاهراً من الذنوب كطهارتك منها حين
ولدتك أمك فهو مبالغة في الخروج من الذنوب وقول أبي أمامة (أنظر ما تقول)

ب ١٠٨ / ح ١٤٧
٤٦٦
كتاب الطهارة
يحتمل أن ما مصدرية والتقدير أنظر في قولك ويحتمل أنها موصولة والتقدير أنظر
في الذي تقوله والمعنى واحد والجملة في الوجه الأخير صلة الموصول، وإنما
أراد التثبت خشية الغلط والنسيان وكأنه استعظم ما ذكر من الثواب على الوضوء
والصلاة بعده ولعله لم يكن سمع شيئاً من الأحاديث المتقدّمة في هذا المعنى
وهو لعمر الله فضل عظيم وخير جسيم فنسأل ربنا التوفيق ونحمده على نعمة
الإِسلام، وهذا من أبي أمامة نظير ما يأتي عن عمر من قوله لعمار في التميم
وكذا قوله لأبي موسى في السلام ثلاثاً وقول عمر بن عبد العزيز لعروة: إعلم ما
تحدث به يا عروة. ونحو ذلك مما يراد به التثبّت وإن كان المتكلم يعلم صدق
القائل ولهذا لما قال أبيّ لعمر في قصته مع أبي موسى: ((يا بن الخطاب لا تكن
نقمة على أصحاب محمد رَّة، فقال: اللهم غفراً إنما أردت التثبت)).
وقوله: (أكل هذا) أكل يحتمل الرفع على أنه مبتدأ والخبر الجملة بعده
والأصح والمختار فيه أن يكون نائب فاعل لفعل مقدّر بعد الهمزة أو منصوباً به
على قاعدة الإِشتغال لأنه إذا كان قبل الإِسم أداة تلي الفعل في الغالب كان النصب
أرجح هذا على رأي من يرى أن الأكثر في أداة الإستفهام أن يليها الفعل.
وقوله: (يعطى) أي يعطيه الله في مجلس واحد وقول عمرو أما بالتخفيف
وفتح الهمزة حرف استفتاح بمنزلة ألا وهي كثيراً ما تأتي قبل القسم، كقول
الشاعر:
أما والذي أبكي وأضحك والذي أمات وأحيا والذي أمره الأمر
أليفين منها لا يروعهما النفر
لقد تركتني أحسد الوحش أن أرى
وذكر ابن هشام أنها قد تبدل همزتها هاء فتقول هما أو عيناً وتكسر همزة
إن بعدها كما تكسر بعد ألا الإستفتاحية وهذا أحد معنييها والثاني: أن تكون
بمعنى حقاً أو أحقاً على خلاف في ذلك وتفتح بعدها همزة أن كما تفتح بعد
حقاً كما في قول الشاعر :
أحقاً أن جيرتنا استقلوا
وهي مع حقاً مختلف فيها، فعند بعضهم أنها حرف، وقال جماعة: إنها
اسم بمعنى حقاً، والقول الثالث: إنها كلمتان الهمزة للاستفهام، وما اسم
بمعنى شيء، وذلك الشيء حق، فالمعنى: أحقاً، هذا الوجه رجحه ابن هشام

كتاب الطهارة
٤٦٧
ب ١٠٨/ ح ١٤٧
فيها، النصب على الظرفية المجازية كأن الحق مكان فأصل الظرف اسم الزمان
أو المكان المضمن معنى في وليس هذا واحداً منهما ولكن جعل ظرفاً مجازاً
وقد تكون عند بعضهم أما حرف عرض وهو قول المالقي بمنزلة ألا فَتَخْتَصُّ
بالفعل نحو أما تقوم وأما تقعد وقد تحذف هذه الهمزة كقول الشاعر:
ما ترى الدهر قد أباد معداً وأباد السراة من عدنان
وقوله: (لقد كبرت سني) اللام لام التوكيد بعد القسم وقد للتحقيق
وكبرت بكسر الباء يقال كبرت سنه وكبر الإِنسان كلها بالكسر إذا أريد العمر
فإن أريد الحجم وزيادته قيل كبر بضم الباء.
وقوله: (دنا) يدنو إذا قرب، والأجل لا يعلمه إلا الله ولكن العادة أن
الإِنسان إذا كبرت سنه وتقدّم في العمر أن يكون مظنة نزول الموت به أكثر كما
قال الشاعر :
وفنيت من كبر أجسادها
إذا الرجال ولدت أولادها
تلك زروع قد دنا حصادها
وجعلت أمراضها تعتادها
والأجل الوقت المعينّ للشيء يكون فيه والمراد دنا أجل موتي.
وقوله: (ما بي من فقر) الجار والمجرور متعلّق بمحذوف خبر مقدّم ومن
زائدة وفقر على أن ما عامله عمل ليس اسمها وعلى أنها مهملة فهو مبتدأ وعلى
كل فهو مجرور لفظاً مرفوع محلاً وهذا على القول بجواز تقديم خبر ما
المجرور والمعنى إن دواعي الكذب التي تدعو الإنسان إلى الكذب في الغالب
بعيدة عني لا أنّ الكذب يباح للفقير أو لغير الكبير السن فالكذب ولو مع الفقر
والشبيبة قبيح شرعاً وطبعاً محرّم كتاباً وسنّة، أي: لست فقيراً فأحدث بالكذب
لأنال بذلك شيئاً من الدنيا عند الناس وهذا توكيد منه (
لبعده عن التهمة
بالكذب والفاء في قوله: (فأكذب) سببية أي بسبب الفقر.
وقوله: (سمعته أذناي ووعاه قلبي) أي سمعته بلا واسطة ووعيته حفظته
فلم أنس، ووعاه يعيه حفظه ومنه قوله تعالى: ﴿وَعِيَّهَا أُذُنْ زَعِيَةٌ﴾ .
وقوله ◌َشير: ((فيفصم عني وقد وعيت ما قال))، يعني عند نزول الوحي
عليه .
وأوعيت المتاع جعلت له وعاء، ومحل الوعي وهو الإِدراك والحفظ

ب ١٠٩ / ح ١٤٨
٤٦٨
كتاب الطهارة
القلب وأما قوله تعالى: ﴿أُذُنِّ وَعِيَةٌ﴾ فهي صفة جارية على غير من هي له، قال
بعض الأدباء من طلبة العلم:
إذا ما غدت طلابة العلم تبتغي من العلم يوماً ما يخلد في الكتب
ومحبرتي أذني ودفترها قلبي
غدوت بجد واجتهاد عليهم
فالمراد أذن قلب صاحبها واع لأن الأذن إنما تؤدي للقلب كما قال بشار:
الأذن كالعين توفى القلب ما قد كانا
قالوا بمن لا تری تهذي فقلت لهم
] الأحكام والفوائد
قد تقدم ما يدل عليه الحديث من غسل أعضاء الوضوء وإسباغه وكذلك
ما دل عليه الحديث من ترتب الثواب العظيم على إسباغ الوضوء والصلاة بعده
وأن ذلك يدل على أن الوضوء عبادة مستقلة تحتاج إلى نية فكل ذلك قد تقدم
الكلام عليه، وفيه: دليل على طلب التثبت من المحدث وكذا العالم خشية
الغلط أو النسيان وفيه: تأكيد الخبر بما ينفي عن تهمة الكذب أو الخطأ فيه
وأنه ينبغي للعالم والمفتي أن يبين من الصفات ما يرغب الناس في قبول قوله
من دليل أو حلف أو صفة تؤكد صدقه لأن الغرض حصول الفائدة لهم ولهذا
اعتنى العلماء بالإجازة لتطمئن النفوس إلى ما يقولونه ويرونه، والله أعلم.
١٠٩ - القول بعد الفراغ من الوضوء
١٤٨ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَرْبٍ الْمَرْوَزِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ
الْحُبَابِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحِ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي إدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ
تُ قَالَ: قَالَ
وَأَبِي عُثْمَانَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ عَمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ
رَسُولُ اللهِوَّةِ: ((مَنْ تَوَضَّأَ فَأَخْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا الْهَ إلَّ الله
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فُتِحَتْ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ)).
[رواته: ٨]
[
١ - محمد بن علي بن حرب المروزي أبو علي المعروف بالترك وقد ينسب
إلى جده، روى عن زيد بن الحباب وأبي داود وأبي الوليد الطيالسيين وسيار بن
حاتم وعثمان بن عمر بن فارس وغيرهم، وعنه النسائي وعبد الله بن محمود

كتاب الطهارة
٤٦٩
ب ١٠٩ / ح ١٤٨
السعدي ومحمد بن إسحاق بن موسى المروزي ونسبه إلى جده، وثقه النسائي.
٢ - زيد بن الحباب بن الريان ويقال ابن رومان التميمي أبو الحسن
العكلي(١) الكوفي أصله من خراسان ورحل في طلب العلم سكن الكوفة روى
عن أيمن بن نابل وعكرمة بن عمار اليمامي ومالك بن أنس وأسامة بن زيد بن
أسلم وأسامة بن زيد الليثي والثورى وغيرهم. وعنه أحمد بن حنبل، وابنا
أبي شيبة وأبو خيثمة وأبو كريب وأحمد بن منيع والحسن بن علي الخلال
وعلي بن المديني ومحمد بن عبد الله بن نمير وجماعة ومن آخر من حدث عنه
محمد بن رافع النيسابورى وخاتمتهم يحيى بن أبي طالب بن الزبرقان وحدث
عنه عبد الله بن وهب ويزيد بن هارون وهما أكبر منه قال فيه أحمد: كان
صاحب حديث كيساً رحل في طلبه إلى مصر وخراسان وما كان أصبره على
الفقر وذكر أنه ضرب في الحديث إلى الأندلس قال الخطيب: رأى أحمد بن
حنبل روايته عن معاوية بن صالح وكان قاضي الأندلس وأظنه سمع منه بمكة
فظن أن زيد بن الحباب رحل إلى الأندلس وثقه ابن المديني وابن معين
والعجلي قال أبو حاتم: صدوق صالح وقال فيه أحمد: صدوق وكان يضبط
الألفاظ عن معاوية بن صالح لكن كان كثير الخطأ وعن ابن معين كان يقلب
حديث الثوري ولم يكن به بأس وعن عبيد الله القواريرى كان ذكياً حافظاً،
عالماً لما يسمع وذكره ابن حبان في الثقات وقال روايته عن المجاهيل فيها
المناكير وثناء الأئمة عليه يطول قال فيه ابن عدي: له أحاديث كثيرة وهو من
أثبات مشايخ الكوفة ممن لا يشك في صدقه والذي قال ابن معين عن أحاديثه
عن الثوري إنما له أحاديث عن الثوري تستغرب بذلك الاسناد وبعضها ينفرد
برفعه والباقي عن الثوري وغير الثوري مستقيمة والله أعلم .. مات سنة ٢٠٣.
٣ - معاوية بن صالح: تقدم ٦٢.
٤ - ربيعة بن يزيد الايادي أبو شعيب الدمشقي القصير، روى عن
(١) قال الشيخ تتلفُ معلقاً على ذلك: [قلت: نسبته لتميم، وعكل في آنٍ واحد تبع فيها
السمعاني، فإنه جعل عكلاً بطناً من تميم، وليس بصواب وسيأتي في قصة العرنين
(٣٠١) أنهم أبناء عوف بن إياس بن قيس بن عوف بن عبد مناة بن أدّ بن طابخة بن
إلياس بن مضر، وأمهم حميرية بنت ذي اللحية الحميري، ولها أمة تسمى عكل،
فحضنت أبناء عوف، فنسبوا إليها، وهي إحدى قبائل الرّباب وقد نبّه على خطأ
السمعاني ابن الأثير في تهذيب الأنساب] ا.هـ.

ب ١٠٩ / ح ١٤٨
٤٧٠
كتاب الطهارة
عمرو بن العاص والنعمان بن بشير وواثلة بن الأسقع وغيرهم، وعنه عبد الله بن
يزيد الدمشقي وحيوة بن شريح والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز ومعاوية بن
صالح وثقه العجلي ويعقوب بن سفيان ويعقوب بن شيبة وابن عمار والنسائي
وذكره ابن حبان في الثقات، قال: كان من خيار أهل الشام ووثقه ابن سعد
مات غازياً بإفريقية قتلته البربر سنة ١٢٣ وقيل سنة ١٢١ وذكر ابن حجر: أن
رواية ربيعة هذا عن عبد الله بن عمرو عنده أنها مرسلة.
٥ - أبو إدريس عائذ الله الخولاني: تقدم ٨٨.
٦ - أبو عثمان هذا اختلفوا فيه فقال بكر بن منجوية يشبه أن يكون سعيد بن
هانئ الخولاني وقال ابن حبان: يشبه أن يكون حريز بن عثمان الرّحبي وحديثه
عند النسائي عن عقبة بن عامر بدون ذكر جبير وقيل عن أبي عثمان عن عمر،
روى عن ربيعة بن يزيد ومعاوية بن صالح والصحيح معاوية بن ربيعة عنه، قلت:
والظاهر أن المراد هنا ما ذكره ابن حبان حريز بن عثمان.
٧ - عقبة بن عامر الجهني: تقدم ١٤٤.
٨ - عمر بن الخطاب، ظُله: تقدم ٧٥.
التخريج
حديث عمر في فضل الوضوء في صحيح مسلم عن عقبة بن عامر بأطول
من هذا وأخرجه ابن خزيمة وأبو داود والترمذي وابن ماجه وزاد أبو داود ((ثم
يرفع طرفه إلى السماء)) أي: بعد الوضوء ومثله للدارمي وزاد الترمذي ((اللهم
أجعلني من التوابين)) وللنسائي في اليوم والليلة بزيادة و((من المتطهرين سبحانك
اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك)).
اللغة والمعنى وبعض الفوائد
قوله: (فتحت له أبواب الجنة) أي استوجب ذلك بوعد من الله له يدخل
من أيها شاء يوم القيامة ففيه: دليل على مشروعية التشهد بعد الوضوء وتقدم أن
في بعض الروايات زيادة: ((اللهم أجعلني من التوابين ومن المتطهرين سبحانك
اللهم وبحمدك)) إلخ. وفيه: ما تقدم من الكلام على فضل الوضوء وإسباغه
وفيه: ثبوت أبواب الجنة وأن عددها ثمان وأنها تفتح للمؤمنين وبعضهم يخير
من أيها شاء قال تعالى: ﴿جَنَّتِ عَدْنٍ مُفَنَّحَةُ لَمُ الْأَبَوَبُ ®) وفيه: ترغيب الناس
في الطاعة بذكر ما أعد الله لفاعليها من الثواب.

كتاب الطهارة
٤٧١
ب ١١٠ / ح ١٤٩
١١٠ - حلية الوضوء
١٤٩ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ خَلَفٍ وَهُوَ ابْنُ خَلِيَفَة عَنْ أَبِي مَالِكِ الأَشْجَعِيِّ عَنْ
أَبِي حَازِمٍ قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ وَكَانَ يَغْسِلُ بَدَيْهِ حَتَّى
يَبْلُغَ إِبْطَنَّهِ فَقُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا هُذَا الْوُضُوءُ؟ فَقَالَ لِي: يَا بَنِي فَرُّوخَ أَنْتُمْ هُهُنَا
لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ هُهُنَا مَا تَوَضَّأَتُ هُذَا الْوُضُوءَ سَمِعْتُ خَلِيلِ نَّهِ يَقُولُ: («تَبْلُغُ
حِلْيَةُ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوُضُوءُ».
■ [رواته: ٥]
١ - قتيبة بن سعيد: تقدم ١.
٢ - خلف بن خليفة بن صاعد الأشجعي مولاهم أبو أحمد كان بالكوفة
ثم انتقل إلى واسط فسكنها مدة ثم تحول إلى بغداد فأقام بها إلى حين وفاته
قيل إنه رأى عمرو بن حريث وسيأتي ما يدل على أنه لم يره، روى عن أبيه
وحفص ابن أخي أنس بن مالك وإسماعيل بن أبي خالد وأبي مالك الأشجعي
وحميد بن عطاء الأعرج ويزيد بن كيسان ومالك بن أنس وعطاء بن السائب
وجماعة، وعنه شريح بن النعمان وسعدويه وسعيد بن منصور وداود بن
أبي رشيد وأبو بكر ابن أبي شيبة وقتيبة وعلي بن حجر والحسن بن عوف وهو
آخر من روى عنه وحدث عنه وكيع وهشيم من القدماء قيل لابن عيينة: إنه
يقول إنه رأى عمرو بن حريث فقال: كذب لعله رأى جعفر بن عمرو بن حريث
وروى نفي رؤيته له عن أحمد وقال: ولكنه عندى شُبّه عليه وذكر أنه رآه وهو
مفلوج سنة سبع وثمانين ومائة قد حمل وكان لا يفهم فمن كتب عنه قديماً
فسماعه صحيح وذكر أنه مات في سنة ثمانين أو تسع وسبعين ومائة وقال
زكريا بن حمويه عن خلف بن خليفة فرض لى عمر بن عبد العزيز وأنا ابن
ثمان سنين وقال ابن معين والنسائي: ليس به بأس وكذا قال ابن عمار: وزاد
ولم يكن صاحب حديث وقال ابن معين أيضاً وأبو حاتم: صدوق وقال ابن
عدي: أرجو أنه لا بأس به ولا أبرئه من أن يخطئ في بعض الأحاديث في بعض
رواياته وقال ابن سعد كان ثقة مات ببغداد سنة ١٨١ وهو ابن تسعين سنة أو

ب ١١٠ / ح ١٤٩
٤٧٢
كتاب الطهارة
نحوها وقال البخاري: يقال مات سنة ١٧١ وهو ابن مائة سنة وسنة قال ابن حجر
وكذا جزم ابن حبان وفي هذا المقدار في سنه نظر فقد تقدم أنه قال فرض لي
عمر بن عبد العزيز وأنا ابن ثمان سنين فيكون مولده على هذا سنة إحدى وتسعين
أو اثنتين وتسعين لأن عمر بن عبد العزيز ولى سنة ٩٩ وقد ذكروا أنه توفي سنة
١٨١ فيكون عمره تسعين سنة أو تزيد أشهرا وعلى هذا فيبعد إدراكه عمرو بن
حريث بعداً بينا على ما سنذكره في ترجمة عمرو ووثقه العجلي وفي الثقات لابن
شاهين قال عثمان بن أبي شيبة: صدوق ثقة لكنه خَرِف فاضطرب عليه الحديث،
وعلى كل ثبت اختلاطه قبل موته بسنة أو نحوها فما روى عنه قبل فهم متفقون
على توثيقه في الجملة قبل الاختلاط، والله أعلم.
٣ - سعد بن طارق بن أشيم أبو مالك الأشجعي الكوفي، روى عن أبيه
وأنس وعبد الله بن أبي أوفي وربعي بن حراش وسعد بن عبيدة وموسى بن
طلحة بن عبد الله وأبى حازم الأشجعي وغيرهم، وعنه خلف بن خليفة
وابن إسحاق وشعبة والثوري وابن إدريس وحفص بن غياث وعباد بن العوام
ويزيد بن هارون وأبو معاوية وأبو عوانة وجماعة وثقه أحمد وابن معين
والعجلي وقال أبو حاتم: صالح الحديث يكتب حديثه وقال النسائي: ليس به
بأس وذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن خلفون: وثقه ابن نمير وغيره وقال
العقيلي: أمسك يحيى بن سعيد عن الرواية عنه وقال ابن عبد البر: لا أعلمهم
يختلفون في أنه ثقة عالم قيل: إنه بقي إلى حدود الأربعين ومائة.
٤ - سلمة بن دينار أبو حازم: تقدم ٤٤.
٥ - أبو هريرة ﴿ه: تقدم ١.
التخريج
أخرجه مسلم والإِمام أحمد وأخرجه ابن خزيمة بدون قوله: (يا بني فروخ).
اللغة والإعراب والمعاني
قوله: (وهو يتوضأ) جملة حالية وقوله: (للصلاة) أي لأجلها.
وقوله: (إبطيه) تثنية إبط وهو ما تحت الجناح من الجنب والمعنى أنه
يزيد على الفرض المحدود بالنص بالمرافق.

كتاب الطهارة
٤٧٣
ب ١١٠/ ح ١٤٩
وقوله: (ما هذا) استفهام إنكاري أي أي شيء هذا الوضوء المخالف
بالزيادة على الفرض أي لِمَ تتوضأ هذا الوضوء؟ فما استفهامية مبنية على
السكون في محل رفع مبتدأ واسم الإشارة خبرها والوضوء تفسير لاسم الإشارة
فهو بدل منه وقوله: (يا بني فروُّخ) فروخ قيل إنه من ولد إبراهيم ولا يثبت
وهذا اللفظ من ألقاب العجم أو بعضهم عند العرب إما نسبة لأحد أبناء إبراهيم
إن صح ذلك أو لأحد أجدادهم أو لقب لهم، كل ذلك محتمل فكأنه يقول:
أنتم ها هنا معاشر العجم لأنهم يتسرعون إلى الإِنكار لقصورهم في العلم غالباً
والخطاب لأبي حازم سلمة بن دينار وهو من موالي العجم.
وقوله: (لو علمت أنكم ها هنا) لو حرف شرط كما تقدم ومراده بهذا أنه
لو علم أن بحضرته من ينكر عليه لما فعل لأنه أمر غير واجب والمعروف
خلافه فهو عرضة للتشويش على العوام فتركه بحضرتهم أولى وليس فيه أمر من
الشارع حتى يبين وإنما هو شيء فعله باجتهاده.
وقوله: (خليلي) يعني النبي ◌َّر والخليل من استولت محبته على القلب
حتى تتخلل مسالكه كما قال الشاعر:
تخللت مسلك الروح مني
وبذا سمي الخليل خليلاً
والخلة: الصداقة والمحبة الخالصة وهي الخلال قال تعالى: ﴿لَّا بَيْعٌ فِيهِ
وَلَا خِلَلُ﴾. وفي الحديث: ((لو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لا تخذت أبا بكر
خليلاً)) لأنه وَّ و لا تستولى على قلبه محبة غير ربه، (والحلية) بالكسر ما يتحلى
به أي يلبس للزينة ومنه قوله تعالى: ﴿أَوَمَن يُنَشَؤُّأْ فِىِ الْعِلْيَةِ﴾ أي يتربى بالزينة
ليرغب فيه ومنه قول الشاعر:
تكمل من حسن إذا كان قصرا
وما الحلى إلا زينة مستعارة
كحسنك لم يحتج إلى أن يسور
فأما إذا كان الجمال موفرا
وأل في الحلية يحتمل أنها للعهد الذهني أي التي ثبت الوعد بها
في الحديث الذي ذكره. وفي قوله تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ
وَلُؤْلُؤَّا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ وقال تعالى: ﴿وَحُلُّواْ أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةِ﴾ جعلنا الله
وإخواننا ووالدينا منهم ومن دعا لنا بخير وتقدم الكلام على لفظ: ((حيث)) وأنها
ظرف مبني مقطوع عن الإِضافة منوى فيه معناها وهي من الظروف التي لا

ب ١١٠ / ح ١٤٩
٤٧٤
كتاب الطهارة
تضاف إلا إلى الجمل وقول الشاعر: ((حيث سهيل طالعاً)) شاذ.
" وقوله: (يبلغ الوضوء) أي مواضع الوضوء التي تغسل فيه فتعم الحلية
جميع مواضع الغسل في الوضوء وظاهر هذا أن أبا هريرة تأول الحديث على
أن الماء مهما بلغ من البدن تبلغه الحلية ولم يوافق في هذا التأويل لأن
التحديد صريح في القرآن وتقدم النهي عن الزيادة وجواب أبي هريرة هذا يدل
على أنه ليس عنده دليل عن النبي ◌َّ# غير ما فهمه من هذا الحديث، وقد روى
مسلم من حديثه أنه توضأ فذكر أنه غسل يده حتى أشرع في العضد ثم ذكر مثل
ذلك في اليسرى كذلك ثم ذكر أنه غسل الرجل حتى أشرع في الساق وأنه قال
هكذا رأيت رسول الله * يتوضأ فهذا محمول عند الأكثرين على ما لا يتم
استيعاب الفرض إلا به أعني قوله: (حتى أشرع في العضد) إلخ.
الأحكام والفوائد
[
استدل به علماء الشافعية - رحمهم الله - على قولهم باستحباب الزيادة
على الحد المذكور في القرآن وخالفهم سائر فقهاء الإسلام واستدلوا بأن هذا
لو كان سنة لما أطبق الصحابة على تركه ولو فعله أحد منهم لنقل ذلك عنهم
وقد رووا صفة وضوء النبي سلام قولاً وفعلاً ولم يثبت عن أحد منهم أنه زاد
على الفرض قولاً ولا فعلاً أما الحديث الذي تقدمت الإِشارة إليه حديث
أبي هريرة في صحيح مسلم فقد استدل به النووي وفسر الغرة والتحجيل
بالمعنى اللغوي الذي هو بياض الوجه والرجلين ثم ذكر أن المراد الزيادة على
الفرض وفسرها مرة أخرى بذلك وفسر التحجيل بغسل ما فوق المرفقين
والكعبين ولا تعطي اللغة هذا التفسير كما لا يخفى وإنما حمل هو وجماعته
الحديث على ذلك وفيه نظر لأن إطالة الشيء إدامة فعله وهو محل الفضل عند
الأكثرين فإطالة الغرة إدامة غسل محلها وكذلك التحجيل فإن المرتب عليه
الثواب الإِكثار من الوضوء.
والأحاديث الأخر مصرحة بذلك منها حديث بلال: ((ما أحدثت إلا
توضأت ولا توضأت إلا صليت ما كتب لي)) ثم ذكر النووي قول عياض
وأبي الحسن بن بطال أن العلماء اتفقوا على عدم استحباب الزيادة ورد عليهما
بقوله: وكيف يصح دعواهما وقد ثبت فعل ذلك عن رسول الله وَص 84* قلت: يعني

كتاب الطهارة
٤٧٥
ب ١١٠ / ح ١٤٩
هذا الحديث المذكور وليس فيه أكثر من كونه غسل حتى أشرع في العضد
والاستدلال به على الزيادة التي يقولون بها غير مسلم فإن غاية ما فيه أنه أراد
استيعاب الفرض ولا يمكن تحقق ذلك إلا بإصابة الماء طرف العضو كما لا
يخفى ثم ذكر أن احتجاجهم أي المخالفين لمذهبه بقوله: (فمن زاد أو نقص
فقد أساء وظلم) فلا يصح لأن المراد عنده الزيادة في عدد الغسلات وهو غير
مسلم لاحتمال الوجه الآخر فيه وهو النهي عن الزيادة على الفرض وذكر
ابن حجر: أن ابن أبي شيبة رواه عن ابن عمر فيه ما فيه لعدم ثبوت ذلك ثم
ذكر أنه رواه باسناد أصح من إسناد ابن أبي شيبة عن ابن عمر.
والذين قالوا بالزيادة اختلفوا في مقدارها فمنهم من قدرها، ومنهم من
قال: من غير تقدير ومنهم من قال: يغسل العضد والساق ومنهم من قال: إلى
المنكب والركبتين وهذا أبعد في الأحتمال ولم يرد به نص كما قدمنا والحديث
وإن قال النووي: يحتمل هذا فهو قول لا يخفى على منصف بُعْدُه فإن قوله:
(حتى أشرع في العضد أو في الساق) بعيد جداً من المنكب والركبتين فسبحان
من حبب إلى هؤلاء الأئمة مع جلالة قدرهم تأييد مذهبهم ولكن أبي الله أن
يجعل العصمة إلا للأنبياء وكيف يكون هذا سنة لا ينقل عن أحد من الصحابة
أنه فعلها غير أبي هريرة حتى ولو صح أن ابن عمر فعله فهل يليق بجميع
الصحابة بما فيهم الخلفاء الراشدون ترك ما أمرهم به رسول الله ويالقر من إطالة
الغرة على أن المراد بها هذا حتى يكون المتأخرون يفهمون ذلك ويحرصون
عليه وأبو هريرة وحده الذي عمله فهذا شيء لا يخفى بُعده، والله الموفق
للصواب لا سيما في مسألة كهذه متعلقة بالصلاة ومحلها من الدين معروف.
وفي الحديث دليل على أنه ينبغي لمن رأى العالم يصنع شيئاً وخفى عليه وجهه
أن يسأله ويجب على العالم إذا سئل بيانه مصحوباً ببيان دليله لأنه ربما كان
مترخصاً ولهذا قالوا في المثل: ((سل العالم يصدقك ولا تَقْتَدِ بِفِعْلِهِ) وذلك لأنه
قد يترخص كما تقدم أو يكون به عذر فيبين ذلك وسيأتي لهذا نظائر إن شاء الله
تعالى وفيه أنه ينبغي للإنسان أن يتقي الشيء الذي يشوش على الناس إذا لم
يكن واجباً وله أدلة ستأتي أيضاً ومنه ما تقدم في باب السواك من ترك الأمر به
خشية المشقة، وفيه دليل على فضل الوضوء، وفيه المبالغة في استيعاب الفرض

ب ١١٠ / ح ١٥٠
٤٧٦
كتاب الطهارة
حتى يتناول ما يجاوره عند من لم ير الزيادة على الفرض وأما من يرى الزيادة
على الفرض فيجعله دليلاً كما تقدم ومحل الشاهد منه فضل الوضوء، والله
أعلم.
١٥٠ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِك عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ خَرَجَ إلَى الْمَقْبَرَةِ فَقَالَ: السَّلاَمِ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ
وَإِنَّا إنْ شاء الله بِكُمْ لَا حِقُونَ وَدِدْتُ أَنِّي قَدْ رَأَيْتُ إِخْوَاتَنَا، قَالُوا: يَا رَّسُولَ الله
أَلَسْنَا إِخْوانَكَ؟ قَالَ: ((بَلْ أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَإِخْوانِي الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ وَأَنَّا
فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْض)»، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله! كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ بَأْتِي بَعْدَكَ مِنْ
أُمَّتِكَ؟ قَالَ: ((أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لِرَجُلِ خَيْلٌّ غُزِّ مُحَجلة فِي خِيْلِ بُهْم دُهْم أَلَا يَعْرفُ
خَيْلَهُ؟)) قَالُوا: بَلَى قَالَ: ((فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ بَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرَّأْ مُحَجَّلِينَ مِّنَ الْوُضُوءِ وَأَنَا
فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْض)).
■ [رواته: ٥]
١ - قتيبة بن سعيد: تقدم ١.
٢ - مالك بن أنس: تقدم ٧.
٣ - العلاء بن عبد الرحمن: تقدم ١٤٣.
٤ - عبد الرحمن بن يعقوب الجهني: تقدم ١٤٣.
٥ - أبو هريرة: تقدم ١.
التخريج
أخرجه مسلم وابن خزيمة.
اللغة والإعراب والمعاني
(المقبرة): محل الدفن وهي المقابر ومقابر المدينة بالبقيع وتقدم الكلام
على القبر وما يتعلق به (٣١) في حديث ابن عباس مر النبي 18 على قبرين
الحديث والفاء: في قوله: (فقال) عاطفة ويحتمل أنها الفصيحة ويكون التقدير
فلما وصلها قال: وقوله: (دار قوم) منادى منصوب حذف منه حرف النداء
والتقدير يا دار قوم مؤمنين، وأصله على حذف مضاف لأن المنادى أهل الدار

كتاب الطهارة
٤٧٧
ب ١١٠ / ح ١٥٠
على حد قوله تعالى: ﴿وَسْئَلِ اٌلْقَرْيَةَ﴾ أي أهلها لأن نفس الدار لا يسلم عليها
فالأصل يا أهل دار حذف أهل وبقي المضاف إليه فتسلط عليه حرف النداء
على حد قول ابن مالك - رحمه الله تعالى:
وما يلي المضاف يأتي خلفاً عنه في الاعراب إذا ما حذفا
وقوله: (وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) قوله إن شاء الله ذكرها هنا
للتحقيق لا للتعليق كما في قوله تعالى: ﴿لَكْثُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اَللَّهُ﴾ إن
كان المعنى على ظاهره من أن المراد حصول الموت لهم فإنه أمر محقق
ويجوز أن يكون للتعليق وذلك إذا حمل على أن المراد أنهم يلحقون بهم على
صفة الإِيمان فيكون التعليق على أصله لأن المرء لا يعلم ما يختم له به فالقيد
للحوق بصفة الإيمان يصح فيه التعليق.
قلت: ويكون ذلك مستفاداً من قوله: دار قوم مؤمنين فخص الدار بأهل
الإيمان والموت على الإيمان أمر غيبي فيكون لاحقون بكم متصفون بصفتكم.
وقوله: (وددت) أي أحببت وتمنيت (أني رأيت) أي أبصرت إخواننا يريد
آخر أمته من المسلمين فإنهم إخوانه في الإِيمان كما قال لأبي بكر څبه :
((ولكن أخوة الإِسلام)) بعد أن قال: ((لو كنت متخذاً خليلاً لا تخذت أبا بكر))
وفي رواية: (لو كنت متخذاً خليلاً غير ربي)) وقال لعمر: ((أشركنا يا أخي في
دعائك)) فكل المسلمين إخوانه وقولهم: ((ألسنا إخوانك)) استفهام من الصحابة
لأنه أشكل عليهم ما سمعوه منه من تخصيص من لم يأت باسم الإِخوان
والإستفهام للتقرير لأن همزة الاستفهام فيها معنى النفي فإذا دخلت على أداة
نفي نفتها ونفى النفي إثبات فقال مجيباً لهم: ((بل أنتم أصحابي))، وبل حرف
إضراب تكون للإِبطال وللانتقال وهي هنا للانتقال من أسلوب إلى أسلوب أو
من معنى إلى آخر والمعنى أنتم لكم مزية اسم الصحبة وهي درجة أخص من
مجرد الاخوة لأنهم أكرمهم الله وخصهم بصحبته، فهم لم يسبقوا لفضلها ولا
يلحقون وأما الاخوة فهي عامة لكل مسلم كما تقدم.
وقوله: (وإخواني) أي الذين عنيتهم وتمنيت رؤيتهم هم جميع المؤمنين
ممن آمن بي بعد موتي ولذا قال الذين لم يأتوا أي لم يوجدوا بعد فعبر بالإِتيان
عن الوجود لأن الشخص إذا لم يوجد فهو غائب فكأنه إذا ولد كان غائباً

ب ١١٠ / ح ١٥٠
٤٧٨
كتاب الطهارة
فحضر وقوله: (بعد) ظرف مبني على الضم مقطوع عن الإِضافة في اللفظ دون
معناها أي بعد ما مضى من الزمن.
وقوله: (أنا فرطهم على الحوض) الفرط والفارط هو الذي يتقدم الواردة
إلى الماء فيملأ لهم الحياض استعداداً لشربهم ففرط فعل بمعنى فاعل مثل تبع
بمعنى تابع أي أتقدمهم إليه كما تقدم الفرط الواردة قال الشاعر:
فأثار فارطهم قطاطاً جثما أصواتها كتراطن الفرس
والجمع فراط كرمان، قال القطامى :.
كما تقدم فراط لوراد
فاستعجلونا وكانوا من صحابتنا
· وفرط الحوض ملأه، قال كعب بن زهير ظُه يصف غديراً:
من صوب ساريه بيض يعاليل
تنفى الرياح القذا عنه وأفرطه
أي ملأه من صوب السحابة السارية التي تكون بالليل.
وقوله: (وأنا فرطهم على الحوض) جملة حالية أو أنا فرطهم استئنافية
وعلى الحوض جار ومجرور في محل نصب حال أي حال كوني على الحوض
أي عنده انتظر كما ينتظر الفرط الوارد عليه من الناس والدواب، وقوله:
(كيف) في محل نصب على المصدرية عند من يقول ذلك فيها أي أن ذلك من
معانيها وقد تقدم الكلام على ذلك في حديث عبد الله بن زيد ٩٧ على أن
يكون التقدير تعرفهم أي معرفة أو على الحال والتقدير على أي: حال تعرفهم.
وقوله: (من) اسم موصول في محل نصب مفعول به لتعرف وقوله: (من
أمتك) من بيانية والمراد بالأمة هنا أمة الإِجابة فتخص المسلمين من الأمة
وهكذا كلما جاء لفظ الأمة في مقام الوعد الحسن أو الثناء فالمراد بها أمة
الإِجابة وأما أمة الدعوة فهي تشمل المسلمين وغيرهم، كما قال: ((والذي
نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ولا غيرهما ثم
لم يؤمن بالذي أرسلت به إلا دخل النار)).
وقوله: (أرأيت) بخطاب الواحد فهو يدل على أن المتكلم واحد وأسند
القول في قوله (قالوا: بلى) للجميع لأنهم ساكتون له عليه ومتطلعون للجواب
كلهم فكأنه ناب عن الباقين في السؤال فوجه الخطاب إليه وهم حاضرون
يسمعونه وهذه اللفظة وهي أرأيت كلمة يقصد بها الاستخبار فهي بمعنى أخبرني

كتاب الطهارة
٤٧٩
ب ١١٠/ ح ١٥٠
وللعرب فيها على ما قاله الفراء لغتان ومعْنيان أحدهما: أن يسأل بها عن
الرؤية بالعين نحو: أرأيت زيداً أو أرأيتك نفسك إذا أوقعت الرؤية على
المخاطب أي هل رأيت نفسك على غير هذه الحالة فهي بهذا المعنى مهموزة
لا تحذف همزتها وتثنى وتجمع والمعنى الثاني: أن تكون بمعنى أخبرني كما
هنا فهي في هذه الحالة يجوز فيها الهمز نحو أرأيت وأرأيتك ويجوز تركه وفي
الحالتين تلزم التاء الفتح ولا تثنى ولا تجمع فمن استعمالها غير مهموزة قول
أبي الأسود:
أريت امرءاً كنت لم أبله أتاني فقال اتخذني خليلاً
وقول بعض بني جذيمة:
بحلية أو الفيتكم بالخوائق
أريتكم إن طالبتكم فوجدتكم
تكلف إدلاج السرى والودائق
أما كان حقاً أن ينول عاشق
وقول ركاض بن براق الدبيري :
جعلت لها أن بخلت فداء
فقولا صادقين لزوج حبى
أتمنعني على حبى البكاء
أريتك إن منعت كلام حبَّى
قال الفراء: ترك الهمزة أكثر في كلام العرب وقريش يهمزونها وإن كان
الهمز ليس لغتهم قال: وإنما تركوا التاء مفتوحة موحدة لأنهم لم يريدوا أن
يوقعوا الفعل عليها واكتفوا بذكرها أي وجعلوا الفعل واقعاً على الكاف لأنها
آخر اللفظ والأكثرون على أنها أي الكاف حرف زائد في الخطاب لا محل له
من الإعراب وقد تكون أرأيت بمعنى التعجب والتنبيه.
قلت: قد يرد على قولهم إنها إذا كانت بمعنى أخبرني تلزم التاء الفتح
كونها وردت في القرآن الكريم في عدة مواضع والتاء مضمومة مع ميم الجمع
كقوله: ﴿أَفََّيْتُ مَّا تَّخُونَ ﴾﴾ ﴿قُلْ أَرَءَيْتُم مَّا أَنزَلَ اَللَّهُ لَكُم مِّنْ رِزْقٍ﴾
ونحو ذلك ولعل الضم فيه لمناسبة ميم الجمع ولم أر من تعرض لذلك من
أهل اللغة ولا أهل التفسير والله أعلم، قوله: (لو كان) لو حرف شرط
والغالب دخوله على الماضي فإن وقع المضارع بعده أوِّل بالماضي وقوله:
(كان) يحتمل أنها ناقصة والجار والجرور الخبر، ويحتمل أنها تامة بمعنى وجد

ب ١١٠ / ح ١٥٠
٤٨٠
كتاب الطهارة
والأول أظهر وقوله: خيل اسم جنس لا واحد له من لفظه فإن أريد الواحد
قيل فرس وقال أبو عبيدة: أنه جمع خائل لأنه يختال في مشيته وأنكر ذلك
ابن سيده، وقوله: (غر محجلة) الغرة بياض في وجه الفرس، وفرس أغرفيه
بياض في وجهه زائد على قدر الدرهم والمحجل الذي في قوائمه بياض لا
يبلغ العراقيب ولا يكون محجلاً إلا إذا كان ذلك في الرجلين أو فيهما مع .
اليدين أو واحدة منهما، وأما إذا كان البياض في اليدين فقط فلا يسمى
تحجيلاً بل يقال فيه أعصم لأن الرجلين هما محل الاحجال وهي الخلاخيل
والقيود والمعنى خيل بيض الوجوه بيض الأيدي والأرجل وهذا هو وجه شبه
أهل الوضوء بهذه الخيل لأن البياض يكون في مواضع الوضوء وهي الوجه
والأيدي والأرجل فسيماهم بياض هذه المواضع كما أنها تكون سيما الخيل
وقوله: (غر محجلة) صفتان للخيل، وقوله: ( في خيل) أي داخلة في خيل
ومختلطة بها ودهم: جمع أدهم وهو الأسود والبهم جمع أبهم والأبهم الذي
ليس فيه لون يخالف لونه والجمع بهم والمعنى أن لهم علامة بين الناس
تميزهم عن سائر الأمم.
وقوله: (ألا يعرف خيله) الهمزة للاستفهام ولا نافية والاستفهام للتقرير
وهو حمل المخاطب على الاعتراف أي هل يتصور أنه لا يعرف خيله التي هي
بهذه العلامة لأن العرب تجعل ذلك من الأمور الواضحة، قال جرير:
رأوا أثْبِية الفهدات ورداً فما عرفوا الأغر من البهيم
وصفهم بشدة الرعب.
وقوله: (بلى) حرف جواب للاستفهام المصحوب النفي فهي تنقض
النفي كقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾، وقوله: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّ أَيَّامًا﴾
فأجاب بقوله: ﴿بَلَ مَن كَسَبَ سَيِّئَةٌ﴾ الآية، ونعم في جواب الاستفهام أي
الخالي من النفي ولهذا لو قال قائل أما عندي لك شيء فقلت بلى رددت نفيه
وأثبت عليك ولو قلت: نعم صدقته في نفيه ولم تعترف وقوله: (فإنهم) ظاهره
أن ذلك خاص بالذين لم يوجدوا منهم وليس الأمر كذلك لأنه جاء بلفظ أعم
كقوله: (إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا) فأطلق لفظ الأمة فدل على أن الصفة
عامة وقوله: (يأتون) أي يبعثون ويردون الحوض علي وغراً ومحجلين حالان