النص المفهرس

صفحات 41-60

كتاب الطهارة
٤
٤١
كتاب الطهارة
قلت: ويحتمل أن الآية دلت على وجوبه فخصصت السنة منه من كان
على طهر، فدلت الأحاديث على عدم وجوبه عليه، وبقي في حق المحدث،
ويكون استِخبابُه مع الطهارة مأخوذاً من السنة أيضاً .
ثالثاً: وقال آخرون: إنه على عمومه لكنه على الندب في حق المتطهر
والوجوب في حق المحدث، قال الألوسي: (استبعد؛ لإجماعهم على أن الوجوب
مستفاد من الآية، مع الاحتياج إلى التخصيص بغير المحدثين من غير دليل) اهـ.
القول الثالث: وقال آخرون: إن المراد بالآية القيام من النوم فقط، وهو
مروي عن مالك رواه عن زيد بن أسلم، وهو مروي أيضاً عن السدي، وبنوا
عليه أن في الآية تقديماً، وتأخيراً، والتقدير عندهم: ((إذا قمتم إلى الصلاة أو
جاء أحد منكم من الغائط أو لا مستم النساء فاغسلوا وجوهكم، وإن كنتم جنباً
فاطهروا، وإن كنتم مرضى» إلخ.
القول الرابع: وقال آخرون: إن هذه الآية نزلت رخصة للنبي وَّ، ورفعاً
لما كان يفعله من الوضوء لكل شيء يريده، كما روي في حديث ابن حنظلة
الغسيل، وهذا عندي أضعف الأقوال.
القول الخامس: وقال آخرون: الآية عامة، وهي على عمومها، والوضوء
واجب عند القيام لكل صلاة، ولو كان طاهراً، وهو مروي عن داود الظاهري،
ولكنه من الضعف بمكان لمصادمته الأحاديث الصحيحة، ويعترض عليه بقول
بعضهم: إن الصيغة لا تقتضي التكرار، فلهذا قال بعضهم: إن هذه الآية بمنزلة
المجمل الذي لا يتم الاحتجاج به إلّا بعد بيان المراد منه
قال مُقَيِّده عفا الله عنه: وذلك نظراً إلى احتمال هذه الوجوه كلها، ولكن
يشكل عليه قوله وَهو: ((إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله))، فإن ظاهره
أن الوضوء واجب بهذه الآية التي أحال عليها وَّر، وأن ظاهرها مراد بدون
التوقف على البيان، وتقدير المحذوف في الآية.
قال أبو بكر بن الجصاص الحنفي بعد ذكره للأحاديث التي تدل على
عدم وجوب الوضوء لكل صلاةٍ: (فثبت بما قدمنا أن قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى
الضَّلَوَةِ﴾؛ غير موجب للوضوء لكل صلاةٍ، وغير مستعملٍ على حقيقته، وأن
فيه محذوفاً تعلق به إيجاب الطهارة، وأنه بمنزلة المجمل المفتقر إلى البيان، لا

كتاب الطهارة
٤
٤٢
كتاب الطهارة
يصح الاحتجاج به بعمومه؛ إلَّا فيما قام الدليل على مراده) اهـ.
وتقدم حكاية إجماعهم على أن الوجوب مستفاد منها، أما كون فرضه
أولاً بها فلا، لأنه تقدم أنه كان مفروضاً بالسنة أو أنها أفادت فرضه بالقرآن.
قال مقيده عفا الله عنه: الراجح عندي والله أعلم أنها من العام الذي
أريد به الخصوص، أو أنها دلت على الوجوب، وخصصت السنة من لم يكن
محدثاً للصلاة؛ والقول بأن الأمر فيها للندب، والسنة الثابتة قبلها، وبعدها
دليل على وجوب الوضوء على المحدث وجيه.
وقوله: ((إذا قمتم إلى الصلاة)) استدل به من قال بوجوب النية في الوضوء
وهم الجمهور: مالك، والشافعي، وأحمد، ومن أدلتهم عموم قوله: (إنما
الأعمال بالنيات)، قال البخاري: دخل فيه الإيمان، والوضوء إلى أن قال:
(ولكن جهاد ونية)، ولأن الوضوء عبادة مستقلة، وقد صحت الأحاديث كما
سيأتي بأنه يكفر الخطايا كحديث أبي هريرة: ((فإذا غسل يديه خرجت الخطايا))
إلخ.
ووجه الاستدلال من الآية أن قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ﴾، أي:
وقصدتم الصلاة فاغسلوا، دليل على أن الغسل المذكور لقصد الصلاة. وقد
تقدم أن المراد إذا أردتم القيام، والإرادة هي النية، فدلت الآية على أنه غسل
مراد به الصلاة، وإن كان موجبه الحدث، فإرادتها هي نيتها فوجب عند الغسل
لها. قال ابن العربي في تحقيق ذلك: (وخالف في ذلك أبو حنيفة - رحمه الله
تعالى - معتمداً على أنه وسيلة كغسل النجاسة، فلا يفتقر إلى النية). اهـ. وقد
تقدم أن الأحاديث دلت على أنه قربة مستقلة، وهي غير معقولة المعنى فتتعين
لها النية، لأن تخصيص هذه الأعضاء بالغسل، دون سائر البدن لا تتعقل علته،
فدل ذلك على أنه تعبدي.
وقد جمعت هذه الآية الكريمة أركان الوضوء المتفق عليها غسلاً
ومسحاً، وهي الوجه واليدان إلى المرفقين، والرأس، والرجلان كما بيّنت
أسباب الحدث المتفق عليها في الطهارة الصغرى، وسبب الطهارة الكبرى،
وبدل الطهارة بنوعيها عند تعذرها بفقد الماء، أو العجز عن استعماله، كما
ستراه إن شاء الله تعالى. وإليك بيان ذلك:

كتاب الطهارة
٤٣
كتاب الطهارة
أولاً: فقوله تعالى: ﴿فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ تقدم الكلام على الوجه وحدّه
وأنه مشتق من المواجهة، وهي المقابلة وأن الفاء هنا واقعة في جواب الشرط.
واختلف العلماء في كونها مفيدة للترتيب أو لا، فالصحيح في مذهب مالك،
وهو قول الشافعي أنّها تفيد الترتيب وذلك هو الأصل في العطف بها، وبنوا
عليه القول بوجوب الترتيب، بين أعضاء الوضوء؛ إذ الأصل أنها تدل على
التعقيب والاتصال، كما قال ابن مالك - رحمه الله تعالى - في ألفيته:
والفاء للترتيب باتصال وثم للترتيب بانفصال
قالوا: وهي هنا كذلك رتبت غسل الوجه على إرادة القيام إلى الصلاة،
فاقتضى ذلك أن يكون ما بعده مرتباً عليه، وعورض بأن محل دلالتها على
الترتيب في الجواب إذا كان الجواب شيئاً واحداً، وأما إذا كان مجموع أشياء
فالمطلوب حصول الكل كما هنا، فلا تذل حينئذٍ على الترتيب، وأجيب بأنه
وإن كان مجموع أشياء، فإن الترتيب مستفاد من الأول اتفاقاً، والمعطوف عليه
بتقدير إعادة الفاء فيحصل المراد بذلك. وهذا على قول الجمهور، وهو
الصحيح في أن الواو لا تفيد الترتيب، وأما على رأي بعض الكوفيين القائلين
إن الواو تفيد الترتيب، فلا إشكال لكنه مذهب مرجوح. وذهب الإمام أبو
حنيفة - وهو قول لبعض المالكية - إلى أن الترتيب غير واجب، وأجابوا عن
قول الجمهور في الفاء بما تقدم، والصحيح وجوبه لثبوت السنة الصحيحة به .
فالدليل على وجوبه أمران:
أحدهما: أن النبي ◌َّ﴿ كان يتوضأ دائماً، ويعلم الصحابة الوضوء، وقد
استفاض النقل عنه بكيفية الوضوء التي لا يشك، ولا يرتاب من وقف على ما
ورد فيها في ثبوتها، ولم ينقل عنه إلَّا الترتيب، ولو كان التنكيس جائزاً لفعله
ولو مرة ليبيّن الجواز كما كان يفعل في مثله. وحيث لم يثبت ذلك عنه ولا عن
أحد من أصحابه كان عدم الثبوت أقوى دليلاً على عدم جوازه لمخالفته لفعله،
لا سيما عند من يرى أن فعله للوضوء مبيّن للإجمال فيه.
ثانياً: إن مراعاة النظم القرآني تقتضي الترتيب، لأن السنة دلت على أن
الإنسان ينبغي أن يراعي ترتيبه. ففي الصحيحين أن النبي صل8* لما خرج إلى
الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللّهِ﴾ ثم قال: ((نبدأ بما بدأ الله به)) وفي

كتاب الطهارة
٤٤
كتاب الطهارة
رواية أنه قال: ((إِبدؤوا)) بصيغة الأمر، والحديث وإن كان في السعي لكنه في
الجملة يدل على مراعاة نظم القرآن، وأن ذلك الذي ينبغي للمسلم، والعبرة
بعموم اللفظ عند الأكثرين، وهذا بيِّن إن شاء الله تعالى.
فمجرد دعوى عدم إفادة الفاء للترتيب لا تصلح لمعارضة ما ذكر، والله
أعلم. وتقدم الكلام على الغسل، والمراد منه هنا إسالة الماء على المغسول.
واشترط مالك إمرار اليد على المغسول مع الماء، أو بعده، وهل هو واجب
مستقل، أو هو واجب ليتحقق وصول الماء إلى البدن المغسول؟ فيه وجهان.
ومما هو مجمل في الآية الكريمة، وبيّنته السنة عدد الغسلات، فبيّن النبي وَّل
أن الكمال في ذلك ثلاث تستوعب كل واحدة منها جميع الفرض من
المغسول، وأن الواحدة تجزئ، واثنتين تجزئان كذلك، وأن الإسراف منهي
عنه، سواء كان في صب الماء، أو في زيادة الغرفات، كما بيّنت السنة البدء
باليمين في اليدين، وفي الرجلين. وتقدم الكلام على تحديد الوجه، وأنه
العضو المعروف. قال بعض العلماء: فيه أربع طرق للعلم: الأذنان، والعينان؛
لأن بها يحصل العلم؛ والإدراك للقلب كما قال بشار بن برد:
والأذن تعشق قبل العين أحيانا
يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة
الأذن كالعين تُؤْفي القلب ما كانا
قالوا بمن لا تری تھذي فقلت لهم
قلت: والخامس من طرق العلم في الوجه: الأنف لأنه حاسة الشم
فيؤدي إلى القلب كالسمع. وقد اتفقوا على وجوب تعميم الوجه بحده السابق
بيانه بالماء، واختلفوا في سبعة أشياء مما يتعلق بالوجه: وهي داخل الفم،
وباطن الأنف، وباطن العينين، والبياض الذي بين الأذن، والعذار، وما أقبل
من الأذنين والمسترخي من شعر اللحية، وغسل البشرة تحت شعر اللحية،
والعارض. فأما داخل الفم، وباطن الأنف: فذهب الإمام أحمد في إحدى
الروايات عنه إلى أن غسلهما واجب. وهو قول عطاء، والزهري، وقتادة،
وحماد بن أبي سليمان، وابن أبي ليلى، وإسحاق، وابن المبارك، قالوا: من
ترك المضمضة، والاستنشاق أعاد الصلاة لأن الأمر بالمضمضة، والاستنشاق
ثابت عن الرسول ويقر، فإن لم يكونا داخلين في غسل الوجه المأمور به؛ فقد
ثبت النص بالأمر بهما، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

كتاب الطهارة
٤٥
كتاب الطهارة
والرواية الثانية عن أحمد: وجوبهما في الغسل من الجنابة، دون الوضوء
من الحدث الأصغر، وهو قول الثوري، وأبي حنيفة، وأهل الرأي. والرواية
الثالثة: وجوب الاستنشاق وحده، وهو قول ابن المنذر، وأبي ثور، قالوا:
يعيد الصلاة من ترك الاستنشاق، وروي نحوه عن مجاهد. والجمهور على أن
الأمر بهما للندب لأنهما ليسا داخلين في مسمى الوجه المأمور بغسله في.
الآية، وما عدا المأمور به في الآية مما وردت به السنة يحمل على الندب،
بدليل حديث الأعرابي المسيء صلاته حيث قال له: (توضأ كما أمرك الله)
فأحاله على الآية الكريمة، فلو لم تكن مستوعبة للواجب في الوضوء لما
صحت إحالته عليها، ولأنه عدّهما من خصال الفطرة، وهي السنة.
وأما باطن العينين: فالعلماء سلفاً، وخلفاً على عدم وجوب غسلهما؛ إلَّا
ما روي عن ابن عمر وابن عباس ﴿م أنهما كانا يدخلان الماء في مؤقيهما.
وقد قيل إن ذلك يسبّب العمى اهـ.
قال ابن العربي: (إنه لولا الاتفاق على عدم الوجوب ومشقة ذلك لكان
الواجب غسلهما) اهـ. ولم يصرح فيما أعلم أحد بوجوب ذلك لا عنهما ولا
عن غيرهما، فالظاهر أنه شيء كانا يريانه كما كان أبو هريرة يتوضأ إلى الإبط.
وقد ذكر الألوسي عن أنسٍ، وأم سلمة، وعمَّار، ومجاهد، وابن جبير: أنهم
أوجبوا غسلهما، وأنهما من الوجه، والله أعلم بصحة ذلك؛ لأنه لم يذكر له
سنداً، ولا من أين أخذه.
وأما ما أقبل من الأذنين: فقد تقدم عن الزهري القول بأنه من الوجه،
والجمهور على خلاف ذلك، وأنهما يمسحان؛ إما مع الرأس، وإما مسحاً
مستقلاً، وظاهرهما وباطنهما في ذلك سواء.
وأما البياض الذي بين الأذن، والعذار: فقد اختلفوا فيه: فروى ابن
وهب عن مالك أنه ليس من الوجه، وقال ابن عبد البر: لا أعلم أحداً من
فقهاء الأمصار قال بما رواه ابن وهب عن مالك، وقال أبو حنيفة وأصحابه:
هو من الوجه، وغسله واجب، ونحوه قول الشافعي، وأحمد. قلت: وهو
الراجح إن شاء الله، واختار ابن العربي، والقاضي عبد الوهاب من المالكية أنه
يستحب غسله ولا يجب، والمشهور عند المالكية الوجوب كالجمهور.

كتاب الطهارة
٤٦
كتاب الطهارة
وأما تخليل اللحية: فذهب مالك والشافعي وأحمد وأبو حنيفة إلى أنها
تخلل في الوضوء إذا كانت خفيفة تظهر البشرة تحتها، وأما إذا كانت كثيفة
فإنها تخلل في الغسل، ولا يجب تخليلها في الوضوء، وهذا قول مالك في
وجوب تخليل الكثيفة في الغسل. وذكر القرطبي أن مالكاً سئل عن تخليل
اللحية في الوضوء؟ فقال: إنه ليس من أمر الناس، وهذا محمول على الكثيفة.
وعن ابن عبد الحكم: إن التخليل واجب، وقال ابن خُوَيْزِ منداد: إن الفقهاء
اتفقوا على أن التخليل غير واجب في الوضوء - يعني في اللحية الكثيفة. قال
ابن عبد البر: الأحاديث الواردة في تخليل النبي والقر لحيته كلها ضعيفة اهـ.
وقد عرفت أن هذا محمول على الكثيفة في الوضوء وأما الخفيفة في
الوضوء والكثيفة في الغسل، فلا تدخل في ذلك لأنهم يرون تخليل الخفيفة
لظهور البشرة منها، بخلاف الكثيفة، فإنها لما كست الوجه نابت مناب ظاهر
الوجه، فوجب غسل شعرها دون تخليل ما تحتها، لأنها سترته؛ فكأن الفَرْضَ
انتقل إليها. وقد تقدم أن مالكاً قال بتخليلها في الغسل، كما يأتي إن شاء الله.
وأما المسترخي من شعر اللحية: فذهب الإمام أبو حنيفة في المشهور عنه
إلى أن الواجب غسل ربعه كما هو مذهبه في الرأس، والقول الثاني: إنه يغسل
ما حاذى محل الفرض منها، والثالث: لأبي يوسف غسل الجميع، وهو قول
محمد، وهو الصحيح عندهم، وذكر صاحب البدائع عن ابن شجاع أنهم
رجعوا عما سوى هذا القول. وهو الظاهر من قول أحمد، والذي عليه
أصحابه، والشافعي، ومالك. قال ابن عبد البر: (من جعل اللحية كلها واجباً
جعلها وجهاً؛ لأن الوجه مأخوذ من المواجهة، والله قد أمر بغسل الوجه أمراً
مطلقاً، لم يخص صاحب لحيةٍ من أمرد، فوجب غسلها بظاهر القرآن لأنها
بدل من البشرة) اهـ.
قال مؤلفه عفا الله عنه: وهذا هو الصحيح لأنها لما سترت البشرة صارت
هي ظاهر الوجه، فدخلت في المأمور بغسله، وفي رواية عن الشافعي مثل إحدى
الروايتين عن أبي حنيفة، وهي أن يغسل منها ما حاذى البشرة، وسترها دون
غيره. قال ابن عبد البر: من لم يوجب غسل ما انسدل من اللحية، ذهب إلى أن
الأصل المأمور بغسله البشرة، فوجب غسل ما ظهر فوق البشرة، وما انسدل من

كتاب الطهارة
٤٧
كتاب الطهارة
اللحية ليس تحته ما يجب غسله، فيكون غسل اللحية بدلاً منه والله أعلم.
تنبيه :
لو حلق شعره، أو شيئاً منه بعد الوضوء، أو الغسل لا يضر ذلك طهارته
كما لو قص أظافيره، وروي عن ابن جرير الطبري: أنه يعيد الوضوء وسائر
الفقهاء على خلافه في ذلك اهـ.
تنبيه آخر:
ومما ينخرط في معنى الآية الكريمة أن قوله: ﴿فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ دل
على مغسول به، وهو الماء الباقي على خلقته لأنَّهُ الأصل في التطهير، قال
تعالى: ﴿وَيُزِلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ لِيُطَهِّرَكُم بِهِ﴾ وقال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ
السَّمَاءِ مَآءَ طَهُورًا﴾ فهو أصل الطهور، ويدخل ماء البحر لقوله وَّه: ((هو الطهور
ماؤه الحل ميتته)) ولقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءٍ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ فشرط في
إباحة التيمم عدم وجود الماء، دون غيره من سائر المائعات، فهو دليل على أنها
غير صالحة للغسل المأمور بغسله للصلاة بها، خلافاً لمن أجاز الوضوء بالنبيذ
كالإمام أبي حنيفة في نبيذ التمر، واحتج بحديث ابن مسعود، وهو من
الأحاديث التي عرف عند أهل الحديث أنها غير ثابتة قال ابن قدامة: (راويه أبو
زيد مجهول عند أهل الحديث لا يعرف له غير هذا الحديث ولا يعرف بصحبة
عبد الله، قاله الترمذي وابن المنذر. وقد سئل ابن مسعود هل كنت مع
رسول الله * ليلة الجن فقال: «ما كان معه منا أحد»، رواه أبو داود. وروى
مسلم بإسناده عن ابن مسعود: لم أكن مع رسول الله وَ لفي ليلة الجن، ووددت أني
كنت معه) اهـ. وقد روى عن علي القول بذلك، ولا يثبت عنه، وروي أيضاً عن
الحسن، وعكرمة، والأوزاعي، ومثله عن إسحاق، ولا يثبت شيء من ذلك.
والعجب من أبي بكر أحمد بن علي الرازي الحنفي الجصاص في أحكامه تَظُّ
فإنه قال: (إن الآية دلت على جواز الوضوء بالنبيذ لعدم تعيين المغسول به)
فسبحان من حبب إلى كل إنسان ما يميل إليه من الأقوال، وإلا فبأي وجه يقول
هذا، وهو مردود بأنه إذا احتملت الآية جواز الوضوء بالنبيذ لا يكون ذلك إلَّا
بعد تسليم احتمالها للوضوء بكل مائع طاهر كاللبن، والخل، والعسل المحلول،
وعصير الليمون، والبرتقال، والتفاح، وغير ذلك من كل مائع طاهر؛ إذ لا فرق

كتاب الطهارة
٤٨
كتاب الطهارة
في احتمال الغسل بذلك مع احتمال الغسل بالنبيذ، ومثله في العجب، أو أكثر
قوله: (إن الآية دلت على عدم وجوب الترتيب) خلافاً لقول الجمهور فيها - على
ما تقدم بيانه - من أن الترتيب هو المروي عنه ◌َّار، فهو بيان مجمل الواجب
فعله في الآية فيجب اتباعه، فسبحان من لم يجعل العصمة إلّا للرسل.
تنبيه :
ويؤخذ من وجوب غسل الوجه، واستيعابه بالماء، وكذلك من الأحاديث
الدالة على طلب إسباغ الوضوء وفضله، أنه لا بد أن يتناول في الغسل شيئاً
زائداً على المغسول مما جرت العادة بأنه لا يتم تحقق الاستيعاب إلَّا به، وأمّا
تعمد الزيادة على الفرض فهي غير مشروعة عند الجمهور لما قدمنا من أن
الوضوء متلقى من النبي ونَ﴾، ولم ينقل عنه أنه زاد على المفروض عليه،
وذهب الشافعية إلى أنه يستحب تمسكاً بما أوّلوا به إطالة الغرة من حديث:
((من استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل))، وبحديث أبي هريرة لما توضأ إلى
الإبط. وسيأتي أنه لم يسند ذلك إلى النبي ◌ّل # بل أخبر أنه تأول حديث («تبلغ
الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء»، وتأويل الصحابي إذا خالفه غيره لا
يكون حجة، لا سيما والمروي عنه ◌َلل خلافه. وأما إطالة الغرة: فإن الجمهور
على أن المراد بها إكثار الوضوء، لأنه محل الفضل كما سيأتي بيان ذلك في
موضعه إن شاء الله وبه الثقة، وعليه التكلان، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
قوله: (﴿وَأَيَدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾): أي: واغسلوا أيديكم إلى المرافق. تقدم
الكلام على مدلول اليد، والمرفق في اللغة، والمراد هنا وجوب غسل هذا العضو
من الإنسان إلى الغاية المذكورة، وقد اختلف العلماء في دخول الغاية فمنهم من
قال: هي غير داخلة كما تقول: قرأت من أول القرآن إلى سورة كذا وكذا،
فالسورة غير داخلة في المقروء، وقيل: داخلة كما تقول: قرأت الصحيفة إلى
آخرها، وذكر القصة إلى آخرها، وقال قوم: إن الغاية إن كانت من جنس المغيا
دخلت، وإلّا لم تدخل، وهي هنا من جنس المغيا، والذي يظهر لي - والله أعلم -
أن الاستقراء دل على دخولها أحياناً، وعدم دخولها في بعض الأحيان، والكل
صحيح؛ فإذن الأمر محتمل للدخول وعدمه، فيرجع إلى القرائن والأدلة الخارجة
عن مجرد اللفظ، وهي دالة على دخولها هنا لصحة ذلك من فعل النبي ◌َّارِ، فهي

كتاب الطهارة
٤٩
كتاب الطهارة
إما داخلة على قول من يقول إنها دخلت بالغاية، أو هي داخلة بمقتضى فعله في
الوضوء، فقد ثبت عنه أنه أدار الماء على مرفقيه، فهو - كما تقدم - بيان مجمل ما
أوجب الله من ذلك فوجب اتباعه، ولا سيما أن القول بدخولها أحوط في الدين
لحصول القطع باستيعاب الفرض بغسلها، ولذا قال الألوسي: (قال الشافعي: لا
أعلم خلافاً في أن المرافق يجب غسلها، ولذا قيل: إلى بمعنى مع كما في قوله
تعالى: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةٌ إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ أي مع قوتكم وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُواْ أَقْوَهُمْ
إِلَى أَمْوَلِكُمْ﴾). اهـ. وقال ابن قدامة: (وأكثر العلماء على أنه يجب إدخال
المرفقين في الغسل، منهم: عطاء، ومالك، والشافعي، وإسحاق وأصحاب
الرأي. وقال بعض أصحاب مالك، وابن داود: لا يجب، وحكي ذلك عن زفر؛
لأن أمره بالغسل إليهما وجعلهما غايته بحرف إلى، وهو لانتهاء الغاية فلا يدخل
المذكور بعده كقوله تعالى: ﴿أَتِّقُواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِّ﴾ قال: ولنا ما روى جابر بن
عبد الله: ((كان النبي ◌َّ إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه))، وهذا بيان الغسل
المأمور به في الآية) اهـ .. ثم ذكر نحواً مما تقدم من أن ((إلى)) تكون بمعنى
(مع)). قال كاتب الأحرف عفا الله عنه: وهذا بيّن لمن أنصف والله أعلم،
والاستدلال بقوله: ﴿إِلَى الَّيِّلِّ﴾ لا يتم في مثل هذا؛ لاختلاف الحالتين، فإن
الغاية هنالك ليست من المغيا، بل هي مخالفة له، وقد بيّن قبلها أن الأكل
والشرب والجماع مباح لهم في الليل بقوله: ﴿فَلْتَنَ بَشِرُوهُنَّ﴾ الآية.
وقوله: ﴿وَأَمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ﴾ تقدم الكلام على معنى المسح، ومعنى الباء
في شرح مفردات الآية، فالباء هنا قيل: إنها زائدة كما تقدم، لأن الفعل يتعدى
بنفسه. وتقدم أن بعضهم قال: إن زيادتها لإفادة معنى هو الدلالة على ممسوح
به وهو الماء أي: امسحوا الماء برؤوسكم؛ لأنها لو لم تذكر لصح أن يقال:
إن إمرار اليد على الرأس هو المطلوب، ولو بدون ماء لصدق اسم مسح الرأس
عليه، وقيل: الباء للإلصاق، وهو المعنى المتفق عليه للباء، وقيل: للتبعيض
ودلالتها عليه مختلف فيها، ولذلك اختلفوا في مسح الرأس، فمن قال إنها
للتبعيض قال يكفي مسح بعض الرأس، وقد تقدم أنَّ ابن مالك نقل ذلك فيها،
وذكر الألوسي أن نقله عن أبي علي في ((التذكرة)) ويستشهد له بقول الهذلي:
شربن بماء البحر ثم ترفعت متى لجج خضرٍ لهن نَئِيجُ

كتاب الطهارة
٥٠
كتاب الطهارة
أي شربن من ماء البحر وأنكر ذلك، وجوّز بعضهم أن يكون معنى
مستعاراً فيها بماء، وقد أنكر ابن قدامة هذا المعنى في الباء فقال: (قولهم: إن
الباء للتبعيض غير صحيح ولا تعرف العرب ذلك، قال ابن برهان: من زعم أن
الباء تفيد التبعيض فقد جاء أهل اللغة بما لا يعرفونه) اهـ. قلت: وهو محجوج
بما تقدم عن ابن مالك، وهو إمام في الفن، وقيل: إن العرف نقلها للتبعيض.
والذين قالوا إنها للتبعيض، وهم الشافعي، ومن وافقه، وأبو حنيفة، ومن وافقه
اختلفوا في القدر الذي يجوز الاقتصار عليه من الرأس. فقال الشافعي:
الواجب أقل ما يصدق عليه اسم المسح، وأما أبو حنيفة فهو وإن كان يرى
التبعيض؛ لكنه يرى أن الكمية التي يجب أن تمسح مجملة، وقد ثبت أن
النبي ◌َّله مسح على الناصية وعلى العمامة كما في حديث المغيرة عند مسلم،
وغيره، وحديث أنس الذي رواه أبو داود، وسكت عليه: (رأيت النبي وَلل
يتوضأ، وعليه عمامة قطرية فأدخل يده تحت العمامة فمسح مقدم رأسه)،
وبمرسل عطاء: (أنه * توضأ، فحسر العمامة ومسح مقدم رأسه، أو قال:
ناصيته) والناصية ربع الرأس، والمرسل عنده حجة ومقدم الرأس عنده بمثابة
الربع. ولا يخفى أن هذه النصوص ليس فيها تحديد الربع، ولا الثلث، ولا غير
ذلك بالنص حتى يكون حداً فاصلاً في مقدار الممسوح، وغاية ما فيها أنها دلت
على أن المسح وقع على بعض الرأس، وهو محتمل لأن يكون اقتصر عليه،
وأن يكون أتم على العمامة، وجعلها بمثابة الجبيرة، وأن يكون اقتصر على
بعض الرأس، دون العمامة، وأصح الثلاثة حديث المغيرة فالاحتجاج بما ذكر
فيه أبين، وفي بعض رواياته: ومسح بناصيته، وفيها مثل ما في الآية من
الاحتمال للتبعيض، وغيره، وعلى هذين المذهبين مذهب الشافعي، وأبي حنيفة
ليس عندهم في الآية إجمال في المسح، وإن كان قول أبي حنيفة قد يقال فيه إن
الذي تمسك به كالبيان، وهذا هو المشهور في مذهبهم، وفيه قول بأنه يجزئ
ثلاثة أصابع، ولهذا قال بعضهم: إن الإنسان قد يتوضأ، ولا يحتاج عندهم إلى
مسح رأسه لأن هذا المقدار غالباً يحصل غسله مع الوجه، وهم لا يشترطون
النية ولا الترتيب، فلا يحتاج إلى مسح الرأس، وأغرب منه أنه لو بلّت
السحاب ذلك المقدار أثناء الوضوء أجزأه عندهم لما تقدم، ولا يخفى ما فيه.
وذهب مالك وأحمد في الرواية الصحيحة عنده إلى أن الواجب مسح

كتاب الطهارة
٥
كتاب الطهارة
الرأس كله؛ لأن الباء عندهم إما زائدة، وإما للإلصاق، واحتمالها للمعاني
المتقدمة يجعلها مجملة، ولهذا مثّل بها الأصوليون للإجمال في الحروف،
فيحتاج إلى البيان من السنة، والذي في السنة مسح الرأس كله؛ إلّا أن أحمد
جوّز المسح على العمامة المحنكة، وهي التي تدار تحت الحنك، دون
المقطوعة، ووجه ذلك عنده أنها هيئة عمائم العرب، وفي نزعها مشقة، والتي لها
عذبة اختلف قوله فيها: فمرة أجاز المسح عليها؛ لأنها تخالف عمائم أهل
الذمة، ومرة منع ذلك، وعنده قول بأن من مسح الأكثر أجزأه؛ لأنه بمثابة الكل،
وروي عنه قدر الناصية يجزئ. قال ابن قدامة: (الظاهر عن أحمد نَّهُ في حق
الرجل وجوب مسح الكل، وأما المرأة فيجزئها مسح مقدم رأسها كما روي عن
عائشة أنها كانت تمسح مقدم رأسها). قلت: ولا أعلم خلافاً بين العلماء في أن
مسح الكل في الوضوء أتم، وأكملُ، وإنما الخلاف في أقل ما يجزئ، وقد اتفق
مالك، والشافعي، وأكثر السلف على عدم جواز المسح على العمامة بدون مسح
شيء من الرأس، وقد تقدم قول أحمد بالجواز إذا كانت محنكة، وممن قال
بجواز الاقتصار على بعض الرأس: الحسن، والثوري والأوزاعي، ونقل عن
سلمة بن الأكوع مسح مقدم الرأس، وعن ابن عمر مسح اليافوخ، ذكر ذلك ابن
قدامة بدون سند .
وإذا تأملت ما تقدم علمت أن الأَولى مسح الرأس كله؛ لأنها الحالة
المتفق عليها، والثابتة من فِعلِه وَّر في أكثر الأوقات، وهي أحوط في العبادة؛
لأن الاتفاق حاصل على إجزائها وفضلها، بخلاف غيرها والله أعلم.
تنبيه :
الجمهور على أن مسح الرأس مرة واحدة، وأكثر الأحاديث في صفة
الوضوء مصرحة بذلك تدل عليه، وقال الشافعي، وأصحابه بتكرار المسح،
وعمدتهم في ذلك أنه وَّ ر توضأ ثلاثاً، ثلاثاً، فقالوا: إن هذا يشمل الغسل
والمسح، وهذا محتمل لولا التصريح في بعض الروايات، بل في أكثرها بمرة
واحدة، ولعل ذلك يأتي في شرح الأحاديث إن شاء الله، مع أن ((ثلاثاً، ثلاثاً))
صادق بفعل ذلك في البعض، فلا يكون نصاً على محل النزاع؛ لا سيما أن المسح
مبني على التخفيف، وقد اتفقوا على عدم التكرار في المسح للتيمم - والله أعلم -.

كتاب الطهارة
٥٢
كتاب الطهارة
قوله - جل ذكره -: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ فيها ثلاث قراءات: قرأ
نافع وابن عامر، والكسائي، وحفص عن عاصم - هؤلاء من السبعة -،
ويعقوب - من الثلاثة - بالنصب عطفاً على وجوهكم، أو على أيديكم على
الخلاف المعروف في علم العربية أن العطف إذا كان بعد أكثر من واحدٍ هل
يكون عطفاً على الأول، أو على الأخير، وكل ذلك يقتضي غسل الرجلين،
غير أن فيه الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بجملة غير اعتراضية، وهو
عند القائلين به هنا للمحافظة على ترتيب الأعضاء، فهو حجة للقائلين بالترتيب
على وجوب الترتيب، أو هو معطوف على محل المجرور بالباء في قوله:
(برؤوسكم)) فإنه في محل نصب بامسحوا، ولا سيما عند من يرى أن الباء
زائدة، إذ التقدير عنده ((امسحوا رؤوسكم)) غير أنه يحتاج إلى أن يقول إن
المسح، والغسل يعطف أحدهما على الآخر لصحة إطلاق المسح على الغسل
كما سيأتي، أو أن الكلام فيه محذوف دل عليه السياق، وهو فعل يناسب
المقام أي: اغسلوا أرجلكم، كما تقدمت الإشارة إلى مثله في قول لبيد رقڅئه :
بالجلهتين ظباؤها ونعامها
فعلا فروع الأيهقان وأطفلت
والنعام لا يطفل، فخرج الكلام على: ((وباض نعامها))، وقد استبعد
بعضهم العطف على محل الجار، والمجرور، فقال: إنه بعيد لفظاً، ومعنىّ،
ولعله أراد بذلك عدم تذرّع الشيعة إلى مذهبهم في المسح بهذا الوجه، وإلَّا
فالعطف على محل المجرور ثابت كما قال ابن مالك كثّتُهُ :
وجر ما يتبع ما جر ومن راعى في الاتباع المحل فحسن
القراءة الثانية: قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، وأبو بكر عن عاصم
بالجر وهاتان القراءتان متواترتان، وقرأ الحسن بالرفع على أنه مبتدأ خبره
محذوف أي: ((وأرجلكم كذلك فاغسلوا)) وهذه القراءة، وهي الثالثة شاذة.
ومن أجل هذا الاختلاف في القراءة اختلف الناس في الرجلين، فروي عن ابن
عباس، وأنس بن مالك، وعكرمة، والشعبي، وأبي جعفر محمد بن علي الباقر
- رحمة الله على الجميع - أن حكمهما المسح، وهو مذهب الإمامية من
الشيعة، وقال الجمهور من الفقهاء، والمفسرين، والمحدثين: إن فرضهما
الغسل، قال ابن العربي ككلّثُ: (اتفق العلماء على وجوب غسلهما، وما علمت

كتاب الطهارة
٥٣
كتاب الطهارة
من ردّ ذلك سوى الطبري من المسلمين، والرافضة من غيرهم) اهـ.
قلت: تقدمت نسبة ذلك لمن نسب إليهم، وسيأتي الطعن في نسبته إليهم
في كلام الألوسي - رحمه الله تعالى -.
وقال داود: يجب الجمع بينهما.
قلت: هذا يشبه قول الطبري؛ لأنه عبارة عن غسل الرجل بالماء،
واشتراط المسح باليد مع الماء عليها. وسيأتي أن هذا هو مذهب الطبري، ولا
معنى للجمع بينهما إلَّا ذلك.
قال كاتب الحروف عفا الله عنه: ومن العجب نسبة العلماء المسح للإمام
محمد بن جرير الطبري - رحمه الله تعالى - مع أن الذي يدل عليه كلامه في تفسيره
المشهور عند الكلام على هذه الآية إنما هو الجمع بين الغسل، والمسح باليد فإنه
قال - رحمه الله تعالى - بعد أن نقل عن ابن عباس: (قوله: الوضوء غسلتان
ومسحتان. وعن الشعبي أنه قال: ألا ترى أن التيمم يمسح ما كان مغسولاً ويترك
ما كان ممسوحاً، وعن قتادة قوله: افترض الله غسلتين، ومسحتين. فقال:
والصواب من القول عندنا في ذلك أن الله أمر بعموم مسح الرجلين بالماء في
الوضوء كما أمر بعموم مسح الوجه (١) في التيمم، فإذا فعل ذلك بهما المتوضئ
كان مستحقاً اسم ماسح غاسل، لأن غسلهما إمرار الماء عليهما، أو إصابتهما
بالماء، ومسحهما إمرار اليد، أو ما قام مقام اليد عليهما، فإذا فعل ذلك بهما فهو
غاسل ماسح، وذلك من احتمال المسح المعنيين اللذين وصفت من العموم،
والخصوص اللذين أحدهما مسح بعض، والآخر مسح بالجميع.
اختلفت قراءة القراء في قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ فنصبها بعضهم توجيهاً منه ذلك
إلى أن الفرض فيهما الغسل، وإنكاراً منه المسح عليهما، مع تظاهر الأخبار عن
رسول الله (صل﴿ بعموم مسحهما) يعني غسلهما بالماء، لأنه الوارد في الأحاديث،
وسيأتي توضيح ذلك في كلامه - رحمه الله تعالى - لأنه يعبر عن تعميم العضو
بالماء بالمسح، والغسل لما يراه من إطلاق المسح على الغسل، ثم قال
- رحمه الله تعالى - وإيانا: (وخفضها بعضهم توجيهاً منه ذلك إلى أن فرضهما
(١) بالتراب.

كتاب الطهارة
٥٤
كتاب الطهارة
المسح، ولما قلناه في تأويل ذلك أنه معنيّ به عموم مسح الرجلين بالماء؛ كره
من كره للمتوضئ إدخال رجليه في الماء، دون مسحهما باليد، أو بما قام مقام
اليد)، ثم نسب إنكار ذلك أي: إدخالهما في الماء مع عدم مسحهما باليد إلى
ابن عمر، وأسند عن ابن طاوس أنه سئل عن ذلك فقال: ما أعد ذلك طائلاً،
يعني أنه لا يراه يجزئه حتى يمسحهما بيده، مع إدخالهما في الماء ثم قال:
(وأجاز ذلك من أجازه يعني إدخالهما في الماء، بدون إمرار اليد توجيهاً منه إلى
أنه معنيّ به الغسل)، ونسبه إلى الحسن البصري، ثم قال - رحمه الله وإيانا -:
(فإذا كان في المسح المعنيان اللذان وصفنا من عموم الرجلين بالماء، وخصوص
بعضهما، وكان صحيحاً بالأدلة الدالة التي سنذكرها بعد، أن المراد في الآية من
مسحهما العموم، وكان لعمومهما بذلك معنى الغسل والمسح، تبيّن صواب
القراءتين أعني النصب، والخفض في الأرجل؛ لأن في عموم الرجلين بمسحهما
بالماء غسلهما، وفي إمرار اليد، أو ما قام مقام اليد عليهما مسحهما، فوجه
قراءة من قرأ ذلك نصباً لما في ذلك من معنى عمومهما بإمرار الماء عليهما،
ووجه صواب من قرأ ذلك خفضاً لما وصف من جمع المسح المعنيين اللذين
وصفت، ولأنه بعد قوله ﴿وَأَمْسَحُوا بِرُهُوسِكُمْ﴾) ثم ذكر - رحمه الله تعالى -: أن
الدليل على وجوب التعميم بالماء قوله وَّيقول: ((ويل للأعقاب من النار)).
قال: (فلو كان المسح لبعض القدم مجزئاً عن عمومها بذلك لما كان لها
الويل بترك ما ترك مسحه بالماء) اهـ. فانظر - رحمك الله - ما أبعد هذا مما
ينسب إلى هذا العالم الجليل؛ فإنه لا يجزئ عنده الماء إلا بالمسح باليد مع
الماء، وهذا معنى الدلك عند المالكية.
قلت: ويشبه أن يكون ما نسب إلى داود، والناصر للحق: من الجمع بين
الأمرين هو معنى قوله تَظْلُ من الجمع بين الغسل بالماء، مع إمرار اليد،
وهكذا ما روى هو، وغيره عن موسى بن أنس أنَّ أباه كان إذا مسح الرجلين
بلّهما بالماء، والله تعالى أعلم.
ثم ذكر - رحمه الله تعالى - حديث أوس بن أبي أوس قال: ((رأيت
رسول الله ﴿ توضأ، ومسح على نعليه، ثم قام فصلى))، والرواية الثانية عن
أوس: ((رأيت رسول الله ﴿ أتى سباطة قوم فتوضأ، ومسح على قدميه)) ثم

كتاب الطهارة
٥٥
كتاب الطهارة
أجاب عنه بأنه محمول على أن الوضوء كان من غير حدث، كما روى مثله عن
علي، وقال: هذا وضوء من لم يحدث؛ هكذا رأيت رسول الله وَ لا يفعل، ثم
ذكر حديث حذيفة: ((أتى النبي ◌ّ﴿ سباطة قوم فبال عليها قائماً، ثم دعا بماء،
فتوضأ، ومسح على نعليه)). وتعقبه بأن الثقات الحفاظ من أصحاب الأعمش
حدثوا به عن الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة: ((أن النبيّ وَّ ر أتى سباطة قوم
فبال قائماً، ثم توضأ ومسح على خفيه))، ثم ذكر عدة طرق لهذا الحديث على
هذا الوجه الصوابِ من أن المسح على الخفين، لا على النعلين، ثم قال: ولم
ينقل هذا الحديث عن الأعمش غير جرير بن أبي حازم، ولو لم يخالف في
ذلك مخالف لوجب التثبيت فيه لشذوذه، فكيف والثقات من أصحاب الأعمش
يخالفونه، ثم ذكر أنه لو صح لاحتمل المسح على النعلين فوق الجوربين.
قال كاتب الحروف عفا الله عنه: يحتمل أنه عبّر عن الخفين بالنعلين
تجوزاً لتتفق الروايتان عن حذيفة، أعني رواية جرير بن أبي حازم عن حذيفة
ورواية غيره عن حذيفة، فإذا تأملت - رحمنا الله وإياك - كلام هذا الإمام تبيّن
لك بُعده عن ما ينسب إليه، وأنه لا يقول بالمسح على المعنى الذي يفهمه عنه
الناس، وينسبونه إليه، بل هو لا يرضى بالماء وحده؛ إلَّا بإمرار اليد معه،
فيجمع بذلك المسح، والغسل.
قال القرطبي كثّثهُ: (قال ابن عطية: ((وذهب قوم ممن يقرأ بالكسر إلى
أن المسح في الرجلين هو الغسل))، وهو الصحيح، فإن لفظ المسح مشترك
يطلق بمعنى المسح، ويطلق بمعنى الغسل).
ثم أسند عن أبي زيد الأنصاري قال: (المسح في كلام العرب يَكون
مسحاً، ويكون غسلاً، ومنه يقال للرجل إذا توضأ، فغسل أعضاءه قد تمسح.
ويقال: ((مسح الله ما بك)) أي: غسلك، وطهّرك من الذنوب)، قال: (فإذا ثبت
بالنقل عن العرب أن المسح يكون بمعنى الغسل ترجح قول من قال: إن المراد
بقراءة الخفض قراءة النصب التي لا احتمال فيها) اهـ. أي: أن المعنى في
قراءة الخفض المحتملة مبيّن بقراءة النصب لتتفق القراءتان، فقد تبيّن بهذا عدم
صواب القول بالمسح على الرجلين في الوضوء المسح المتعارف بدون غسل،
وضعف عزوه لمن عزي له، ولهذا بيّن الألوسي ◌َّهُ زيف نسبته لمن نسب

كتاب الطهارة
٥٦
كتاب الطهارة
إليهم فقال - رحمه الله وإيانا برحمته الواسعة - في كتابه ((روح المعاني)) بعد نقله
كلام «الفخر الرازي» في بحث طويل يحتوي على تدقيق، وتحقيق جلیل قال:
(وما تزعمه الإمامية من نسبة المسح إلى ابن عباس، وأنس بن مالك
- رضي الله عن الجميع -، وغيرهما كذب مفترى عنهم، فإن أحداً منهم ما روي
ذلك عنه بطريق صحيح أنه جوّز المسح؛ إلَّا ابن عباس ﴿ فإنه قال على طريق
التعجب: لا نجد في كتاب الله إلَّا المسح، ولكنهم أبوا إلَّا الغسل، ومراده أن
ظاهر الكتاب يوجب المسح على قراءة الجر التي كانت قراءته، ولكن
الرسول وَ﴾، وأصحابه لم يفعلوا إلا الغسل) ففي كلامه إشارة إلى أن قراءة الجر
مؤولة متروكة الظاهر بعمل الرسول عليه، وأصحابه م﴿ه، ونسبة جواز المسح إلى
أبي العالية، وعكرمة، والشعبي ((زور وبهتان)). قال: (وكذلك نسبة الجمع إلى
الحسن، أو التخيير بينهما، ومثله نسبة التخيير إلى ابن جرير صاحب التاريخ
الكبير والتفسير الشهير، وقد نشر رواة الشيعة هذه الأكاذيب المختلقة، ورواها
بعض أهل السنة ممن لا يُميز الصحيح من السقيم من الأخبار بلا تحقيق، ولا
سند واتسع الخرق على الراقع، ولعل محمد بن جرير القائل بالتخيير هو
محمد بن جرير بن رستم الشيعي صاحب الإيضاح لمسترشد في الإمامة لا أبو
جعفر محمد بن جرير بن غالب الشافعي الذي هو من أعلام أهل السنة،
والمذكور في تفسيره هو الغسل فقط لا المسح، ولا التخيير ولا الجمع).
قلت: قوله: ((ولا الجمع)) ولا معنى للجمع هنا إلّا ما قال به ابن جرير
مِنْ أَنَّ الغسل مع إمرار اليد هو المطلوب كما تقدم قريباً قال: (ولا التخيير الذي
نسبه الشيعة إليه، ولا حجة لهم في دعوى المسح، سوى هذا الذي روي عن
علي وهو: ((أنه مسح وجهه، ويديه، ومسح رأسه، ورجليه، وشرب فضل
طهوره قائماً)) ثم قال: ((إن الناس يزعمون أن الشرب قائماً لا يجوز، وإني رأيت
رسول الله ﴿ صنع ما صنعت، وهذا وضوء من لم يحدث) قال: (لأن الكلام
في وضوء المحدث لا في مجرد التنظيف بمسح الأطراف) ثم ذكر أشياء مما
يحتج به الشيعة. وقال: (من وقف على حال رواتهم لم يعول على خبر من
أخبارهم) ثم قال: (ولو فرض أن حكم الله تعالى المسح كما يزعمون فالغسل
يكفي عنه أي: وهو لا يكفي عن الغسل) اهـ. فتبين بهذا أن الحق في المسألة

كتاب الطهارة
٥٧
كتاب الطهارة
أنه ليس في الرجلين إلَّ الغسل كما هو المبين في السنة، وأن المفسرين يردون
قراءة الخفض على قراءة النصب بالحمل على أحد الوجوه السابقة، إلّا أن يكون
على الرجلين خفان كما سيأتي في الأحاديث إن شاء الله، وقد حمل بعض
المفسرين قراءة الخفض على الجر بالجوار، وقد تقدم ذلك، كما حمله بعضهم
على ما إذا كان على القدم خف أو جورب، والله أعلم.
و((إلى)) هنا للغاية، وفي دخول ما بعدها في المفروض أو عدم دخوله
خلاف تقدم في المرفقين، و((الكعبان)): تثنية كعب، وهما العظمان الناتئان من
الجانبين عند مفصل الساق، والقدم المتصلان بالساق خلافاً لمن زعم أنهما
المنبطحان على ظهر القدم عند مقعد الشراك، ويدل على أنهما اللذان في طرف
الساق أن التسمية تدل على الارتفاع، وقد قال ** في الثوب: ((ما زاد على
الكعبين ففي النار)) وعلى القول بأن الغاية تدخل في المغيا، أو أنها تدخل إذا
كانت من جنسه فهما داخلان، وعلى القول الآخر فالصحيح دخولهما بالسنة
كما في المرافق، سواءً بسواء. ويأتي الكلام على مسح الخفين، وأن من
شرطه أن يكونا ساترين لمحل الفرض في الغسل. وإلى هنا تم الكلام على
أحكام الوضوء، وهو الطهارة الصغرى، ولم تذكر الآية ما يتعلق بالتسمية،
والسواك وسيأتي حكمهما إن شاء الله تعالى.
ثم شرع في ذكر الطهارة الكبرى، وحيث إن الفرض فيها شيءٍ واحد،
وهو تعميم البدن بالماء ذكرت مجملة فقال: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطّهَّرُواْ﴾ تقدم
الكلام على مفردات هذه الجملة وأن الجنب المتصف بالجنابة، وأن الجنابة:
اسم للمنيّ كما في حديث عائشة ﴿ها: «كنت أغسل الجنابة من ثوب
رسول الله ( 9))، وتقدم أن المراد خروج المني بشهوة مناماً، أو يقظة من ذكر
كان أو أنثى بطريق الحلال، أو بطريق الحرام، فهو في جميع هذه الحالات
موجب للغسل. قال بعض العلماء: لما كان الغسل معلوماً عندهم اكتفى
بذكره، والوضوء لم يكن معروفاً، فذكر بالتفصيل، وهذا يحتمل، ويحتمل
غيره، وقد قيل: إن هذه الجملة متقدمة عن محلها، وأن الأصل: ((وأرجلكم
إلى الكعبين وإن كنتم مرضى ... إلخ)).
وألحقت السنة بخروج المني إيلاج الحشفة في الفرج كما تقدم، وهذه هي
الطهارة الكبرى. ومثل الجنابة خروج الحيض، والنفاس كما يأتي إن شاء الله

كتاب الطهارة
٥٨
كتاب الطهارة
تعالى. وبعدما ذكرت الطهارة بنوعيها ذكر ﴿ نواقضها، وهي موجباتها، ولم يكن
للجنابة سبب إلَّا خروج المني، أو الإيلاج كما سيأتي في الحديث، فاكتفى في
البيان لسببها بقوله: جنباً؛ لأنه قد عرف أن الجنابة في حكم الشيء الواحد أعني
سببها، وهذا عند من لا يقول إن المراد بقوله ((لا مستم النساء)) جامعتم، وأما من
يقول بذلك فهو ذكر للسبب الثاني للغسل الذي هو الإيلاج.
ثم ذكر يل البدل من الماء في حالتي العجز عنه: إما عن تحصيله، وإما
عن استعماله - كما سنبيّنه إن شاء الله - فعبّر عن الأولى بالحالة التي يغلب
حصولها فيها فقال: ﴿وَإِن كُم مَّهَ﴾ لأن العجز عن استعمال الماء في
الغالب إنما يكون سببه المرض، وإن كان قد يحصل بغيره كالخوف المانع من
استعماله من عدو، أو سبع، وکذلك العجز عن تناوله، وعدم وجود من یناوله،
ولكن هذه حالات نادرة، وحالة المرض أكثر، وأغلب، وتقدم أن المرض
انحراف البدن عن حالة الاعتدال، والصحة، فظاهر الآية أنه إنما يمنع إذا كان
متصفاً به، ولكنهم ألحقوا به خوف حدوثه كما في حديث عمرو لما صلى
بأصحابه بالتيمم، وهو جنب، وقوله للنبي ◌َّ: (سمعت الله يقول: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ
أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ ولو اغتسلت لَمِتُّ) فأقرّه على ذلك. والخوف
أيضاً يكون خوف زيادة مرض، أو حدوث ضرر كالمجدور يخاف على عينيه
وكذلك خوف تأخر البرء.
وقوله: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾، أي: مسافرين، والحالة الثانية من حالات تعذر
الماء: فقده، فأشار إليها بالحالة أيضاً التي هي مظنتها والغالب حصولها فيها،
وهي السفر، والظاهر هنا أنه شامل للسفر الطويل، والقصير والجائز، وغير
الجائز. وقد اختلف العلماء في ذلك، فمنهم من حمل اللفظ على ظاهره، ولم
يفرق بين المباح وغيره، ومنهم من قال: إنَّ السفر إذا لم يكن مباحاً لا ينبغي أن
يرخص لصاحبه، وهذا مذهب مرجوح، والتحقيق أن الرخص المنوطة بالسفر
نوعان: نوع ليس في تركه إلَّا حرمان المسافر من الرخصة، وهذا يناسب القول
بمنع صاحبه من الرخصة، وذلك كالقصر للصلاة، والفطر للصائم فينبغي أن يقيد
الترخيص بهذا بكون السفر مباحاً. وقسم لو لم يفعله المسافر لأ وقعه ترکه في ذنب
أعظم من ذنب سفره في الغالب، فهذا لا ينبغي أن يمنع منه، وهو التيمم عند فقد

كتاب الطهارة
٥٩
كتاب الطهارة
الماء؛ لأن نتيجة ذلك أن يترك الصلاة فيرتكب ما هو أعظم من عصيانه بالسفر،
وكذلك أكل الميتة للمضطر؛ فإنه لو تركها قتل نفسه فمثل هذا لا ينبغي أن يمنع منه
بحجة أن السفر، غير مباح؛ لأنه يقع في معصية أعظم من معصية سفره في
الغالب.
ثم شرع في ذكر أسباب الطهارة فقال: ﴿أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُم مِّنَ الْغَابِطِ﴾،
قيل: ((أو)) هنا بمعنى الواو؛ لأنها قد ترد لذلك كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ ءَائِمًا أَوْ
كَفُورًا﴾ أي وكفوراً، وقوله: ﴿ وَأَرْسَلْنَهُ إلَى مِئَةٍ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ أي: ويزيدون.
وقول الشاعر:
كانوا ثمانين أو زادوا الثمانية
فإن المعنى: وزادوا ثمانية، وقيل على بابها، فعلى الأول: فالكلام شروع
في بيان النواقض، وعلى الثاني: فالعطف على قوله: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا﴾ أي:
أو كنتم جاء أحد منكم بشيء من الأحداث غير الجنابة، وقيل: المراد بذلك
بيان حكم المقيم الصحيح الفاقد للماء، فذكر المرض المانع من استعمال الماء
والسفر المسبب لفقده في الغالب، وحكم المحدث المقيم إذا فقد الماء. وتقدم
أن الغائط كناية عن قضاء الحاجة للإنسان من البول، والخارج من المخرج،
ويندرج في حكم البول حكم المَذْي، والودي (وهو ماء يخرج بأثر البول)
ويندرج تحت الخارج من المخرج الريح، وقرأ ابن مسعود (الغيط) فهو بمعنى
الغائط، وجوّز بعضهم أنه في الأصل مصدر أصله الغوط، فقلبت واوه ياءً.
فهذه الأحداث المتفق على نقضها للطهارة، واشتراط وجود بعضها
لوجوب الطهارة على القائم للصلاة، وبقي مما اختلفوا فيه (النوم)، وتقدم قول
من قال إن الآية نزلت بسببه، ولبيان وجوب الوضوء منه، وخروج غير الخارج
المعتاد كالدود، والبلل من السبيلين، وكذلك خروج البول، والغائط من مخرج
غير السبيلين، أو خروجهما على غير المعتاد، وكذلك خروج غيرهما من
النجاسة من سائر البدن غير المخرجين، والقهقهة، وسيأتي الكلام على ذلك
كله، وكذلك الإغماء، والجنون، وأما اللمس فهو مذكور هنا على الخلاف
فيه، وبقي أيضاً من المختلف فيه لمس الذكر، وكل هذه الأمور ستأتي إن
شاء الله في شرح الأحاديث في باب الطهارة من الكتاب.

كتاب الطهارة
٦٠
كتاب الطهارة
قال بعض العلماء: تقدير الكلام: محدثين حدثاً غير معتاد يعني قوله:
وجَّهُ أَحَدٌ مِّنْكُم مِّنَ الْغَآيِطِ﴾، ضرب لهم مثلاً لسائر الأحداث التي هي في
الحكم مثله، فصار تقدير الآية: إن كنتم جنباً، أو محدثين بالخارج ﴿أَوْ لَمَسَّهُمُ
النِّسَاءُ﴾ مستموهن عند من يحمل الملامسة على المس، وهو أكثر فيها من
الجماع. وقرأ حمزة، والكسائي (لمستم)، وهي أقرب إلى معنى المس، فتكون
الآية من قوله: ﴿أَوْ جَآءَ﴾ كلها في نواقض الوضوء، ويكون موجب الجنابة
لم يذكر إما لأنه معلوم عند الناس لكونه محصوراً في أمرين فقط، وهذا هو
قول الجمهور، وإما على قول من يقول إن الملامسة هنا هي الجماع وإنها بيان
لسبب الغسل كما بيّن سبب الوضوء، وهو مروي عن ابن عباس ونسب إلى
علي ظُه، وبه قال أبو حنيفة تَخْلَتُ وبنى عليه قوله بأن لمس المرأة لا ينقض
الوضوء، وعلى القول الأول فهو ناقض. لكن اختلف القائلون به فذهب
الشافعي إلى أن النقض يحصل بمجرد ملاقاة البدن للبدن بدون حائل، وذهب
مالك وأحمد إلى أنه لا يحصل إلا بقصد الشهوة أو وجودها، لأنه وإن كان
عاماً فقد جاء في السنة ما يخصصه، كما يأتي بيانه إن شاء الله.
وجواب الشرط في قوله (إن كنتم): قوله: (فتيمموا)، ولا مفهوم للسفر لما
قدمنا من أنه حالة هي الغالب أنها تسبب فقد الماء، والنص إذا خرج مخرج
الغالب لا يعتبر مفهومه، ففاقد الماء في الحضر كفاقده في السفر، وسيأتي بيان
ذلك في موضعه من كتاب الطهارة إن شاء الله. قال ابن العربي: (حقيقة اللمس
إِلْصَاقُ الجارحة بالشيء، وهو عرف في اليد لأنها آلته الغالبة، وقد يستعمل كناية
عن الجماع، وقالت طائفة: اللمس هنا الجماع، وقالت طائفة أخرى هو اللمس
المطلق لغة أو شرعاً. فأمَّا اللغة فقد قال المبرد: لمستم وطئتم ولا مستم قبَّلتهم
لأنها لا تكون إلاّ من اثنين، والذي يكون بقصد وفعل من المرأة هو التقبيل،
فأما الوطء فلا عمل لها فيه إلَّا المطاوعة، قال أبو عمر: الملامسة الجماع
واللمس لسائر الجسد) قلت: وهذا يوافق ما قدمنا أن اللمس أقرب إلى معنى
المس. قال: (وهذا كله استقراء لا نقل فيه عن العرب، وحقيقته أنه كله سواء
وأن لمستم محتمل للمعنيين جميعاً كقوله: ((لامستم)) ولذلك لا يشترط لفعل
الرجل شيء من فعل المرأة) قلت: وهذا فيه رد لقول المبرد في التفرقة السابقة