النص المفهرس
صفحات 21-40
كتاب الطهارة
٢١
كتاب الطهارة
والقيام المصدر، والقوم، والقامة قال الراجز:
وصمت يومي فتقبّل صومتي
قد قمت ليلي فتقبّل قومتي
أعددت للكفار في القيامة
أدعوك يا رب من النار التي
وقوله: (﴿إِلَى الصَّلَوْةِ﴾): إلى حرف جر ترد في العربية لمعان عدة ذكرها
ابن هشام فعدّها ثمانية، وأصلها لمنتهى الغاية الزمانية نحو ﴿أَتُِّواْ الصِّيَامَ إِلَى
الَيَلِّ﴾ والمكانية نحو ﴿مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا﴾ وهي هنا
يحتمل أن تكون بمعنى اللام أي للصلاة، ويحتمل أن تكون للغاية.
والمراد هنا أردتم القيام إلى الصلاة، لأن الدخول في الصلاة لا يكون إلا
بعد الوضوء، فالقيام للدخول فيها ليس مراداً هنا وإنما المراد إرادته، قال
البيضاوي: (عبّر عن إرادة الفعل بالفعل المسبب عنها للإيجاز، والتنبيه على أن من
أراد العبادة ينبغي أن يعزم عليها، ويبادر إليها بحيث لا ينفك الفعل عن الإرادة،
أو إذا قصدتم الصلاة؛ لأن التوجه إلى الشيء، والقيام إليه قصد له). اهـ.
وقد ترد هذه الصيغة وهي دخول إذا على الفعل الماضي، والمراد القصد
إلى الشيء لا حصوله بالفعل، وهو هنا من إطلاق المسبب، وإرادة السبب؛
كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ آلْقُرَْنَ فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ أي: أردت قراءته، وقوله عليه
الصلاة والسلام: ((لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال بسم الله)) وقوله: ((إذا دخل
أحدكم الخلاء فليقل بسم الله)) ((إذا أكلت فسمِ الله))؛ لأن الإِنسان لا يقوم إلى
الدخول في الصلاة إلا وهو متوضئ، ومن هذا القبيل حديث أنس عند
البخاري: ((تسحرنا مع رسول الله ◌َ﴾ ثم قمنا إلى الصلاة»، بدليل أنه لما قيل
كم كان بين السحور والأذان؟ قال: ((قدر ما يقرأ الإنسان خمسين آية)»،
والصلاة أصلها في وضع اللغة الدعاء ومنه قول الأعشى:
وصلى على دنها وارتسم
وقابلها الريح في دنها
وقول الآخر:
ليلى وصلى على جاراتها الأخر
صلى على عزة الرحمن وابنتها
قال جرير:
بنى لي في قيس وخندف مفخرا
وإن الذي أعطى الخلافة أهلها
منابر ملك كلها مضريّة
يصلي علينا من أعرناه منبرا
كتاب الطهارة
٢٢
كتاب الطهارة
وأخذه بشار فقال:
هتکنا حجاب الشمس أو قطرت دما
إذا ما غضبنا غضبة مضرية
ذرى منبرٍ صلى علينا وسلما
إذا ما أعرنا سيداً من قبيلة
وفي التنزيل ﴿وَصَلّ عَلَيْهِمَّ إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَنٌ لَُّمْ﴾ أي ادع لهم، وفي
الحديث في فضل الصلاة: «فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في
مصلَّاهُ)) الحديث. أي فتستغفر له وتدعو له، وهي في عرف الشرع: (العبادة
ذات الركوع والسجود) سميت بذلك إما لأنَّ من أفْعَالها الدعاء، وإما مشتقة من
الصلا الذي هو الظهر لأن المصلي يثني ظهره، وإما من الصلوين وهما إما
العرقان المكتنفان الظهر، وإما جانبا عجم الذنب، ويشهد له قول الراجز:
لا أضع الدلو ولا أصلي حتى أرى جلتها تولي
يعني: أنه لا يضع الدلو، ولا يوليها صلويه حتى تشرب؛ فتصد عن الماء.
وقوله: (﴿فَأَغْسِلُواْ﴾): الفاء واقعة في جواب الشرط، وخطاب المذكر هنا
يدخل فيه الإناث كما تقدم بيانه، واغسلوا أمر من الغسل: غسل الشيء يغسله،
غَسلاً وغُسلاً، بالفتح والضم مصدران، وقيل بالفتح المصدر، وبالضم اسم
للاغتسال، ويقال غُسُلاً بضمتين، قال الكميت يصف حمار وحش أصابه المطر:
تحت الألاءة في نوعين من غسل باتا عليه بتسجال وتقطار
وهو في عرف الشرع: ((إمرار الماء على الجسد)) إذا لم يكن فيه نجاسة
فإن كانت فلا بد من إزالتها بالماء، وعند مالك تَّتُ في المشهور عنه لا بد
من إمرار اليد مع الماء ويسمى هذا عندهم بالدلك، ولا يشترط عند غيره، قال
القرطبي كَّلهُ: (ولا بد في غسل الوجه من نقل الماء إليه وإمرار اليد عليه
وهذه حقيقة الغسل عندنا .. قال: وقال غيرنا: إنما عليه إجراء الماء وليس
عليه دلك بيده، ولا شك أنه إذا انغمس الرجل في الماء حتى غمر وجهه
ويديه، ولم يدلك يقال غسل وجهه ويديه، ومعلوم أنه لا يعتبر في ذلك غير
حصول الاسم فإذا حصل كفى) اهـ.
ولا بد من مغسولٍ به، وهو الماء ولكنه معلوم فحذف للعلم به.
وقوله: ﴿﴿وُجُوهَكُمْ﴾): الوجوه جمع وجه مشتق من المواجهة، وهي
المقابلة، وحكى الفراء حي الوجوه وحي الأجوه بالهمز فيقال: الوجوه،
كتاب الطهارة
٢٣
كتاب الطهارة
والأجوه، وذكر ابن السكيت إن ذلك يفعل كثيراً في الواو إذا انضمت؛ أي أنها
تقلب همزة في اللغة، وهو مأخوذ من المواجهة، وهي المقابلة، وهو عضو
مشتمل على أعضاءٍ وله طول وعرض، فحده طولاً من مبدأ سطح الجبهة إلى منتهى
اللحيين، وهما عظما الحنك، ويسميان الفكين، وعليهما منابت الأسنان السفلى،
وهذا في حق من لا لحية له كالأمرد، والكوسج، وأما من له لحية فيغسل ما
استرسل من الشعر إلى آخر لحيته، وحده عرضاً من الأذن إلى الأذن، وقال
بعضهم: حد الوجه من منابت الشعر المعتاد، إلى آخر الذقن وعرضاً ما بين
الأذنين، والأنزع والأصلع يغسلان مقدار حد منبت الشعر المعتاد، والأغم
كذلك، وقدّره بعض الفقهاء بمقدار أربع أصابع، وليس من الوجه عند الأكثرين
داخل الفم والأنف، وكذلك داخل العينين، وروي عن بعض الصحابة أنه كان
يفعل ذلك أي يغسل داخل عينيه فَعَمِيَ من أجل ذلك في آخر عمره، كما روي عن
ابن عمر، وليس منه أيضاً الأذنان على الصحيح خلافاً لمن قال إنهما من الوجه
بدليل ما ثبت في دعاء السجود: سجد وجهي للذي خلقه، وصوره، وشق سمعه
وبصره، قال: فجعلهما للوجه بإضافتهما له، وهذا لا يلزم لأن الإضافة تكون
للمجاور والمصاحب كما تكون في الجزء من الشيء، وبينت السنة أن الأكمل في
الغسل أن يكون ثلاثاً كما يأتي بيانه، وأن الزيادة عليها إسراف، وأن الاقتصار
على الواحدة، وعلى الاثنتين من الغسلات جائز كما يأتي إن شاء الله.
واختلفوا في تخليل اللحية: فمنهم من أوجبه، ومنهم من أوجبه في
الخفيفة دون الكثيفة في الوضوء، وفيهما في الغسل، ومنهم من أوجبه في
الكثيفة، دون الخفيفة عكس الأول.
قوله: (﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾): جمع يد وهي الجارحة، والصحيح فيها أنها من
الأصابع إلى المنكب، فهي لفظ مشترك يحتاج إلى البيان، وهي من الأسماء
التي حذف لامها، وأصلها يدي على وزن فعل بسكون العين، فحذفت الياء
تخفيفاً ونقلت حركتها إلى الدال، وتجمع على أيد، ويدي جمع قلة، وهو
الأصل في هذا الجمع من فعل كفلس، وأفلس، وفلوس، ولا يجمع فعل
بالتحريك هذا الجمع إلا في أحرف يسيرة مثل جبل، وأجبل، وزمن، وأزمن،
وعصا، وأعص، ومثل هذا من الأسماء التي على حرفين محذوفة اللام لا يرد
كتاب الطهارة
٢٤
كتاب الطهارة
لامها إلا في التثنية، والجمع والتصغير. قال مضرس بن ربعي الأسدي:
فطرت بمنصلي في يعملاتٍ دوامي الأيد يخبطن السريحا
ويجمع الأيدي على أياد كأكرع، وأكارع كما قال الشاعر، وهو جندل بن
المثنى الطهوي يصف الثلج:
:
كأنه بالصحصحان الأنجل قطن سخام بأيادٍ غزّل
وقال الآخر:
فأما واحد فكفاك مثلي فمن ليد تطاوحها الأيادي
والصحيح: أنها تطلق على الجارحة من الأصابع إلى المنكب، وقيل من
الأصابع إلى الكف، ويشهد للأول كون عمار تيمم إلى المنكب وقال: تيممنا
إلى المناكب مع رسول الله وَ﴿، وذلك بعموم الآية في قوله: ﴿فَأَمْسَحُواْ بِوُجُومِكُمْ
وَأَيَدِيكُمْ مِنْهُ﴾ وهو عربي فصيح حجة في اللغة، فثبت بذلك أن الاسم يتناول
العضو إلى المنكب، وكان الإطلاق يقتضي ذلك؛ لكن لما ورد التحديد في الآية
إلى المرافق كانت غاية في المغسول تقتضي إسقاط ما بعدها من العضو، ولولا
ذلك لتناول اللفظ بإطلاقه سائر العضو المسمى بهذا الاسم والله أعلم.
قوله: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾: تقدم الكلام على ((إِلَى)) عند قوله: ﴿إِلَى القَلَوَةِ﴾
والمرفق بفتح الميم، وكسر الفاء، وبالعكس، وهو مجتمع طرف الساعد،
والعضد قال العيني: (الأول: اسم الآلة كالمحلب والثاني: اسم المكان
ويجوز فيه فتح الميم والفاء على أن يكون مصدراً أو اسم مكان على الأصل)
وقال الأصمعي: المرفق من الإنسان، والدابة بكسر الفاء، والمرفق الأمر
الرفيق بفتحها، وقيل: إن الفتح أقيس، والكسر أكثر في مرفق اليد، والغاية
داخلة إما على أن ذلك هو الأصل عند من يراه، أو على قول من قال إنها إن
كانت من جنس المغيا دخلت وإلا لم تدخل، وهي هنا من جنس المغيا لا
سيما وقد بينت السنة دخولها في الأحاديث الصحيحة في صفة الوضوء.
قوله: (﴿وَأَمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ﴾): قال في اللسان: (المسح إمرارك يدك على
الشيء السائل، أو المتلطخ تريد إذهابه بذلك كمسحك رأسك من الماء، وجبينك
من الرشح، مسح، يمسحه، مسحاً، ومسحه، وتمسح منه، وبه، وقد يطلق
المسح مراداً به الغسل وفي الحديث: ((أنه تمسح وصلى)) أي توضأ) ا. هـ. قال
كتاب الطهارة
٢٥
كتاب الطهارة
ابن الأثير: يقال للرجل إذا توضأ قد تمسح، والمسح يكون مسحاً باليد، ويكون
غسلاً، وفي الحديث: ((لما مسحنا البيت أحللنا)) أي طفنا به، لأن من طاف
بالبيت مسح الركن، فصار اسماً للطواف، ويقال أيضاً مسح بالركن كما في
قوله :
ومسَّح بالأركان من هو ماسح
ولما قضينا من منى كل حاجةٍ
ولم ينظر الغادي الذي هو رائح
وشدّت علی حدب المطایا رحالنا
وسألت بأعناق المطي الأباطح
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا
ومنه قول قيس بن الأسلت:
قوموا فصلوا ربكم وتمسحوا
بأركان هذا البيت بين الأخاشب
قال ابن العربي: (المسح إمرار اليد على الممسوح خاصة، وهو في
الوضوء عبارة عن إيصال الماء على الآلة الممسوح بها، والغسل عبارة عن
إيصال الماء إلى المغسول، وهذا معلوم من ضرورة اللغة). اهـ.
وقوله: (﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾): الرؤوس جمع رأسٍ في الكثرة وفي جمع القلة
أرؤس قال الشاعر:
بضرب بالسیوف رؤوس قوم
أزلنا هامهن عن المقيل
قال في اللسان: (رأس كل شيء أعلاه والجمع في القلة أرؤس، وآراس على
القلب، ورؤوس في الكثرة، ولم يقلبوا هذه، ورؤس على الحذف، قال امرؤ القيس:
فيوماً إلى أهلي ويوماً إليكم ويوماً أحط الخيل من رؤس أجبال)اهـ
قال القرطبي تَّتُهُ: وأما الرأس فهو عبارة عن الجملة التي يعرفها الناس
ضرورة ومنها الوجه، فلما ذكره الله وَك في الوضوء، وعيّن الوجه للغسل بقي
باقيه للمسح، ولو لم يذكر الغسل للزم مسح جميعه، إلى أن قال: ووضح بما
ذكرناه أن الأذنين من الرأس خلافاً للزهري تََّتُهُ حيث يقول: هما من الوجه،
وقد تقدمت الإشارة إلى هذا القول وأنه يستدل له بقوله { قر في دعاء سجود
التلاوة: ((وشق سمعه وبصره)) فأضاف السمع إلى الوجه، وتقدم الجواب عن
ذلك، وخلافاً أيضاً لقول الشعبي حيث قال: ما أقبل منهما من الوجه، وظاهرهما
من الرأس، وهو قول الحسن، وإسحاق، قال القرطبي: وحكاه ابن أبي هريرة
عن الشافعي، واستدلوا لكون الجملة المذكورة يشملها اسم الرأس بقول الشاعر:
كتاب الطهارة
٢٦
كتاب الطهارة
وغودر عند الملتقى ثمَّ سائري
إذا احتملوا رأسي وفي الرأس أكثري
والباء في قوله: ((برؤوسكم)) قيل: إنها مؤكدة زائدة، والمعنى وامسحوا
رؤوسكم، وقيل: دخولها هنا كدخولها في التيمم في قوله: ﴿فَأَمْسَحُوا
بِوُجُومِكُمْ﴾ أي أنها في ذلك المحل دلت على التعميم، ولم يختلفوا في وجوب
تعميم الوجه وذلك يرد قول من قال إنها للتبعيض، وحينئذٍ يقوى كونها
للإلصاق، أو الدلالة على ممسوح به، وقيل: إنما دخلت لتفيد معنى، وهو أن
المسح لغة لا يقتضي ممسوحاً به، والغسل لغة يقتضي مغسولاً به، فلو قال:
امسحوا رؤوسكم؛ لأجزأ إمرار اليد من غير ماء، ولا غيره كما هو الأصل في
المسح، فدخلت الباء لتفيد ممسوحاً به، وهو الماء فكأنه قال: وامسحوا
برؤوسكم الماء، وذلك في اللغة يحتمل وجهين: إما أن يكون على القلب؛ كما
في قول خفاف بن ندبة السلمي يصف شفتي امرأةٍ فشبهها بنواحي ريش الحمام:
كنواح ريش حمامةٍ نجديةٍ .. ومسحت باللثتين عصف الإِثمد
فإن الممسوح هو اللثتان، والممسوح به عصف الإِنمد، فتقدير البيت:
ومسحت بعصف الإِثمد اللثتين، وإما على الاشتراك في الفعل، والتساوي في
نسبته كما قال الأخطل :
مثل القنافذ هدّاجون قد بلغت نجران أو بلغت سوآتهم هجر
وجوّز بعضهم أن تكون للتبعيض، قال ابن العربي كثّتُهُ: (ظن بعض
الشافعية، وبعض حشوية النحوية أن الباء للتبعيض، إلى أن قال: ولا يجوز لمن
شد أطرافاً من العربية أن يظن ذلك، وإن كانت ترد في موضع لا يحتاج إليها
لربط الفعل بالاسم فليس ذلك إلا لمعنى تقول: مررت بزيد؛ فهذا لإلصاق الفعل
بالاسم، ثم تقول: مررت زيداً، فيبقى المعنى، وفي ذلك خلاف) اهـ.
وسيأتي إن شاء الله تعالى في ذكر أحكام الآية ما يتعلق بالمسألة في
المسح لكل الرأس، أو بعضه.
وذكر ابن هشام في المغني: أن من معاني الباء التبعيض عند الأصمعي
والفارسي، والقتبي، وابن مالك، ونسب إلى الكوفيين، وذكر أنهم جعلوا منه
﴿عَيْنَا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ أي منها، ومنه قول الهذلي:
شربن بماء البحر ثم ترفعت متى لجج خضر لهنّ نتيج
كتاب الطهارة
٢٧
كتاب الطهارة
ومنه أيضاً قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي :
شرب النزيف ببرد ماء الحشرج
فلثمت فاها آخذاً بقرونها
قال ابن هشام: ومنه: ﴿وَأَمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ﴾ والظاهر أن الباء فيهن
للإلصاق، وقيل: هي في آية الوضوء للاستعانة، وأن في الكلام حذفاً، وقلباً
فإنَّ ((مسح)) يتعدى إلى المزال عنه بنفسه، وإلى المزيل بالباءِ، فالأصل:
امسحوا رؤوسكم بالماء، وذكر البيت السابق كنواح ريش. إلخ، وهذا يوافق
القول في دخولها لإفادة المعنى المتقدم ذكره.
وقوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾: الأرجل جمع رجل، وهي من الحيوان، والإنسان
من الفخذ إلى القدم، ولهذا قيدت في الغسل كما حصل في اليد، وهذا اللفظ
جاء على وزن جمع القلة، واستغنوا به عن جمع الكثرة فلم يسمع فيه،
واختلف العلماء في قراءة هذه اللفظة، وبِحَسب اختلافهم في القراءة اختلفوا
في المعنى، فقرأها نافع، وعبد الله بن عامر، وعلي الكسائي، وحفص عن
عاصم بالنصب معطوفة على المغسول، وذلك يتخرج على وجهين: أحدهما :
أنه من المؤخر في اللفظ المقدم في المعنى، والأصل: فاغسلوا وجوهكم
وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين؛ ولكن محافظة على ترتيب أعضاء
الوضوء قدّم الرأس على الأرجل.
والوجه الثاني: أن يكون على تقدير فعل محذوف هو الناصب،
والتقدير: امسحوا برؤوسكم، واغسلوا أرجلكم، وعطفه على المجرور سائغ؛
لأن العرب تنسق الشيء على الشيء، والعامل مختلف، وقد دل التحديد على
الغسل فلزم تقدير العامل المناسب كما في قوله: ((علفتها تبناً وماء بارداً» أي
وسقيتها، وقوله :
متقلداً سيفاً ورمحاً
يا ليت زوجك في الوغى
أي: وحاملاً رمحاً، وقول لبيد:
بالجلهتين ظباؤها ونعامها
فعلا فروع الأيهقان وأطفلت
والنعام لا يطفل؛ وإنما يبيض فالتقدير: وباض نعامها.
وهذان الوجهان عند من يرى أن فرض الرجلين هو الغسل، وهم
الجمهور كما سيأتي بيانه في أحكام الآية إن شاء الله تعالى. وقرأ ابن كثير
كتاب الطهارة
٢٨
كتاب الطهارة
المكي، وأبو عمرو بن العلاء البصري، وحمزة الكوفي، وأبو بكر عن عاصم
((وأرجلكم)) بالجر، وتتخرج هذه القراءة على أنه معطوف على رؤوسكم، وهذا
محتمل لأمرين: أما من يرى أن حكمهما المسح فالأمر ظاهر في حقه، غير أن
منهم من يرى أنه مسح بمعنى الغسل الخفيف، أو أنه غسل لا بد فيه من
المسح باليد كما سيأتي إن شاء الله.
وأما على قول من يرى أن فرضهما الغسل، فيتخرج على ما قدمنا من
تقدير عامل مناسب بعد قوله ((برؤوسكم)) أي: واغسلوا أرجلكم على حد قوله
((وباض نعامها)). وعلى أن المسح غسل فهو وإن عطف على مسح الرأس فهو
مغاير له بقرينة التحديد المذكور بالكعبين، وفيه وجه آخر وهو أنه مجرور
بالجوار كما في قولهم: ((هذا جُحْرُ ضب خربٍ))، وقول امرئ القيس:
كأنَّ ثبيراً في عرانين وبله كبير أناس في بجاد مزمل.
فإن ((خرب)) نعت للجحر، وهو مرفوع، و((مزمّل)) نعت لكبير، وهو
مرفوع، ومثله قول زهير بن أبي سلمى:
أقوين من حجج ومن شهر
لمن الديار بقنة الجحر
بعدي سوافي المور والقطر
لعب الزمان بها وغيرها
ورد هذا من وجهين: أحدهما: أن الجر بالجوار في الجملة لا يجوز إلا
في ضرورة الشعر، حتى أطلق بعضهم عليه أنه لحن يغتفر في ضرورة الشعر.
والثاني: أنه لا يكون إلَّا مع أمن اللبس، ووجه ثالث: وهو أنه لا يكون في
العطف، والبيت السابق يدل على خلاف هذا الوجه الأخير. قالوا: فلا يجوز
تخريج القرآن عليه، وسيأتي تفصيل أقوالهم، ومذاهبهم في الكلام على
الأحكام.
قال الألوسي رحمه الله تعالى - بعد حكايته تضعيف الجر بالجوار أي في
الجواب عن الوجه الأول -: (إن إمامَي النحاة الأخفش، وأبا البقاء وسائر
مهرة العربية وأئمتها جوّزوا الجر بالجوار، وقالوا بوقوعه في الكلام الفصيح
كما ستسمعه إن شاء الله. ولم ينكره إلّا الزجاج وإنكاره مع ثبوته في كلامهم
يدل على قصور تتبعه، ومن هنا قالوا: المثبت مقدم على النافي، وعن الثاني:
لا نسلّم أنه إنما يصار إليه عند أمن الالتباس، ولا نقل في ذلك عن النحاة في
كتاب الطهارة
٢٩
كتاب الطهارة
الكتب المعتمدة؛ نعم قال بعضهم: شرط حسنه عدم الالتباس مع تضمن نكتة،
وهو هنا كذلك؛ لأن الغاية دلت على أن هذا المجرور ليس بممسوح؛ إذ
المسح لم يوجد مغيا في كلامهم ولذا لم يغيَّ في آية التيمم وإنما يغيَّ في
الغسل ولذا غُيَّ في الآية) اهـ.
قال كاتب الحروف عفا الله عنه: وقد صرحوا به في النعت كما سبق في
الأمثلة، وكقوله تعالى: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ تُحِيطٍ﴾ و﴿عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيِمٍ﴾ فإن ((محيطاً
وأليماً)) نعتان لعذاب، وهو غير مجرور جُرَّ كل منهما على الجوار، ومنه قول
ذي الرمة:
تريك سنة وجه غيرٍ مقرفة ملساء ليس بها خال ولا ندب
فإن ((غير)) مجرور بالجوار، وهو نعت لسنة المنصوب على المفعولية فهو
كبيت امرئ القيس السابق.
وفي التوكيد كقول الشاعر:
يا صاح بلغ ذوي الزوجات كلّهم أن ليس وصل إذا انحلت عرى الذنب
فكلُّهم بالجر، وهي توكيد لذوي المنصوب جرّت بالجوار، ومن أمثلته
في العطف مع ما تقدم قوله تعالى: ﴿وَحُورٍ عِينٍ﴾ في قراءة الكسائي، وحمزة
والمفضل عن عاصم بالجر؛ فإنها عطف على ((ولدان)) في قوله تعالى: ﴿يَطُوفُ
عَلَهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (٣) وهو فاعل ولكنهم قرؤوها بالجر لمجاورتها أكواب
وأباريق، والحور لا يطاف بها. وكقول زهير:
لم يبق إلا أسير غير منفلت
وموثق في حبال القد مجنوب
فموثق على هذه الرواية مجرورة بالجوار لمنفلت مع أنها معطوفة على
((أسير)) المرفوعة، ومثله قول امرئ القيس:
فظل طهاة اللحم من بين منضج صفيف شواء أو قدير معجل
فإن (معجل)) مجرور على أنه صفة لقدير، وإنما جرّ (قدير)) بالجوار؛ فإنه
معطوف على صفيف، وهو مفعول لمنضج، وإن جوّز فيه غير هذا الوجه فهو
ضعيف، وفيه تكلف بتقدير محذوف.
فهو كما ترى ثبت في النعت، والعطف، والتوكيد.
كتاب الطهارة
M
٣٠
كتاب الطهارة
قوله: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنَ﴾ تقدم أن إلى تكون للغاية زمانية كانت أو مكانية،
وأن ابن هشام ذكر أنها تأتي لثمانية معان: الأول: ما تقدم، الثاني: المعية
وحمل عليه قوله هنا - إلى الكعبين -، والثالث: التبيين، وهي المبيِّنة لفاعلية
مجرورها بعد ما يفيد بُغْضاً، أو حباً من فعل تعجب، أو اسم تفضيل نحو:
﴿السّجْنُ أَحَبُّ إِلَّ﴾، الرابع: مرادفة اللام نحو الأمر إليك، أي: لك،
الخامس: مرادفة ((في)» كقول النابغة:
فلا تتركني بالوعيد كأنني إلى الناس مطليّ به القار أجرب
أي في الناس، وقيل منه قوله تعالى: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ اُلْقِيَامَةِ﴾ أي
فيه، السادس: الابتداء كقول الشاعر:
أيسقى فلا يروى إلى ابن أحمرا
تقول وقد عالیت بالكور فوقها
أي من.
السابع: موافقة ((عند)) كقوله:
أم لا سبيل إلى الشباب وذكره أشهى إليَّ من الرحيق السلسل
أي: عندي، الثامن: التوكيد، وهي الزائدة وجعل الفراء منه قراءة من
قرأ: ﴿فَأَجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوَى إِلَيْهِمْ﴾ بفتح الواو أي تهواهم.
والكعبان هما العظمان الناتئان في مفصل الساق المتصلان بالساق يكتنفانه،
خلافاً لمن زعم أنهما العظمان الصغيران المنبطحان على ظهر القدم، وكونهما
اللذين على طرف الساق الأسفل هو الصحيح، كما دل عليه حديث النعمان بن
بشير في تسوية الصفوف: ((فرأيت الرجل يلصق منكبه بمنكب صاحبه، وركبته
بركبته، وكعبه بكعبه)) وقال رَّير: ((ما زاد على الكعبين ففي النار)) يعني من الإِزر.
وهو في كلام العرب المرتفع العالي، ولهذا يقولون لثدي الجارية أول ما
يرتفع كعب ثديها فهي كاعب، قال عمر بن أبي ربيعة:
فكان مجني دون من كنت أتقى ثلاث شخوص كاشبان ومعصر
والكعبة البيت الحرام قيل: سمي بذلك لأنه مرتفع عن السيل لأنه كان
على ربوة في بطن الوادي. وقيل: لأنه مربع، والعرب تسمي البيت المربع
مكعباً ولذا قيل للغرفة كعبة، وتقدم الخلاف في الغاية هل تدخل أم لا؟ وعلى
كتاب الطهارة
٣١
كتاب الطهارة
التفسير الذي ذكرناه، وهو أن ((إلى)) بمعنى ((مع)) فهي داخلة قطعاً، لا سيّما
والسنة قد دلّت على ذلك، وسيأتي إن شاء الله تعالى.
وقوله: ﴿وَإِن كُنتُمّ جُنُبًا﴾: ((إن)) لها معان: الأول: أن تكون حرف شرط
يفتقر إلى جواب وجزاء، ويجزم فعلين، وجوابها قوله ((فتيمموا)). الثاني: أن
تكون نافية نحو: ﴿إِنِ الْكَفِرُونَ إِلَّا فِى غُرُورٍ﴾ وقد اجتمعت الشرطية والنافية في قوله
تعالى: ﴿وَلَيِنِ زَالَتَآَ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَّ بَعْدِوَّةٍ﴾ الأولى: شرطية، والثانية:
نافية. الثالث: المخففة من الثقيلة، كل واحدة منهما تدخل على الجملة الاسمية
والفعلية، مع إهمال المخففة من الثقيلة، الرابع: أن تكون زائدة كقول النابغة:
إذن فلا رفعت سوطي إليَّ يدي
ما إن أتيت بشيء أنت تكرهه
((والواو)) في قوله : - وإن كنتم جنباً - عاطفة على المقدر المحذوف عند
الأكثرين كما تقدم أي: إذا قمتم إلى الصلاة محدثين فاغسلوا إلخ، وإن كنتم
حال القيام جنباً فاظهروا إلخ، والعطف أحد معانيها، وهي تفيد التشريك في
الحكم وما بعدها في الإعراب مثل ما قبلها، والمعطوف بها يكون سابقاً كما
في قوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أُوْجِىَ إِلَيَّكَ وَ إِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ﴾، ولاحقاً كما في قوله
عز من قائل: ﴿إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيْنَ مِنْ بَعْدِهْ﴾ واجتمعا في قوله تعالى: ﴿وَمِنكَ وَمِن
تُوُجَ وَإِبْرَهِيَمَ وَمُوسَى﴾ الآية، ويكون مصاحباً كما في قوله: ﴿فَأَنَّنَهُ وَأَصْحَبَ
السَّفِينَةِ﴾ وقد بيّن ذلك ابن مالك تََّتُهُ بقوله:
فاعطف بوارٍ سابقاً أو لاحقاً في الحكم أو مصاحباً موافقاً
وتكون للحال، وتكون للاستئناف، ويكون ما بعدها مرفوعاً نحو: جاء
زيد والشمس طالعة، وقوله تعالى: ﴿لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَتُقِرُّ فِ الْأَرْحَامِ﴾ على قراءة
الرفع، الأولى للحال، والثانية للاستئناف، وفي الحالتين يرفع ما بعدها،
وتكون للمعية ولعطف الفعل على اسم خالص فينتصب ما بعدها في الحالتين،
الأول: نحو سار الأمير والجيش، والثاني: نحو قوله:
أحب إليَّ من لبس الشفوف
ولبس عباءةٍ وتقرعيني
والفعل بعدها منصوب بأن مضمرة، وتكون للقسم، وتكون واو ربّ،
وفي كل منهما يجر ما بعدها، وذكر ابن هشام معاني أخر هذا أهمها، وفي
بعضها تعقب.
كتاب الطهارة
٣٢
كتاب الطهارة
وقوله: ((جنباً)) الجنب لا يثنّى، ولا يجمع لأنه على وزن المصدر
كالقرب والبعد، وربما خففوه فقالوا: جنب، وقد قرأ كذلك قوم، قال الفراء
يقال: جنب الرجل، وأجنب من الجنابة، وقيل يجمع الجنب في لغةٍ على
جنبون وأجناب، وجنبات كما يثنى على جنبان، مثل عنق، وأعناق، وطنب،
وأطناب، وذلك أنهم جمعوهُ جمع تكسير على أفعال كبطل وأبطال، وجبل
وأجبال، إجراء للمصدر مجرى الاسم، ومن قال للواحد جانب، قال في
الجمع جناب كراكب وركاب، والأصل البعد؛ لأن الجنب يبعد بالجنابة عن
الصلاة، ونحوها مما تشترط له الطهارة، قال علقمة بن عبدة:
فحق لشأس من نداك ذنوب
وفي كل حي قد خبطت بنعمةٍ
فإني امرؤ وسط الديار غريب
فلا تحرمني نائلاً عن جنابةٍ
فقوله: عن جنابةٍ أي: عن بعدٍ، وذكر ابن دقيق العيد عن الإمام الشافعي
أنه قال: (إنما سمي الجنب من المخالطة، ومن كلام العرب: أجنب الرجل إذا
خالط امرأته) اهـ كأنها مشتقة من القرب أي: وضع الجنب بالجنب؛ لأن الغالب
حصولها من ذلك، والجنابة في الشرع حصول أحد أمرين: إيلاج الحشفة أو
قدرها من مقطوعها في الفرج، أو إنزال المني بشهوة معتادة، سواء كان ذلك في
اليقظة أو في النوم، كان ذلك من مباح، أو حرام، ويقال للمني جنابة كما في
حديث عائشة : ((كنت أغسل الجنابة من ثوب رسول الله (ص)) الحديث.
وقوله: ﴿فَأَطَّهَّرُواْ﴾: جواب الشرط من الطهارة التي هي النظافة الحسية
والمعنوية، وطهر، يطهر صار طاهراً، وتطهّر إذا فعل ذلك بنفسه؛ كما في قوله تعالى:
﴿حَّ يَطْهُرْنَّ فَإِذَا تَطَّهَّرْنَ﴾ والمعنوية كقوله: ﴿وَكَ فَطَفِرْ﴾ وقولهم: طاهر الثياب إذا
كان بعيداً عن المعرة؛ كما قالوا دنس الثياب إذا كان بالعكس. قال امرؤ القيس:
ثياب بني عوف طهارى نقية وأوجههم عند المشاهد غران
وأصل اظهروا: تطهروا، أدغمت التاء في الطاء، وجيء بهمزة الوصل
لأجل سكون أوله، والتطهر تفعل من استعمال المطهر، وهو الماء، ولهذا كان
ابن مسعود، وعمر ﴿ لا يريان للجنب التيمم كما سيأتي إن شاء الله، وقيل:
إنهما رجعا عن ذلك، وقوله: ﴿فَطَّهَرُواْ﴾ مفسَّر بقوله في النساء: ﴿وَلَا جُنُبًا
إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُواْ﴾ بيّن أن المراد بقوله اطهروا اغتسلوا.
كتاب الطهارة
٣٣
كتاب الطهارة
وقوله: ﴿وَإِن كُنتُم مَّْهَ﴾ جمع مريض كقتلى جمع قتيل، والمرض:
خروج البدن عن حد الاعتدال إلى الانحراف في الصحة، وغلبة بعض الطبائع
على بعضها، وهو صادق بالقليل، والكثير الذي يخاف معه التلف، أو يخاف
تأخر برء أو حدوث ضررٍ مبيح للتيمم، على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى في
أحكام الآية.
وحدّ المرض بعض أهل اللغة بأنه إظلام الطبيعة بعد صفائها، واعتدالها .
مرض - كفرح - مرضاً، ومرْضاً فهو مرض، ومريض، ومارض، والأنثى
مريضة، والجمع مِراض، ومرضى، ومراضى. قال جرير:
قتلننا بعيونٍ زانها مرض وفي المراض لنا شجو وتعذيب
وقال:
وبينت المراض من الصحاح
رأى الناس البصيرة فاستقاموا
قال سيبويه: المرض من المصادر المجموعة كالشغل، والعقل، قالوا :
أشغال، وعقول، وقد يعبر بالمرض عن فساد القلب؛ كما في قوله تعالى: ﴿في
قُلُوبِهِم ◌َرَضِّ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضَا﴾ سواء كان المرض موجوداً بالفعل، أو يتوقع
حصوله باستعمال الماء، ولفظ الآية لا يعطي إلّا الأول وهو أن يكون المرض
حصل بالفعل، ولكن دلت السنة على أن الخوف من حصوله إذا غلب على
الظن حدوثه باستعمال الماء أو تحقق ذلك؛ كما في حديث عمرو بن العاص
الثابت في السنن؛ فإنه لما صلى بأصحابه بالتيمم، وهو جنب، وأخبروا
النبي ◌َّر قال له: أصليت بأصحابك وأنت جنب؟ فقال: إني سمعت الله وَك
يقول: ﴿وَلَا نَقْتُلُوَأْ أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ الحديث، وسيأتي الكلام
عليه في أحكام الآية.
وقوله: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾: ((أو)) حرف عطف ذكر لها النحويون معانٍ أبلغوها
إلى اثني عشر، وذكر ابن هشام تََّثُ أنها موضوعة لأحد الشيئين، أو الأشياء،
وقد تخرج إلى معنى بل، أو معنى الواو، وأما بقية المعاني فتستفاد من غيرها .
الأول من معاني ((أو)): الشك كقوله تعالى: ﴿لَثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْرٍ﴾ والثاني:
التخيير، وعلامتها أن تقع بعد الطلب، وقبل ما لا يجوز جمعه، كقولك: تزوج
هنداً، أو أختها. الثالث: الإبهام نحو ﴿وَإِنَّآ أَوْ لِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدَى أَوْ فِ ضَلَالٍ
كتاب الطهارة
٣٤
كتاب الطهارة
مُبِينٍ﴾. الرابع: الإباحة، وتكون بعد الطلب، وقبل ما يجوز فيه الجمع نحو:
تعلم الفقه أو النحو، وإذا دخلت عليها لا الناهية امتنع فعل الجميع نحو: ﴿وَلَا
تُطِعْ مِنْهُمْ ءَائِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ قلت: لأنها صارت بمعنى واو العطف. الخامس: الجمع
المطلق أي مرادفة الواو في التشريك، كما في قول توبة:
وقد زعمت ليلى بأني فاجر لنفسي تقاها أو عليها فجورها
وقول جرير:
جاء الخلافة أو كانت له قدراً كما أتى ربّه موسى على قدر
أي وكانت له قدراً. السادس: الإضراب، ومنه على قول بعضهم:
﴿وَأَرْسَلْنَهُ إِلَى مِائَةٍ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ أي بل يزيدون على خلاف في ذلك.
السابع: التقسيم نحو: الكلمة اسم، أو فعل، أو حرف، وقد قيل إنها هنا
لمجرد التفريع الخالي من الشك، والإِبهام، والتخيير نحو ﴿إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ
فَقِيرًا﴾ ونحو ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَرَى﴾ قالوا: وأما التقسيم فالواو فيه أكثر.
الثامن: أن تكون بمعنى ((إلا)) في الاستثناء كقول الشاعر:
وكنت إذا غمزت قَنَّاة قوم كسرت كعوبها أو تستقيما
أي إلَّا أن تستقيم، وجعل منه ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةٌ﴾. والتاسع: بمعنى
إلى، وهي في هذين الموضعين ينصب الفعل المضارع بعدها كما هو مقرر في
النحو، وذلك كقول الشاعر:
لأستسهلن الصعب أو أدرك المنى فما انقادت الآمال إلا لصابر
أي إلى أن أدرك المنى. العاشر: التقريب، ومعناه تقريب الزمن بين
المذكور قبلها، وبعدها نحو: ((ما أدري أسَلَّمَ أو ودّع)) أي: كان وداعه قريباً من
سلامه. الحادي عشر: الشرطية، ومثّلوا له بقولك: لأضربنه عاش، أو مات،
المعنى إن عاش، وإن مات. الثاني عشر: التبعيض، ومثّلوا له بالآية السابقة في
التفريع وهي قوله تعالى: ﴿كُونُواْ هُودَّا أَوْ نَصَرَى﴾، وتعقبه ابن هشام.
وقوله: ﴿عَلَى﴾ تكون اسماً بمعنى فوق، وذلك إذا دخلت ((من)) عليها،
كقول الشاعر، وهو عمرو العقيلي:
غدت من عليه بعدما تم ظِمْؤها
تصل وعن قيض بزيزاء مجهل
كتاب الطهارة
٣٥
كتاب الطهارة
وهو أحد معانيها .
الثاني: وهو الأكثر أن تكون حرفاً، ولها معانٍ أحدها: الاستعلاء نحو:
﴿وَعَلَّهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾. الثاني: المصاحبة نحو ﴿وَيُطْعِمُونَ اُلَّعَمَ عَلَى حُّهِ﴾.
الثالث: المجاوزة فتكون بمعنى عن، نحو قول الشاعر:
إذا رضيت عليَّ بنو قشير لعمر الله أعجبني رضاها
أي: عني، الرابع: التعليل فتكون بمعنى اللام كقوله تعالى: ﴿لِتُكَبِرُواْ
اللَّهَ عَلَى مَا هَدَنْكُمْ﴾ أي: لأجل هدايته لكم، الخامس: الظرفية فتكون بمعنى
في، نحو ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَ حِينٍ غَفْلَةٍ﴾ أي: في حين غفلة، السادس: أن
تكون بمعنى من، نحو: ﴿إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ﴾ أي من الناس، السابع: معنى
الباء نحو: اركب على اسم الله، ومنه: ﴿حَقِيقُ عَلَى أَنْ لَّ أَقُولَ﴾ على قراءة
التخفيف، أي: بأن لا أقول، الثامن: أن تكون زائدة، ومنه قوله:
إن الكريم وأبيك يعتمل إن لم يجد يوماً على من يتكل
أي: من يتكل عليه، فحذف عليه، وزاد على.
وقيل: منه قول حمید:
أبى الله إلَّا أن سرحة مالكٍ
على كل أفنان العضاه تروق
وقول الهذلي :
بجانب قوسي ما بقيت على الأرض
فوالله لا أنسى قتيلاً رزئته
نوكل بالأدنى وإن جل ما يمضى
على أنها تعفو الكلوم وإنما
الشاهد في قوله: على أنها، وقول ابن الدمينة:
على أن قرب الدار خير من البعد
بكلٍ تداوينا فلم يشف ما بنا
إذا كان من تهواه ليس بذي ود
على أن قرب الدار ليس بنافع
وهي في الآية تحتمل المصاحبة، أو العلو المعنوي.
وقوله: ﴿أَوْ﴾ تقدم الكلام عليها، وهي هنا للتقسيم.
وقوله: ﴿سَفَرٍ﴾: يقال على سفر، وعلى جناح سفر إذا كان متلبساً به،
وهذا عام يشمل السفر الطويل، والقصير، فإن لم يكن مع المسافر الماء الكافي
الشُرْبِهِ، أو لوضوئه، أو غسله إن كان جنباً؛ فإنه يتيمم كما سيأتي إن شاء الله.
كتاب الطهارة
W
٣٦
كتاب الطهارة
وقوله: ﴿أَوَ جَآءُ أَحَدٌ مِّنْكُمْ﴾: تقدم الكلام على أو، ومعانيها، وهي هنا
للتقسيم كالتي قبلها. وأحد: أصله وحد فالهمزة فيه مبدلة مِنَ الواو، ومنه
قولهم: واحد، وقد جاء على الأصل كما في قول النابغة الذبياني:
كأنّ رحلي وقد زال النهار بنا بذي الجليل على مستأنسٍ وحد
يصف حمار الوحش.
و ((من)) في قوله ((منكم)) للبيان.
وقوله: ﴿مِّنَ الْغَابِطِ﴾: مِنْ: الظاهر أنها تحتمل البيان، والتَّبعيض،
والغائط: أصله المطمئن من الأرض؛ غير أنهم كانوا ينتابونه لذلك؛ لأن
العرب لم تكن تتخذ الكنف في البيوت، ومن عادتها في الكلام أن تكني عن
الشيء الذي يستقبح ذكره، فكنّوا عما يخرج من الإنسان أحياناً بالغائط، حتى
صار كأنه اسم لما يخرج من بولٍ وعذرة.
قوله: ﴿أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءُ﴾ يعني: أو باشرتم النساء بأيديكم، وقيل: هو
الجماع ولكنه جاء على طريق الكناية، وأصل اللمس هو المباشرة للبدن بدون حائل،
وأكثر ما يستعمل في اللمس باليد، ومنه قوله سبحانه: ﴿فَلَسُوهُ بِأَيْدِهِمْ﴾ وقال الشاعر:
لمست بكفي كفَّه أبتغي الغنى ولم أدر أن الجود من کفه یعدي
وحمله على الجماع مع كونه خروجاً عن الأصل فيه أيضاً التكرار مع
قوله: ﴿وَإِن كُنْتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهَّرُواْ﴾ .
وقد أجيب عن ذلك بأن التكرار ليبيّن أنه ينوب فيه التراب عن الماء
كالحدث الأصغر، وهذا القول وإن نصره ابن جرير فقد ذهب الجمهور إلى
خلافه، وإنما نصره ابن جرير لما ورد من أن النبي بَّ ((كان يقبّل، ولا يتوضأ)»
من رواية عائشة، وأم سلمة. قال كاتب الحروف عفى الله عنه: وذلك لا يعيّن
أن يكون المراد هنا الجماع لاحتمال أن يكون قبل نزول الآية، أو يكون من
خصوصياته ﴿ مع أن المعروف في ذلك أنه يقبّل وهو صائم، وكانت
عائشة ◌ُها تقول: أيكم يملك إربه كما كان رسول الله يكلف يملك إربه. وسيأتي
حكم اللمس المترتب على هذا الخلاف إن شاء الله في أحكام الآية، وما
يتعلق بالصوم في بابه، والحديث سيأتي الكلام عليه، وأنه ضعيف.
والنساء: جمع امرأة لا واحد له من لفظه، والمرأة لا جمع له من لفظه،
كتاب الطهارة
٣٧
كتاب الطهارة
كما يجمع المرء على القوم، وقيل: إن النساء جمع نسوة، ونسوان فهو جمع
الجمع، ونسوة جمع إمرأة.
وقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا﴾ أي: طلبتم الماء، فلم تجدوا ماء، والفاء عاطفة،
وفيها معنى الفاء الفصيحة؛ لأنها تدل على محذوف، و((لم)) حرف وضع لنفي
المضارع وجزمه، وقلبه في المعنى للمضي، كما في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾،
وربما دخلت عليه فلم تجزمه إما ضرورة، وإما لغة كما في قول الشاعر:
لولا فوارس من ذهلٍ وإخوتهم يوم الصليفاء لم يوفون بالجار
وحكي النصب بها، قرأ بعضهم ﴿أَلَمْ نَشْرَحَ لَكَ صَدْرَكَ﴾ و((تجدوا)) من
الوجود الذي هو ضد العدم، أي: تتحصلوا على ماء للتطهر به.
وقوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ أي اقصدوا صعيداً، من قولهم: تيمم الشيء، ويمّمه:
إذا قصد إليه، ومنه قول امرئ القيس :
وأن البياض من فرائصها دامي
ولما رأت أن الشريعة همها
تيممت العين التي عند ضارج يفيء عليها الظل عرمضها طامي
وقول عامر بن مالك ملاعب الأسنة:
يممته الرمح صدراً ثم قلت له هذي البسالة لا لعب الزحاليق
قال ابن السكيت: (تيمموا صعيداً طيباً، أي اقصدوا لصعيدٍ طيب، ثم
كثر استعمالهم لهذه الكلمة حتى صار التيمم اسماً علماً لمسح الوجه، واليدين
بالتراب) اهـ. والصعيد وجه الأرض، من: صعد، إذا ظهر، وعلا؛ لأن أصل
الكلمة من الظهور، والعلو، ومنه قيل للأمر الشاق: صعداً، وصعوداً. قال
القرطبي: (صعيداً طيباً، الصعيد وجه الأرض كان عليه تراب أم لا، قاله
الخليل وابن الأعرابي والزجاج. وقال الزجاج: لا أعلم فيه خلافاً بين أهل
اللغة. قال تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُزًا﴾ - أي أرضاً غليظة لا تنبت
شيئاً - وقال تعالى: ﴿فَنْصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾) اهـ. قلت: ومنه قول ذي الرمة يصف
ولد الظبي ينزعج من نومه لا يدري أين يقصد، شبّهه بالسكران:
كأنه بالضحى ترمي الصعيد به دبابة في عظام الرأس خرطوم
والخرطوم من أسماء الخمر، قال الزجاج: (إنما سمي صعيداً لأنه نهاية
كتاب الطهارة
٣٨
كتاب الطهارة
ما يصعد من الأرض، وجمع الصعيد صعدات، اهـ ومنه قوله ◌َطاهر: (ولخرجتم
إلى الصعدات: تجأرون إلى الله بالبكاء)) والصعدات: الطرق على وجه
الأرض) اهـ. وقال الشافعي: (الصعيد التراب المنبت وهو الطيب قال تعالى:
﴿وَالْبَلَدُ الَّيِّبُ يَخْرُجُ نَّبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبٍِّ﴾). وسيأتي ما ينبني على هذا الخلاف في
الصعيد من الأقوال في جواز التيمم بجميع الأرض أو بعضها، عند الكلام على
الأحكام إن شاء الله. ومما يدل على أنه وجه الأرض على أي حال كان وأن
الإنبات ليس شرطاً فيه تسميته وَ ﴿ للمدينة بطيبة، وطابة، وغالب أرضها سبخة،
وحجارة سوداء فوصفها بالطيب يدل على أنها يتيمم بترابها، وقال ابن
جرير رَّتُهُ: (﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا﴾ أي فإن لم تجدوا أيها المؤمنون إذا قمتم إلى
الصلاة، وأنتم مرضى مقيمون، أو على سفر أصحاء، أو قد جاء أحد منكم من
قضاء حاجته، أو جامع أهله في سفره: ماءً، ﴿فَتَيَمَّعُوا صَعِيدًا طَيِّبًّا﴾ فتعمدوا،
واقصدوا وجه الأرض طيباً يعني طاهراً نظيفاً غير قذر ولا نجس، جائزاً لكم
حلالاً، فاضربوا بأيديكم الصعيد الذي تيممتموه وتعمدتموه؛ فامسحوا
بوجوهكم، وأيديكم منه ما عَلِقَ بأيديكم منه أي: من الصعيد) ا. هـ.
أحكام الآية الكريمة:
هذه الآية الكريمة عظيمة الموقع في الدين، وهي من أعظم آيات
الأحكام وأكثرها مسائل، وأهمها لاشتمالها على أحكام الطهارة، وهي شطر
الإيمان كما في الحديث: ((الطهور شطر الإيمان)).
قال ابن العربي دَّثُ: (قال بعض العلماء: إن فيها ألف مسألة. قال:
واجتمع أصحابنا بمدينة السلام فتتبعوها فبلّغوها ثمانمائة مسألة، ولم يقدروا أن
يبلغوها الألف. قال: وهذا التتبع إنما يليق بمن يريد طرق استخراج العلوم من
خبايا الزوايا). اهـ.
قال مؤلفه - عفا الله عنه -: وقد استوعبت هذه الآية الكريمة أركان
الوضوء الأربعة المتفق عليها غسلاً، ومسحاً، وظاهرها العموم في القيام لكل
صلاة فرضاً كانت، أو نفلاً، وسائر حالات المصلي، وسيأتي الكلام على
ذلك كما أنها قد تضمنت النية عند بعضهم كما سنبينه، ومراعاة النظم القرآني
فيها يقتضي وجوب الترتيب بين الأعضاء المذكورة لا سيما عند من يقول إن
كتاب الطهارة
٣٩
٦٨
كتاب الطهارة
تقديم ذكر مسح الرأس على غسل الرجلين من أجل المحافظة على الترتيب،
وقد خالف في ذلك أبو حنيفة نَّتُهُ، وبعض المالكية كما يأتي.
قوله تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَأَغْسِلُواْ
وُجُوهَكُمْ﴾. تقدم أن لفظ ((الذين آمنوا))، وإن كان بلفظ الجمع المذكر لكن
يدخل فيه الإناث؛ إما أن ذلك على سبيل التغليب، أو على رأي من يرى أنهن
يتناولهن خطاب الشرع بهذا اللفظ، إما بقرينة عند من لا يرى دخولهن إلّا بها،
أو بدونها عند من يقول بتناول اللفظ لهن شرعاً، وهو خلاف عند الأصوليين
معروف. ويستدل للدخول بقوله سبحانه: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَئِنِينَ﴾، ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْرٍ
كَفِرِينَ﴾، ﴿إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾، ونحو ذلك، وله نظائر في السنة.
وقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوةِ﴾ تقدم أن قوله ((إذا قمتم)) أي: أردتم القيام، أو
إذا قصدتم الصلاة؛ لأن التوجه إلى الشيء، والقيام إليه قصد له على طريق ذكر
الملزوم وإرادة اللازم؛ لأن قصد الصلاة من لوازم القيام لها. وفي ذلك أقوال:
القول الأول: قال الجمهور: إن هذا عام في سائر الحالات. ولكن
المراد به الخصوص على تقدير الحال المحذوفة، وهي: وأنتم محدثون،
والدليل على هذا الحذف أمران:
الأمر الأول: اشتراط الحدث في التيمم كما سيأتي في قوله: ﴿أَوْ جَآءَ
أَحَدٌ مِّنْكُم مِّنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْنُمُ النِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ﴾، وقد شرط في
هذا البدل الحدث كما سيأتي، فاقتضى ذلك اشتراط الحدث في المبدل منه،
وإلّا لم يكن بدلاً؛ لأن البدل لا يخالف المبدل منه في الشروط، والأسباب.
الأمر الثاني: أن السنة صريحة في أن الوضوء إنما يجب للصلاة مع
الحدث، فهو سببه الموجب له كحديث ((صلاته يوم الفتح الصلوات بوضوء
واحد)) وكذا ((صلى يوم الخندق العصر والمغرب بوضوء واحد))، كما هو ثابت
في صحيح مسلم من حديث بريدة: ((أنه صلى الصلوات بوضوء واحدٍ يوم
الفتح)»، وحديث سويد بن النعمان: ((أنه صلى العصر والمغرب بوضوء واحد
بالصّهباء من أرض خيبر))، وهو متفق عليه. وحديث أنس: ((أنه كان يتوضأ
لكل صلاةٍ»، فالراوي قال لأنسٍ: كيف كنتم تصنعون أنتم؟ قال: ((كنا نتوضأ
وضوءاً واحداً)). أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح، وأن الصحابة كانوا
كتاب الطهارة
٤٠
كتاب الطهارة
على خلاف ذلك، وحديث أبي هريرة: ((لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث
حتی یتوضأ)» وهو حديث صحيح فهو سببه الموجب له، وقد حكى غير واحدٍ
من المفسِّرين الإجماع على أن وجوب الوضوء على المحدث، دون غيره.
وقال بعضهم: المحذوف المقدر هنا شرط والتقدير: إذا قمتم إلى الصلاة
فاغسلوا إلخ إن كنتم محدثين، لمناسبته ما بعده وهو: ﴿وَإِن كُنْتُمْ جُنُبًا﴾ .
القول الثاني: قال بعضهم: ((إذا قمتم إلى الصلاة)) باقٍ على عمومه،
ولكن اختلفوا في ذلك على أقوال أيضاً:
أولاً: منهم من قال: إنَّه باقٍ على عمومه؛ لكنه محمول على الندب.
فيشمل سائر حالات القائم، وسائر الصلاة، فيندب لكل قائم إليها أن يتوضأ.
ويستدلون بحديث أنس السابق، وفعل النبي # لذلك كان طلباً للفضل كما
كان يفعله ابن عمر، وعلي، وهو مروي عن الخلفاء. وسيأتي عن علي: ((أنه
توضأ وضوءاً خفيفاً وقال: هذا وضوء من لم يحدث))، ویروی عن ابن عمر:
وضوء على وضوء نور. على نور وقد رجّح هذا القول إمام المفسرين بلا
مدافعة محمد بن جرير الطبري دخلتُ .
قال مُقيّده عفا الله عنه: وحينئذٍ يكون وجوب الوضوء على المحدث مأخوذاً
من السنة، ويؤيد هذا اتفاقهم على أن الوضوء كان مفروضاً قبل نزول الآية فهو
واجب لأن الصلاة فرضت قبلها، فهو واجب على المحدث عند القيام إلى الصلاة،
وإن اختلفوا هل وجوبه بالحدث، أو بالقيام إلى الصلاة، أو مجموع الأمرين،
والصحيح: أن الوجوب بالقيام إلى الصلاة بشرط الحدث فالحدث موجب.
ثانياً: وقال آخرون: إنه كان واجباً لكل صلاة فلما شق ذلك عليه أمر
بالسواك عند كل صلاة، ووضع عنه الوضوء إلّا من حدث، فكان هذا في أول
الأمر، ثم نسخ. وربما استدلوا بحديث رواه أحمد، وأبو داود، وابن خزيمة،
وابن حبّان، والحاكم، والبيهقي عن عبد الله بن حنظلة الغسيل: ((أن
رسول الله ◌َ﴿ أمر بالوضوء لكل صلاة، طاهراً كان أو غير طاهر، فلما شق
عليه وضع عنه الوضوء إلا من حدث))، ولا يتم الاستدلال به على أنه كان
واجباً لما تقدم عن أنس وسويد وغيرهما، كقصة الجمع يوم الخندق، ولأن فيه
دعوى نسخ القرآن بالسنة.