النص المفهرس
صفحات 1-20
الْجَامِع الصَّحِيحُ وهو سُنْنُ الَّبِذِيّ لأبى عيسى محمّدبن عيسى بن سَوْرَةَ ٢٠٩ - ٢٧٩ تحقيق سوف مَنْ كَانَ فِى بَيْتِهِ هَذَا الْكَابُ فَكَامًا ف ◌َنِ سَىُ يَتََّلَمُ القاضى الشرعى الجِزِءُ الأَوَّل إِلَيِّ يَصْعَدَالْكَلِ الطَّيْبُ وَالْغَمَلُ الصَّالِحُ رَفِيَُّهُ الحمد لله رب العالمين. وصلى الله عل أشرف خلقه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب. الذى بثه هادياً ونذيراً. اهذ به النوع الإنسانى من ظلمات الجهالة إلى نور العلم، وبصّرهم طريقَ الهدى والرشاد، فكان بذلك رحمةٌ إدالين، وأنزل عليه الكتاب هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان : وأمره بأن يبين الناس ما نُزُل إليهم ، فكانت سنته هى البيانَ الواضح المنير ، وأمر الناسَ كلَّهم بطاعة الرسول فى شأنهم كله، ((فَلَ وَ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُكَ فِيَ شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِى أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً ◌ِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلُِّوا تَسْلِمَ(١))). ((فصلى الله على نبينا كلما ذكره الذاكرون ، وغفل عن ذكره الغافلون، وصلى الله عليه فى الأولين والآخرين ، أفضل وأكثر وأز كى ما صلَّى على أحدٍ من خلقه . وز كانا وإيا كم بالصلاة عليه، أفضل مازكىَّ أحداً من أمته بصلاته عليه، والسلامُ عليه ورحمة الله وبركاته، وجزاه الله عنا أفضلَ ما جزَى مرسّلاً عن من أُرسل إليه، فإنه أنقذنا به من الملكة، وجعلنا فى خير أمةٍ أُخرجتْ الناس، دائنين بدينه الذى ارتضى، واصطفى به ملائكته ومَن أنعم عليه من (١) سورة النساء (٦٥) - ٥ - خلقه، فلم ◌ُسِ بنا نعمةٌ ظَهَرَتْ وَلا بَطَنَتْ، نِلْنَا بها حظًّا فى دين ودنيا ، أو دُفع بها عَنَّا مكروهٌ فيهما وفى واحدٍ منهما -: إلّ ومحمدٌ صلى الله عليه سَيِّها، القائد إلى خيرها، والهادى إلى رُشدها، الذائدُ عن الهلكة وموارد الشَّوْء فى خلافِ الرُّشد، المُنَبَّهُ للأسباب التى تورِدُ الهلكة ، القائمُ بالنصيحة فى الإرشاد والإنذار فيها . فعلى الله على محمد وعلى آل محمد، كما صلَّى على إبراهيم وآل إبراهيمٍ، إنه حميدٌ مجيدٌ(١))). أما بعد : فإنى منذ بضع وعشرين سنة ، أو على التحقيق، فى أواخر جمادى الآخرة سنة ١٣٢٩ - : شرعتُ فى كتابة شرح على [سنن الترمذى] ولم أكد أبداً حتى وضعتُ القلم، إذ وجدتُنى أُقْدم على عمل لم تهيأ لى أسبابُهُ ، وكان نزوة من نَزَوَات الشباب، وما أقدمت عليه إلاّ عن حتى لهذا الكتاب، ثم صار فكرةً تدور فى رأسى ، وأمنيةً تجول فى خاطرى، وكنت أرجو أن أوفق إلى إخراجها فى يوم من الأيام، لِما أيقنتُ فى نفسى، عن مراسٍ وخبرةٍ وتجربةٍ : أنّ هذا الكتابَ (كتابَ الترمذى) أنفعُ كتب الحديث لعلماء هذا العلم ومتعلميه ، إذ جعله مؤلفه - رحمه الله - معلماً لتعليل الأحاديث تعليماً عمليًّا، فيكشف القارئ عن درجة الحديث من الصحة أو الضعف، مبيّناً ما قيل فى رجاله ممن تُكُلٍ فيهم ، مرجّعاً بين الروايات إذا اختلفت . فإِن فنّ تعليل الأحاديث أعوصُ أنواع (علوم الحديث)، وأكبرُها خطراً، وأدقّهَا مَالِكَ، لا يُقنه إلّ من رسخت قدمُه فى معرفة الطرق والرجال ، واستناوت بصيرتُهُ بالكتاب والسنة . وكان أبو عيسى الترمذىّ من أساطين هذا الفنّ وأساتذته الكبار ، تخرج فيه وتدرّب بين يدى أعرف الناس به فى ذلك العصر .- عصر النور والعلم (١) اقتباس من كتاب [الرسالة] للامام الشافعى (رقم ٣٩). - ٦ - فى القرن الثالث - وفى مقدمتهم أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل، وأبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخارى، وأبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمى. ثم قيض الله لنا إخواننا الأفاضل أولاد المرحوم السيد مصطفى الحلبى فتحدثنا فى شأن [ سنن الترمذى] ورغبوا فى طبعه طبعة علمية محقَّقَة، وأن يُشرح الكتابُ شرحاً وسطاً، واتفقنا على ذلك، وحُمّلتُ هذه الأمانة الخطيرة، مستعيناً بالله، مهتدياً به، متوكلاً عليه، ولستُ أدرى أَفادنى السنينُ علماً إلى على، أم هى الثقةُّ بالنفسِ والغرورُ بها؟ ولكنى أقدمتُ وأمرى إلى الله، وظنى بربى أن يجعل نيتى خالصة لوجهه الكريم، وبإخلاص النية يُتَقَبَّلُ العملُ، و(( إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى(١))). ((قنسألُ اللهَ المبتدئَّ لنا بنعمِهِ قبلَ استحقاقها، المُدِيَهَا علينا، مع تقصيرنا فى الإتيان على ما أوجبَ به من شكره بها، الجَاعِلَنَا فى خير أمةٍ أُخرجتْ الناس: أَن يَرْزُقَنَا فَهًْ فى كتابه، ثم سوِّ نبيه، وقولاً وعملاَّ يُؤَنَّى به عنَّا حذَّ، ويُوجبُ لنا نافلةَ مَزِيدٍ(٢))). نُسَخُ الكتاب التى يدى فى التصحيح طُبع كتابُ الترمذىّ فى مصرَ مرةً واحدةً ، بمطبعة بولاق سنة ١٢٩٢ بدون شرح ، فى مجلدين نطيفين ، وستعود لذكر هذه الطبعة فيما بعد . وقد طبع أخيراً بمصر مرةً ثانية، ومعه الشرح المسمى [عارضة الأحوذي] القاضى أبى بكر بن العربى، فى ١٣ جزءاً، طبع منها ٧ أجزاء بالمطبعة المصرية سنة ١٣٥٠ وطبع (١) حديث صحيح معروف، رواه الشيخان: البخارى ومسلم فى صحيحيهما، ورواه سائر أصحاب الكتب الستة وغيرهم . (٢) اقتباس من كتاب [ الرسالة] المشافى (رقم ٤٧). - ٧ - الباقى بمطبعة الصاوى سنة ١٣٥٢ وهذه الطبعة لا يوثق بشىء منها ، لكثرة الغلط والخلط فيها من المصححين ، وقد كان صديقى محمد أفندى محمد عبد اللطيف صاحب المطبعة المصرية استعار متى المجلد الأول من نسختى من طبعة بولاق، ليصحح الكتاب عليها، ثم لما رأيت الجزء الأول من المطبوع الجديد خشيتُ أن تكون لى يدٌ فى إفساد كتب السنة والتلاعب بها، إذ وجدتُ الأغلاط فيه لاحصر لها، حتى لقد وجدت مصححيه أدخلوا فى متن الكتاب بعض التعليقاتِ التى كتبتها بحاشية نسختى، وجعلوها من كلام الترمذى(١)، فاستعدتُ ما أعرتُه إياهم، آسفاً متألما ، ولذلك أعرضت عن ذكر هذه الطبعة فى اختلاف الفسيخ التى سأذكرها من كتاب الترمذى، وإنما أشرتُ إليها فى هذا الموضع اضطراراً، نصيحةً المسلمين ((والنصيحةُ لهم فرضٌ لا ينبغى تركُه، وإدراكُ نافلةِ خيرٍ لا يَعُها إِلّ من سَفِهَ نفسَه، وتَرَكَ موضحَ حَظْهِ(٢) » وطُيع الكتابُ أيضاً فى بلاد الهند مراراً ، مع تعليقات مفيدة لبعض الأفاضل التقنين من العلماء عنلك، وقد طبع أيضاً مع شرح وافٍ اسمه [ تحنة الأحوذی ] والذى اعتمدته من نسخ الكتاب المخطوطة والمطبوعة سبعُ نسخ، ذكرتُ رموزَ ستةٍ منها مع وصفها باختصار فى أول الكتاب ( ص ٤) وسأصفها كلها هنا وصفاً مفصلا ؛ وهى : (١) من أمثلة ذلك أننا نجد فى الجزء الأول (ص ١٣ س ٣): ((وأبو هريرة اختلف [على نحو ثلاثين قولا] فى اسمه)) فان جملة ((على ثلاثين قولا) ليست من كلام الترمذى، بل هى من تعليقاتى نقلا عن الشيخ الرفاعى . وفى (ص ٨٣ س٨) جملة («رواه أحمد وأبو داود)) وهذه من تعليقاتى أيضا، وظاهر بداهة أنها ليست من قول الترمذى . (٢) اقتباس من كلام الشافى فى (الرسالة رقم ١٧٠). - ٨ - ١ - نسخة من طبعة بولاق سنة ١٢٩٢ كانت فى ملك الأستاذ العالم الكبير الشيخ أحمد الرفاعى المالكى، من كبار علماء الأزهر، وقد ◌ُمت هى وسائر كتبه إلى مكتبة الجامع الأزهر، صويا لها عن الضياع ، تبرعاً من ابنه الأستاذ الفاضل الشيخ على الرفاعى (القاضى بالمحاكم الشرعية الآن)، وهى نسخة نفيسة جلولة، قرأ الأستاذ الرفاعى الكبير الكتابَ كلّ فيها قراءة درس وعناية، ومححها تصحيحاً جيداً، وضبط بقلمهَ كلّ ما كان موضعاً للإِشكال والاشتباه . وكتب فى أولها بخطه مانصه: ((قال أحمد الرفاعى المالكى: أروى سنن الإمام الترمذى عن مشايخ ، منهم شيخنا العلامة الشيخ إبراهيم السقّا الشافعى، وهو يرويه عن مشايخ ، منهم الشيخ الأمير الصغير، عن والده السلامة الأمير الكبير، عن الشيخ العدوى، عن الشيخ عقيلة المكى، عن الشيخ حسن المُجَيمى، عن الشيخ أحمد بن محمد القشاش ، عن الشيخ أحمد بن علىّ الشناوى، عن والده الشيخ على بن عبد القدوس الشناوى ، عن الشيخ عبد الوهاب الشعرانى، عن الشيخ زكريا بن محمد ، عن زين الدين المراغى العثمانى ، عن شرف الدين إسمعيل بن إبرهيم الجبرتى، عن أبى الحسن على بن عمر الوانى ، عن الشيخ محى الدين محمد بن علىّ بن عربى الطالى الحاتمى، عن عبد الوهاب بن على بن سكينة البغدادى، عن أبى الفتح عبد الملك بن عبد الله الكروخى، عن أبى إسميل عبد الله بن محمد الأنصارى المروى، عن عبد الجبار الجرّاحى، عن أبى العباس محمد بن أحمد بن محبوب ، عن مؤلفه الترمذى أبى عيسى محمد بن عيسى بن سَوْرَة بن موسى الضحاك السلمى الضرير البُوغى نسبة إلى : بوغ: قرية من قرى ترمذ ، ضبط بفتح التاء والم، ويكسرها ، وبضها ، والتداول على ألسنة تلك المدينة فتح التاء وكسر الميم، والمعروف قديماً كسر التاء - ٩ - واليم. توفى الترمذى بترمذ سنة تسع وسبعين ومائتين، ومولده سنة تسع ومائتين والله سبحانه وتعالى أعلم)». وَكَتَبَ فى آخر الجزء الأول بخطه ما نصه: ((انتهى تصحيح هذا السفر بحسب الطاقة مع عدة نسخ والمراجعة ، فى ٣ رمضان من سنة ١٣١١ على يد كاتبه أحمد الرفاعى المالكى، أحسن الله له ولإخوانه والمسلمين بحسن الختام، وسمعه منا جمع كثير من الإخوان ، لَطَفَ اللهُ بنا وبهم)). وكَتَبَ فى آخر الجزء الثانى بخطه ما نصه: ((قد تمّ تصحيح هذا الجزء مع التحرّى والمقابلة على عدة نسخ ، فصار كأصل سابقه بحسب الإمكان، فى الثالث والعشرين من شوال سنة ألف وثلاثمائة وأحد عشر ، وكان ابتداء القراءة مع جمّ كثير من الإخوان إلى المنتهى ، فى رجب سنة تاريخه ، على يد مالكه أحمد الرفاعى المالكى الأزهرى، لطف الله به وبالمسلمين)). وهذه النسخة نرمز لها بحرف (ب ). ٢ - نسختى الخاصة من نفس طبعة بولاق، وقد عنيتُ بها أشدَّ العناية، وسمعتُ الكتابَ فيها كلّه - إلّ فوتاً يسيراً - من والدى الأستاذ الأكبر الشيخ محمد شاكر وكيل الجامع الأزهر سابقاً، وكتبتُ فى أوّلها على الجزء الأول فى وقت السماع ما نصه: ((ابتدأ سيدى الأستاذ الوالد السيد محمد شاكر وكيل مشيخة الأزهر فى قراءة هذه السنن ، يوم الأحد ١٣ محرم سنة ١٣٣١ هجرية، وأنا وأخى الشيخ على (١) نسمع منه، وأنا مع ذلك أصمح هذه النسخة على (١) هو شقيقى السيد على محمد شاكر ، ولد بالقاهرة وقت أذان العصر من يوم السبت ٢٦ ذى الحجة سنة ١٣١١ ونال شهادة العالمية من الجامع الأزهر الشريف فى يوم الاثنين ١٤ محرم سنه ١٣٣٩ وعين قاضيا بالمحاكم الشرعية فى رمضان سنة ١٣٤٥ وهو الآن قاض بمحكمة الزقازيق الابتدائية الشرعية حفظه الله . = ==... نسخة الأستاذ العلامة الشيخ أحمد الرفاعى المالكى ، فإنه قرأها وضبطها تمام الضبط، وكتب عليها سنده)). ثم نقلت صورة ما كتبه العلامة الرفاعى. وكتبتُ عليها فى آخر الجزء الأول ما نصه: ((بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، آمين. وبعد: فقد فرع مولانا الأستاذ الوالد السيد محمد شاكر وكيل مشيخة الأزهر الشريف ومدير القسم الأولى للأزهر الشريف من قراءة هذا الجزء يوم الاثنين تاسع شهر المحرم من سنة ١٣٣٢ هجرية، وقد سمعته منه غير فوت يسير من أول : باب ما جاء فى المرأة تمتق ولها زوج، إلى آخر: باب حدثنا الحسن بن عرفة . وكانت قراءته فى نسخة مسموعة على الأستاذ الشيخ أحمد الرفاعى، وهى طبع الهند، وكانت سعى فى الدرس نسخة الأستاذ الرفاعى نفسه، وعليها خطه ، وكلها مضبوطة بخط، فكنت أضبط نسختى هذه عليها ، وما اشتبهنا فيه من الرجال والألفاظ بحثنا عنه فى مظانّه ، حتى برزت هذه النسخة تختال من الصحة والضبط فى برد قشيب، لا توازيها أخرى ولا تدانيها، بل قد فاقت - والحمد لله - نسخة مولانا الأستاذ الرفاعى رضى الله عنه ورحمه ، هذا عدا السهو والخطأ، وفقنا الله تعالى لما فيه رضاه، وأصلح أحوال أهل الاسلام، ووفقنا للتمسك بكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، آمين )) . وكتبتُ فى آخر الجزء الثانى ما نصه: ((ختم مولانا الأستاذ الوالد السيد محمد شاكر قراءة هذا الجزء يوم الثلاثاء ٦ ربيع الثانى سنة ١٣٣٢ هجرية(١)، وكانت قراءته فى النسخة الهندية، وكنت أقابل وأسمح هذه ، ومعى نسخة الشيخ الرفاعى رحمه الله، فصارت هذه من أصح النسخ التى يعتمد عليها ، وفقنا الله سبحانه وتعالى إلى الخيرات، وأصلح أحوال المسلمين، آمين)). (١) من طرائف الموافقات ومحاسنها أبى أنقل هذا الكلام هنا فى يوم الأحد ٦ ربيع الثانى سنة ١٣٥٧ أى بعد ٢٥ سنة كاملة. - ١٠ - - ١١ - .-. وهذه النسخة هى التى نرمز لها بحرف ( ). ٣- نسخة مطبوعة فى مدينة دهلى فى الهندسنة ١٣٢٨ هـ وبحاشيتها شرح يسمى [مع قوت المفتذى] للمجمعوى، وتعليقات لبعض الأفاضل من علماء الهند . وهذه النسخة هى التى نرمز إليها بحرف (ء ). ٤ - نسخة مطبوعة فى دهلى أيضاً سنة ١٣٤١ - ١٣٥٣ فى أربعة مجلدات كبار، ومعها شرح [ تحفة الأحوذي] تأليف العالم العلامة الشيخ محمد عبد الرحمن بن الحافظ عبد الرحيم المباركفورى ، من كبار علماء الحديث بالهند ، وهو شرح تقيس جدًّا، وقد توفى مؤلفه منذ عامين تقريباً فيما بلغنا ، رحمه الله ورضى عنه . والمفهوم من كلامه فى مواضع من الشرح أنه كان يستمد فى تصحيح متن الترمذى على النسخة السابقة المطبوعة بالهند وعلى نسخ أخرى مخطوطة ، وقد ذكر فى أثنائه أنه كتب مقدمة لهذا الشرح ، ولعله وصف فيها النسخ التى اعتمدها، ولكن هذه المقدمة لم تصل إلينا، وبلغنى أنها طبعت بالهند . وهذه النسخة هى التى ترمز لها بحرف (و ) . ٥ - نسخة مخطوطة فى أربعة مجلدات ، بقلم واضح جميل ، محفوظة بدار الكتب المصرية، برقم ( ٦٤٨ حديث) والمجلد الأول والثالث ناقصان من أول كل منهما، وأول المجلد الأول فيها (باب ما جاء فى مباشرة الحائض ) فى الصفحة (٢٣٩) فى الجزء الأول من هذه الطبعة. وعدد أوراق كل جزء منها كما ذكر بفهرس دار الكتب (٢٢٣، ٢٦٥، ٢٣٥، ٢٣٧) وقد تمت كتابة هذه النسخة فى ٣ رجب سنة ٧٢٦ وهى نسخة جيدة ، يغلب عليها الصحة ، وخطؤها قليل . وهذه النسخة هى التى ترمز لها بحرف (م) وقد كتب خطأ فى كشف الرموز (ص ٤) من هذا الجزء أنه حرف (م). - ١٢ - ٦ - نسخة هى العمدة فى تصحيح الكتاب ، وهي ضمن مجموعة قية، وقعت لى بالشراء فى ربيع الأول سنة ١٣٥٥: مجلدٌ واحدٌ ضخم، فيه من الكتب ما أذكره: الموطأ، وصحيح البخارى، وصحيح مسلم ، وسنن أبي داود ، وسنن الترمذى ، وسنن النسائى . ومجموع أوراقه ٥٧٥ ورقة، وتفصيلها: الموطأ (٥٠)، والبخارى (١٥٤)، ومسلم (١٢٠)، وأبو داود (٦٤)، والترمذى (٩٩)، والنسائى (٨٨)، وذلك غير ما فيه من الأوراق البيضاء والفهارس وبعض فوائد وأسانيد، وطول الورقة من أوراقه ٣١,٥ سنتى، وعرضها ٢١ سنتى، وهو مكتوب بخطوط مختلفة دقيقة ، وكلها مصحح مقابل على أصول معتمدة، قابلها العالم العظيم الشيخ محمد عابد السندى ، محدث المدينة المنورة فى القرن الماضى، وقابلها كلها فى نحو سبعة أشهر من سنتى ١٢٢١، ١٢٢٣ فقد أتمّ مقابلة الموطأ فى يوم ٢٢ رمضان ١٢٢١ مع أن الناسخ أ كل نسخه فى ١١ رمضان من تلك السنة، وأتمّ مقابلة النصف الثانى من سلم فى ٢٤ شوال، والنسائى فى ١٠ ذى القعدة، والترمذى فى ١٥ ذى الحجة، كل ذلك من سنة ١٢٢١ وأتم مقابلة أبى داود فى صفر، والنصف الأول من مسلم فى ٢ ربيع الأول، والبخارى فى ٤ ربيع الثانى، كل ذلك من سنة ١٢٢٢ وكتب على الموطأ ما يفيد أن مقابلته كانت ( فى جامع صنعاء) . ويظهر لى من كل هذا آن المجموعة كلها كتبت وقوبلت فى صنعاء ، لأن من المعروف أن أكثر شيوخ الشيخ عابد السندى من اليمنيين ، ولان المدة ما بين ٢٢ رمضان سنة ١٢٢١ و٤ ربيع الثانى سنة ١٢٢٢ لا تكفى لكتابة الكتب الخمسة ومقابلتها مع السفر من صنعاء إلى المدينة . ومن الواضح أن الناسخين كانوا يكتبون فى وقت واحد تقريباً فى هذه الكتب. وكما أتموا شيئاً قابله وصححه الشيخ عايد السندى ، الذى ينسخون الكتب برسمه، ولذلك ترى أن النصف الثانى من صحيح مسلم قويل قبل النصف الأول . - ١٣ - والشيخ عابد ذكره شيخنا الحافظ الكبير السيد عبد الحىّ الكتانى فى كتابه [ فهرس الفهارس والأثبات ] المطبوع بفاس سنة ١٣٤٦ ووصفه بقوله (ج ١ ص ٢٧٠): ((شيخ شيوخنا، محدّث الحجاز ومسنده، عالم الحنفية به، الشيخ محمد عابد بن أحمد بن على السندى الأنصارى المدنى الحنفى ، المتوفى بالمدينة المنورة سنة ١٢٥٧)). وهذه النسخة هى أصح النسخ التى وقعت لى من كتاب الترمذى ، على بعض أغلاط قليلة فيها ، مما لا يخلو منه کتاب ، وفيها زيادات صحيحة ليست فى سائر النسخ ، تظهر القارئُ من الاطلاع على هذا الشرح، وكتب ناسخها فى آخرها ما نصه: (( حرر فى النصف الأول من شهر الله الحرام القعدة عام إحدى وعشرين ومائتين وألف من الهجرة النبوية ، على صاحبها وآله وصحبه أفضل الصلوات ونوامى البركات ،فى اليُكَر (١) والعشيات)) ولم يذكر فيها اسم ناسخها، لأنها مكتوبة بخط كاتبين ، ثم كتب الشيخ عابد السندى بخيله ما نصه: « بلغت مقابلته على أصل صحيح معتمد بحسب الطاقة البشرية، وأرجو الصحة، وكان ذلك فى ١٥ شهر الله الحرام ذى الحجة سنة ١٢٢١)). وهذه النسخة هى التى نرمز إليها بحرف (٤ ) . ٧ - نسخة مخطوطة وقعت لى بالشراء بعد الشروع فى طبع هذا الشرح، ابتداء من الباب ( رقم ٨٥ ج ١ ص ١٩٨) وهى نسخة جديدة ، يظهر من ورتها وخطها أنها مكتوبة فى القرن العاشر أو الحادى عشر، ويظهر أن ناسخها نقلها من نسخة لأحد تلاميذ الحافظ ابن عساكر ، لأن فى أولها ما نصه : ((أخبرنا الشيخ الإمام العالم الحافظ الثقة أبو القاسم علىّ بن الحسن بن هبة الله الشافعى(٢) أيده الله، قراءة عليه ونحن نسمع، فى شهور سنة ثمان وخمسين (١) ((البكر)) بضم الباء وفتح الكاف: جمع ((بكرة)) بضم الياء وإسكان الكاف ، كغرفة وغرف . (٢) هو الحافظ الكبير، محدث الشأم ، ابن عساكر الإمام، صاحب التصانيف= - ١٤ - وخمسمائة، بمدينة دمشق، فى جامعها، قيل له: أخبركم الشيخ أبو الفتح عبد الملك بن أبى القاسم بن أبى سهل الأزرجى الهروى قراءة عليه وإنّا نسمع ببغداد ، فأقر أنيه(١) ، قال: أخبرنا القاضى أبو عامر محمود بن القاسم بن محمد الأزدى وأبو نصر عبد العزيز بن محمد الترياقى وأبو بكر أحمد بن عبد الصمد الفورجى ، قالوا : أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجرّاحى المروزى، قال : أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد بن محبوب بن فضيل التاجر المروزى المحبوبي قال : أخبرنا أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذى الحافظ رحمهالله)». فالذى يروى الكتاب عن ابن عساكر سنة ٥٥٨ ليس كاتب النسخة قطعاً ، لأن خطها وورقها لا يناسب ذلك التاريخ، وإنما نقل ناسخها الإسناد الذى وجده فيما ينقل عنه، ولو كان آخر النسخة موجوداً لتبين ذلك فى الغالب . وهذه النسخة ناقصة من موضعين: أولهما : من أثناء أبواب الحج، مما يوازى السطر ١١ من الصفحة ١٦١ من الجزء الأول من طيعة بولاق ، إلى أثناء أبواب الجنائز ، مما يوازى السطر ١٧ من الصفحة ١٨١ من نفس الجزء . ثانيهما : من أثناء كتاب الطل ، مما يوازى السطر ٣ من الصفحة ٣٣٨ إلى آخر الكتاب ص ٣٤١ من الجزء الثانى من طبعة بولاق . وهى نسخة متوسطة الصحة ، ليست مما يعتمد عليه فى التصحيح، ولکها أفادتنى كثيراً فى مواضع متعددة ، خصوصاً فى الترجيح عند اختلاف النسخ ، وقد لاحظت أنها كثيراً ماتوافق النسختين المطبوعتين فى الهند ، ولم أنبه على مافيها من خطأ إلّ فى القليل النادر، وإنما يُحْفَظُ الغلطُ على مَن غَلب عليه الصواب. = والكتب ، ومؤلف تاريخ دمشق، فى نحو من خمسين مجلدا كبيرا، وهو موجود بالمكتبة التيمورية بدار الكتب المصرية ، ولد ابن عساكر فى أول سنة ٤٩٩ ومات فى ١١ رجب سنة ٥٧١، وانظر ترجمته فى تذكرة الحفاظ للذهبى (٤ : ١١٨ - ١٢٣). (١) كذا فى النسخة، وهو خطأ من الناسخ، صوابه ((فأقربه)» كماهو ظاهر واضح. - ١٥ - ..... وهذه النسخة هى التى نرمز إليها بحرف (~) تصحيحُ الكُتُب تصحيحُ الكتب وتحقيقُها من أشقّ الأعمال وأكبرها تَبِعَةٌ ، ولقد صَّوَّر أبوعمرو الجاحظ ذلك أقوى تصویر، فی کتاب(الحیوان) فقال (ج ١ ص ٧٩ من طبعة أولاد السيد مصطفى الحلبى بمصر) : « ولربما أراد مؤلفُ الكتاب أن يُصلِح تصحيفاً، أو كلمة ساقطة، فيكون إنشاء عشر ورقاتٍ من حُرِّ اللفظ وشريف المعانى: أيْسَرَ عليه من إتمام ذلك النقص، حتى يردَّه إلى موضعه من أمثلة الكلام ، فكيف يطيقُ ذلك المعارضُ المستأجَرُ، والحكيم نفسُه قد أعجزه هذا البابُ! وأعجبُ من ذلك أنه يأخذُ بأمرين: قد أصلحَ الفاسدَ وزاد الصالحَ صَلاحًا، ثم يصير هذا الكتابُ بعد ذلك نسخةً لإنسانِ آخَرَ ، فيسير فيه الورَّاقِ الثانى سيرةٌ الورّاق الأول ، ولا يزال الكتاب تتداوله الأيدى الجانية، والأعراضُ المفسِدةُ، حتى يصير غلّطاً صِرِفاً ، وكذبًا مصتاً، فما ظنكم بكتاب تتعاقبه المترجمون بالإفساد، وتتعاورُهُ الخُطّطُ شرٍ من ذلك أو بمثله، كتابٍ متقادم الميلاد ، دُهْرِئَّ الصنعة! )) . وقال الأخفش: « إذا نُسِيَ الكتابُ ولم يُعَارَضْ، ثم نُسِخَ وَلم يُمارَضْ -: خَرَج أعجميًّا (١) ». ٠ وصدق الجاحظُ والأخفشُ، وقد كان الخطر قديمًا فى الكتب المخطوطة ، وهو خطر محصور ، لقلة تداول الأيدى إياها ، مهما كثرتْ وذاعتْ ، فماذا كانا تِلَّبْنِ لورأيا ما رأينا من المطابع، وما تجترحه من جرائم تسميها كُتُباً !! (١) عن كتاب علوم الحديث لابن الصلاح طبعة المطبعة العلمية بحلب سنة ١٣٥٠ (ص ١٧٦). - ١٦ - ألوف من النُّتخ من كل كتاب، تُنْشّر فى الأسواق والمكاتب، تتناولها أيدى الناس ، ليس فيها صحيح إلّ قليلاً ، يقرؤها العالم المتمكن ، والمتعلم المستفيد ، والعامىّ الجاهل، وفيها أغلاط واضحةٌ، وأغلاط مشكلةٌ، ونقصٌ وتحريف : فيضطرب العالم المثبت، إذا هو وقع على خطأ فى موضع نظر وتأمل ، ويظن بما على الظنون، ويخشى أن يكون هو الخطئ،فيراجع ويراجع، حتى يستبين له وجه الصواب ، فإِذا به قد أضاع وقتاً نفيساً ، وبذل جهداً هو إليه أحوج ، ضحيةً لعبٍ من مصحح فى مطبعةٍ ، أو عَمْدٍ من ناشرٍ أُمّىّ ، يأبى إلّ أن يُؤَسِّدَ الأمرَ إلى غير أهله، ويأبى إلّ أن يركب رأسه، فلا يكون مع رأيه رأىٌ: ويشتبه الأمرُ على المتعلم الناشئ، فى الواضح والمشكل ، وقد يثق بالكتاب بين يديه ، فيحفظ الخطأ ويطمئن إليه ، ثم يكون إقناعه بغيره عسيراً: وتصوّرٌ أنت حالَ العامئ بعد ذلك !! وأىُّ كتبٍ مُتَلَى هذا البلاء؛ كتبُ مى روهٌ صَحبةٌ من مجد الإسلام، ومفخرةٌ المسلمين، كتبُ الدين والعلم: التغيرِ والحديثِ، والأدب والتاريخ، وما إلى ذلك من علوم أُخَر . وفى غَمرة هذا العبث تضىء ◌ِقِلّةٌ من الكتب، طبعت فى مطبعة بولاق قديما ، عند ما كان فيها أساطين المصححين ، أمثال الشيخ محمد قطة العدوى، والشيخ نصر الهورينى ، وفى بعض المطابع الأهلية كمطيعة الحلبى والخانجى . وشىء نادر عُنى به بعضُ المستشرقين فى أوروبة وغيرها من أقطار الأرض، يمتاز عن كلّ ما طبع فى مصر بالمحافظة الدقيقة - غالباً - على ما فى الأصول المخطوطة التى يطبع عنها ، مهما اختلفت، ويذكرون ما فيها من خطأ وصواب، يضعونه تحت أنظار القارئين، فرب خطأ فى نظر مصحح الكتاب هو الصواب الموافق لما قال المؤلف ، وقد يتبينه شخص آخر ، عن فهم ناقب أو دليل ثابت . ١٧ - ٢ - مقدمة سنن الترمذى وتمتاز طبعاتهم أيضاً بوصف الأصول التى يطبعون عنها ، وصفاً جيداً، يُظْهِرُ القارئَ على مبلغ الثقةِ بها، أو الشكِّ فى صحتها ، ليكون على بصيرة من أمره . وهذه ميزة لن تجدها فى شىء ما طبع بمصر قديما ، بلغ مابلغ من الصحة والاتقان، فها هى الطبعات الصحيحة المتقنة من نفائس الكتب المطبوعة فى بولاق، أمثال الكشاف والفخر والطبرى وأبى السعود وحاشية زاده على البيضاوى وغيرها من كتب التفسير، وأمثال البخارى ومسلم والترمذى والقسطلانى والنووى على مسلم والأم للإِمام الشافعى وغير ذلك من كتب الحديث والفقه ، وأمثال لسان العرب والقاموس والصحاح وسيبويه والأغانى والمزهر والخزانة الكبرى والعقد الفريد وغيرها من كتب اللغة والأدب، وأمثال تاريخ ابن الأثير وخطط المقريزى ونفح الطيب وابن خلكان وذيله والجبرتى وغيرها من كتب التاريخ والتراجم ، إلى غير ذلك مما طبع من الدواوين الكبار ، ومصادر العلوم والفنون : أتجد فى شىء من هذا دليلا أو إشارة إلى الأصل الذى أخذ عنه ؟ ! . وأقربُ مَثَل لذلك [ كتاب سيبويه]: طبع فى باريس سنة ١٨٨١ م (توافق سنتى ١٢٩٨، ١٣٩٩ هـ) ثم طبع فى بولاق فى سنى ١٣١٦ - ١٣١٨ هـ وتجد فى الأولى اختلافَ النسخ تفصيلا بالحاشية ، ومقدمةً باللغة الفرنساوية فيها بيان الأصول التى طبع عنها ، ونصَّ ماكتب عليها من تواريخَ وسماعاتٍ واصطلاحاتٍ وغير ذلك حرفيًّا بالغة العربية ، ثم لا تجد فى طبعة بولاق حرفاً واحداً من ذلك كله، ولا إشارة إلى أنها أُخذت عن طبعة باريس . فكان عملُ هؤلاء المستشرقين مرشداً للباحثين منّا المُعْدَثَين ، وفى مقدمة من قلّدم وسار على نهجهم العلامة الحاج أحمد زكى باشا رحمه الله ، ثم من سار سیرته واحتذى حذوه . - ١٨ - وعن ذلك كانت طبعات المستشرقين نفائسَ لْتُنفىو علاقاً تُذَّخر، وتغالى الناسُ وتغالينا فى اقتنائها، على علوّ ثمنها، وتعسّر وجود خير منها على راغبيه. ثم غَلاَ قومُنا غلوًا غيرَ مُسْتَسَاعٍ، فى تجيد المستشرقين ، والإشادة بذكرهم ، والاستخذاء لهم ، والاحتجاج بكل ما يصدر عنهم من رأى : خطإٍ أو صوابٍ ، يتقلدونه ويدافعُون عنه ، ويجعلون قولهم فوقَ كلَّ قول ، وكلمتهم عائيةً على كلّ كلمةٍ ، إِذْ رأوم أتقنوا صناعةً من الصناعات : صناعةَ تصحيح الكتب ، فظنوا أنهم بلغوا فيما اشتغلوا به من علوم الاسلام والعربية الغايةَ ، وأنهم امتَدَوْا إلى ما لم يهتد إليه أحدٌ من أساطين الاسلام وباحثيه ، حتى فى الدين : التفسير والحديثِ والفقهِ . وجهلوا أو نَسُوا ، أو علموا وتناسَوْا -: أن المستشرقين طلائعُ المبشِّرين ، وأن جُلَّ أبحاثهم فى الإسلام وما إليه إنما تصدر عن هَوَّى وقصدٍ دَفِينٍ ، وأنهم كسابقيهم ( يُحرِّقُونَ الكلم عن مواضِِهِ) وإنما يَفْضُلونهم بأنهم يحافظون على النصوص ، ثم م يحرفونها بالتأويل والاستنباط . نعم : إن منهم رجالاً أحرارَ الفكر ، لا يقصدون إلى التعصب ، ولا يميلون مع الهوى، ولكنهم أخذوا العلم عن غير أهله ، وأخذوه من الكتب ، وم يحثون فى لغةٍ غيرِ لغتهم ، وفى علوم لم تمتزج بأرواحهم ، وعلى أُسُسٍ غيرِ ثابتة وضعها متقدموم ، ثم لا يزال ما نشئوا عليه واعتقدوا، يغليُهم ثم ينحرفُ بهم عن الجادّة، فإِذا م - ١٩ - -- قد ساروا فى طريق آخرَ، غيرِ ما يؤدِّى إليه حريةُ الفكر والنظرُ السليم. ومعاذ الله أن أبخس أحداً حقّه. أو أُنكِرّ ما للمستشرقين من جهدٍ مشكور فى إحياء آثارنا الخالدة، ونشر مفاخر أئمتنا العظماء. ولكنى رجلٌ أريدُ أن أضعَ الأمورَ مواضعَها، وأنْ أُثِرَّ الحقَّ فى نصابه، وأريد أن أعرف الفضل لصاحبه، فى حدود ما أسدى إلينا من فضلٍ، ثم لا أباوزَ به حدَّه، ولا أعلوَ به عن مستواه. ولكنّى رجلٌ أتعصبُ لدينى ولغتى أشدَّ العصبية ، وأعرف معنى العصبية ، وحَدَّها ، وأنْ ليس معناها العدوانَ، وأنْ ليس فى الخروج عنها إلّالذكّ والاستسلامُ، وإنما معناها الاحتفاظ بمآثرنا ومفاخرنا، وحَوْطُها والذّودُ عنها، وإنما معناها أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، وأعرف أنه « ما غُزِىَ قومٌ قطُ فى مُقْر دارم إِلَّ ذَلُوا)) وقَدْ - والهِ - غُزِينَاَ فى مُقْرٍ دارنا ، وفى نفوسنا، وفى عقائدنا، وفى كل ما يقدّسُه الاسلامُ ويَفْخَرُ به المسلمون . وكان قومُنا ضعافًا، والضعيف مُغْرَى أبدًاً بتقليد القوىّ وتمجيده، فرأوا من أعمال الأجانب ما بهرأبصارَم ، فقددوم فى كل شىء ، وعظّموم فى كل شىء، وكادت أن تعصفَ بهم العواصف ، أولا فضل الله ورحمته . غَرَّ الناسَ ما رأوا من إتقان مطبوعات المستشرقين ، فظنوا أن هذه خطةٌ اخترعوها ، وصناعة ابتكروها، لا على مثال سبق، ليس - ٢٠ - لهم فيها من سلفٍ ، ووقع فى وهمهم أن ليس أحد من المسلمين بمستطيع أن يأتى بمثل ما أتوا، بَلْهَ أن يُزَّم، إلّ أن يكون تقليداً واتباعًا ، وراحوا يثقون بالأجنى، ویزدرون انّ قومهم ودينهم ، فلا يعهدون له يجلائل الأعمال وعظيمها ، بل دائما : المستشرقون ! المستشرقون !! ويَلقى الأجنبىُّ منهم كلَّ عون وتأييد، إلى مالَهُ فى قومه وبلاده من عون وتأييد. وقد يُلْقُون للسل والمصرىّ فضلاتٍ من الثقة، على أن يكون ممن يعلنون اتباع المستشرقين، والاقتداء بهم والاهتداء بهديهم وعلى أن يكون ممن درسوا وتعلموا باللغات الأجنبية، حتى فيما كان من العلوم إسلاميّاً وعربيًّا خالصاً، وعلى أنه إذا عُيد الأجنبى ومصرى بعمل واحد: كان الاسم كله للأول، والثانى تابعٌ، ولمله أن يكون الثانى أرسخَ قدمًا فيما عيد إليهما، على قاعدة ((عَلَّهُ وَأَطِعْ أَمرَه)) !! وما كان هذا الذى نَصفُ خاصًا بالعمل فى الكتب وحدها ، وإنما هى ذلة ضُربت على المسلمين فى شأنهم كله ، عن خطط تبشيرية ثم استعماريةٍ ، رُسِمِتْ ونُفّذتْ، فى كل بلد من بلدان الاسلام، وليس المقامُ مقامَ تفصيل ذلك ، ولكنا نعود إلى ما نحن بسببه من تصحیح الكتب لم يكن هؤلاء الأجانب مبتكرى قواعد التصحيح، وإنما سبقهم إليها علماء الاسلام المتقدمون ، وكتبوا فيها فصولاً قية ، تذكر بعضها هنا، على أن يذكر القارئ أنهم ابتكروا هذه القواعد - ٢١ - لتصحيح الكتب المخطوطة، إذ لم تكن المطابع وُجدتْ، ولو كانت لديهم لأتوا من ذلك بالعجب العجاب ، ونحن وارثو مجدهم وعزم ، وإلينا انتهت علومهم ، فلملنا تحفزهممنا لإتمام ما بدؤا به. نَبْنِى كما كانتْ أوائلُنا تَبْنِ وتَفْلُ مثلَ ما فَلُوا قال أبو عَمرو بنُ الصَّلاَح(١) فى كتاب (علوم الحديث) ، (ص ١٧١ - ١٨٥ من طبعة حلب سنة ١٣٥٠): ((إن على كَتَبَة الحديث وطلبته صرفَ الهمة إلى ضبط ما يكتبونه أو يحصلونه بخطّ الغير من مروياتهم ، على الوجه الذى رووه، شكلاً ونقطاً يؤمَن معها الالتباس. وكثيراً ما يتهاون بذلك الواثقُ بذهنه وتَيِفُظُه ، وذلك وخيمُ العاقبة ، فإِن الإنسان معرّض النسيان، وأولُ ناسٍ أولُ الناس(٣) ، وإعجامُ المكتوب ◌َمْنَعُ من استعجامه ، وشَكلهُ يمنع من إشكاله. ثم لا ينبغى أن يتعنى بتقييد الواضح الذي لا يكاد ياجى، وقد أحسنَ مَن قال: إنما يُشْكَلُ مَا يُشْكِلُ . وقرأت بخط صاحب كتاب [ سِمَات الخطُ ورقومه] علىّ بن إبراهيم (١) هو الامام الحافظ المفتى شيخ الاسلام تقى الدين أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن الشهرزورى الشافى، ولد سنة ٥٧٧، ومات فى ٢٥ ربيع الآخرسنة ٦٤٣ وترجمه الحافظ الذهبى فى تذكرة الحفاظ (٤: ٢١٤ - ٢١٥) . ويفهم من كلام الحافظ زين الدين العراقى المتوفى سنة ٨٠٦ - أن كثيرا مما فى هذا الفصل، أو أكثره -: أخذه ابن الصلاح من كتاب [ الالماع فى ضبط الرواية وتقييد السماع ] القاضى عياض ، وهو الحافظ الامام العلامة عالم المغرب القاضى أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض بن عمروبن موسى اليحصى ، ولد سنة ٤٧٦ وتوفى ليلة الجمعة ٩ ربيع الآخر سنة ٥٤٤ بمراكش، وهو صاحب كتاب [الشفا بتعريف حقوق المصطفى]. (٢) إشارة إلى قوله تعالى: ( وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَفَسِىَ وَمَ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا) سورة طه آية ١١٥. - ٢٢ - ـن الإعجامَ والإعراب إلا فى المنتبس. البغدادى ، فيه - : إن أهل الخ. أن يُشَكَل ما يُشكل ومالا يشكل ، وحکی غیرُه عن قومٍ على لا يميز ما يشكِل مما لا يشكِلِ ، وذلك لأن المبتدئ وغير المتح؟ علم . ولا صوابَ الإعراب من حف .. وهذا بيان أمور مفيدة فى ذات. أحدها: ينبغى أن يكونالعلم :. مِن بَيْن ما يَكْتبسُ بضبط الملتبس من أسماء الناس أكثرَ، فإِنها لا تدوت .. مى، ولا يُستدلُّ عليها بما قبلُ وبعدُ. الثانى: يُستحبُّ فى الأنفاظ من كافة أن يُكرِّر ضبطَها: بأن يَضبطها فى متن الكتاب، ثم يكتب قُبلة ذلك فى الحاشية مفردة مضبوطةً ، فإِن ذلك أبلغُ فى إباتها، وأبعدُ من التباسبة، وما ضبطه فى أثناء الأسطر ربما داخله نقطُ غيره وشكلهُ، مما فوقه وتحته، لاسيما عند دقة الخطّ وضيق الأسطر، وبهذا جرى وسم جماعة من أهل الضبط (١)، والله أعلم. الثالث: يكره الخط الدقيق من غير عذر يقتضيه ، روينا عن حنبل (١) هذا من أدق أنواع الاحتياط فى الضبط، وأنثم مارأيت من ذلك فى خطوط العلماء: خط الربيع بن سليمان صاحب الشافعى ، فى كتاب [الرسالة ] الشافى ، المكتوب كله بخط الربيع فى حياة الشافى ، أى فى المدة بين سنة ١٩٩ وسنة ٢٠٤ ، فانه عند ما تشقبه الكلمة فى السطر ويخشى أن يخطئء فيها قارئها ، يكتبها واضحة مرة أخرى بالحاشية . وقد اختار بعض العلماء طريقة أدق من هذه . قال الحافظ العراقى فى شرحه على كتاب ابن الصلاح: ((اقتصر الصنف على ذكر كتابة اللفظة المشكلة فى الحاشية مفردة مضبوطة، ولم يتعرض لتقطيع حروفها ، وهو متداول بين أهل الضبط ، وفائدته ظهور شكل الحرف بكتابته مفردا، كالنون والياء إذا وقعت فى أول الكلمة أو فى وسطها ، ونقله ابن دقيق العيد فى الاقتراح عن أهل الانقان فقال : ومن عادة التقنين أن يبالغوا فى إيضاح الشكل ، فيفرقوا حروف الكلمة فى الحاشية ويضبطوها حرفا حرفا)» . - ٢٣ -- - ـ ٢ بن إسحق(١) قال: رآنى أحمد بن حنبل وأنا أكتب خطاً دقيقاً، فقال: لا تفعل ، أحوج ما تكون إليه يخونك(٢) وبلغنا عن بعض المشايخ أنه كان إذا رأى خطًا دقيقً قال : هذا خط من لا يوقن بالخلف من الله! والعذر فى ذلك هو مثل أن لا يجد فى الورق سعة ، أو يكون رّلا يحتاج إلى تدقيق الخط ليخفّ عليه محمل كتابه ، ونحو هذا ، والله أعلم . الرابع: يُخْتار له فى خطّه التحقيق ، دون الَشْقِ والتعليق ، بلفنا عن ابن قتيبة قال: قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: شرء الكتابة المشْقُ، وشرً القراءة الهذرمةُ، وأجود الخطّ ابِيِنَهُ . والله أعلم . الخامس : كما تضبط الحروف المعجمة بالنقط: كذلك ينبغى أن تُضبط المهملاتُ غيرُ المعجمة بعلامة الإهمال ، لتدل على عدم إعجابها . وسبيل الناس فى ضبطها مختلف : فمنهم من يقلب النقط ، الذى فوق المعجمات تحت ما يشا كلها من المهملات ، فينقط تحت الراء والصاد والطاء والعين ونحوها من المهملات(٣). وذكر بعض هؤلاء أن النُّقَط التى تحت السين المهملة تكون مبسوطة صفًّا ، والتى فوق الشين المعجمة تكون كالأثافى (٤). (١) هو الحافظ حنبل بن إسحق بن حنبل بن هلال بن أسد ، ابن عم الامام أحمد بن محمد بن حنبل ، وهو تلميذه أيضا، مات فى جمادى الأولى سنة ٢٧٣ وقد قارب الثمانين من عمره . (٢) يعنى أنه إذا كبرت سنه وضعف بصره، واحتاج أن يعود إلى ماسمع فى شبابه ليسمعه منه تلاميذه - : خانه الكتاب الدقيق، فعسرت عليه قراءته . (٣) قال الحافظ العراقى فى تعليقه: ((أطلق المصنف فى هذه العلامة قلب النقط العلوية فى المعجمات إلى أسفل المهملات ، وتبع فى ذلك القاضى عياضًا ، ولا بد من استثناء الحاء المهملة، لأنها لونقطت من أسفل صارت جما . (٤) الأثافىّ: حجارة ثلاثة توضع عليها القدر، واحدها ((أنفية)) بضم الهمزة أو كسرها مع إسكان الثاء المثلثة وكسر الفاء وتشديد الياء . - ٢٤ - ومن الناس من يحمل علامة الإهمال فوق الحروف المهملة كتلامة الظفر مضجعة على قفاها، ومنهم من يجمل تحت الحمامهنة حاء مفردة صغيرة ، وكذا تحت الدال والطاء والصاد والسين والعين، وسثر الحروف المهملة الملتبسة مثل ذلك . فهذه وجوه من علامات الإهمال شائعة معروفة . وهناك من العلامات ماهو موجود فى كثير من الكتب القديمة ، ولا يفطن له كثيرون، كعلامة من يجعل فوق الحرف المهمل خطًّاً صغيراً، وكعلامة من يجعل تحت الحرف المهمل مثل الهمزة(١)، والله أعلى. السادس: لا ينبغى أن يصطلح مع نفسه فى كتابه بما لا يفهمه غيره، فيوقع غيره فى حيرة، كفعل من يجمع فى كتابه بين رواياتٍ مختلفةٍ، ويرمز إلى رواية كلّ راو بحرف واحدٍ من اسمه أو حرفين ، وما أشبه ذلك. فإن بيَّن فى أول كتابه أو آخره مراده بتلك العلامات والرموز فلا بأسَ ، ومع ذلك فالأولى أن يتجنب الرمز، ويككتبَ عند كلّ رواية اسمَ راويها بكه مختصراً، ولا يقتصر على العلامة ببعض . والله أعلم السابع : ينبغى أن يجمل بين كلّ حديثين دارةً تفصِلُ بينهما وتُميّزُ، وممن بلغنا ذلك عنه من الأئمة: أبو الزناد، وأحمد بن حنبل، وإبراهيم (١) قال الحافظ العراقى: ((اقتصر المصنف فى هذه العلامة على جعل خط صغير فوق الحرف المهمل ، وترك فيه زيادة ذكرها القاضى عياض فى [الالماع فكى عن بعض أهل المشرق أنه يعلم فوق الحرف المهمل بخط صغير يشبه النبرة، فذف المصنف منه ذكر النبرة، والمصنف إنما أخذ ضبط الحروف المهملة بهذه العلامات من [الالماع] القاضى عياض، وإذا كان كذلك حذفه لقوله: يشبه النبرة -: يخرج هذه العلامة عن صفتها، فإن النبرة هى الهمزة، كماقال الجوهرى وصاحب المحكم، ومقتضى كلام المصنف أنها كالنصبة لا كالهمزة. والله أعلم » - ٢٥ - ٠ بن إسحق الحَرْبى، ومحمد بن جرير الطبرى ، رضى الله عنهم . واستحبّ الخطيب الحافظ أن تكون الداراتُ عقلاً، فإذا عارض فكلُّ حديث يفرغ من عرضه ينقط فى الدارة التى تليه نقطةً، أو بخطّ فى وسطها خطا. قال : وقد كان بعض أهل العلم لا يعتدّ من سماعه إلاّ بما كان كذلك أو فى معناه ، والله أعلم . الثامن: يكره فى مثل ((عبد الله بن فلان بن فلان)) أن يكتب («عبد)) فى آخر سطر والباقى فى أول السطر الآخر، وكذلك يكره فى ((عبد الرحمن بن فلان)»، وفى سائر الأسماء المشتملة على التعبيد الله تعالى -: أن يكنب ((عبد)) فى آخر سطر واسم ((الله)) مع سائر النسب فى أول السطر الآخر . وهكذا يكره أن يكتب ((قال رسول))، ويكتب فى السطر الذى يليه ((اللهِ صلى الله عليه وسلم)) وما أشبه ذلك والله أعلم(١). التلع: ينبنى إه أن يحدافئاً على كتبة الصلاة والتسليم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذكره، ولا يَنْأَمَ من تكرير ذلك عند تكرره ، فإن ذلك من أكبر الفوائد التى يتعجَّلُها طلبةُ الحديث وَكَتَبَتُهُ، ومَنَ أَغفل ذلك حُرم حظًّاً عظيماً. وقد روينا لأهل ذلك منامات صالحة ، وما يكتبه من ذلك فهو دعاء يُتُبْتُه، لا كلامٌ يرويه، فلذلك لم يتقيد فيه بالرواية ، ولا يقتصر فيه على مافى الأصل وهكذا الأمر فى الثناء على الله سبحانه عند ذكر اسمه، نحو ( عز وجل)) (١) قال الحافظ العراقى: ((اقتصر الصنف فى هذا على الكراهة، والذى ذكره الخطيب فى كتاب [ الجامع ] امتناع ذلك، فانه روى فيه عن أبى عبد الله من بطة أنه قال : هذا كله غلط قبيح ، فيجب على الكاتب أن يتوقاه ويتأمله ويتحفظ منه. قال الخطيب: وهذا الذى ذكره أبو عبد الله صحيح فيجب اجتنابه، انتهى . واقتصر ابن دقيق العيد فى [الاقتراح] على جعل ذلك من الآداب ، لامن الواجبات . والله أعلم )) . - ٢٦ - و ((تبارك وتعالى)) وما ضاهى ذلك، وإذا وُجد شىء من ذلك قد جاءت به الروايةُ كانت العناية بإثباته وضبطه أكثرَ . وما وُجد فى خط أبى عبد الله أحمد بن حنبل رضى الله عنه من إغفال ذلك عند ذكر اسم النبي صلى الله عليه وسلم - : فلعلّ سببه أنه كان يَرَى التقيد فى ذلك بالرواية ، وعز عليه اتصالها فى ذلك فى جميع من فوقه من الرواة . قال الخطيب أبو بكر: وبلغنى أنه كان يصلى على النبى صلى الله عليه وسلم نطقاً لاخطًّا. قال: وقد خالفه غيرُه من الأمة المتقدمين فى ذلك . ورَوى عن على بن المدينى وعباس بن عبد العظيم العنبرى قالا: ما تركنا الصلاةً على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى كل حديث سمعناه ، وربما تَجِلْناً فنبّضُ الكتاب فى كل حديث حتى ترجع إليه . والله أعلم . ثم ليجتَبْ فى إثباتها نقصين: أحدهما: أن يكتبها منقوصةً صورةً ، رامزّاً إليها بحرفين أو نحو ذلك. والثانى : أن يكتبها منقوصةٌ معنّى بأن لا يكتب ((وسلم))، وإن وُجد ذلك فى خط بعض المتقدمين. سمعتُ أبا القاسم منصور بن عبد المنعم وأمَّ المؤيد بنتَ أبى القاسم بقراء تى عليها، قالا: سمعنا أبا البركات عبد الله بن محمد الفَرَاوى لفظً، قال: سمعت المقرئَ ظريفَ بنَ محمد يقول: سمعتُ عبدَ الله بن محمد بن إسحق الحافظِ يقول: سمعتُ أبى يقول: سمعتُ حمزةَ الكِنَانيَّ يقول: كنتُأ كتب الحديث، وكنت أكتبُ عند ذكر النبى («صلى الله عليه)» ولاأ كتب ((وسلم)» فرأيت النبى صلى الله عليه وسلم فى المنام ، فقال لى: مَالَكَ لا تُمُّ الصلاةَ على؟ قال: فما كتبتُ بعد ذلك ((صلى الله عليه)) إلّ كتبتُ ((وسلم)». ووقع فى الأصل فى شيخ المقرى ظريفٍ ((عَبد الله))، وإنما هو ((ُبيد الله)) بالتصغير، ومحمد بن إسحق أبوه هو (( أبو عبد الله بن منده )) فقوله (( الحافظ)) إذن مجرورٌ. - ٢٧ - قلت: ويكره الاقتصار على قوله (عليه السلام))، والله أعلم . العاشر: على الطالب مقابلةُ كتابه بأصل سماعه وكتابٍ شيخه الذى يرويه عنه ، وإن كان إجازةً . روينا عن عروة بن الزبير رضى الله عنهما أنه قال لابنه هشام : كتبْتَ ؟ قال: نعم ، قال: عَرَضْتَ كتابك؟ قال: لا، قال: لم تَكتُب! وروينا عن الشافعى الإمام وعن يحيى بن أبي كثير قالا: من كتَبَ ولم يعارض كمن دخل الماء ولم يَسْتنج(١). وعن الأخفش قال: إذا نُسخ الكتابُ ولم يعارَضْ، ثم نسخ ولم يعارَضْ -: خرج أعجميًّا. (١) قال الحافظ العراقى: ((هكذا ذكره المصنف عن الشافعى، وإنما هو معروف عن الأوزاعى وعن يحيى بن أبي كثير، وقد رواه عن الأوزائى أبو عمر بن عبد البرفى كتاب [ جامع بيان العلم] من رواية بقية عن الأوزاعى ، ومن طريق ابن عبد البر رواه القاضى عياض فى كتاب [ الالماع] باسناده، ومنه يأخذ المصنف كثيرا، وكأنه سبق فامه من. [الأوزاعى] إلى [ الشافعى]. وأما قول يحي بن أبى كثير فرواه ابن عبد البر أيضا، والخطيب فى كتاب [الكفاية] وفى كتاب [الجامع] من رواية أبان بن يزيد عن يحي بن أبى كثير ، ولم أرلهذا ذكرا عن الشافى فى شىء من الكتب المصنفة فى علوم الحديث ، ولا فى شىء من مناقب الشافعى. والله أعلم)). وانظر كتاب ابن عبد البر [ جامع بيان العلم وفضله ] (ج ١ ص ٧٧ - ٢٨) ففيه ماذكره العراقى هنا، وزاد فيه أيضا مانصه: ((وذكر الحسن الحلوانى فى كتاب [ المعرفة] قال : سمعت عبد الرزاق يقول: سمعت معمرا يقول : أو عورض الكتاب مائة مرة ما كاد يسلم من أن يكون فيه سقط، أو قال: خطأ)). وابن عبد البرولد بقرطبة فى ٢٥ ربيع الآخر سنة ٣٦٨، ومات ليلة الجمعة آخر ربيع الآخر سنة ٤٦٣ بمدينة شاطبة بالأندلس، فعاش ٩٥ سنة. والحسن الحلوانى مات سنة ٢٤٢. وعبد الرزاق مات سنة ٢١١ . ومعمر مات سنة ١٥٤ . - ٢٨ - ثم إن أفضل المعارضة أن يعارض الطالبُ بنفسه كتابه بكتاب الشيخ مع الشيخ فى حالة تحديثه إياه من كتابه ، لما يجمع ذلك من وجوه الاحتياط والاتقان من الجانبين، وما لم تجتمع فيه هذه الأوصاف نقص من مرتبته بقدر ما فاته منها ، وماذكرناه أولى من إطلاق أبى الفضل الجارودى الحافظ الهروى قولَه : أصدقُ المعارضة مع نفسك . ويستحب أنه ينظر معه فى نسخته من حضر من السامعين ممن ليس معه نسخة، لا سيما إذا أراد النقل منها. وقد رُوى عن يحيى بن معين أنه سُئل عمن لم ينظر فى السكتاب والمحدثُ يقرأ : هل يجوز أن يُحدّث بذلك؟ فقال: أما عندى فلا يجوز ، ولكن عامة الشيوخ هكذا سماعهم. قلتُ: وهذا من مذهب أهل التشديد فى الرواية ، وسيأتى ذكر مذهبهم إن شاء الله تعالى. والصحيح أن ذلك لا يُشترط، وأنه يصح السماعُ وإن لم ينظر أصلاً فى الكتاب حالة القراءة، وأنه لا يشترط أن يقابله بنفسه ، بل يكفيه مقابلة نسخته بأصل الراوى، وإن لم يكن ذلك حالة القراءة ، وإن كانت المقابلة على يلئ غيره ، إذا كان ثقةً موثوقاً بضبطه . قلتُ : وجائزٌ أن تكون مقابلتُهُ بفرعٍ قد قُوبل المقابلةَ المشروطةَ بأصلٍ شيخهِ أَصلِ السماع ، وكذلك إذا قابل بأصلِ أَصلِ الشيخِ المقابلِ به أصلُ الشيخ ، لأن الغرض المطلوبَ أن يكون كتابُ الطالب مطابقً لأصل سماعه وكتاب شيخه، فسواء حصل ذلك بواسطةٍ أو بغير واسطةٍ ، ولا يجزئُ ذلك عند من قال: لا نصح مقابلته مع أحد غير نفسه، ولا يقلدُ غيرَه، ولا يكون بينه وبين كتاب الشيخ واسطة، وليقابلْ نسختَه بالأصل بنفسه حرفاً حرفً، حتى - ٢٩ - يكون على ثقة ويقين من مطابقتها له، وهذا مذهبٌ متروكٌ، وهو من مذاهب أهل التشديد المرفوضة فى أعصارنا ، والله أعلم . أما إذا لم يقابل أصله بالأصل أصلاً فقد سئل الأستاذ أبو إسحق الإسفرائينى عن جواز روايته منه ؟ فأجاز ذلك . وأجازه الحافظ أبو بكر الخطيب أيضاً، وبيَّن شرطَه ، فذكر أنه يشترط أن تكون نسخته نقلت من الأصل ، وأن يُبين عند الرواية أنه لميعارض ، وحكى عن شيخه أبى بكر البرقانى أنه سأل أبا بكر إلا سمعيلى: هل للرجل أن يُحدِّث بما كتب عن الشيخ ولم يعارض بأصله؟ فقال: نعم، ولكن لا بدّ أن يبيّن أنه لم يعارض ، قال : وهذا مذهب أبى بكر البرقانى، فإنه رَوى لنا أحاديث كثيرةً قال : فيها : أخبرنا فلان ولم أُعارض بالأصل . قلتُ: ولا بدَّ من شرطٍ ثالثٍ ، وهو : أن يكون ناقلُ النسخة من الأصل غيرَ سقيم النقل ، بل محيحَ النقل قليلَ السَّقَطِ . والله أعلم. ثم إنه ينبغى أن يُراعىَ فى كتاب شيخه بالنسبة إلى من فوقه - : مثلَ ما ذكرنا أنه يراعيه من كتابه، ولا يكونّ كطائفة من الطلبة إذا رأوا سماعَ شيخ لكتابٍ قرءوه عليه من أىّ نسخةٍ اتفقتْ. والله أعلم . الحادى عشر : المختار فى كيفية تخريج الساقط فى الحواشى ، ويسفى ((الَّحَقَ)) بفتح الحاء ـ: أن يَخُطُّ من موضع سقوطه من السطر خطًا صاعداً إلى فوق ، ثم يعطفه بين السطرين عطفة يسيرة إلى جهة الحاشية التى يكتب فيها اللحَقّ . ويبدأ فى الحاشية بكتبةِ اللحَقِ مقابلاً للخط المنعطف، وليكن ذلك فى حاشية ذات اليمين ، وإن كانت تلى وسط الورقة إن اتسعت له فليكتبه صاعداً إلى أعلى الورقة ، لا نازلاً به إلى أسفل قلت: وإذا كان اللحَقُّ سطرين أو سطوراً، فلا يبتدئ بسطوره من - ٣٠ - أسفل إلى أعلى، بل يبتدئ بها من أعلى . . سفر، حيث يكون منتهاها إلى جهة باطن الورقة، إذا كان التخريج فى جهة بين. وإذا كان فى جهة الشمال وقع منتهاها إلى جهة طرف الورقة . ثم يكتب عندانتهاء اللحق ((صح))، بعنده من يكتب مع ((صح)) (رجع)). ومنهم من يكتب فى آخر اللحقِ الكلمة متسنة به داخل الكتاب فى موضع التخريج، ليؤذن باتصال الكلام ، وهذا اختيار بعض أهل الصنعة من أهل المغرب، واختيار القاضى أبى محمد بن خلاّد . صاحب كتاب [ الفاصل بين الراوى والواعى (١)] من أهل المشرق ، مع طائفةٍ ويس ذلك بمرضِيٍّ، إذْرُبَّ كلمةٍ تجىء فى الكلام مكررةٌ حقيقةً، فهذا التكرير يُوقع بعض الناس فى توم مثل ذلك فى بعضه . واختار القاضى ابن خلّد أيضاً فى كتابه أن يمدَّ عطفة خطّ التخريج من موضعه حتى يلحقه بأول التحق بالخلسية، وهذا أيضاً غير مرضىّ، فإنه وإن كان فيه زيادة بيانٍ فهو تسخيمٌ للكتاب، تسويدٌ له، لا سيما عند كثرة الإلحافات . والله أعلم. وإنما اخترناَ كِتْبةَ اللحق صاعداً إلى أعلى الورقة : لئلا يخرج بعده نقصٌ آخر فلا يجد ما يقابله من الحاشية فارغاً له لو كان كتب الأولَ نازلاً إلى (١) هو كتاب [المحدّث الفاصل بين الراوى والواعى] و((الفاصل)) بالصاد المهملة ، ويكتب فى أكثر الكتب المطبوعة بالضاد المعجمة ، وهو خطأ وتصحيف . وهو أول كتاب ألف فى علوم الحديث (المصطلح)) على غالب الظن ، ومؤلفه : الحافظ الامام البارع أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الفارسى الرامهر مرى القاضى، له ترجمة فى [ تذكرة الحفاظ ] (٣: ١١٣) وذكر فيها أن أول سماعه للحديث كان فى سنة ٢٩٠ ونقل عن ابن منده أنه عاش إلى قرب سنة ٣٦٠ وجزم صاحب كشف الظنون (٢ : ٣٩١) أنه مات سنة ٣٦٠. - ٣١ - أسفل . وإذا كتب الأولَ صاعداً فما يجدُ بعدَ ذلك من نقص يجدُ ما يقابله من الحاشية فارغاً له . وقلنا أيضاً : يخرّجه فى جهة البین ـ : لأنه لو خرّجه إلى جهة الشمال فربما ظهر بعده فى السطر نفسِهِ نقص آخر ، فإن خرّجه قدامه إلى جهة الشمال أيضاً وقع بين التخريجين إشكال، وإن خرّج الثانى إلى جهة المين الثقَتْ عطفة تخريج جهة الشمال وعطفة تخريج جهة اليمين أو تقابلتا، فأشبه ذلك الضرب على ما ينهما ، بخلاف ما إذا خرّج الأول إلى جهة البين فإنه حينئذ يخرّج الثانى إلى جهة الشمال ، فلا يلتقيان ولا يلزم إشكال . اللهم إلا أن يتأخر النقص إلى آخر السطر فلا وجه حينئذ إلّ تخريجه إلى جهة الشمال، لقربه منها، ولانتقاء الملة المذكورة، من حيث إنا لا نخشى ظهور قص بعده. وإذا كان النقص فى أول السطر تأكد تخريجه إلى جهة اليمين، لما ذكرناه من العرب مع ما سبق. وأما ما يخرّج فى الحواشى من شرح أو تنبيه على غلط أو اختلاف روايه أو نسخة أو نحو ذلك مما ليس من الأصل - : فقد ذهب القاضى الحافظ عياض رحمه الله إلى أنه لا يُحَرَج لذلك خطُ تخريج، لئلا يُدُخْلَ اللبسَ ويحسبَ من الأصل ، وإنه لا يخرج إلالما هو من نفس الأصل، لكن ربما جعل على الحرف المقصود بذلك التخريج كالضبة أو التصحيح، إيذاناً به. قلت: التخريج أولى وأدَلّ، وفى نفس هذا المخرَّج ما يمنع الإلباسَ. ثم هذا التخريج يخالف التخريج لما هو من مس الأصل ، فى أن خط ذلك التخريج يقع بين الكلمتين اللتين بينهما سقط الساقط ، وخط هذا التخريج بقع على نفس الكلمة التى من أجلها خُرِّجَ الْخَرَّج فى الحاشية. والله أعلم . الثانى عشر: من شأن الحُذاق المتقنين العنايةُ بالتصحيح، والتضبيب، والتمريض : أما التصحيح فهو: كتابة ((*)) على الكلام أو عنده، ولا يفعل ذلك إلّ فيا صحّ روايةً ومعنّى غيرَ أنه عرضةٌ للشك أو الخلاف، فَيَكتب عليه ((صح)) لِيُعْرَف أنه لم يَنْفُل عنه، وأنه قدْ ضُبط وصحَّ على ذلك الوجه . وأما التضبيب، ويسمى أيضاً (التمريض))، فيجعل على ماصح وروده كذلك من جهة النقل ، غير أنه فاسد لفظاً أو معنى . أو ضيف، أو ناقص، مثل أن يكون غير جائز من حيث العربية، أو يكون شاذًّا عند أهلها يأباء أكثرهم، أو مُصَحَّفاً، أو ينقص من جمالة الكلام كلمةً أو أكثر، وما أشبه ذلك، فيمدُّ على ما هذا سبيلُهُ خطٌّ، أوَُّهُ مثل الصاد، ولا يلزق بالكلمة لعلّ عليها، كيلا يُطَنَّ ضرباً، وكأنه صاد التصحيح بمَدَّتِها دون حالها(١) ، كُتبت كذلك ليفرق بين ماصحّ مطلقاً من جهة الرواية وغيرها ، وبين ماصحّ من جهة الرواية دون غيرها، فلم يكمل عليه التصحيح ، وكُتب حرفٌ ناقصٌ على حرفٍ ناقصٍ ، إشعاراً بنقصه ومرضمه، مع حة نقله وروايته ، وتنيهاً بذلك لمن ينظر فى كتابه على أنه قد وقف عليه، وقله على ماهو عليه، ولعلّ غيره قد يُخرج له وجهاً صحيحاً، أو يظهر له بعد ذلك فى صحته ما لم يظهر له الآن ، ولو غَيَّر ذلك وأصلحه على ما عنده ، لكان متعرّضاً لما وقع فيه غيرُ واحدٍ من المتجاسرين ، الذين غيّروا، وظهر الصوابُ فيما أنكروه، والفسادُ فيما أصلحوه. وأما تسمية ذلك ضبةً فقد بلغنا عن أبى القاسم إبراهيم بن محمد اللغوى ، المعروف بابن الإقليلى : أن ذلك لكون الحرف مقفلاً بها، لا يتجه لقراءةٍ ، كما أن الضبة مقفل بها . والله أعلم . (١) يعنى ترسم هكذا (ص) فوق الكلمة. وهذه فى معنى ما يكنبه المصححون فى المطابع الآن من كلمة (« كذا)) عند المواضع التى من هذا النهر. ٣ - مقدمة سق الترمذى - ٣٣ - - ٣٢ - قلت : ولأنها لما كانت على كلام فيه خلل أشبهت الضبة التى تجمل على كسر أوخلل ، استُغير لها اسمها، ومثل ذلك غير مستنكَرِ فى باب الاستعارات(١). ومن مواضع التضبيب أن يقع فى الإسناد إرسالٌ أو اقتطاعٌ، فمن عادتهم تضبيب موضع الإرسال والانقطاع ، وذلك من قبيل ما سبق ذكره ، من التضبيب على الكلام الناقص . ويوجد فى بعض أصول الحديث القديمة ، فى الإسناد الذى يجتمع فيه جماعة معطوفة أسماؤهم بعضها على بعض - : علامةٌ تشبه الضبة فيما بين أسمائهم ، فيتوهم من لاخبرة له أنها ضية، وليست بضبة ، وكأنها علامة وصل فيما بينها، أُثْبتَتْ تأ كيداً للعطف، خوفاً من أن تجمل ((عن )) مكانَ الواو . والعلم عند الله تعالى. ثم إن بعضهم ربما اختصر علامة التصحيح ، فجاءت صورتها تشبه صورة التضبيب. والفطنةُ من خير ما أُوتيه الإنسان . والله أعلم . الثالث عشر: إذا وقع فى الكتاب ما تيسر منه فإنه يُفْقَى عنه بالضرب أو الحكّ أو المحو أو غير ذلك. والضربُ خير من الحكّ والمحو . روينا عن القاضى أبى محمد بن خلاّد رحمه الله قال : قال أصحابنا: الحكّ تُهَةٌ . وأخبرنى من أُخبر عن القاضى عياض قال : سمعت شيخنا أبا بحرٍ سفيانَ بن العاص الأسدىَّ يحكى عن بعض شيوخه أنه كان يقول : كان الشيوخ (١) قال العراقى: «قلت: وفى هذا نظر وبعد، من حيث إن ضبة القدح وضعت جبرا للكسر ، والضبة على المكتوب ليست جابرة، وإنما جعلت علامة على المكان المغلق وجهه ، المستبهم أمره ، فهى بضبة الباب أشبه ، كما تقدم نقل المصنف عن أبى القاسم الإقليلى ، وقد حكاه أبو القاسم هذا عن شيوخه من أهل الأدب ، كما وجدته فى كلامه، وحكاه القاضى عياض فى [الإلماع] فقال : من أهل المغرب ، بدل قوله: من أهل الأدب ، والمذكور فى كلام أبى القاسم ماذكرته ، والله أعلم )) . - ٣٤ - إن كا سل شرخ، حتى لا يُنْشَرُ شى»، لأن ما يُشر منه يكرهون حف. ربما يصح فى رؤية٠بجدة- يسع الكتابُ مرةً أخرى على شيخ آخر، يكون ما يُشْرِ بِلتسوية منا حيحا فى رواية الآخر -: فيحتاج إلى إلحاقه بعد أن بُشر، وهو بالحظ عديد من رواية الأوّل، وصحّ عند الآخر -: اكتُفى بعلامة الآخر عليه حته ثم إنهم اختلف فى كيمية الضرب : فرو بنا عن أبى حمد ن خلاد قال: أجود الضرب أن لايطمس المضروب عليه، بل يخطّ من فرقه خطًّا جيداً بيناً، يَدلّ على إبطاله، ويُقرأ من تحته ماخُط عليه. ورينا عن القاضى عياضٍ مامعناه: إن اختياراتِ الضابطينَ اختلفت فى الضرب: فأكثرهم على مدّ الخط على المضروب عليه ، مختلطاً بالكلمات المضروب عليها، ويسمى ذلك ((الشَّقَّ)) أيضاً (١) ومنهم من لا يخلطه، ويُثبته فوقه، لكنه يعطف طرفى الخطّ على أول المضروب عليه وآخره. ومنهم من يستقبح هذا ، ويراه تسويداً وتطليساً، بل يُحوّق على أول الكلام بنصف دائرة ، وكذلك (١) قال العراقى: ((الشقّ: بفتح الشين المعجمة وتشديد القاف. وهذا الاصطلاح لا يعرفه أهل المشرق، ولم يذكره الخطيب فى [الجامع] ولا فى | الكفاية]، وهو اصطلاح لأهل المغرب، وذكره القاضى عياض، فى [الإلماع]، ومنه أخذه المصنف. وكأنه مأخوذ من الشقّ، وهو الصدع ، أو من شقّ العصا، وهو التفريق، فكأنه فرّق بين الكلمة الزائدة وبين ماقبلها وبعدها من الصحيح الثابت -: بالضرب عليها. والله أعلم. ويوجد فى بعض نسخ [علوم الحديث]: النشق: بزيادة نون مفتوحة فى أوّله وسكون الشين ، فإن لم يكن تصحيفا وتغييرا من النساخ - : فكأنه مأخوذ من نشق الظى فى حبالته : إذا علق فيها ، فكأنه إبطال لحركة الكلمة وإعمالها ، بجعلها فى صورة وثاق يمنعها من التصرّف. والله أعلم )» . - ٣٥ - فى آخره ، وإذا كثر الكلامُ المضروب عليه فقد يفعل ذلك فى أول كل سطر منه وآخره، وقد يكتفى بالتحويق على أول الكلام وآخره أجمع. ومن الأشياخ مَن يستقبح الضرب والتحويق ، ويكتفى بدائرة صغيرة أول الزيادة وآخرها ، ويسميها ((صفراً)» كما يسميها أهل الحساب (١). وربما كتب بعضهم عليه ((لا)) فى أوله، و ((إلى)) فى آخره، ومثل هذا يحسن فيما صح فى رواية وسقط فى رواية أخرى. والله أعلم. وأما الضرب على الحرف المكرر، فقد تقدم بالكلام فيه أبو محمد بن خلاد الرّاءَهُرْ مُزِى رحمه الله (٣)، على تقدمه، فروينا عنه قال : قال بعض أصحابنا: أَولاهما بأنَ يُبْطَلَ الثانى، لأن الأول كُتب على صواب ، والثانى كُتب على الخطأ ، والخطأ أولى بالإيطال. وقال آخرون: إنما الكتاب علامةً لما يُقْرأ ، فأَولى الحرفين بالإبقاء أولُه .: عليه وأسبوتُ ها صورةً. وجاء القاضى عياض آخِراً ففصّل تفصيلاً حسناً: فرأى أنّ تكرُّرَ الحرفِ إن كان فى أوّل سطرٍ فليضرب على الثانى، صيانةً لأول السطر عن النويد والتشويه. وإن كان فى آخر سطر فليضرب على أولهما، صيانةً لَآخر السطر، فإِن سلامة أوائل السطور وأواخرها عن ذلك أولى . فإن اتفق أحدهما فى آخر سطر والآخر فى أول سطر فليضرب على الذى فى آخر السطر ، فإن أول السطر أولى (١) رسم الصفر دائرة عند أهل الحساب إنما هو فى اصطلاح أهل المغرب، الذين منهم القاضى عياض ، وهم كانوا ولا يزالون إلى الآن يكتبون أرقام الحساب برسم الأرقام المعروفة عند الإفريح ، بخلاف أرقام أهل المشرق . (٢) ((الرامهر مزى)) قال السمعانى فى الأنساب: ((بفتح الراء والميم ينهما الألف وضمّ الهاء وسكون الراء الأخرى وضمّ الميم وفى آخرها الزاى المعجمة، هذه النسبة إلى رامهرم، وهى إحدى كور الأهواز من بلاد خوزستان». وقد سبق الكلام على ترجمته فى ( ص ٣١). - ٣٦ - بالمراعاة. فإن كان التكرر فى المضاف أو المضاف إليه، أو فى الصفة أوفى الموصوف، أو نحو ذلك: لم تُراعِ حينئذ أول السطر وآخرَه، بل تراعى الاتّصال بين المضاف والمضاف إليه ونحوهما فى الخطّ، فلا نفصل بالضرب بينهما وتضرب على الحرف المتطرف من المتكرر ، دون الوسط . وأما المحوُ فيقاربُ الكشطَ فى حكمه الذى تقدم ذكره ، وتنوعُ طرقه: ومن أَغْرَبِها - مع أنه أسلمها -: مارُوى عن سُعْنون بن سعيد التنوخى الإِمام المالكى(١): أنه ربما كان كتب الشىء ثم لمقه. وإلى هذا يُؤمِىُّ ماروينا عن إبراهيم النخعى رضى الله عنه أنه كان يقول: من المروءة أن يرى فى ثوب الرجل وشفتيه مِدَادٌ ، والله أعلم. الرابع عشر: لِيَكُنْ فيما تختلفُ فيه الرواياتُ قائماً بضبط ما تختلف فيه فى كتابه، جَيِّدَ التميز بينها، كيلا تختلطَ وتشتبه فيفذَ عليها أمرُها. وسبيلُه: أن يجعل أوّلاً متنَ كتابه على رواية خاصّةٍ ، ثم ما كانت من زيادةٍ لرواية أخرى أَلَّهَا، أو من نقصٍ أَعْلَ عليه، أو من خلافٍ كَتَبَه ، إما فى الحاشية، وإما فى غيرها، مُعَيِّناً فى كل ذلك من رواه، ذاكراً اسمه تمامه، فَإِن رَمَزَ إليه بحرفٍ أو أكثر فعليه ماقدمنا ذكرَه، من أنه يبين المراد بذلك فى أول كتابه أو آخره، كيلا يطُولَ عهدُهُ به فيَفْسَى، أو يقعَ كتابه إلى غيره فيقع من رموزه فى حيرةٍ وعمّ . (١) (سحنون)) بفتح السين المهملة وضمها وسكون الحاء وضمّ النون، وفى فتح السين وضمها كلام من جهة العربية ، وأصله اسم طائر حديد الذهن بالمغرب، ولقب به تشبيها له به. واسمه («عبد السلام بن سعيد التنوخى أبو سعيد)) ولد فى أوّل رمضان سنة ١٦٠ وقرأ على ابن القاسم وابن وهب وأشهب)»، ومات يوم الثلاثاء ٩ رجب سنة ٢٤٠ وأنظر ترجمته فى ابن خلكان (١: ٣٦٦ - ٣٦٧ ) . - ٣٧ - وقد يُدْفَعُ إلى الاقتصار على الرموز عند كثرة الروايات المختلفة، واكتفى بعضهم فى التميز بأن خصَّ الرواية الملحقة بالحمرة، فعل ذلك أبو ذر الهروىّ من المشارقة ، وأبو الحسن القابسى من المغاربة ، مع كثير من المشايخ وأهل التقييد . فإِذا كان فى الرواية الملحقة زيادةٌ على التى فى متن الكتاب كتبها بالحمرة . وإن كان فيها نقصٌ ، والزيادةُ فى الرواية التى فى متن الكتاب -: حَوَّقَ عليها بالحمرة . ثم على فاعل ذلك تبينُ مَن له الرواية المعلمةُ بالحمرة فى أول الكتاب أو آخره ، على ماسبق - والله أعلم . الخامس عشر : غلب على كتبة الحديث الاقتصار على الرمز فى قولهم ((حدثنا)) و(( أخبرنا)»، غير أنه شاع ذلك وظهر، حتى لايكاد يلتبس. أما ((حدثنا)) فيكتب منها شطرها الأخير، وهو التاء والنون والألف ، وربما اقتصر على الضمير منها، وهو النون والألف(١). وأما ((أخبرنا)» فيكتب منها الضمير الذكور مع الألف أولاً(٢) . ونيس بحسن مايفعله طائفةٌ، من كتابة ((أخبرنا)) بألف مع علامة ((حدثنا)» المذكورة أَوْلاً(٣)، وإن كان الحافظ البيهقى ثمن فعله. وقد يكتب فى علامة ((أخبرنا)) راء بعد الألف، وفى علامة ((حدثنا)) دال فى أولها(٤). ومن رأيت فى خطه الدالَ فى علامة (( حدثنا)» الحافظ أبو عبد الله الحاكم، وأبو عبد الرحمن الشامى، والحافظ أحمد البيهقى، رضى الله عنهم . والله أعلم(٥). (١) يعنى تكتب ((ثنا)) أو (نا)). (٢) يعنى تكتب ((أنا)). (٣) أى تكتب ((أسا)) بدون نقط، لأنها توقع القارىء فى الاشتباه واللبس. (٤) يعنى أن تختصر ((حدثنا)) ((دثنا))، و((أخبرنا)) ((أرنا)». (٥) وأقدم ما رأيت أنا فى اختصار ((أخبرنا)) - : خطّ الربيع بن سليمان صاحب الشافعى، فى كتاب [ الرسالة] الشافعى، فهو يختصرها ((أرنا)). ٣٨ - وإذا كان للحديث إسنادان أو أكثر فإنهم يكتبون عند الانتقال من إسناد إلى إسنادٍ ماصورته ح وهى حاء مفردة مهملة، ولم يأتنا عن أحد ممن يستمد بيانٌ لأمرها ، غيرَ أنى وجدتُ بخط الأستاذ الحافظ أبى عثمان الصابونى، والحافظ أبى مسلم عمر بن علىّ الليثى البخارى والفقيه المحدث أبى سعد الخليلى رحمهم الله فى مكانها بدلاً عنها -: ((صح)) صريحة. وهذا يُشعر بكونها رمزاً إلى ((صح))، وحَسُنَ إثباتُ (صح)) ههنا لئلا يتوهم أن حديث هذا الإسناد سقط، والثلا يُرَ كَّب الإسنادُ الثانى على الإسنادِ الأول فيُجعلا إسناداً واحداً. وحَكَى لى بعضُ من جمعتنى وإِياه الرحلةُ بخراسانَ، عمّن وَصَّقه بالفضل من الأصبهانيين: أنها حاء مهعلة من التحويل، أى من إسناد إلى إسناد آخر. وذاكرتُ فيها بعضَ أهل العلم من أهل المغرب، وحكيتُ له عن بعض مَنْ لقيتُ من أهل الحديث أنها حاء مهملة إشارة إلى قولنا ((الحديث))، فقال لى: أهلُ المغرب - وما عرفت بينهم اختلافً - يجعلونها حاء مهملاً، ويقول أحدُهم إذا وصل إليها: ((الحديث))، وذَكرلى أنه سمع بعضَ البغداديين يذكر أيضاً أنها حاء مهملة، وأن منهم من يقول إذا انتهى إليها فى القراءة -: ((حَا)) ويَمُرُّ. وسألتُ أنا الحافظ الرّالَ أبا محمد عبد القادر بن عبد الله الآُهاوى رحمه الله عنها؟ فذَكر أنها حاء من ((حائل)) أى: تحولُ بين الإسنادين، قال: ولا يلفظ بشىء عند الانتهاء [ إِليها] فى القراءة، وأنكر كونها من ((الحديث)) وغير ذلك ، ولم يَعَرَفْ غيرَ هذا عن أحد من مشايخه ، وفيهم عدد كانوا حفّاظَ الحديث فى وقته . قال المؤلف: وأختارُ أنا - والله الموفقُ - أن يقول القارئ عند الانتهاء إليها: (حَا)) ويُ ، فإِنه أحوطُ الوجوه وأعدلُها. والعلم عند الله تعالى. السادس عشر: ذكر الخطيبُ الحافظُ : أنه ينبغى للطالب أن يكتب بعد البسملة اسمَ الشيخ الذى سمع الكتابَ منه، وكنيتَهَ ونَسَبَهَ، ثم بسوقَ ماسمه - ٣٩ - ٠ منه على لفظه. قال : وإذا كتَب الكتابَ المسوعَ فينبغى أن يكتب فوقَ سطر النسمية أسماء من سمع معه، وتأريخَ وقت السماع، وإن أحبّ كَتب ذلك فی حاشية أول ورقة من الكتاب ، فكلاً قد فضله شيوخنا قلتُ: كِتْبَةُ التسميع جنب ذكره أحوطُ له وأحرى بأن لا يخفى على من يحتاجُ إليه. ولا بأس بكتبته آخرَ الكتاب، وفى ظهره، وحيث لا يَخْفى موضعه. وينبغى أن يكون التسميعُ بخط شخص موثوقٍ به ، غيرِ مجهول الخطّ، ولاضير حينئذ فى أن لا يَكتب الشيخُ المُشِعُ خطَّه بالتصحيح. وهكذا لا بأس على صاحب الكتاب - إذا كان موثوقاً به - أن يقتصر على إثبات سماعه بخط نفسه، فطالما فعل الثقاتُ ذلك . وقد حدثنى بمَرْوَ الشيخُ أبو المظفَّر بنُ الحافظ أبى سعد المروزى عن أبيه عمن حدثه من الأصبهانية : أن عبد الرحمن بن أبى عبد الله بن منده قرأ ببغداد جزءا على أبى أحمد الفَرْضِى، وألفاناً، ليكون حبة ه، فقال له أبو أحمد: يأُنَيَّ ، عليك بالصدق، فإنك إن عُرُفتَ به لا يُكذّبك أحدٌ، وتُصدَّقُ فيا تقولُ وتنقلُ ، وإِذا كان غيرَ ذلك فلو قيل لك: ماهذا خطُّ أبى أحمد الفرضى، ماذا تقولُ لهم ؟ !. ء ثم إنّ على كاتب التسميع التحرّىَ والاحتياطَ ، وبيانَ السامع والمسموع منه بلفظ غير محتمل، ومجانبةَ التساهل فيمن يُثُبِتُ اسمَه، والحذر من إسقاط اسم واحدٍ منهم لغرضٍ فاسدٍ . فإن كان مُثبت السماعِ غيرَ حاضر فى جميعه ، لكن أثبته معتمداً على إخبار من يثق بخبره من حاضريه ـ : فلا بأس بذلك إن شاء الله تعالى . ثم إن مَن نَبَت سماعُه فى كتابه فقبيحُ كتمانُه إياه، ومنُه من نقل سماعه ومن نسخ الكتاب، وإذا أعاره إياه فلا يُبطىّ به . - ٤٠ - روينا عن الزهرىّ قال: إياك وُلُولَ الكتب ، قيل له: وما غلول الكتب ؟ قال : حبسُها عن أصحابها . وروينا عن التُضَيّل بن عِياض رضى الله عنه أنه قال : ليس من أفعال أهل الورع ولا أفعال الحكماء -: أن يأخذَ سماعَ رجل وكتابه، فَيَخْبِسَه عنه ، ومَن فعل ذلك فقد ظلم نفسه . فإِنْ مَنَعَه إياه: فقد روينا أن رجلاً ادعى على رجل بالكوفة سماعاً منعه إياه، فتحا كما إلى قاضيها حفص بن غِيَاتٍ ، فقال لصاحب الكتاب : أخرج إلينا كتبك، فما كان من سماع هذا الرجل بخط يدك ألزمناك، وما كان بخطه أعفيناك منه . قال ابنُ خلاد: سألت أبا عبد الله الزُّبيرى عن هذا، فقال: لا يجىء فى هذا الباب حكمٌ أحسنُ من هذا، لأن خطَّ صاحب الكتاب دالٌّ على رضاه باستماع صاحبه معه. قال ابن خلاّد: وقال غيرُه: ليس بشىء. ورَوى الخطيبُ الحافظ أبو بكر عن إسماعيل بن إسحق القاضى: أنه تُحُوكِمَ إليه فى ذلك، فأطرق مليًّا، ثم قال المدعى عليه : إن كان سماعه فى كتابك بخطك فيلزمك أن تعيره ، وإن كان سماعه فى كتابك بخط غيرك فأنت أعلُ قلتُ: حفص بن غياثٍ محدود فى الطبقة الأولى من أصحاب أبي حنيفة(١)، وأبو عبد الله الزُّبيرى من أئمة أصحاب الشافعى(٣)، وإسمثيلُ بن إسحق لسانُ (١) هنا فى ابن الصلاح ((جعفر بن غياث)) وهو خطأ. وقد مضى قريبا على الصواب ((حفص بن غياث)) وهو من تلاميذ أبى حنيفة، ومن شيوخ أحمد بن حنبل، ولد سنة ١١٧ هـ وولى قضاء الكوفة ١٣ سنة، وقضاء بغداد سنتين، ومات سنة ١٩٤هـ. (٢) هو أبو عبد الله الزبير بن أحمد بن سليمان الزيرى صاحب كتاب [الكافي]= - ٤١ - أصحاب مالك وإمامهم(١)، وقد تعاضدت أقوالهم فى ذلك، ويرجع حاصلها إلى أن سماع غيره إذا ثبتَ فى كتابه برضاه فيلزمه إعارته إياه. وقد كان لايتبين لى وجههُ ، ثم وجهتُهُ بأن ذلك بمنزلة شهادةٍ له عنده ، فعليه أداؤها بما حوته ، وإن كان فيه بذلُ ماله، كما يلزمُ متحمل الشهادة أداؤها ، وإن كان فيه بذلُ نفسه بالسعى إلى مجلس الحكم لأدائها. والعلم عند الله تعالى. ثم إذا نَسخ الكتابَ فلا ينقلْ سماعه إلى نسخته إلاّ بعد المقابلة المرضيّة. وهكذا لاينبغى لأحد أن ينقل سماعاً إلى شىء من النسخ ، أو يُثُبتَه فيها عند السماع ابتداء -: إلاّ بعد المقابلة المرضية بالمسموع، كيلا يغترً أحدٌ بتلك النسخة غيرِ المقابلة، إلاّ أن يُبيّن مع النقل وعنده كونَ النسخة غيرَ مقابلة. والله أعلم. هذا آخر ماقال أبو عمروبن الصلاح فى هذا الفصل ، وقد طال جدًّا، ولكنه نفسٌ كله، وفيه فوائد جمةٌ ، ودقائقُ بديعة ، وقد كَتب العلماء بعده فى ذلك الشيء الكثير، منهم المختصر، ومنهم المطيل، وذكروا وجوهاً وتفاصيل أُخَر ، وكلها فى تصحيح المخطوطات كما أسلفنا، ولسنا نحب أن نطيل فيه أكثر من هذا الآن ، خشية الملل والسآمة . وهذه القواعد التى ذكر ابنُ الصلاح يصلح أكثرها فى تصحيح = فى فقه الشافعى. قال النووى: ((مات قبل سنة ٣٢٠)». وله ترجمة فى إتاريخ بغداد] للخطيب (٨: ٤٧١) و(تهذيب الأسماء) النووى (٢: ٢٥٦). (١) هو إسمعيل بن إسحق بن إسماعيل بن حماد بن زيد بن درهم، ولد سنة ٢٠٠ ومات فى أواخر ذى الحجة سنة ٢٨٢، وله ترجمة فى [ الديباج المذهب] (ص ٩٢ - ٩٥ ) . - ٤٢ - الكتب المطبوعة وهى كلها إرشاد للمصحح عند النقل من الكتب المخطوطة، حتى يعرفَ قيمةَ الأصول التى يطبع عنها، أهى مما يوثق به، أم مما يُحتاط فى الأخذ عنه؟ ولو كانت الفرصُ مواتيةً لحرَّرْتُ قواعدَ التصحيح المطبعى ، ووضعتُ له القوانين الدقيقة على أساس ما رسم لنا أعْتُنا المتقدمون، وعلماؤنا الأعلامُ الثقاتُ، لتكونَ دستوراً للمطابع كلها ، ومرشداً للمصححين أجمع ، وعَسَى أُن أفعل ، إن شاء الله، بتوفيقه ، وهدايته وعونه . الفهارس المعجمة وما امتازت به مطبوعات المستشرقين أنْ عُنُوا بوضع الفهارس المرشدة القارئ أتمَّ عناية، فى أغلب أحيانهم. وتفننوا فى أنواعها ، مرتبةً على حروف المجم : فمن فهرس للأعلام ، ومن فهرس الشعراء ، ومن فهرس للقبائل ، ومن فهرس الأسانيد، ومن فهرس للآيات القرآنية، ومن فهرس للألفاظ النبوية، ومن فهرس للمسائل العلمية -: على اختلاف مناحى الكتب التى تعمل لهما النهارس، واختلاف علومها(١) . وهذا عمل قتم جليل، لا يدرك خطرَه وفائدته ، إلاّ من ابتلى بالعناء فى البحث والمراجعة ، وعجز أو وصل إلى ما يريد البحث عنه . وقد تبعهم فى ذلك كثير من المصححين المحدّثين عندنا ، تقليداً لهم، على (١) ومن المستغرب النادر أن أجلّ الكتب وأصحها بعد كتاب الله، وهو: صحيح البخارى ، وهو أشد الكتب حاجة إلى الفهارس المعجمة ، لصعوبة البحث فيه إلا على من تحقق به ، وطالت له ممارسته - : هذا الصحيح طبعه المستشرقون ولم يضعوا له الفهارس كعادتهم !! - ٤٣ -