النص المفهرس
صفحات 61-80
كتاب الطهارة ٦١ كتاب الطهارة قال: (وقد قال ابن عباس: إن الله حيي كريم يعفو ويكني، وقد كنى باللمس عن الجماع، وقال ابن عمر: قبلة الرجل امرأته وجسها بيده من الملامسة، وكذلك قال ابن مسعود وهو كوفي، فما بال أبي حنيفة خالفه، ولو كان معنى القراءتين مختلفاً لجعلنا لكل قراءة حكمها وجعلناهما بمنزلة آيتين، ولم يناقض ذلك، وهذا تمهيد المسألة ويكمله ويؤكده ويوضحه أن قوله: ((ولا جنباً)) أفاد الجماع) أي: لأنه معروف عندهم أنه يسبب الوصف بالجنابة (وأن قوله تعالى: ((أو جاء أحد منكم من الغائط)» أفاد الحدث وأن قوله: ((أو لا مستم)) أفاد اللمس والقبلة فصارت ثلاث جمل لثلاثة أحكام. قال: وهذا غاية في العلم والإِعلام، ولو كان المراد باللمس الجماع لكان تكراراً وكلام الحكيم ينزه عنه) اهـ. قلت: ومما يؤيد أن اللمس أصله غير الجماع قوله ◌َ ل# الماعز الأسلمي رضيته لما اعترف بالزنا: لعلك قبلت أو لمست، وقول عائشة رضيها: كان رسول الله وَلم يأتينا فيقبّل ويلمس. وفي حديث أبي هريرة: وزنا اليد اللمس. وقد يعترض على ما تقدم بأن يقال: ((قولكم إن كنتم جنباً)) ذكر للجنابة بدون ذكر سببها، فلما ذكر الله سبب الحدث، بقوله (أو جاء أحد منكم من الغائط) وهو سبب الحدث، ذكر سبب الجنابة وكنى عنه بالملامسة كما كنى عن الأول بالغائط؟ والجواب عن هذا الاعتراض بأن يقال: إن حمل اللمس على عمومه يشمل النوعين فهو سبب للطهارتين، وهو أبلغ لأنه يفيد أن مجرد اللمس ينقض الوضوء ونقضه بالجماع أولى، كما أن الجماع غاية نهاية اللمس وأعظمه، فيوجب غاية الطهر وأعظمه وهو الغسل، وهذا أولى والله أعلم. وقد تقدم أن الإمام الشافعي يقول: بأن اللمس ينقض مطلقاً بوجود لذة أو عدمها وعدم قصدها، فهو عنده ناقض بنفسه لا يتوقف بعد حصوله على شيء زائد لأنه يفضي إلى خروج المذي ونحوه، كالحال في الجماع يفضي إلى خروج المني، فكما أن حصول الجماع ناقض بهذا السبب ولا يتوقف الغسل بعده على غيره، فكذلك اللمس عنده ناقض للطهارة الصغرى من غير توقف على شيء زائد. وراعى مالك وأحمد في المشهور عنه أنه وإن كان لم يقيد في الآية بشيء، ولكن ثبتت السنة بأن النبي 18 لمس في الصلاة ولمسته عائشة فيها ولم يقطعها، كتاب الطهارة ٦٢ كتاب الطهارة واتفقوا على أن لمس ذوات المحارم لا ينقض الوضوء، وليس هناك ما يصلح أن يكون علة لعدم النقض في هذه الحالات أولى من ربط النقض بالشهوة، فإن وجدت أو قصدت انتقض الوضوء وإلّا فلا. وذهب الأوزاعي - رحمه الله تعالى - إلى أن اللمس إن كان باليد نقض وإذا كان بغيرها لا ينقض، واستدل بقوله تعالى: ﴿فَلَسُوهُ بِأَيْدِهِمْ﴾ فرأى أن حقيقته باليد دون غيرها. قلت: ومثله قول الشاعر: ولم أدر أن الجود من كفه يعدي لمست بكفي كفه أبتغي الغنى أفدت وأعداني فبددت ما عندي فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى فأناط الحكم باليد دون غيرها لأنه رآه حقيقة فيها . لكن قد تقدم أن علماء العربية لم يتفقوا على شيء في تخصيص اللمس وأن المدار في ذلك على العرف، وأن إطلاقه على جميع ما فسّر به صحيح، فلا يخص باليد والله تعالى أعلم. ثم ذكر ◌ّة الشرط المكمل لشروط استعمال البدل فقال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَآءُ﴾ والمراد بعدم الوجود: عدم القدرة على الطهارة به الشامل لفقده من أصله، ولوجود مانع يمنع من استعماله. قال القاضي أبو بكر بن العربي - رحمه الله تعالى - (قال علماؤنا: فائدة الوجود: الاستعمال والانتفاع بالقدرة عليهما فمعنى قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ﴾ فلم تقدروا عليه، لتضمن ذلك الوجوه المتقدمة المذكورة فيها، وهي المرض والسفر. فإن المريض واجد للماء صورة، ولكنه لما لم يتمكن من استعماله لضرورة صار عادماً له حكماً، فالمعنى الذي يجمع نشر الكلام: فلم تقدروا على استعمال الماء، وهذا يعم المرض والصحة إذا خاف من أخذ الماء لصاً أو سبعاً، ويجمع الحضر والسفر، وهذا هو العلم الصريح والفقه الصحيح والأصول بالتصحيح. ألا ترى أنه لو وجده بزائد على قيمته جعله معدوماً حكماً وقيل له يتيمم، فتبين أن المراد الوجود الحكمي لا الوجود الحسي) أهـ. قوله: ﴿مَآءٍ﴾ قد تقدم الكلام عليه. قال ابن العربي تَخّْثُ: (قال أبو حنيفة: هذا نفي في نكرة وهو يعم حكماً، فيكون مفيداً جواز الوضوء بالماء المتغير لانطباق اسم الماء عليه) اهـ. وأجاب ــ رحمه الله تعالى - عن هذا القول كتاب الطهارة ٦٣ كتاب الطهارة بقوله: (واعلموا أن النفي في النكرة يعم كما قلتم، لكن في الجنس فهو عام في كل ماء من سماء أو عين أو بئر أو نهر أو بحر عذب أو ملح، فأما غير الجنس فهو المتغير فلا يدخل، كما لا يدخل ماء الباقلاء وماء الورد) اهـ. قلت: تقدم نظير هذا قول ابن الجصاص: إن عدم تعيين المغسول به يدل على صحة الوضوء بالنبيذ، وتقدم الكلام عليه. ثم ذكر قول الشافعي تَّتُهُ أنه إذا وجد ماء لا يكفيه لأعضاء الوضوء كلها، أنه يستعمله فيما كفاه ويتيمم لباقيه قال: (فخالف مقتضى اللغة وأصول الشريعة، ثم ذكر أن الله أمر بغسل أعضاء الوضوء من الحدث وغسل الجسد من الجنابة، ثم قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءٍ فَتَيَمَّمُواْ﴾ فاقتضى ذلك الماء الذي يقوم له مقام ما تقدم الأمر فيه والتكليف به، فإن آخر الكلام مربوط بأوله وجعل هذا وجه مخالفته لمقتضى اللغة. قال وأما مخالفته للأصول؛ فليس في الشريعة موضع يجمع فيه بين الأصل والبدل)، اهـ. وقد صحت السنة في الوضوء بماء البحر وروي عن ابن عمر أنه قال: لا يتوضأ به، لأنه ماء نار أو لأنه طبق جهنم أو لأنه عذّب به فلا يصلح للقربة، أصله النهي عن الوضوء بماء الحجر - وهي أرض ثمود - إلَّا من بئر الناقة وقد دلهم عليها على سبيل المعجزة، وذلك لأنها أرض عذاب، لكن صحت فيه السنة فلم يبق فيه مجال للتعليل المذكور ولا غيره. وسيأتي أنه رَّير قال فيه: ((هو الطهور ماؤه الحل ميتته))، ويذكر عن ابن عباس أنه طهور الملائكة إذا نزلوا توضؤوا منه وإذا صعدوا توضؤوا منه. وإذا كان المراد بكونه عذاباً أنه عذّب به فرعون، فهو غير عام في سائر البحار، وإن أريد ما قيل من أن ماء البحر بقية من الطوفان في عهد نوح، فيمكن حينئذٍ وصفه بأنه ماء عذاب، لولا ورود السنة كما تقدم. ثم ذكر سبحانه البدل بقوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ أي اقصدوا واتخذوه إماماً لكم، وقد تقدم الكلام على ذلك من حيث اللغة. وقد استدل الإمام أبو حنيفة تَّتُهُ بالأمر بالقصد في التيمم على وجوب النية فيه، لأنه يرى أن النية هي القصد لفظاً ومعنى، وهو لا يرى وجوب النية في الوضوء على ما قدمت، مع أنه تقدم أن غيره يستدل بالآية على وجوب النية، حيث إنهم فسروا ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾ بقولهم: معناه إذا قصدتم القيام للصلاة، فاقتضى ذلك أن غسل المأمور بغسله من أجلها، وذلك معنى النية أن يكون غسل الأعضاء المذكورة لها، وتعقب كتاب الطهارة ٦٤ كتاب الطهارة قوله هنا: بأن القصد وإن كان هو النية لكنه هنا المراد الأمر باستعماله بدل الماء، فليس فيه إلَّا ما في قوله ﴿فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾، وقوله ﴿فَّهَرُواْ﴾ . وقوله: ﴿صَعِيدًا لَتِيًا﴾: تقدم الكلام عليه لغة في الكلام على المفردات في الآية. وفي تعيين المراد منه أربعة أقوال: الأول: وجه الأرض، وبه قال مالك ومن وافقه. والثاني: الأرض المستوية. الثالث: الملساء. الرابع: التراب، قاله ابن عباس وهو قول الشافعي. والظاهر أن الدليل يقوي أنه وجه الأرض، وقد تقدم ذلك. وإنما خصه الشافعي بالتراب والله أعلم لما في إحدى روايات حديث الخصائص: ((جعلت لي الأرض مسجداً وتربتها طهوراً))، فالتنصيص على التربة يرى أنه مقيد لإطلاق الأرض، وكذلك ما يأتي من قوله في الباء في بوجوهكم. وقد تقدم شواهد صحة القول بكونه وجه الأرض، وهو الذي يقتضيه الاشتقاق لأنه مِنْ: صعد إذا ارتفع وظهر، وصريح اللغة يقتضيه وسواء كان رملاً أو تراباً أو حجراً أو غير ذلك، ويؤيده النظر حيث إنها رخصة للمحافظة على الصلاة، ولو قيدت بالتراب لكان كثير من أهل الصحارى ولا سيما أهل الرمال التي لا يوجد فيها الغبار، لا حظ لهم في هذه الرخصة وكذلك الأماكن السبخة، وقد قال تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ﴾ كما سيأتي بيانه. ومن سافر في كثير من أنحاء المعمورة أدرك أن قصر الجواز على التراب فيه حرج كبير، وتفويت لحق كثير من المسلمين في هذه الرخصة العامة. وقوله: ﴿طَيِّبًا﴾ صفة لصعيد، واختلفوا في المراد بها فقيل: النظيف وقيل: المنبت: وقيل: الطاهر وقيل: الحلال، وأصحها القول بأنه الطاهر، وذلك لأن الطيب والخبث نسبيان والمناسب هنا هو الطاهر. فأما القول بأنه منبت وهو الذي اختاره الشافعي فيستدل له بقوله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَّبَاتُهُ﴾ وفيه نظر لما قدمنا من أن وصف الطيب أمر نسبي، ولأنه لا يلزم من إطلاقه الطيب على البلد الذي يخرج نباته بإذن ربه، أن لا يستحق الوصف بالطيب غيره على وجه آخر، فلا تنحصر فيه صفة الإنبات، وقد قال ◌َله: ((هذه طيبة هذه طابة))، ومعلوم أن وصف الطيب شملها وأكثرها حجارة وحرار سوداء صلبة. وهذا الخلاف ينبني كتاب الطهارة ٦٥ كتاب الطهارة عليه جواز التيمم على كل أجزاء الأرض، أو تخصيص بعضها بالجواز دون بعض. فذهب مالك إلى جوازه على جميع الأرض ولو كان حجارة، وهو مذهب الإمام أبي حنيفة والثوري والطبري، فأجازوه على جميع ما صعد على وجه الأرض ولو كان معدناً، ما لم يكن فضة خالصة أو ذهباً خالصاً وما لم يكن المعدن منقولاً، وما عدا ذلك جميعه جائز، وأجازوه على الحجر المنقول كالجدار ونحوه. وحديث أبي جهيم يدل عليه، واختلفوا في التراب المنقول وقالوا: هذا هو الموافق لقوله ﴿َصَعِيدًا﴾ وحملوا قوله ﴿طَيِّبًا﴾ على أن المراد به طاهراً ... وقال الشافعي وأحمد ووافقهما أبو يوسف: الصعيد التراب المنبت وهو الطيب قال تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ﴾، وما لا ينبت لا يكون طيباً كما تقدم، فلا يجوز التيمم عندهم على غيره. وقال الشافعي: لا يقع الصعيد إلَّا على تراب ذي غبار. وعن علي: هو التراب، ومثله عن الخليل قال: تيمم بالصعيد أي أخذ من غباره. قال الكيا الطبري: (واشترط الشافعي أن يعلق التراب باليد - إلى أن قال - ولا شك أن لفظ الصعيد ليس نصاً فيما قاله الشافعي) اهـ. قلت: وقد تقدم ما يدل على قول الكيا هذا، ولكن الذي يتمسك به الشافعي في هذا قوله عليه الصلاة والسلام: ((وتربتها لنا طهوراً))، قال القرطبي: (قالوا هذا من باب المطلق والمقيد، قال: وليس كذلك وإنما هو من باب النص على بعض أشخاص العموم - يعني - أفراده كما في قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَكِهَةٌ وَنَفْلُ وَرْقَانٌ﴾ قال: وقد حكى أهل اللغة أن الصعيد اسم لوجه الأرض كما ذكرنا، وهو نص القرآن كما بيّنا، وليس بعد بيان الله وقال - عليه الصلاة والسلام -: ((عليك بالصعيد فإنه يكفيك) اهـ. قلت: وقد استدل الإمام أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة تَخْلُ بقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((أُرِيتُ دارَ هجرتكم، أُرِيتُ سبخة ذات نخل بين لابتين)) فإنه قال في صحيحه: (باب إباحة التيمم بتراب السباخ ضد قول من زعم من أهل عصرنا أن التيمم بالسبخة غير جائز) ا.هـ وقول هذه المقالة يقود إلى أن التيمم بالمدينة غير جائز إذ أرضها سبخة، وقد أخبر ويل أنها طيبة وأنها طابة. ثم ذكر حديث عائشة في الهجرة الطويل الثابت في الصحيح، من طريق يونس عن الزهري عن عروة عنها فذكر الحديث وفيه: ((أريت دار هجرتكم أريت سبخة ذات نخل بين لابتين)). قال: (ففي قول النبي ◌َّ: ((أريت سبخة ذات كتاب الطهارة ٦٦ كتاب الطهارة نخل وسباخ)) بعد إعلامه إياهم أنها دار هجرتهم، وجميع المدينة كانت هجرتهم؛ دلالة على أن جميع المدينة سبخة، ولو كان التيمم غير جائز على سبخة على ما توهمه بعض أهل عصرنا أنه من البلد الخبيث بقوله: ﴿وَلَّذِى خَبُثَ لَا يَخْرُ إِلَّا نَكِدًا﴾ لكان قود هذه المقالة - أي ما تقود إليه يعني لازمها - أن أرض المدينة خبيثة لا طيبة. قال: وهذا قول بعض أهل العناد لما ذم أهل المدينة، فقال: إنها خبيثة. فاعلم أن النبي ◌ّ﴾ سماها طيبة وطابة مع إعلامه إياهم أنها سبخة، وفي هذا ما أبان أن التيمم بالسباخ جائز) اهـ. فهذا الاستدلال منه تَّتُ بما ذكر على أن هذا القول باطل لأن النبي * سماها طيبة وطابة، فلو سلمنا هذا القول لكانت على مقتضاه خبيثة، وللزم أن أهلها خارجون من هذه الرخصة التي نزلت عليهم وبسببهم ما داموا فيها، ولا يخفى بطلان ذلك. وأما كيفية المسح ومقدار الممسوح وعدد الضربات: فذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أنَّ الواجب المسح إلى المرفقين، ويكون ذلك بضربتين: ضربة للوجه وضربة لليدين، ونسب ذلك إلى ابن عمر وابنه سالم والحسن. واحتج أهل هذا القول بما رواه البيهقي عن جابر أن النبي وَّهر قال: ((التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة للكفين إلى المرفقين)). وروى الشافعي عن الأعرج عن ابن الصمة قال: (مررت على النبي ◌َّل﴿ وهو يبول، فسلمت عليه فلم يرد علي، حتى قام إلى الجدار فحتّه بعصا کانت معه، ثم وضع يده على الجدار فمسح وجهه وذراعيه، ثم رد علي)). قلت: وهذا منقطع بين الأعرج عبد الرحمن وبين ابن الصمة، فإنه لم يسمعه منه، وإنما سمعه من عمير مولى ابن عباس عن ابن الصمة، وسيأتي الحديث. والمروي عن عمير هذا؛ ليس فيه ذكر الحك ولا ذكر المرفقين، وإنما قال: أقبل على الجدار فوضع يده على الحائط، فمسح بوجهه ويديه ثم رد. وسيأتي حديثه إن شاء الله وتمام الكلام على المسألة، وأن الأدلة ومقتضى عموم الرخصة ورفع الحرج؛ يقتضي جواز التيمم على سائر وجه الأرض: تراباً كان أو غيره، وقصرها على نوع من التراب فيه الحرج الذي نفاه الله في الآية الكريمة وغيرها، ومن جال في البلدان يدرك ذلك ضرورة، فإن بعض الجهات تكون أرضها رمالاً لا يعرف فيها الغبار، فلو منع التيمم عليهم مع كثرة من يسكنها من أهل الصحارى؛ لكان ذلك من أشد الحرج عليهم. كتاب الطهارة ٦٧ كتاب الطهارة وقوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ﴾ أي ما يريد بتشريعه لما شرعه لكم ليجعل عليكم حرجاً، أي ضيقاً وشدة في دينكم كما قال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الُْسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِ الدِّينِ مِنْ حَرَجْ﴾، وأصل الحرج: الضيق والشدة، فالحرج - محركاً - هو المكان الضيق أو أضيق الضيق، وهو اسم للشجر المجتمع، وهو الغيضة لضيقها، والحرجة: الشجرة في وسطه لا تصل إليها الآكلة من الدواب، وهي واحدته وتجمع على أحراج وحرجات، كما في قول الشاعر: أيا حرجات الحي حين تحملوا بذي سلم لا جادكن ربيع ورجل حرَج وحِرج ضيق الصدر، وبهما قرئ: ﴿يَجْعَلْ صَدْرَمُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ وقيل: بالفتح في صدره ضيق وبالكسر اسم فاعل، ومثله دنف ودنف ووحد ووحد. ويسمى الإثم والحرام حرجاً لأنه يجعل الإنسان في ضيق من أمر دينه، وهو بهذا المعنى هو المراد هنا، وقد جعله ابن الأثير فيه من المجاز كما ذكره صاحب التاج، والحارج الآثم ومنه قول الشاعر: يا ليتني حظيت غير حارج أم حبي قد حبا أو دارج ويسمى السرير الذي يحمل عليه المريض والميت حرجاً، قال امرؤ القيس : فإما تريني في رحالة جابر على حرج كالقر تخفق أكفاني ويسمى شجار الخشب الذي يشد بعضه إلى بعض، ويوضع على نعش النساء: حرجاً، قال عنترة يصف ظليماً يتبعه رئاله ويفرش جناحيه تحته: يتبعن قلة رأسه وكأنه حرج على نعش لهن مخيم وكان الواجب أن يكون الكلام على هذا في أول شرح الآية، ولكنه تأخر سهواً، و((من)) في قوله: ﴿مِّنْ حَرَج﴾ صلة لتوكيد عموم النفي، وقوله ﴿وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِرَكُمْ﴾ أي من الذنوب باستعمال المطهر الذي أمركم به وهو الوضوء، كما في حديث أبي هريرة وحديث عثمان وكلاهما في الصحيح، وكما في حديث الصنابحي عند مالك والمصنف وغيرهما، وسيأتي ذلك. وقيل من الحدث والجنابة، أو لتستحقوا اسم الطهارة التي يوصف بها أهل الطاعة. وقرأ سعيد بن المسيب ﴿لِيُظْهِرَكُمْ﴾ وهي بمعنى الأولى، مثل قولهم نجّاه وأنجاه. كتاب الطهارة ٦٨ كتاب الطهارة وقوله: ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيَّكُمْ﴾ أي: بالترخيص في التيمم عند المرض والسفر، وقيل: بتبيين الشرائع، وقيل: بغفران الذنوب، وقيل: بدخول الجنة والنجاة من النار، وهذا هو الضالة المنشودة والغرض المقصود بالذات وما سواه وسائل إليه ولفظ النعمة مفرد في معنى الجمع لأن المراد الجنس، كما قال تعالى: ﴿وَإِن تَعُذُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُمُوهَاً﴾ أي نِعَم الله، فكذلك ههنا يتم نعمته أي: نعمه عليكم، فيدخل فيها جميع ما ذكر. وقوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون﴾ أي: ولكي تشكروا نعم الله علیکم بإقبالكم على طاعته واجتنابكم لمعصيته، فإن حقيقة الشكر: الاستعانة بالنعمة على أداء حق المنعم، ولهذا عرّفه بعضهم: بأنه صرف العبد جميع ما أنعم الله عليه به فيما خلق من أجله. تنبيه : في خاتمة هذه الآية إشارة إلى فضيلة التَّطهُر وكونه عبادة، كما في حديث أبي مالك الأشعري في صحيح مسلم: ((الطهور شطر الإيمان)). قال ابن العربي تَخَّلهُ: (وهو أصل الدين وطهارة المسلمين) اهـ. وفي حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: ((إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن)) الحديث، وحديث عثمان : ((إذا توضأ العبد المسلم فأحسن الوضوء، خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره))، وحديث عمرو بن عبسة أيضاً في مسلم وغيره، وقوله وَ ل﴿ لبلال: ((إني سمعت دفَّ نعليك))، وفي رواية: ((خشخشة نعليك في الجنة)) الحديث وفيه: ((ما أحدثت إلّا توضأت)). وقد حمل الجمهور - كما سيأتي - إطالة الغرة المأمور بها على أنها إدمان الوضوء والإكثار منه، وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله في بابه من هذا الشرح المبارك، نفع الله به المسلمين. وهذه الأحاديث وأمثالها والإشارة في الآية، تدل على أن الوضوء عبادة شرعت لدحض الذنوب، وإن جعلت شرطاً في صحة الصلاة مع ذلك، وتكفير السيئات وذلك يؤيد قول الجمهور بأنها عبادة مستقلة تفتقر إلى نية، لأنها شرعت كغيرها من العبادات لمحو الذنوب ورفع الدرجات عند علام الغيوب، والله الموفق للصواب والميسر للخير وإليه المآب، خلافاً لمن قال إنها وسيلة كغسل النجاسة فلا تفتقر إلى نية، وسيأتي البحث فيها مستوفى من حديث عمر : ((إنما الأعمال الحديث)) والله تعالى أعلم. كتاب الطهارة ٦٩ ب ١/ ح ١ ١ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ قَالَ: ((إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي وَضُوئِهِ حَتَّى يَفْسِلَهَا ثَلَاثاً، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ». [رجاله: ٥] 0 ١ - قتيبة بن سعد بن جميل بن طريف بن عبد الله البُغْلَاني، نسبة إلى قرية من قرى بلخ تسمى بُغْلَان، الثقفي بالولاء. يقال: إن جدّه كان مولىّ للحجاج بن يوسف، وقتيبة تصغير قتبة، واحدة الأقتاب وهي الأمعاء، قيل: اسمه، وقيل: لقبه واسمه: يحيى، وقيل: علي ويكنى بأبي رجاء، اتفق الأئمة على توثيقه وجلالته. قال الذهبي: ((شيخ الحفاظ ومحدث خراسان)) ولد سنة ١٤٨ - قيل في الليلة التي مات فيها الأعمش، وقيل سنة ١٤٩ وقيل سنة ١٥٠ - روى عن مالك، والليث، وبكر بن مضر، وحماد بن زيد، وعبد العزيز الدراوردي، وعبد العزيز بن أبي حازم، وجرير بن عبد الحميد، وفضيل بن عياض، وابن عيينة، وابن عُليّة، وابن لهيعة، وشريك، وعنه الجماعة إلا ابن ماجه، فإنه روى له بواسطة الإمام أحمد، وكذا روى له الترمذي بواسطة الإمام أحمد. مات سنة ٢٤٠هـ، وجمع بين ثلاث طبقات من الرجال . ٢ - سفيان بن عيينة بن أبي عمران، مولى من بني عبد الله بن رواحة من بني هلال، فهو هلالي بالولاء، وقيل: إن اسم جدّه ميمون، كوفي سكن مكة، كنيته أبو عمران، وقيل: إن الذي سكن مكة أبوه عيينة. روى عن عبد الملك بن عمير، وأبي إسحاق السبيعي، وجعفر الصادق، والأسود بن قيس، وموسى، وإبراهيم، ومحمد بني عقبة، وعبد الله بن أبي طلحة، وأيوب السختياني، وعمرو بن دينار، والزهري، والأعمش، ومنصور، وغيرهم، وعنه الأعمش وابن جريج وشعبة والثوري ومسْعَر، وهم من شيوخه، وروى عنه حماد بن زيد ووكيع وأبو إسحاق الفزاري ومعتمر، وهم من أقرانه، وروى عنه الشافعي والقطان والطيالسي وابن معين وأحمد وابنا أبي شيبة وغيرهم، قال الشافعي: لولا مالك وابن عيينة لذهب علم الحجاز، وقال: مالك وسفيان القرينان. قال ب ١/ ح ١ ٧٠ كتاب الطهارة ابن المديني: ما في أصحاب الزهري أتقى من ابن عيينة، وقال العجلي: ثقة ثبت في الحديث. ولد سنة سبع ومائة ١٠٧ هـ وروي أنه قال - وهو بالمزدلفة -: وافيت هذا المكان سبعين حجة أقول في كل منها: اللهم لا تجعله آخر العهد من هذا المكان، وإني قد استحييت من الله، فرجع وتوفي في السنة الداخلة، وهي سنة مائة وثمان وتسعين ١٩٨ هـ. وقيل: إنه اختلط سنة سبع وتسعين ومائة ١٩٧ هـ. قال أبو حاتم: الحجة على المسلمين: مالك وشعبة والثوري وابن عيينة. وقال فيه: ابن عيينة ثقة إمام، روي عنه أنه أدرك سبعة وثمانين تابعياً . انتقل من الكوفة إلى مكة سنة مائة وثلاث وستين ١٦٣هـ إلى أن مات بها - رحمنا الله وإياه برحمته الواسعة -. ٣ - محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري، أحد أعلام الإسلام والعلماء والفقهاء العظام، وأشهر علماء المدينة والشام، كنيته أبو بكر، روى عن جماعة من الصّحابة منهم: عبد الله بن عمر وأنس بن مالك وعبد الله بن جعفر وسهل بن سعد وجابر بن عبد الله وعامر بن ربيعة وأبو الطفيل. ومن التابعين جماعة: عبيد الله وعبد الله وحمزة وسالم بنو عبد الله بن عمر، وحميد وأبو سلمة وإبراهيم بنو عبد الرحمن بن عوف، وخارجة بن زيد وعلي بن الحسين وعطاء بن أبي رباح وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد وغيرهم. وعنه: عطاء بن أبي رباح وأبو الزناد وهما من شيوخه، وابن جريج وعمر بن عبد العزيز وأخوه عبد الله بن مسلم والأوزاعي وابن عيينة ومالك وهشام بن عروة ويحيى بن سعيد وغيرهم. ذكر البخاري عن ابن المديني أنَّ له ألفي حديث، وقال الآجري: ألفا حديث ومائتا حديث، وروي عنه أنه قال: ((ما استودعت قلبي شيئاً فنسيته)). وذكر ابن حجر أن هشام بن عبد الملك طلب منه أن يملي على بعض بنيه، فدعا بكاتب فأملى عليه أربعمائة حديث، ثم بعد ذلك قال له هشام: إن ذلك الكتاب قد ضاع، فدعا الكاتب فأملاها عليه فقابلها هشام مع الأولى فما غادر منها حرفاً. وشهرته معلومة وثناء الأئمة عليه مشهور، قال مالك: كان أسخى الناس. ولد سنة ٥٥هـ، وقيل ٥٦هـ، وقيل ٥٨هـ، وقيل: ٥١هـ، ومات - رحمنا الله وإياه - سنة ١٢٣ هـ، وقيل: ١٢٤ هـ، وقيل: ١٢٥هـ. ب ١/ ح ١ ٧١ كتاب الطهارة ٤ - أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري أحد مشاهير التابعين، قيل: اسمه أبو سلمة وقيل: عبد الله. أحد أوعية العلم الكبار بالمدينة، المتفق على علمهم وجلالة قدرهم وفقههم وثقتهم وإمامتهم. روى عن أبيه وعثمان، واختلف في سماعه من طلحة وعبادة بن الصامت. وروى عن أبي هريرة وابن عباس وابن عمر وجابر وحسان وعائشة وأم سلمة وفاطمة بنت قيس وغيرهم من الصحابة والتابعين، وعنه ابنه عمرو وبنو إخوته: سعد بن إبراهيم وعبد المجيد بن سهل بن عبد الرحمن وزرارة بن مصعب بن عبد الرحمن، والأعرج وعروة والزهري ومحمد بن إبراهيم التيمي وأبو حازم بن دينار، وبنو سعيد: يحيى وسفيان وعبد ربه وغيرهم. قال أبو زرعة: ثقة إمام، وقال ابن حبان: كان من سادات قريش، مات سنة ٩٤هـ، قلت: كانت تسمى سنة الفقهاء لكثرة من مات فيها منهم، وقيل سنة ١٠٤هـ، وهو ابن ٧٢ سنة، الأول قول ابن سعد والثاني قول الواقدي، وأمّه تماضر الكلبية، وذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل المدينة - رحمنا الله وإياه - رحمة واسعة. ٥ - أبو هريرة الدوسي: اختلفوا في اسمه على أقوال، أشهرها كما قال النووي: عبد الرحمن بن صخر، وصحح ابن حجر ما أسنده ابن خزيمة أن اسم أبيه عبد عمرو، وذكر أن أهل الحديث أجمعوا على أنه أكثر الصحابة حديثاً، وأمره في ذلك مشهور، وذكر ابن حزم أن مسند بقي بن مخلد احتوى على خمسة آلاف وثلاثمائة وكسر من حديث أبي هريرة، هذا مع كونه متأخراً إسلامه، فإنه قدم على النبي ◌َ ﴿ بعدما فتح خيبر وهو بخيبر، وذلك سنة سبع، فإن فتح خيبر كان في صَفرٍ سنة سبع بعد صلح الحديبية، وقد حَفظ في هذه المدة ما لم يحفظه غيره، وقد بيّن سبب ذلك كما في صحيح البخاري، وغيره عنه أنه قال: (يقولون أكثر أبو هريرة، ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثاً ثم يتلو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُونَ مَآ أَنَزَلْنَا﴾ إلى قوله ﴿الرَّحِيمُ﴾. إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله وَ طير بشبع بطنه، ويحضر ما لا يحضرون ويحفظ ما لا يحفظون). ومن رواية ابن أبي ذئب عن المقبري عنه: ((حفظت من رسول الله وَ ل﴿ وعاءين: أما أحدهما فبثَثْته، وأما ب ١/ ح ١ ٧٢ كتاب الطهارة الآخر فلو بَثَثْتُه قطع مني هذا البلعوم))، وهذا محمول على أحاديث الفتن، ومع كونه لم يحدث بهذا الوعاء اتفقوا على أن الذي حدث به أكثر من حديث سائر من حدث من المكثرين، وقد قالت له عائشة - رضي الله عن الجميع -: أكثرت الحديث عن رسول الله ﴿ فقال لها: ((إني والله ما كانت تشغلني عنه المكحلة)). وذكر الحافظ ابن كثير أنه كان يقول: ((اللهم إني أعوذ بك من سنة الستين وإمارة الصبيان)). وذكر ابن كثير من رواية عطاء عنه أنه قال يرفعه إلى النبي وسلم: ((إذا رأيتم ستاً فإن كانت نفس أحدكم في يده فليرسلها فلذلك أتمنى الموت خشية أن تدركني: إذا أمّرت السفهاء، وبیع الحکم بالرشا، وتهوّن بالدم، وقطعت الأرحام، وكثرت الجلاوزة، ونشرْءٌ يتخذون القرآن مزامير)). ومناقبه رظُه كثيرة مشهورة، وقد اختلفوا في موته فقيل سنة ٥٩هـ بقصره بالعقيق، وقيل ٥٨هـ، وقيل ٥٧هـ، وأرجحها الأول. وكان يلي إمرة المدينة لمعاوية بالنيابة عن مروان، وأخباره في ذلك مشهورة حظه وجمعنا به في جنات النعيم. وقد روى عن: أبي بكر وعمر وأبيّ بن كعب والفضل بن العباس وأسامة بن زيد وعائشة ونضرة بن أبي نضرة وكعب الأحبار وأنس بن مالك وابن عمر وابن عباس، وعنه: ابنه المحرر وواثلة وجابر وخلق من التابعين منهم: ابن المسيب وعروة وحميد وأبو سلمة ابنا عبد الرحمن بن عوف، وذكر ابن حجر عن البخاري أنه روى عنه نحو ثمانمائة من أهل العلم. ■ التخريج أخرجه الجماعة ولم يذكر البخاري العدد فيه، وفي بعض رواياته عند الترمذي وابن ماجه: (إذا استيقظ أحدكم من الليل)، وعند أبي داود من رواية أبي هريرة: [إذا قام أحدكم]، ومثلها لابن ماجه لكن من رواية جابر، وزاد (ابن حِبَّان) والبيهقي وابن خزيمة: (فإنه لا يدري أين باتت يده منه) قال ابن منده: هذه الزيادة رواتها ثقات ولا أراها محفوظة. ولأبي داود وابن ماجه: ((مرتين أو ثلاثاً)). وظاهر صَنيع البخاري أنه طرف من حديث، وهو عند مسلم وفي الموطأ لمالك، وكذلك عند غيرهم حديث مستقل، ولعل البخاري يرى جمع الحديثين إذا اتفق سندهما، كما يرى تقطيع الحديث الواحد. ب ١/ ح ١ ٧٣ كتاب الطهارة اللغة والإعراب والمعنى 0 قوله: (إذا استيقظ)، تقدم أن لفظة (إذا) تكون في العربية لمعنيين؛ أحدهما: أن تكون للفجاءة فتختص بالجمل الاسمية، والثاني: أن تكون ظرفاً زمانياً يدل على الاستقبال مضمّناً معنى الشرط، فيختص بالجمل الفعلية ويفتقر إلى الجواب لكنه لا يجزم، وسمع الجزم به في الشعر خاصة، كما قال الشاعر: وإذا تصبك خصاصة فتحَمّل استغن ما أغناك ربك بالغنى فجزم بها. ولاختصاصها بالجمل الفعلية أشار ابن مالك تَّتُ في الألفية بقوله : جمل الأفعال كهن إذا اعتلى وألزموا إذا إضافة إلى والعامل فيها عند الأكثرين جوابها، والجملة بعدها في محل جرِّ بها. وإذا وليها اسم، وجب تقدير الفعل بعدها قبل الاسم، كما في قوله: ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنشَقَّتْ﴾ ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْفَطَرَتْ﴾ ونحو ذلك ومنه قول السموأل بن عاديا: فكل رداءٍ يرتديه جميل إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه وقول الآخر وهو منسوب لعمرو بن العاص ته: ولم ينه قلباً غاوياً حيث يمّما إذا المرء لم يترك طعاماً يحبّه إذا ذكرت أمثالها تملأ الفما قضى وطراً منه وغادر سبَّة الفعل بعدها مُفسرٌ للمحذوف كما هو معروف في علم النحو، وقد تقدم الكلام عليها مستوفى في شرح الآية. وقوله: (استيقظ) من اليقظة - محركة - ضد النوم، بمعنى التيقظ: وهو الانتباه وعدم الغفلة، والسين والتاء فيه زائدتان، ليستا على أصلهما في الدلالة على الطلب، كما في قوله: فاستجاب بمعنى أجاب، و﴿أَسْتَقَمُواْ عَلَى الطّرِيقَةِ﴾ بمعنى أقاموا عليها، ومنه قول الحواريين: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ فسره بعضهم بأن معناه هل يطيع ربك. واستيقظه وأيقظه: أقامه من نومه، قال أبو حية النميري: إذا استيقظته شم بطناً كأنه بمعبوءةٍ وافا بها الهند رادع أي: أيقظته، واستيقظ الحلي: إذا صوّت، ونام: إذا لم يتحرك، قال طريح الشاعر: ب ١/ ح ١ ٧٤ كتاب الطهارة وجرى الوشاح على كثيبٍ أهيل نامت خلاخلها وجال وشاحها عقدت على جيد الغزال الأكحل فاستيقظت منها قلائدها التي أي: تحركت القلائد وهي حليها. والمراد بالتيقظ: القيام من النوم، كما في روايتي أبي داود وابن ماجه: ((إذا قام أحدكم)) بدل استيقظ، وتقدمت الإشارة إليهما. وقوله: (أحدكم) أي أحد المكلفين المخاطبين، فيستوي فيه الذكر والأنثى وتقدم في شرح الآية أن الهمزة في أحد مبدلة من الواو، وأن الأصل: وحدكما، جاء على الأصل في قول النابغة: كأنّ رحلي وقد زال النهار بنا بذي الجليل على مستأنس وحد أي: منفرد. وقوله: (من نومه) النوم ضد اليقضة، مصدر نام ينام نوماً، إذا انقطع عن الإحساس، وقال ابن سيده: النوم النعاس. قلت: وسيأتي إن شاء الله في نواقض الوضوء ما يدل على ذلك، وظاهره العموم من نوم الليل والنهار، ومن خصصه باللّيل دون النهار فبقرينة قوله: (باتت يده)، وتقدم أنّه عند ابن ماجه وفي بعض روايات الترمذي ((من الليل))، وهذا عند من لم ير التخصيص بالليل يقول: إنّه خرج مخرج الأكثر والغالب. وقوله: (فلا يغمس) الفاء واقعة في جواب الشرط و((لا)) ناهية، و((يغمس)) مجزوم بها، من غمس يغمس، من باب ضرب: إذا أدخل يده أو غيرها. وقوله: (يده) اليد الجارحة المعروفة، وهي من الأسماء المحذوفة اللام ولامها ياء، لقولهم في التصغير: يُدَيَّة، وتقدم في شرح الآية أنّ أصلها يَذْي على وزن فعل، وذكر بعضهم أن فيها لغات أربعاً إحداهن: يدا، قال الراجز: إلا ذراع العنس أو كف اليدا يا رُب سارٍبات ما توسدا وقال الآخر: وقد أقسموا لا يمنحونك نفعه حتى تمد إليهم كف اليدا ويدٌّ بالتشديد كما في قول الشاعر: فجازوهم بما فعلوا إليكم مجازاة القروض يداً بيدٌ ويَد وهي الأكثر، ويده بتعويض الهاء عن المحذوف، والمراد بها هنا ما جرت العادة أن يُذْخَل في الإناء وهي: الكف والأصابع. وتقدم أن اللفظة أَعُم من ذلك، لأنها تطلق على الجارحة كلها من المنكب إلى أطراف الأصابع، وبيّنت السنة المراد ب ١/ ح ١ ٧٥ كتاب الطهارة بها في الوضوء، والقطع، وأمّا هنا فإنما يؤخذ بيان ذلك من جريان العادة، أن الذي يدخل في الإناء هذا المقدار المذكور. وقوله (في وَضوئه) بفتح الواو، اسم لما يُتَوضأ به، كالطهور اسم لما يتطهر به، وكذلك الوقود اسم لما يوقد به، وإن أريد الفعل؛ ضمّ الحرف الأول فقيل: وُضوء وظهور ووُقود، وهذا هو الأكثر في الاستعمال. وأصل الوضوء: من الوضاءة، وهي الحسن والإنارة، ومنه قول الشاعر: أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم دجى الليل حتى نظم الجَزْع ثاقبة أي أنارت لَهُم، وهو أيضاً النظافة تكون معنويّة كما في البيت، وحسيّة كالطهارة بالماء المعروفة، وإذا أطلق شرعاً لا ينصرف إلا إلى غسل الأعضاء المعروفة، على الوجه المبيّن في السنة كما تقدم، وكما يأتي إن شاء الله. وقد يطلق على غسل اليدين كما في قوله: ((الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر إلخ)). والمراد بالوضوء هنا: الماء الذي جرت العادة أنّه يجعل في الإناء ليتوضأ به الإنسان، ولهذا جاء في رواية لمسلم وابن خزيمة ومن وافقهما: (فلا يغمس يده في الإناء) بدل الوضوء. وقوله: (حتى) لبيان غاية النهي عن إدخال اليد، فهو دليل على جواز الاغتراف من الوضوء بعد غسلها، وكذلك الغسل، وسيأتي إن شاء الله أنّ ذلك أكثر فعل النبي وَّر، وهذا هو معنى ((حتّى)) الغالب عليها، فإنها تأتي لثلاثة معان: هذا أكثرها وأغلبها، والثاني: التعليل، والثالث: أن تكون بمعنى إلّا في الاستثناء وهو قليل فيها، ذكره ابن هشام تَكْتُهُ وذكر أنها تستعمل على ثلاثة أوجه: تكون حرفاً بمنزلة إلى، وتكون عاطفة بمنزلة الواو، وتكون حرف ابتداءٍ وتدخل على الجملة الاسمية والفعلية. ورواية (لا يغمس) أبين في المراد من رواية (لا يدخل)، لأنّ المنهيّ عنه الغمس والإِدخال في الإِناء أعم منه، فلو أدخل يده في الإناء ولم يغمسها لا يكون مخالفاً بذلك، لأنّه قد يدخلها بآلة ليغترف بها. وقوله: (يغسلها ثلاثاً) أي: بإفراغ الماء عليها، كما جاء في رواية البزار: (حتى يفرغ عليها). وقوله: (فإن أحدكم) الفاء تفيد التعليل للنهي المذكور، ومقتضاها: أن اليد بعد القيام من النوم، يشك في سلامتها من ملابسة شيء يؤثر في الماء، وسيأتي أنّ هذه العلة وإن كانت مظنتها في النوم أكثر، قد تحصل أيضاً في اليقظة، غير أن التعليل بالشك لا يوجب الغسل، كما يأتي إن شاء الله. وقوله: (لا يدري) ((لا)) نافية ب ١/ ح ١ ٧٦ كتاب الطهارة و((يدري)) مضارع ((درى)) التي هي أحد أفعال القلوب الناصبة لمفعولين، من قولهم: درى الشيء يدريه: ودرى به إذا علم به، وهي من القسم الذي يقع فيه التعليق: وهو ترك العمل في اللفظ دون المعنى، ويقع فيه الإلغاء: وهو تركه في اللفظ والمعنى، وهي هنا معلقة بالاستفهام الذي هو ((أين)). و(أين) اسم استفهام، ويكون ظرفاً مبتدأ به الكلام فضلة معمولاً لما بعده لأن له صدر الكلام، فلا يعمل ما قبله فيه، وهو مبني على الفتح. وقوله: (باتت) من البيتوتة، وأصلها اتصاف المخبر عنه بالخبر بالليل، وقد تطلق على مجرد الاتصاف على سبيل التوسع، وهي من الأفعال الناسخة غير أنها تامّة تكتفي بالمرفوع. وتقدم أن في بعض الروايات بزيادة (منه)، وأن ابن منده قال: إنها غير محفوظة وإن كان رواتها ثقات، وفي لفظ: (طافت) بدل (باتت). الأحكام والفوائد الحديث صريح في النهي عن إدخال اليد في الإناء بعد القيام من النوم، وذلك يستلزم الأمر بغسلهما كما جاء مصرحاً به في بعض الروايات، وظاهره العموم في نوم الليل والنهار كما تقدم، والأصل في النهي حمله على التحريم إلا بدليل صارفٍ أو بقرينة، كما أنّ مقتضى الأمر الوجوب إلا بصارف من دليل أو قرينة. ولذا اختلف علماء الإسلام في حكم هذه المسألة، فذهب داود الظاهري وابن حزم إلى القول بالوجوب، مع حمل اللفظ على العموم في سائر حالات القيام من النوم، ونسب ذلك إلى الطبري تخَّقُ. وذهب الإمام أحمد إلى القول بالوجوب، لكن خصّص ذلك بنوم الليل دون نوم النهار، بقرينة قوله: (باتت يده)، ويؤيده رواية الترمذي وأبي داود: ((إذا قام أحدكم من الليل))، ولابن ماجه: ((إذا استيقظ أحدكم من الليل)) وفي رواية لأبي عوانة، وذكر العيني وابن حجر أن مسلماً ساق إسنادها: ((إذا قام أحدكم إلى الوضوء حين يصبح)). وذهب الجمهور إلى حمل النهي على الكراهة لإدخال اليد في هذه الحالة. وحملوا الأمر بالغسل على الاستحباب، ولم يفرقوا بين نوم الليل ونوم النهار، وجعلوا تخصيص الليل بالذكر لأنه مَظنّة جولان اليد أكثر، مع أن النوم فيه أكثر من غيره، وأناطوا الحكم بالعلة المذكورة وهي عندهم ظنيّة، ولذا لم يفرقوا أيضاً بين النوم واليقظة، لوجود تلك العلة ولو في بعض الأحيان، واستدلوا بأمور: ب ١/ ح ١ ٧٧ كتاب الطهارة الأول: ما قدمنا أن هذا التعليل المنصوص، لا يفيد أكثر من الشك في طهارة اليد أو تلوثها بما يؤثر على الماء، والتعليل بهذا يفيد إناطة الحكم به. الثاني: إذا كان الأمر كذلك، فالتعليل بالشك لا يقتضي وجوباً إذا كان الأصل المستصحب خلافه كما هنا، بخلاف ما إذا كان الأصل المستصحب يوافق الأمر أو النهي المعلل بالشك، كما في النهي عن أكل الصيد إذا شك في الذكاة، مثل ما جاء في حديث عدي بن حاتم في الصحيحين وغيرهما : («فإن وجدت مع كلبك كلباً آخر فلا تأكل»، وكذلك قوله في الرواية الأخرى: ((فإن أكل فلا تأكل)) لأنه علل في الأول باحتمال كون الكلب الثاني هو الذي قتل، وفي الثاني باحتمال كونه أمسك لنفسه، على ما يأتي إن شاء الله، فلما كان الأصل عدم الأكل حتى تتحقق الذكاة؛ خالف ما هنا. ثالثاً: إن ذكر العدد في التطهير للنجاسة ليس موجوداً، إلا ما ورد في ولوغ الكلب عند من علّله بالنجاسة، ولذا رأى مالك أنه قرينة على أن الأمر فيه تعبدي، وليس للنجاسة كما يأتي. رابعاً: من الدليل على عدم الوجوب: حديث المسيء صلاته، حيث قال له وَ﴾: ((توضأ كما أمرك الله)) فهو يدل على أنه لو اقتصر على الأعضاء المذكورة في الآية صحت صلاته، وذلك يستلزم أن يكون الفرض في الوضوء مقصوراً عليها، وإلا لما أحاله عليها . خامساً: إن السنة ثبتت عن النبي ◌ّ﴿ بوضوئه أمام الصحابة وأخذوا ذلك عنه، فكان يغسل يديه كلما أراد الوضوء لا يفرق بين حالة وحالة، وتقدم أن ذلك غير محمول على الوجوب، لأنه زائد على ما في الآية فدل على استحبابه، وبقي ذكره في هذه الحالة دليلاً على تأكد الاستحباب، مع كونه مطلوباً فيها وفي غيرها لقوة المظنة المذكورة، ولذلك كان الشافعي تَُّ يرى تعليل ذلك بأن أهل الحجاز كانوا يستجمرون بالأحجار، فربما عرقت يد أحدهم في المكان وهو نجس فتتنجس، لا سيّما في وقت الحر والبلاد حارة، ولكن هذا يلزم منه تخصيص الحكم بهم وبمن هو في مثل حالهم، وفيه ما فيه: لأن التعليل المذكور بهذا يفيد أن الحكم خاص بحالة إمكان الشك وقصر الغسل عليها، وهو مردود بما تقدم من السنة فيه على كل حال، من فعل النبي وَلهو . ب ١/ ح ١ ٧٨ كتاب الطهارة واستدل بالحديث من قال بأنّ ورود النجاسة على الماء القليل يؤثر فيه، بخلاف وروده عليها كما في حديث بول الأعرابي. ووجهه: أن تعليل النهي هنا صادق باحتمال أمرين، أحدهما: تنجيس الماء وذلك فيما إذا قدر ملاقاة اليد لنجاسة، والثاني: الحكم بالتأثير على الماء الذي هو أعم من التنجيس والتغيير بغير النجاسة. فأما عند القائلين بمفهوم حديث القلتين فيقولون: إذا كان إدخال اليد مع الشك مؤثراً، فالتأثير بالقليل من النجاسة المحقق أولى، لكن يلزمهم القول باطراح الماء، وهم لا يقولون بذلك إلا شيئاً يروى عن الإمام أحمد أنه إذا أدخل يده بعد القيام من نوم الليل أعجب إليه أن يريقه، وورد فيه حديث ضعيف نسب إلى ابن عدي: ((فليرقه)) ولكنه لا يثبت، وقال: إنها زيادة منكرة. وكلام أحمد هذا يحتمل اعتقاد تغيير الماء كما تقدم، ويحتمل أن يكون كره استعماله، وهو ظاهر العبارة، ويوافقه مذهب مالك في الماء القليل إذا وقعت فيه نجاسة لا تغيره، فإنه يكره استعماله مع وجود غيره. ونقل العيني: أن داود والطبري القائلين بوجوب غسل اليدين يقولان: إنه لو أدخل يده قبل الغسل يتوضأ بالماء ويجزئه الوضوء به. ويستفاد من التعبير بإنائه أي المتوضئ، أنه الذي جرت العادة بوضع ماء الوضوء فيه، ويؤيده رواية ((ماء وَضوئه))، فلا يدخل في ذلك الأواني الكبيرة وغيرها كالبرك والحياض، فعموم الإناء يخصصه التنصيص على الوضوء، إلا أنهم ألحقوا به ماء الغسل للمغتسل لعدم الفارق، مع الجامع في العلة المذكورة. ويستفاد منه استحباب الاحتياط في العبادات وأمور الدين، كما في قوله ويله: ((فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه)) إلخ. وفيه على تعليل الشافعي: دليل على أن محل الاستنجاء لا يطهر إلا بالماء، وهو يقتضي اعتبار الحكم في النجاسة بعد زوال العين، لكنه بعد المسح معفو عنه حتى يغسل ما يعفى عن أسفل النّعل والخف وذيل المرأة، فإن الكل إذا مرّ بالنجس ومسح عفى عنه، وجازت الصلاة مع بقاء الحكم، ولو ابتل محله وأصاب شيئاً نجّسه، خلافاً لمن زعم أن زوال العين يزول به الحكم. وفيه على قول ابن عبد البر: دليل على وجوب الوضوء من النوم، وستأتي هذه المسألة مفصلة. وفيه على قول بعض العلماء: استحباب الكناية عما يستقبح ذكره، لقوله: ((لا يدري أين باتت يده)). ب ١ / ح ١ ٧٩ كتاب الطهارة قال البدر محمود بن أحمد بن موسى العيني - رحمه الله تعالى وإيانا -: استدل به أصحابنا - يعني أصحاب أبي حنيفة - على أن الإِناء يغسل من ولوغ الكلب ثلاث مرات، لأن النبي ◌َّر أمر القائم من النوم بإفراغ الماء على يديه مرتين أو ثلاثاً قال: وذلك لأنهم كانوا يتغوّطون ويبولون ولا يستنجون بالماء، وربما كانت أيديهم تصيب المواضع النجسة فتتنجس، فإذا كانت الطهارة تحصل بهذا العدد من البول والغائط وهما أغلظ النجاسات، كانت أولى وأحرى أن تحصل مما هو دونهما من النجاسات. قلت - والله الموفق للصواب: العجب منه على جلالة قدره وعلمه يرتضي مثل هذا الدليل، فإن سكوته عليه دليل على ارتضائه له على ما فيه: أولاً: فإنه قياس مصادم للنّص، وهو فاسد الاعتبار لأن العدد في غسل الإناء من ولوغ الكلب منصوص بالسبع، والخلاف إنما هو في الثامنة كما سيأتي إن شاء الله تعالى. ثانياً: التعليل في ولوغ الكلب بالنجاسة غير مسلَّم، فإن من لا يرى نجاسة الكلب كما هو مذهب أهل المدينة: ابن شهاب ومالك، وهو ظاهر صنيع البخاري كما يأتي؛ لا يرى علة تكرار الغسل للنجاسة، بل يقول إنه للتعبد، ويستدل بذكر العدد لأنه لا يعرف في شيء من النجاسات اشتراط العدد في الغسل، وقد تقدم ذلك. ثالثاً: على فرض التسليم: لا يكون تغليظ نجاسة البول والغائط، أشد منه عند القائلين بالنجاسة وتغليظها، أي في غسل الإناء من الولوغ، بل يرون الحديث دليلاً على تغليظ نجاسته أكثر من غيرها، لانفراده بهذه الصفة في التطهير، والاتفاق على أن نجاسة البول والغائط لا يطلب فيها إلا غسلها حتى تزول، من غير ذكر للعدد، إلا ما ذكره هو في شرح البخاري: أنه يستفاد من هذا الحديث استحباب التثليث، وهو غير مسلَّم. رابعاً: أن الحنفية لا يقولون بوجوب غسل اليد عند القيام من النوم حتى يكون أصلاً عندهم، فكيف يردون بالقياس عليه النّص الثابت في الكلب. خامساً: إن هذا القول مبني على تعليل الأمر في غسل اليدين عند القيام من النوم، بالنجاسة الخاصة بمحل الاستنجاء، وهم لا يقولون بذلك حتى ب ٢ / ح ١ ٨٠ كتاب الطهارة يكون أصلاً لهم يلحق به الواجب، وإنما روي ذلك عن الشافعي على ما قدّمنا، ولو سلّم لاقتضى ذلك التخصيص، ولم يقل به أحد كما قد عرفت. والذي يترجح في هذه المسألة مذهب الجمهور، لأن أدلتهم في ذلك قوية وطريقهم أقرب إلى الجمع بين الأدلة، والله أعلم. ٢ - باب السواك إذا قام من الليل ١ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَقُتَيْيَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ جَرِيرٍ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلِ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ. ■ [رجاله: ٦] ١ - إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن إبراهيم بن مطر الحنظلي، أبو يعقوب، المعروف بابن راهويه، نزيل نيسابور، أحد أئمة الإسلام ومشاهير العلماء العظماء الأعلام، روى عن جرير بن عبد الحميد وابن عيينة وحفص بن غياث وابن عُليّة وبشر بن المفضل وابن المبارك والدراوردي وعبد الرّزاق وغيرهم، وعنه البخاري ومسلم والنسائي والترمذي وأبو داود، وروى عنه من شيوخه: بقيّة بن الوليد ويحيى بن آدم، ومن أقرانه: أحمد بن حنبل، وابن معين وإسحاق الكوسج وغيرهم. ولد سنة ١٦٦، وتوفي في شعبان سنة ٢٣٨ - على الصحيح وقيل: ٣٧ - وقد اتفق الأئمة على توثيقه وفقهه وإتقانه، وأثنى عليه الکثیر منهم. ٢ - قتيبة، تقدّم ١ . ٣ - جرير بن عبد الحميد بن قرط الضبي القاضي، أبو عبد الله الرازي، ولد بأصبهان في قرية منها، نشأ بالكوفة وسكن الريّ، روى عن عبد الملك بن عمير ويحيى بن سعيد الأنصاري ومنصور بن المعتمر وهشام بن عروة والأعمش وسليمان التيمي وعاصم الأحول وسهيل بن أبي صالح وهشام بن حسان، وعنه قتيبة وابنا أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي وابن معين وابن المديني وأبو خيثمة، وكذلك يحيى بن يحيى وغيرهم. ثقة، أثنى عليه غير واحدٍ من الأئمة، وذكر ابن حجر حكاية عن ابن الشاذكوني عنه في طلاق