النص المفهرس
صفحات 121-140
كتاب الطهارة M ١٢١ ب ١٢ / ح ١٢ الرجل، ويقال للشعر: الإسب. والنتف: هو الإزالة بالقلع من غير حلق، والتعبير بالنتف يدل على قصده هنا دون الحلق، فيستحب على هذا أن تكون إزالة شعر الإبط بالنتف، ويقال في تخصيص الإزالة بالنتف هنا: إن النتف يضعف الشعر ويقلله بخلاف الحلق فإنه يكثره ويقويه، فهذا وإن كان المطلوب هنا الإزالة، فالتنصيص على النتف كما قدمنا؛ مما يدل على خصوصه في الإبط. ١٢ - حلق العانة ١٢ - أَخْبَرَنَا الحَارِثُ بْنُ مِسْكِينِ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ عَنِ ابْنٍ وَهْبٍ عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ نَافِع عَنِ أَبْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِهِ قَالَ: ((الْفِطْرَةُ قَصُ الأَظْفَارِ وَأَخْذُ الشَّارِبِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ». ■ [رواته: ٥] ١ - الحارث بن مسكين: تقدم ٩. ٢ - عبد الله بن وهب: تقدم ٩. ٣ - حنظلة بن أبي سفيان بن عبد الرحمن بن صفوان بن أمية الجمحي المكي، روى عن سالم بن عبد الله بن عمر وسعيد بن ميناء وطاوس وعكرمة بن خالد والقاسم بن محمد ونافع مولى ابن عمر وعطاء بن أبي رباح ومجاهد وأخويه عبد الرحمن وعمر وجماعة، وعنه الثوري وحماد بن عيسى الجهني وابن المبارك وابن نمير ووكيع والقطان وابن وهب وغيرهم. قال أحمد: كان وكيع إذا أتى على حديثه قال: حدثنا حنظلة بن أبي سفيان وكان ثقة، وقال الجوزجاني عن أحمد: إنه ثقة ثقة، قال ابن معين: ثقة حجة، وقال: حنظلة وأخوه ثقتان ووثقه النسائي وأبو زرعة وأبو داود وقال: أبو داود وعثمان بن الأسود يقدم. عليه قال ابن أبي عدي: عامة ما روى حنظلة مستقيم إذا حدث عنه ثقة قال أحمد عن القطان: كان حياً سنة ١٥١ ويقال فيها مات، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: اسم أبي سفيان: الأسود، وهو الذي يروي عنه محمد بن فضيل ويقول: حدثنا حنظلة بن الأسود، وأورد له ابن عدي في الكامل حديثاً استنكره، قال ابن حجر: لعل العلّة فيه من غيره. ب ١٢/ ح ١٢ ١٢٢ كتاب الطهارة ٤ - نافع مولى ابن عمر: الفقيه الجليل والتابعي النبيل، أصابه ابن عمر في بعض مغازيه، وقيل: إنه من سبي عين التمر، أبو عبد الله المدني، روى عن مولاه عبد الله وعائشة وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري وبني عبد الله بن عمر وهم، عبد الله وعبيد الله وسالم وزيد، وإبراهيم بن عبد الله بن حنين والقاسم بن محمد وعبد الله، بن محمد بن أبي بكر وصفية بنت أبي عبيد وغيرهم، وعنه أولاده أبو عمر وعمر وعبد الله، وصالح بن كيسان وعبد الله بن دينار ويحيى وعبد ربه ابنا سعيد الأنصاريان، وأبو إسحاق السبيعي وموسى بن عقبة والزهري ومالك والأوزاعي وعبيد الله بن عمر العمري وأخوه عبد الله وغيرهم. قال البخاري: أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر، وقال ابن عمر: لقد منّ الله علينا بنافع، وثقه ابن معين والعجلي وابن خراش، ووثقه النسائي وابن سعد وقال: كثير الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات، ويقال: إن روايته عن حفصة مرسلة وكذا عن عثمان، وقال أحمد: نافع عن عمر منقطع. قال الخليلي من أئمة التابعين في المدينة، إمام في العلم متفق عليه، صحيح الرواية لا يعرف له خطأ في جميع ما رواه، وقال أحمد بن صالح المصري: حافظ ثبت له شأن. ٥ - عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل العدوي القرشي المكي، أسلم وهو صغير مع أبيه، وهاجر معه وهو صغير، واستصغر يوم أحد وشهد الخندق وما بعدها، روى عن النبي ◌ّر وعن أبيه وأبي بكر وعثمان وعلي وعمه زيد بن الخطاب وابن عمه سعيد بن زيد وبلال وزيد بن ثابت وحفصة وعائشة وغيرهم من الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين. وعنه أولاده بلال وحمزة وسالم وعبد الله وعبيد الله وعمر، وابن ابنه أبو بكر بن عبيد الله وابن ابنه الآخر عبد الله بن واقد وابن ابنه الآخر زيد بن محمد وابن أخيه حفص بن عاصم وابن أخيه عبد الله بن عبيد الله بن عمر، ومولاه نافع ومولى أبيه أسلم وعروة وموسى بن طلحة وأبو سلمة وعامر بن سعد وخلق كثير. وهو أحد المكثرين من الحديث، قال مالك: أفتى ستين سنة، وقال جابر: ما منا أحد أَذْرَك الدنيا إلا مالت به ومال بها إلا ابن عمر، وقال ابن مسعود: أملك شباب قريش لنفسه عن الدنيا ابن عمر، ومناقبه كثيرة رظُه. هاجر وهو ابن عشر سنين، ومات سنة ٧٣ وقيل ٧٤ وهو أثبت، رضي الله عنه وأرضاه، وجمعنا في جنات النعيم وإياه. كتاب الطهارة M ١٢٣ ب ١٣ / ح ١٣ التخريج أخرجه البخاري في صحيحه في باب تقليم الأظفار من كتاب اللباس، قال: حدثنا أحمد بن أبي رجاء: حدثنا إسحاق بن سليمان، قال: سمعت حنظلة عن نافع ولفظه: ((من الفطرة حلق العانة وتقليم الأظفار وقص الشارب)). وذكر الصنعاني في حاشيته على العمدة أن الإسماعيلي أخرجه بلفظ: (ثلاث من الفطرة)، وأشار له الترمذي. اللغة والإعراب والمعنى (حلق العانة): إزالة الشعر النابت على المحل بالحلق بالحديدة، وعانة الإنسان إسبه والشعر النابت على فرجه، وقيل: منبت الشعر في ذلك المكان، واستعان: حلق العانة، قال الشاعر: مثل البرام غدا في أصده لم يستعن وحوامي الموت تغشاه وتعيَّن کاستعان: حلق عانته، وأصله الواو: فهو إما تعيون وزن تفعل، أو مما عاقبت الياء الواو فيه، كالصياغ في الصواغ. والتعبير بالحلق مشعر بكونه هو السنة، وإلا فالإزالة تحصل بغيره، وقد تقدم. الفوائد والأحكام 7 فيه دليل على تأكد هذا الفعل الذي هو حلق العانة، ويسمى استحداداً، وهو كالذي قبله من هذه الخصال سنة مؤكدة؛ لما في تركه من البشاعة والاستقذار، ودلت السنة على أنه يطلب حتى عند القتل، أو غيره من الأسباب التي يتحقق بها الإنسان الموت، أو يغلب على ظنه بها الموت. وأصل ذلك حديث خبيب في الصحيحين، وتقدم أن التعبير بالاستحداد يدل على أنه السنة، وقد كره بعض العلماء النتف لأنه يسبب استرخاء المحل. والله أعلم. ١٣ - قص الشارب ١٣ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ حَبِيبٍ بْنِ يَسَارٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَنْ لَمْ يَأْخُذْ شَارِبَهُ فَلَيْسَ مِنَّا)». ب ١٣/ ح ١٣ ١٢٤ كتاب الطهارة ■ [رجاله: ٥] ١ - علي بن حجر بن إياس بن مقاتل بن مخادش بن مشمرخ بن خالد السعدي أبو الحسن المروزي، سكن بغداد قديماً ثم انتقل إلى مرو فنزلها . روى عن أبيه وإسماعيل الخياط وإسماعيل بن علية وجرير بن المبارك وغيرهم، وعنه البخاري ومسلم والترمذي، والنسائي وأحمد بن أبي الحواري وأبو بكر بن خزيمة وغيرهم. قال محمد بن علي بن حمزة المروزي: كان فاضلاً حافظاً، وقال النسائي: ثقة مأمون حافظ، وقال الخطيب: كان صدوقاً متقناً حافظاً اشتهر حديثه بمرو، وذكر الحافظ ابن حجر عن أبي بكر الأعين أنه قال: مشايخ خراسان ثلاثة: أولهم قتيبة والثاني محمد بن مهران والثالث علي بن حجر قال البخاري: مات سنة ٢٤٤ في جمادى الأولى وفيها أرّخه غير واحد، وذكر الباشاني أن مولده سنة ٥٤، قال الحاكم: كان فاضلاً ثقة، وفي الزهرة روى له البخاري خمسة أحاديث ومسلم ١٨٨ حديثاً. وقال ابن حجر: قال محمد بن حمدويه: سمعت علي بن حجر يقول: انصرفت من القرآن وأنا ابن ثلاث وثلاثين فقلت: لو بقيت ثلاثاً وثلاثين أخرى فأروي بعض ما جمعته من العلم فقد عشت بعدُ ثلاثاً وثلاثين وثلاثاً وثلاثين أخرى وأنا أتمنى بعدُ ما كنت أتمنى. قلت: وهذه حالة ابن آدم والله المستعان. ٢ - عبيدة بن حميد بن صهيب التيمي - وقيل: الضبي - أبو عبد الرحمن الكوفي المعروف بالحذّاء. قلت: هكذا قال ابن حجر، ثم نقل عن أحمد بن حنبل أنه لم يكن حذّاء، وإنما هو الظاعني، والحذّاء هو ابن أبي رائطة، وعبيدة بفتح العين. روى عن عبد الملك بن عمير وعبد العزيز بن رفيع والأسود بن قيس ويحيى بن سعيد الأنصاري والأعمش وحميد الطويل ومنصور ويوسف بن صهيب وغيرهم. وعنه الثوري - وهو أكبر منه - وأحمد بن حنبل ومحمد بن سلام وابنا أبي شيبة وابن حجر وقتيبة وأبو ثور. قال الأثرم: أحسن أحمد الثناء عليه ورفع أمره. قال الفضيل بن زياد: قال أحمد: ما أحسن حديثه. وقال أحمد: ما أدري ما للناس وله، ثم ذكر صحة حديثه فقال: كان قليل السقط، وأما التصحيف فليس نجده عنده. قال ابن معين: ثقة، وقال أيضاً: ما به المسكين بأس، ليس له بخت، وقال: عابوه؛ أنه يقعد عند أصحاب الكتاب. قال عبد الله بن المديني: كتاب الطهارة ١٢٥ ب ١٣ / خ ١٣ أحاديثه صحاح وما رويت عنه شيئاً، وقال في موضع آخر: ما رأيت أصح منه حديثاً ولا أصح رجالاً. قال ابن عمار: ثقة، وقال النسائي: ليس به بأس قال ابن سعد: كان ثقة صالح الحديث، صاحب نحو وعربية وقراءة للقرآن، قدم بغداد فصيّره هارون مع ابنه محمد فلم يزل معه حتى مات. قال الدارقطني: كان ثقة وكان من الحفاظ. قال عثمان بن أبي شيبة: ثقة صدوق ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: لم يكن حذّاء، وإنما كان يجلس إلى الحذائين فنسب إليهم. قال مطين وغيره: مات سنة ١٩٠، وأخبرت أنه ولد سنة ١٠٩. قال هارون بن حاتم: سألته عن مولده فقال: سنة ١٠٧ - رَّتُهُ . ٣ - يوسف بن صهيب الكندي الكوفي، روى عن أبي بريدة والشعبي وحبيب بن يسار وغيرهم، وعنه جرير بن عبد الحميد ومعتمر بن سليمان وعبيدة بن حميد وعبد الله بن نمير ويحيى القطان وعبيد الله بن موسى وأبو نعيم وغيرهم. وثقه أبو داود وابن معين وعثمان بن أبي شيبة، وقال النسائي وأبو حاتم: لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات. ٤ - حبيب بن يسار الكوفي الكندي، روى عن زيد بن أرقم وعبد الله بن عباس وعبد الله بن أبي أوفى وسويد بن غفلة وزاذان الكندي، وعنه زكريا بن يحيى الحميري وأبو الجارود زياد بن المنذر ويوسف بن صهيب وغيرهم. قال ابن معين وأبو زرعة: ثقة، أخرج له النسائي والترمذي حديثاً واحداً في أخذ الشارب، وصححه الترمذي، وذكره ابن حبان في الثقات ووثقه أبو داود، وأخرج ابن عدي هذا الحديث في ترجمة مصعب بن سلام عنه - أي عَنْ مصعب المذكور - عن الزبرقان السراج عن أبي رزين عن زيد بن أرقم قال: وأظن أبا رزين هو حبيب بن يسار. ٥ - زيد بن أرقم بن زيد بن قيس بن النعمان بن مالك بن الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج الأنصاري أبو عمرو، يقال: أبو عامر، ويقال: أبو عمارة، ويقال: أبو أنيسة، ويقال: أبو حمزة، ويقال: أبو سعد، ويقال: أبو سعيد، الصحابي الجليل، غزا مع النبي ◌َّر سبع عشرة غزوة، ونزل الكوفة. روى عن النبي ◌ّل﴿ وعن علي، وعنه أنس بن مالك كتابة، وأبو الطفيل والنضر بن أنس وأبو عثمان النهدي وأبو عمرو الشيباني وأبو المنهال عبد الرحمن بن مطعم وأبو ب ١٣ / ح ١٣ ١٢٦ كتاب الطهارة إسحاق السبيعي ومحمد بن كعب القرظي وعبد خير الهمداني وعبد الرحمن بن أبي ليلى وغيرهم. وهو الذي أنزل الله تصديقه في سورة المنافقين، لمّا كذبه بعض الناس في نقل كلام ابن أبيٍّ إلى النبي ◌ِّر. شهد صفين مع علي، وكان من خواص علي - رضي الله عن الجميع -. قال ابن السكن: أول مشاهده الخندق، مات على قول خليفة بالكوفة سنة ٦٦ في أيام المختار بن أبي عبيد، وقيل ٦٥، وقيل ٦٨. رضي الله عنه وجمعنا به في جنات النعيم. : ٠ ■ التخريج صحيح، أخرجه الإمام أحمد والترمذي عن زيد بن أرقم، فرواه الإمام أحمد أول مسند زيد بن أرقم عن يحيى بن سعيد القطان عن يوسف بن صهيب عن حبيب بن يسار عن زيد بن أرقم، وهذا إسناد صحيح، وكذلك إسناده عن الترمذي: أحمد بن منيع حدثنا عبيدة بن منيع عن يوسف وقال الترمذي: حسن صحيح، ثم ساق إسناده من طريق أخرى: محمد بن بشار حدثنا يحيى بن سعيد عن يوسف به، وقال السيوطي: أخرجه الضياء في المختارة. اللغة والإعراب والمعنى (من): شرطية، وجوابها (فليس منا) ويحتمل أنها موصولة وجملة (ليس منا) في محل رفع، والفاء لتضمن الموصول معنى الشرط و(يأخذ شاربه) على حذف مضاف أي: من شعر شاربه، وهو الشفة كما تقدم. وقوله: (ليس منا) أي: ليس على سنتنا وطريقتنا، فهو في معنى التبرّي من هذا الفاعل كقوله: (من غشنا فليس منا)). والعرب تقول إذا تبرّأ أحد منهم من شيء يقول: لست منه، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُوا يَشِيَمَا لَسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْءٍ﴾. وقول الشاعر في البيت المشهور الشاهد على تخفيف مني وعني: أيها السائل عنهم وعني لست من قيس ولا قيس مني وقول النابغة: إذا حاولت في أسد فجورا فإني لست منك ولست مني الفوائد والأحكام قوله: (يأخذ) المراد به القص كما بيّنته الروايات الأُخْرَى، كحديث كتاب الطهارة ١٢٧ ب ١٤ / ح ١٤ أبي هريرة السابق من رواياته الثلاث عن الزهري، فإن فيه لفظ (القص)، وفي رواية لابن عمر بلفظ (الجز) وهو القص. وفي الأثر عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذِ أَبْتَلَّ إِبْرَهِمَ رَبُّهُ بِكَلِمَتٍ فَتَمَّهُنَّ﴾، قال: خمس في الرأس وخمس في الجسد، وذكر منهم قص الشارب، وقول ابن عمر عن النبي وَلـ ((من السنة قص الشارب))، فهذا يدل على أن المطلوب فيه القص وأنه لا يحلق وحديث أبي هريرة عند مسلم: ((جزوا الشوارب وأعفوا اللحى خالفوا المجوس))، ولمسلم من رواية أبي الزبير عن عائشة: ((من الفطرة قص الشارب وإعفاء اللحية))، ولأبي داود عن عمار بن ياسر أن رسول الله وَ الر قال: من الفطرة المضمضة والاستنشاق والسواك وقص الشارب. وقد اختلف العلماء في السنة في ذلك: فذهب الكوفيون إلى استئصاله، وجوّز أحمد الأمرين، وروي عنه أنه كان يحفيه، وكره مالك إحفاءه وقال: إنه مُثلة، وروي عنه أن فاعل ذلك يؤدب، وأما الشافعي فلم يثبت عنه التصريح في ذلك بشيء، لكن رُوي عن المزني والربيع أنهما كانا يحفيان شواربهما، وقد نسب إليه بعض المالكية كما ذكره ابن القيم أن مذهبه في ذلك كمذهب أبي حنيفة. والذي رجحه النووي وقال إنه المختار: ترك الاستئصال والقص حتى يبدو طرف الشفة؛ فمن رجّح الإحفاء رأى أن رواية (احفوا الشوارب) فيها زيادة على رواية التقصير، ومن رجح رواية التقصير، فللتنصيص على ذلك في أكثر الروايات، ولأنه ثبت عنه ◌َّ ار الأخذ من شاربه وهو يقتضي القص، وكذلك رواية: ((من لم يأخذ من شاربه))، وقصُّه وجزُّه يقتضي عدم الاستئصال وكذلك الأخذ منه. ومن جوّز الأمرين رأى أن الكل ثبت فالكل جائز. والله أعلم، والذي يترجح عندي القص؛ لأنه المتفق عليه المروي من فعله وَلتر. ١٤ - التوقيت في ذلك ١٤ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرٍ هُوَ أَبْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ قَالَ: وَقَّتَ لَنَا رَسُولُ اللهِنَّهِ فِي قَصِّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمِ الأَظْفَارِ وَحَلْقِ الْعَانَةِ وَنَتْفِ الإِبْطِ أَنْ لَا نَتْرُكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ يَوْماً ،وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى: أَرْبَعِينَ لَيْلَةٌ. ب ١٤/ ح ١٤ ١٢٨ كتاب الطهارة ■ [رجاله: ٤] ١ - قتيبة بن سعيد: تقدم ١. ٢ - جعفر بن سليمان الضبعي أبو سليمان البصري مولى ابن الحريش، كان ينزل في ضبيعة فنُسِبَ إليهم. روى عن ثابت البناني والجعد أبي عثمان ويزيد الرشك وحميد بن قيس الأعرج وابن جريج ومالك بن دينار وغيرهم، وعنه الثوري - ومات قبله - وابن المبارك وابن مهدي وعبد الرزاق وسيار بن حاتم ويحيى بن يحيى النيسابوري وصالح بن عبد الله الترمذي وقطن بن نسير وغيرهم وثقه ابن معين، وقال أحمد: لا بأس به وكان يتشيع، وقيل: كان يحيى بن معين لا يكتب حديثه. قال ابن سعد: كان ثقة وبه ضعف، وحسَّنَ أحمد القول فيه. قلت: روي عنه كلام قبيح في حق أبي بكر وعمر، ولكن قالوا: إنه كان يعني جارين له، فالله أعلم، فإن صح عنه فلا خير فيه. قال أحمد: هو عندي ممن يجب أن يقبل حديثه، قال: وقد روى في فضل الشيخين أحاديث وقال البخاري في الضعفاء: يخالف في بعض حديثه. قال ابن حبان: كان من الثقات غير أنه كان ينتحل الميل إلى أهل البيت، ولم يكن داعية إلى مذهبه، وقال ابن المديني: ثقة عندنا . قلت: ثناء هؤلاء الأئمة عليه يدل على أن ما نسب إليه في حق الشيخين غير صحيح، فإن شخصاً وثقه ابن معين وأحمد وابن المديني لا يصح أن يكون بهذه المثابة من الرفض، والله تعالى أعلم. مات في رجب سنة: ١٧٨. وبالجملة فالرجل فيه تشيّع، ولكن لم يثبت أنه داعية إلى مذهبه، ولم يتهمه أحد بالكذب في الحديث، وإنما ذكر بعضهم أن في حديثه مناكير، فهو ممن يثبت به النقل، وتوثيق من تقدم من الأجلاء النقاد يدل على ذلك، ويدل أيضاً على أنه لم يثبت عندهم ما نسب إليه في حق أبي بكر وعمر ﴿يَا، والله أعلم. ٣ - عبد الملك بن حبيب أبو عمران الجوني الأزدي - ويقال: الكندي - البصري، أحد العلماء الأجلاء، رأى عمران بن حصين وروى عن جندب بن عبد الله البجلي وأنس وربيعة بن كعب الأسلمي وعائذ بن عمرو المزني وعبد الله بن رباح الأنصاري كتابة وغيرهم، وعنه ابنه وسليمان التيمي وابن عون وأبو عامر الخزاز وشعبة والحمادان وغيرهم. وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: صالح وقال النسائي: كتاب الطهارة ١٢٩ ب ١٥ / ح ١٥ ليس به بأس. مات ١٢٨ وقيل ١٢٩، وقال ابن حبان - في الثقات: سنة ١٢٣، ثم قال: وقد قيل ١٢٨. قال ابن سعد: كان ثقة. وقال الحاكم: لم يصح سماعه من عائشة وصح سماعه من أنس، قال ابن معين: حديثه عن زهير بن عبد الله: ((من مات فوق إجَّارٍ)) مرسل. وفي الطبراني بسند صحيح كما قال ابن حجر: عن حماد بن سلمة عن أبي عمران الجوني: بايعت ابن الزبير على أن أقاتل أهل الشام فاستفتيت جندباً، إلخ. قلت: فهذا يدل على أنه روى عن ابن الزبير وجندب والله أعلم. ٤ - أنس بن مالك: تقدم ٦. التخريج أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي ومسلم، لكن رواية مسلم (وُقِّتَ لنا) بالبناء للمجهول. اللغة والإعراب والمعنى قوله: (وُقّت) أي جعل وقتاً لنا لذلك وحدد، وقوله: (أن لا نترك) دليل على أكثر مدة الترك، والمصدر إما في محل نصب بتقدير: حدد لنا عدم الترك، ويحتمل أن يكون في محل جر بحرف جر محذوف بتقدير: أمرنا بعدم الترك. والتوقيت: تعيين الوقت للشيء. الأحكام والفوائد تقدم أن التحديد المذكور لأكثر مدة الترك، وأن الأخذ لا حدَّ لوقته دون هذه المدة، وفعل ذلك موكول إلى رغبة الإنسان. قال ابن العربي: (ذكر بعضهم أن أصلها مناجاة موسى). اهـ قلت: ولم أعرف لذلك وجهاً، لأنه شيء لا يدرك إلّا بالنص ولا نص، ثم ذكر أن الصحيح خروجها عن التوقيت إلى حد ما يرى المؤمن نفسه من نظافة أو قذارة، يعني موكول إلى نظر الإنسان فيما يليق بحاله والله أعلم. ١٥ - إحفاء الشارب وإعفاء اللحية ١٥ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتَى هُوَ أَبْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ الله: أَخْبَرَنِ نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَِّّ وَِّ قَالَ: ((أَحْفُوا الشَّوَارِبَ وَأَعْفُوا اللَّحى)). 1 ب ١٥/ ح ١٥ ١٣٠ كتاب الطهارة ■ [رجاله: ٥] ١ - عبيد الله بن سعيد بن يحيى بن برد أبو قدامة اليشكري مولاهم، السرخسي الحافظ نزيل نيسابور، روى عن عبد الله بن نمير وابن عيينة وحماد بن زيد والقطان وابن مهدي ووكيع وأبي أسامة والنضر بن شميل وغيرهم، وعنه الشيخان والنسائي وأبو زرعة وأبو حاتم والذهلي وأحمد بن منصور زاج وإبراهيم بن أبي طالب وحسن بن محمد بن زياد وعمار بن منصور النسائي وغيرهم. وثقه أبو حاتم وأبو داود والنسائي وقال: ثقة مأمون، قلّ من كتبنا عنه مثله، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: هو الذي أظهر السنة بسرخس ودعا إليها. قال البخاري: مات سنة ٢٤١، وزاد غيره: بغرقد. وقال ابن عبد البر: أجمعوا على ثقته، وفي الزهرة: روى عنه البخاري ١٣ حديثاً ومسلم ٤٨. ٢ - يحيى بن سعيد القطان: تقدم ٤. ٣ - عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري العدوي المدني، أحد أعلام الفقهاء والأئمة الأجلاء والثقات الأثبات. روى عن أم خالد بنت خالد بن سعيد - ولها صحبة - وعن أبيه وخاله خبيب بن عبد الرحمن وسالم بن عبد الله وابنه أبي بكر بن سالم ونافع وابنه عمر بن نافع والقاسم بن محمد وابنه عبد الرحمن بن القاسم وغيرهم، وعنه أخوه عبد الله وحميد الطويل - وهو من شيوخه - وأيوب السختياني - ومات قبله - والسفيانان ومعمر وشعبة وسفيان بن حسين وعبد الله بن إدريس وابن المبارك والقطان وغيرهم قال أحمد: أثبت أصحاب نافع وأحفظهم وأكثرهم حديثاً، قال ابن معين: عبيد الله عن القاسم عن عائشة، الذهب المشبك بالدرر، وقال: عبيد الله من الثقات. وقال النسائي: ثقة ثبت، ووثقه أبو زرعة. قال ابن منجويه: كان من سادات أهل المدينة وأشراف قريش، فضلاً وعلماً وعبادة وشرفاً وحفظاً وإتقاناً. وقال ابن حبان: كان ثقة كثير الحديث حجة، وقال أحمد بن صالح: ثقة ثبت مأمون، ليس أحد أثبت منه في حديث نافع، وقال ابن معين: ثقة حافظ متفق عليه. توفي سنة ٤ وقيل ٥ وقيل ١٤٧، رحمنا الله وإياه. ٤ - نافع: تقدم ١٢. ٥ - عبد الله بن عمر: تقدم ١٢. كتاب الطهارة ١٣١ ب ١٥ / ح ١٥ التخريج 0 أخرجه مسلم والترمذي عن ابن عمر وابن عدي عن أبي هريرة بزيادة: (ولا تشبهوا باليهود)، ورواه ابن عدي والبيهقي في الشعب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بزيادة: (وانتفوا الشعر الذي في الأنف)، قال المنذري: قال البيهقي: هذا اللفظ غريب. ورواه الإمام أحمد عن القطان كرواية المصنف، ورواه من طريق مؤمل عن ابن عمر بلفظ: (أمر رسول الله وَّ ر أن تعفى اللحى وأن تجزَّ الشوارب). وهي من رواية عبد الرحمن بن علقمة عن ابن عمر. ورواه أيضاً من طريق مهدي عن ابن عمر بلفظ: ((أعفوا اللحى وحفوا الشوارب)). وروى أحمد ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((جزُّوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس)). وروى البخاري ومسلم عن ابن عمر عن النبي ◌َّل: ((خالفوا المشركين: وفّروا اللحى وأحفوا الشوارب))، زاد البخاري: (وكان ابن عمر إذا حج أو اعتمر؛ قبض على لحيته فما فضل أخذه). اللغة والإعراب والمعنى قوله: (أحفوا الشوارب) أمر من الإحفاء، وأصله: استئصال الشيء، وذكر النووي نَّثُ أن همزته همزة قطع، وأن المراد به هنا: أخذ ما طال على الشفة، وذكر عن ابن دريد أنه يقال أيضاً: حفا الرجل شاربه يحفوه حفواً: إذا استأصل أخذ شعره. قال: فعلى هذا تكون همزة أحفوا همزة وصل. قلت: فالفعل ثلاثي إذا جرّد فالهمزة همزة وصل، وإن اعتبر مزيداً فيه بالهمزة فالهمزة قطعية. والشوارب جمع شارب ـ وقد تقدم معناه - وهو شعر شفة الرجل، وجمعه على تقدير تجزئته، وكل جزء يعتبر شارباً. وقوله: (أعفوا اللحى) فعل أمر من أعفاه: إذا تركه، والمعنى: اتركوها. وهمزته - على ما ذكره النووي - همزة قطع، وحكي فيه: أعفيت الشعر وأعفوته؛ لغتان، واللحى جمع لحية، يقال فيه: لِحِى ولُحى بالضم والكسر، والكسر أفصح. الأحكام والفوائد هذا الحديث بجميع طرقه ورواياته يدل دلالة واضحة على تحريم حلق اللحى، لأن الأمر فيه بالإعفاء، وكذلك رواية (أرخوا اللحى) و(أرجوا اللحى) ب ١٥/ ح ١٥ ١٣٢ كتاب الطهارة و(أوفوا اللحى) و(فروا اللحى) كلها بصيغة الأمر، ومعناها: تركها وعدم أخذ شيء منها. واللحية: الشعر النابت على عظمي اللحيين، والأصل في صيغة الأمر الوجوب، لا سيما وقد تأكد ذلك بكون الحلق سمة اليهود أو المجوس، ونحن مأمورون بمخالفة الكل. وما روي فيها من حديث عمرو بن شعيب عند الترمذي قال: حدثنا هناد، قال: أخبرنا عمر بن هارون عن أسامة بن زيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي # ## كان يأخذ من لحيته من طولها وعرضها، قال الترمذي: غريب. قال: وسمعت محمد بن إسماعيل - يعني البخاري - يقول: عمر بن هارون مقارب الحديث، ولا أعرف له حديثاً ليس له أصل - أو قال: ينفرد به - إلا هذا الحديث: (كان النبي ◌َّ ر يأخذ من لحيته من عرضها وطولها)، ولا نعرفه إلا من حديث ابن هارون، ورأيته حسن الرأي في عمر بن هارون، قال: وسمعت قتيبة يقول: عمر بن هارون كان صاحب حديث، وكان يقول: الإيمان قول وعمل اهـ. وقال ابن حجر فيه: إنه متروك الحديث، وكان حافظاً من كبار السابعة، مات سنة ٩٤، وقال فيه الذهبي: اتهمه بعضهم. فهذا الحديث معلول، وعلى فرض صحته؛ فالمراد به الأخذ الذي لا ينافي التوفير المأمور به، بل هو محمول على إصلاح الشعر وأخذ ما تطاير منه. ولهذا لم يختلف من وصف النبي ◌َّ في أن لحيته كانت كثَّة، وكان إذا رجَّلها ملأت صدره، وأقرب ما يبيّن حدّ ذلك ما أخرجه البخاري عن ابن عمر - وهو من عرفت حالته في الاتباع - أنه كان يقبض على لحيته فيأخذ منها ما زاد على القبضة، لأن طولها المفرط فيه قبح وبشاعة. قيل: إن عادة الفرس قص اللحية، فأمرنا بخلافه. قال القاضي عياض: أما الأخذ من طولها وعرضها فحسن، وتكره الشهرة في تعظيمها كما تكره في قصها وجزّها. وقد اختلف السلف في ذلك: فمنهم من لم يحدّه بحد بل قال: لا يتركها إلى حد الشهرة، ومنهم من حدّها بالقبضة فيؤخذ ما زاد عليها. وكره مالك طولها جداً، ومنهم من كره الأخذ منها إلا في حج أو عمرة. قلت: فهذا يبيّن أن الأخذ المراد إنما هو تصليح الشعر الذي جرت العادة بأنه يحسنه ويجمله، وبهذا يتبين أن الذي يفعله كثير من الناس الآن من حلقها باسم التقصير، ولا يترك إلَّا سَوادَ أصول الشعر أنه بعيد من السنة بل هو الحلق بعينه، واقتداء بمن كتاب الطهارة M ١٣٣ ب ١٦ / ح ١٦ نهي النبي ◌ّ ه عن الاقتداء بهم من الأعاجم، وإن رأى كثير من الناس الفرق بينه وبين مسحها بالكلية ففي الواقع أنه مثله: وإلّا يكنها أو تكنه فإنه أخوها غذته أمها بلبانها فهو بعيد من الامتثال بل هو قريب إلى الاستهزاء، فلا يصدق عليه الإعفاء ولا التوفير ولا الإرخاء، فإن هذه الألفاظ الخمسة: أرخوا اللحى، أرجوا اللحى، أوفوا اللحى، وفروا اللحى، أعفوا اللحى؛ لا ينطبق ما ذكر على شيء منها ولا يحصل الامتثال إلّا بها، وما أقبح بالرجل أن يرضى لنفسه أن يتنازل عن سمة الرجولة وعلامة الرجال إلى الخنوثة والتشبه بالنساء، ولا ترى الأعين أقبح في عين العاقل من ذي شيبة حليق اللحية فهو كما قيل : من أشيب لا علم لديه ولا حلم وهل أبصرت عيناك أقبح منظراً فأولها خزي وآخرها ذم هي السوءة السواء، فاحذر شماتها ولهذا رجح كثير من العلماء الترك بالكلية ولم ير الأخذ منها مطلقاً، لمقتضى الروايات ولعدم ثبوت الحديث السابق ثبوتاً تقوم به الحجة، ومعارضته لما هو أصح منه بكثير من الأحاديث التي سبق بيانها، وهو اختيار الإمام أبي زكريا يحيى بن شرف النواوي الشافعي تَظَُّ. ١٦ - الإبعاد عند إرادة الحاجة ١٦ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرِ الْخَطْمِيُّ عُمَيْرُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ بْنُ فُضَيْلِ وَعِمارةُ بْنُ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمْنِ بْنِ أَبِي قُرَادٍ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَهو إلى الْخَلَاءِ، وَكَانَ إِذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ أَبْعَدَ. ■ [رجاله: ٦] ١ - عمرو بن علي بن بحر الفلاس: تقدم ٤. ٢ - يحيى بن سعيد القطان: تقدم ٤. ٣ - أبو جعفر عمير بن حبيب بن خماشة - ويقال: ابن حباشة - الأنصاري الخطمي المدني نزيل البصرة، روى عن أبيه وأبي أمامة بن سهل ب ١٦ / ح ١٦ ١٣٤ كتاب الطهارة وسعيد بن المسيب ومحمد بن كعب القرظي وعمارة بن خزيمة والحارث بن فضيل الخطمي. وعنه حماد بن سلمة وهشام الدستوائي وشعبة والقَّان. وثقه ابن معين والنسائي وابن حبان. قال ابن مهدي: كان أبو جعفر وأبوه وجدّه قوماً يتوارثون الصدق بعضهم عن بعض. ووثّقه ابن نمير والعجلي والطبراني. ٤ - الحارث بن فضيل الأنصاري الخطمي أبو عبد الله المدني، روى عن محمود بن لبيد والزهري وعبد الرحمن بن أبي قراد وغيرهم، وعنه صالح بن كيسان وعمير بن يزيد الخطمي والدراوردي وفليح بن سليمان وأبو إسحاق وغيرهم. وثقه النسائي وابن حبان، وذُكر عن أحمد أنه ليس بمحفوظ الحديث، ومثل هذا لا يضر كما هو معلوم عند أهل الفن. ٥ - عمارة بن خزيمة الأوسي أبو عبد الله - ويقال: أبو محمد - المدني، روى عن أبيه وعمه وعثمان بن حنيف وعمرو بن العاص وعبد الرحمن بن أبي قراد، وعنه ابنه محمد وأبو خزيمة عمرو بن خزيمة والزهري وأبو جعفر الخطمي. وثقه النسائي وابن حبان، مات ١٠٥، وذكر ابن حبان أنه ابن ٧٥ سنة . ٦ - عبد الرحمن بن أبي قراد الأنصاري ويقال: السلمي، وجزم بالثاني أبو نعيم وابن عبد البر وعدّاه في أهل الحجاز، وكذا قال ابن منده، ويقال له ابن الفاكه. قال ابن سعد وأبو حاتم وابن السكن: له صحبة، قال مسلم والأزدي: تفرد عمارة بن خزيمة بالرواية عنه. قلت: وهو متعقب لأن البخاري ذكر في تاريخه رواية الحارث بن فضيل عنه، وحديثه عند المصنف عنهما عنه. قال ابن حجر: وضم ابن عبد البر رواية أبي جعفر الخطمي إليهما عنه، فوهم وإنما روايته عنهما عنه. التخريج الحديث حسن أو صحيح لغيره. أخرجه ابن ماجه من رواية أبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن بشار عن يحيى بن سعيد عن أبي جعفر كرواية المصنف، لكن قال فيه: (حججتُ مع النبي ◌َّ فذهب لحاجته فأبعد)، ومن حديث بلال بن الحارث المزني من طريق عباس بن عبد العظيم العنبري وفي إسناده: كثير بن عبد الله المزني، ضعيف بل نسبهُ الشافعي إلى الكذب. كتاب الطهارة ١٣٥ ب ١٦ / ح ١٧ اللغة والإعراب والمعنى (الإبعاد) مصدر أبعد بمعنى ابتعد، من البعد: ضد القرب، ويتعدى بعن إذا أريد البعد عن الشيء فيقال: أبعد عن الناس وعن المحل، كما يقال: أبعد بنفسه بمعنى جعلها بعيدة، أي تسبب لها في البعد والمراد: البعد بالنفس عن الناس (والحاجة) ما يعرض في نفس الإنسان مما يحب فعله أو حصوله، وهي هنا كناية عن البول والغائط، لأن عادة العرب استقباح ذكر كل منهما باسمه الصريح، فكنّوا عنهما أحياناً بلفظ الحاجة، وأحياناً باسم المكان كالبراز والغائط، كما يأتي إن شاء الله، ولم يكونوا يستعملون الكنف في البيوت استقذاراً. وقوله: (إلى الخلاء) تقدم الكلام على لفظة ((إلى))، والخلاء - بالمد: أصله المكان الخالي، كانوا يقصدونه لهذا الفعل. وتقدم معنى ((إذا)). الأحكام والفوائد فيه استحباب البعد عن الناس عند قضاء حاجة الإنسان كما ترجم له المصنف، وهو يدل على استحباب المبالغة في التستر عند التكشف وما في معناه، وفيه استعمال الكناية في الكلام عن الأسماء المستقبحة، وفيه كمال حيائه * وأدبه لأنهما الحاملان على ذلك، وفيه المحافظة على العورة واستصحاب الإنسان لغيره ممن يخدمه أو يصحبه عادة عند الذهاب لقضاء الحاجة، لا سيما إن ترتبت على ذلك مصلحة كالمساعدة على الطهارة، وقد تكرر منه ذلك ◌َ﴾. وفيه استخدام الأحرار إذا كان ذلك برضاهم لا سيما من تنفعهم صحبته وتزيدهم فضلاً، لتعلمهم منه أو إصلاح حالهم بصحبته، لكن على شرط ألا يؤدي إلى ارتكاب محظور كالنظر للعورة ونحوه. ١٧ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ: كَانَ إِذَا ذَهَبَ الْمَذْهَبَ أَبْعَدَ. قَالَ: فَذَهَبَ لِحَاجَتِهِ وَهُوَ فِي بَعْضٍ أَسْفَارِهِ فَقَالَ: ((اثْتِنِي بِوَضُوءٍ)) فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الخُفَّيْنِ. قَالَ الشَّيْخُ: إِسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرِ الْقَارِئُ. ■ [رجاله: ٥] ١ - علي بن حجر السعدي: تقدم ١٣. ب ١٦ / ح ١٧ ١٣٦ كتاب الطهارة ٢ - إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري الزرقي مولاهم أبو إسحاق القارئ، روى عن عبد الله بن دينار ومالك وجعفر الصادق وغيرهم، وعنه يحيى بن يحيى النيسابوري وأبو الربيع الزهراني وقتيبة ويحيى بن أيوب المقابري وعلي بن حجر. وثقه أحمد وابن معين والنسائي وابن المديني وأبو زرعة وابن سعد وقال: هو من أهل المدينة، قدم بغداد فلم يزل بها حتى مات، وهو صاحب الخمسمائة حديث التي سمعها منه الناس. وقال الخليلي: إنه شارك مالكاً في أكثر شيوخه. مات سنة ١٨٠. ٣ - محمد بن عمرو بن وقاص الليثي أبو عبد الله - ويقال أبو الحسن - المدني، روى عن أبيه وأبي سلمة بن عبد الرحمن وواقد بن عمرو بن سعد بن معاذ ومحمد بن إبراهيم التيمي وجماعة كثيرين، وعنه موسى بن عقبة - ومات قبله - وابن عمه عمر بن طلحة بن عقبة وشعبة والثوري وحماد بن سلمة وابن زريع ومعتمر بن سليمان وإسماعيل بن جعفر وغيرهم. قال أحمد بن مريم: وثقه ابن معين، قال ابن المبارك: لم يكن به بأس، روى له البخاري مقروناً بغيره، ومسلم في المتابعات، وقال النسائي: لا بأس به، ومرة قال: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحدیث یکتب حديثه وهو شيخ، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: يخطئ. وقال ابن معين: ما زال الناس يتّقون حديثه. قيل له: ما علة ذلك؟ قال: كان يحدث مرة عن أبي سلمة بالشيء من روايته، ثم يحدث به مرة أخرى عن أبي سلمة عن أبي هريرة وروى عنه مالك في الموطأ، قال ابن عدي: وأرجو أنه لا بأس به. توفي سنة ١٤٥ وقيل ١٤٤. تنبيه : قد يلتبس اسم هذا الراوي مع محمد بن عمرو بن حلحلة وهو معاصر له، لكن المعروف بالرواية عن أبي سلمة هو هذا، وكلاهما مدني كناني، أحدهما ليثي والآخر ديلي، يروي عن كل منهما: إسماعيل بن جعفر والدراوردي. ٤ - أبو سلمة بن عبد الرحمن: تقدم ١. ٥ - المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن قسي - وهو ثقيف - أبو عيسى - ويقال أبو محمد - الثقفي شهد الحديبية وما بعدها، روى عن النبي ◌ّجر، وعنه أولاده كتاب الطهارة ١٣٧ ب ١٦ / ح ١٧ عروة وحمزة وعقار ومولاه ورّاد وابن عم أبيه جبيرة بن حية والمسور بن مخرمة وقيس بن أبي حازم ومسروق بن الأجدع وخلق غيرهم. وكان ه من الدهاة المشهورين، وكان والياً لعمر على البصرة ثم على الكوفة، وأقره عثمان ثم عزله، واعتزل الفتنة ثم ولاه معاوية على الكوفة حتى مات وهو عليها، وكان لا يرضى بقتل أحد في حكمه كافاً عن سفك الدماء. ومات سنة ٥٠ على الصحيح وقيل ٤٩ وقيل ٥١، وقد شهد فتوحات كثيرة، وعَوِرَتْ عينه يوم اليرموك، وكان من خدام النبي ◌َّهور، والأحاديث في ذلك معروفة رضي الله عنه وأرضاه. التخريج 0 الحديث صحيح الإسناد لأنه بهذه الطريقة قوي، وأصل الحديث في قصة المغيرة مع النبي ◌َّلهم في ذهابه معه ومسحه على الخفين في الصحيحين، وأخرجه أبو داود وأخرجه ابن ماجه من رواية إسماعيل بن عليّة عن محمد بن عمرو ومختصراً على قوله: (كان إذا ذهب المذهب أبعد). وأخرجه الترمذي من طريق عبد الوهاب الثقفي عن محمد بن عمرو بلفظ: (فأتى النبي ◌َ﴿ حاجته فأبعد) وقال: حديث حسن صحيح. والظاهر أن ذلك في سفر تبوك، فإنه سيأتي إن شاء الله حديث المغيرة في ذلك، وفيه المسح على الخفين مع أنه ليست فيه هذه اللفظة لفظة (أبعد). وأخرجه الدارمي عن أبي سلمة عن المغيرة قال: أخبرنا يعلى بن عبيد حدثنا محمد بن عروبة عن أبي سلمة عن المغيرة، ثم ذكر من طريق ابن سيرين عن عمرو بن وهب عن المغيرة بلفظ: (إذا تبرّز تباعد). اللغة والإعراب والمعنى تقدم معنى كلمة (إذا) وقوله: (ذهب المذهب) المذهب أصله: المنهج الذي يتبعه الإنسان، وهو هنا يحتمل أن يكون اسم مكان كنّى به عن محل قضاء الحاجة، أو عن نفس القضاء للحاجة، وأل فيه للعهد الذهني أو هي عوض عن المضاف إليه، أي: مذهب الغائط. وقوله: (فذهب لحاجته) تبين أن المراد بالمذهب محل قضاء الحاجة، وجوّز بعضهم أن يكون مصدراً بمعنى الذهاب ولكنه هنا بعيد لقوله: ذهب، لأنه يصير معناه: ذهب الذهاب، وليس ب ١٨/ ح ١٨ ١٣٨ كتاب الطهارة بجيد والله أعلم. (فذهب لحاجته) الفاء عاطفة وتحتمل السببية على بعد، والحاجة كناية عن الغائط كما تقدم، وجملة: (وهو في بعض أسفاره) حالية فيحتمل أنه سفر تبوك كما تقدم أو غيره. (فقال: ائتني بوضوء) الفاء كذلك عاطفة أو سببية مبيّنة أن طلب الوضوء سببه إتيان الحاجة. والوضوء - بفتح الواو - تقدم، وسيأتي الكلام على مسح الخفين. الأحكام والفوائد تقدم أكثر ما يتعلق به في الحديث السابق، وفيه المسح على الخفين وسيأتي في بابه إن شاء الله. وفيه استصحاب الماء ونحوه عند إرادة قضاء الحاجة للاستنجاء به. - الرخصة في ترك ذلك ٨ ١٨ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَنْبَأَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ قَالَ: أَنْبَأَنَا الأَعْمَشُ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللهِ نَ ◌ّهِ فَانْتَهَى إِلى سُبَاطَةٍ قَوْم فَبَالَ قَائِماً فَتَتَخَيْتُ عَنْهُ فَدَعَانِي وَكُنْتُ عِنْدَ عَقِبَيْهِ حَتَّى فَرَغَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُقَّيْهِ. ■ [رجاله: ٥] ١ - إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: تقدم ٢. ٢ - عيسى بن يونس: تقدم ٨. ٣ - الأعمش سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي مولاهم أبو محمد الكوفي، أصله من طبرستان ولد بالكوفة، روى عن أنس ولم يثبت له منه سماع وقد رآه، وعن ابن أبي أوفى وقيل إن روايته عنه مرسلة، وروى عن زيد بن وهب وأبي وائل والشعبي والنخعي وعبد الملك بن عمير وغيرهم، وعنه أبو إسحاق السبيعي - وهو من شيوخه - وسهيل بن أبي صالح - وهو من أقرانه - والسفيانان وفضيل بن عياض وسليمان التيمي وغيرهم وآخرهم أبو نعيم وعبد الله بن موسى. قال ابن المديني: حفظ العلم على أمة محمد وَ ط# ستة: عمرو بن دينار بمكة، والزهري بالمدينة، وأبو إسحاق والأعمش بالكوفة، وقتادة ويحيى بن أبي كثير كتاب الطهارة ١٣٩ ب ١٨/ ح ١٨ بالبصرة. وكان شعبة يسميه بالمصحف لصدقه، قال ابن عمار: ليس في المحدثين أثبت من الأعمش، ومنصور ثبت أيضاً إلّا أن الأعمش أعرف منه بالمسند. قال العجلي: كان ثقة ثبتاً، محدّث أهل الكوفة في زمانه، رأساً مقدماً في القرآن، وكان عسراً سيء الخلق عالماً بالفرائض، وكان لا يلحن حرفاً واحداً، وكان فيه تشيع، ويقال إنه ولد يوم قتل الحسين بن علي سنة ٦١، وقيل سنة ٥٩. وقال عيسى بن يونس: لم نر مثل الأعمش، ولا رأيت الأغنياء والسلاطين عند أحد أحقر منهم عند الأعمش مع فقره وحاجته، قال يحيى القطان: كان من النُّساك وهو علامة الإسلام، وذكروا أنه مكث قريباً من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى، وذكروا أنه كان يدلس عن الصحابة ولم يثبت له سماع، وذكر ابن حجر عن الكديمي أنه سمع من أنس حديثاً واحداً: (طلب العلم فريضة على كل مسلم) والكديمي متهم والله أعلم. مات سنة ١٤٥ وقيل ١٤٧ تَّتُهُ. ٤ - شقيق بن سلمة: تقدم ٢. ٥ - حذيفة بن اليمان مظ له: تقدم ٢. التخريج أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وأحمد وابن ماجه وابن الجارود والدارمي والطيالسي. اللغة والإعراب والمعنى قوله: (الرخصة) أي الترخيص في الأمر، بمعنى: التسهيل فيه بعد التشديد، فهي نقل الحكم من صعوبة إلى سهولة. وقوله: (ترك ذلك) الإشارة ترجع إلى الإبعاد عند قضاء الحاجة. وجملة (أمشي مع النبي ◌َّ) في محل نصب خبر كان، وقوله: (فانتهى) أي وصل في مشيه إليها (والسباطة) الكناسة وهي ملقى الأوساخ بأفنية البيوت، (فانتهى) الفاء عاطفة (وإلى) للغاية (فبال) الفاء عاطفة، و(قائماً) حال من قوله: بال. وقوله: (فتنحيت) الفاء للعطف، وتنحى عن المكان: انحرف وزال عنه. وقوله: (فدعاني) أي ناداني النبي ◌َّر (وكنت عند عقبيه) المراد أنه وقف خلفه قريباً منه، والعقب: أصله مؤخر القدم، ولكن العرب قد تستعمله في جهة القفا ب ١٨ / ح ١٨ ١٤٠ كتاب الطهارة والرجوع إلى الوراء، ويكون حسياً أو معنوياً، ومنه قوله تعالى: ﴿وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَائِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَمَنَاَ للَّهُ﴾. وقوله تعالى حكاية عن إبليس لما رأى الملائكة يوم بدر فولى هارباً: ﴿فَلَمَا تَرَاءَتِ اَلْفِتَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾. وقوله: (حتى فرغ) حتى للغاية، وسيأتي الكلام عليها وعلى مسح الخفين إن شاء الله تعالى. الأحكام والفوائد فيه جواز البول قائماً، لكنه قد علل بكونه كان به وجع في مأبضه فلذلك بال قائماً، وقد ضعف الحديث فيه، وعلى صحة ذلك يكون فعله للضرورة فلا يكون فيه دليل على الجواز، وقيل: إن العرب كانت تستشفى بالبول قائماً من وجع الصلب، وقيل: لأن المحل كان غير صالح للقعود، وكل هذه الوجوه تفيد أنه اضطراري لا اختياري، وقيل: فعله لبيان الجواز، وعلى ذلك يكون جائزاً جوازاً لا ينافي الكراهة. وقد وردت أحاديث تدل على النهي عنه ولكنها ضعيفة، وأصحها حديث عائشة: ((من حدثكم أن النبي #* كان يبول قائماً فلا تصدقوه، ما كان يبول إلَّا جالساً»، وسيأتي للمصنف. وأما بوله على سباطة القوم ففيه وجوه من الاحتمال: يحتمل أنها كانت مشاعة ونسبتها للقوم لقربها منهم، ويحتمل أنها لهم ولكنهم قد أباحوها لذلك، وذكر النووي احتمال أن يكون قد علم حبهم لذلك. ودل الحديث على ما ترجم له المصنف: وهو ترك الابتعاد، وقد علل ذلك باحتمال كونه مشغولاً بشيء من مصالح المسلمين فحصره البول، ولا يبعد أن يكون فعل خلاف عادته لبيان الجواز. وفيه كما قدمنا من استتباع الخادم والرفيق وقت الحاجة، والاستعانة في الوضوء وغيره من الطهارة. قلت: لا شك أن غالب حالاته * أن يبول جالساً، ولم يحفظ عنه أنه بال قائماً إلَّا في حديث حذيفة هذا، وفيه ما فيه من الاحتمال، وأقصى أمره أن يكون فعل لبيان الجواز ولا ينافي أن السنة خلافه، وأما نفي عائشة لذلك فبحسب علمها، والمثبت مقدم على النافي، لا سيما أن هذا السياق يدل على أنها مسألة نادرة ربما حصلت اتفاقاً، فلا يستغرب أن لا تطلع عليها عائشة وهي خارجة عن محلها الذي هي فيه والله أعلم.