النص المفهرس

صفحات 501-520

عائشة ، وقد سبق كلام البخاري فيه ، وقال الدارقطني : لم يروه عن إبراهيم
غير أبي روق عطية بن الحرث، ولا نعلم حدّث به غير الثوري وأبي حنيفة من
حديث يحيى بن نظر وصاحب عنه واختلفا فيه فأسنده الثوري عن عائشة،
وأبو حنيفة عن حفصة، وكلاهما أرسله، وإبراهيم لم يسمع من عائشة ولا من
حفصة ولا أدرك زمانهما، وفيه نظر؛ لما علم أنَّ مولده على ما ذكره البيهقي
سنة خمسين، وتوفيت حفصة سنة إحدى وأربعين على ما قاله أبو معشر وابن
أبي خيثمة، وعائشة كانت وفاتها سنة سبع - أو ثمان - وخمسين، والله أعلم .
[٢١٩ / ١]
وقال ابن حزم : هذا الخبر لا يصح؛ لضعف أبي روق/ وقال أبو عمر: هو
مرسل لاختلاف فيه، وفي موضع آخر: لم يروه غير أبي روق، وليس فيما
انفرد به حجّة، وقال النسائي: إبراهيم لم يسمع من عائشة، وليس في هذا
الباب أحسن من هذا الحديث وإن كان مرسل ، وفي الخلافيات: هو فاسد
من وجهين؛ الأول: الإرسال، والثاني: أبو روق لا يقوم به حجة. أما قول
عمر: وليس فيما انفرد به حجة تردّ قوله في كتاب الاستمناء هو عندهم
صدوق ليس به بأس، صالح الحديث، وفي موضع آخر: وقال الكوفيون : هو
ثقة لم يذكره أحد يخرجه، وقال أحمد: ليس به بأس، وقال أبو حاتم الرازي:
صدوق، وذكره أبو حاتم في كتاب الثقات .
وأما إجماعهم على إرساله فليس كذلك؛ لما ذكره أبو الحسن في سننه
مسندًا من طرق صحيحة، فقال: ورواه معاوية بن هشام - يعني: المخرّج
حديثه في صحيح مسلم - عن الثوري عن أبي روق عن إبراهيم عن أبيه -
يعني: المخرّج حديثه في الصحيحين - عنها فوصل إسناده واختلف عنه في
لفظه؛ فقال عثمان بن أبي شيبة فيما ثناه البغوي عنه بهذا الإسناد: (( أن
النبي عَِّ كان يقبّل وهو صائم))، وقال غيره: ((كان يقبّل ولا يتوضأ)).
ولما ذكر البيهقي هذا في المعرفة قال معاوية لي: قويًا لم يُردّ على ذلك، وليس
به علة ترد به هذا لما أسلفناه، والله تعالى أعلم .
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة نا محمد بن فضيل عن حجاج عن عمرو بن
شعيب عن زينب السهمية عن عائشة أن رسول الله عَ له: ((كان يتوضأ ثم
٥٠١

[٢١٩ / ب]
يقبّل ويصلي ولا يتوضأ، وربما فعله بي))(١). هذا حديث قال ابن أبي حاتم :
سألت أبي وأبا زرعة عنه فقالا: الحجاج يدلس في حديث الضعفاء، ولا يحتج
بحديثه، وقال أبو الحسن : زينب هذه مجهولة ولا يقوم بها حجة، ونحوه قاله
أبو/ عمر في الاستذكار، وقال الحاكم: أبو عبد الله فيما ذكره عند البيهقي في
الخلافيات: هذا الإسناد لا يقوم به حجة؛ حجاج على جلالة قدره غير مذكور
في الصحيح، وزينب ليس لها ذكر في حديث آخر ولا أبو بكر .
وقد رواه ابن فضيل الأوزاعي عن عمرو عنها، وقد قيل: عن عمرو عن
أبيه عن جدَّه مرفوعًا: ((كان يقبّل ولا يحدث وضوءًا))(٢). رواه العوفي عنه،
وهو متروك. انتهى كلامه. وفيه بيان لصحة الحديث المذكور حيث قال: ورواه
الأوزاعي عن عمر ، ويخرج حجّاج من أن يكون علة له على قول من أعلّه
به، وعلى التقدير أن يكون ثقة كان حديثه عن عمرو منقطعًا ، قال ابن
المبارك: ولم يبق إلا النظر في حال زينب فقط؛ هل كما قيل: مجهولة، أم لا ،
فنظرنا فإذا أبو حاتم البستي ذكرها في كتاب الثقات؛ فزال عنها - بحمد
الله - اسم الجهالة، وصح حديثها على هذا لما أسلفنا من متابعات وشواهد،
والله تعالى أعلم .
وأما قول البزَّار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن غير عائشة، ففيه نظر؛
لما ذكره أبو القاسم في الأوسط من حديث أبي علي الحنفي عن زفر بن
الهذيل عن ليث بن أبي سليم عن ثابت بن عبيد عن أبي مسعود الأنصاري :
أن رجلًا أقبل إلى الصلاة، فاستقلب امرأته، فأكبّ عليها فناولها، فأتى النبي
عَِّ فذكر ذلك له، فلم يأمره بالوضوء، ولم يروه عن زفر إلا أبو علي. ولما
(١) ضعيف. رواه ابن ماجة (ح/ ٥٠٣) وأحمد فى ((المسند) (٦/ ٦٢) والكنز (١٧٨٥٥).
في الزوائد : في إسناده حجاج بن أرطأة ، وهو مدلّس ، وقد رواه بالعنعنة . وزينب ، قال فيها
الدارقطني : لا تقوم بها حجة . قلت : فهي مجهولة .
وضَّفه الشّيخ الألباني. انظر: ضعيف ابن ماجة (ح/ ١١٢).
(٢) موضوع. جامع مسانيد أبي حنيفة (١/ ٤٢٧) وابن القيسراني (٥٥٤) بلفظ: ((كان
يقبّل ولا يعيد الوضوء)) .
٥٠٢

ذكره أبو الفرج في كتاب العلل من حديثه ذكر ابن عبد الله الشامي القائل
فيه ابن حبان: يروى عن مكحول نسخة أكثرها موضوع، ولا يحل الاحتجاج
به عن مكحول عن أبي أمامة أنه قال: ((قلت : يا رسول الله الرجل يتوضأ
للصلاة ثم يقبّل المرأة أو يلاعبها، أينقض ذلك وضوءه ؟ قال: لا))(١). ذكره
الإسماعيلي في جمعه من حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد
الرحمن،/ عن أم سلمة زوج النبي عَّه: ((أن النبي عَلِ كان يقبلها وهو
صائم، ثم لا يفطر ولا يحدث وضوءًا))(٢). رواه من جهة يزيد بن سنان أبو
فروة الرهاوي قال فيه أحمد وعلي والدارقطني: ضعيف، وقال النسائي :
متروك عن الأوزاعي عن يحيى، ولما ذكره أبو القاسم في الأوسط قال: لم
يروه عن الأوزاعي إلا يزيد بن سنان. تفرد به سعيد بن يحيى الأموي عن أبيه .
[٢٢٠ / ١]
وقد تقدم حديث حفصة من كتاب الدارقطني، وحديث عمرو بن العاص
من عند البيهقي، وقوله؛ ولأنه لم يرو عن عائشة من حديث حبيب وعبد
الكريم أيضًا نظر؛ لما أسلفناه، والله تعالى أعلم .
وفي كتاب التمهيد: روى عن عمر بن الخطاب بإسناد صحيح ثابت أنه
((كان يقبل امرأته ويصلي قبل أن يتوضأ ))(٣). وروى الدارقطني عن ابن أخي
ابن شهاب عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه أن عمر قال: (( القبلة من اللمم
فتوضأ منها))، وهو وهم عندهم وخطأً ، لا حفاظ أصحاب ابن شهاب
يجعلونه عن ابن عمر ولا عن عمر، وذكر إسماعيل بن إسحاق أنَّ مذهب
عمر بن الخطاب في الجنب لا يتهم(٤). ويدل على أنَّه كان يرى الملامسة ما
دون الجماع كمذهب ابن مسعود، فإن صح عن عمر ما قاله إسماعيل بيّ
الخلاف في القبلة عنه، والله أعلم ، وصحح الحاكم ذلك عن عمر في مسنده
وله والبيهقي في كتاب الخلافيات قال أبو عمر: وأما ابن مسعود فإنه يختلف
عنه أن اللمس ما دون الجماع، وأنَّ الوضوء واجب على من قبّل امرأته
كمذهب ابن عمر سواء هو ثابت عن ابن عمر من وجوه، وممن رأى الوضوء
(١) موضوع. ابن القيسراني (١٠٥٩).
(٣) تقدم من أحاديث الباب .
(٢) تقدم من أحاديث الباب .
(٤) كذا ورد ( بالأصل)).
٥٠٣

في القبلة من التابعين: عبيدة السلمان وابن المسيّب وحماد والبيهقي في المعرفة،
وعن ابن مسعود أيضًا من طريق شعبة عن مخارق عن طارق بن شهاب عنه،
[٢٣٠/ ب] قال: وهذا الإسناد/ صحيح موصول. قاله أبو عمر والنخعي ومكحول
الدمشقي وابن شهاب وزيد بن أسلم وسعيد بن عبد العزيز ويحيى الأنصاري
وسعيد بن أبي عبد الرحمن ومالك وأصحابه، وهو قول جمهور أهل المدينة
والشافعي وأحمد وإسحاق ، وأما الذين ذهبوا إلى أن اللمس هو الجماع؛ فعبد
الله بن عباس وعائشة - فيما ذكره في الأسرار - ومسروق والحسن وعطاء بن
أبي رباح وطاوس اليماني وعبيد بن عمير، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه
والثوري وسائر الكوفيين إلا ابن أخي، ورووا عن علي بن أبي طالب مثل
ذلك، واختلف في ذلك عن الأوزاعي، والحجة لأصحابنا أن إطلاق الملامسة
لا يعرف العرب منها إلا اللمس باليد قال الله تعالى : ﴿فلمسوه
بأيديهم﴾(١). وقال عَّه: ((اليدان تزنيان وزناهما اللمس))(٢)، وفيه مع
الملامسة، وهو لمس الثوب باليد وحديث ابن عباس: ((لعلك مسست))، وفي
المستدرك عن عائشة: ((كان يقبّل ما دون الوقاع)). قال أبو عمر: وقد قرنت
الآية: ﴿أو لامستم النساء﴾ (٣) وذلك يفيد اللمس باليد، وحمل الظاهر
والعموم على التصريح على الكناية، وقد روى عبد الملك بن عمير عن ابن أبي
ليلى عن معاذ قال: ((أتى رجل النبي عَّم فسأله عن رجل أتى امرأة لا تحل
له، فأصاب منها ما يصيب الرجل من امرأته إلا الجماع، فقال - عليه السلام -
: توضأ وضوءًا حسنًا))(٤). فأمره بالوضوء لما قال منها دون الجماع - والله
أعلم - انتهى كلامه . وفي استدلاله بحديث معاذ نظر؛ لأن آخره تبين أن
(١) سورة الأنعام آية : ٧ .
(٢) صحيح. رواه أحمد (٢/ ٣٤٣، ٤١١، ٥٢٨، ٥٣٥) والطبراني (١٠/ ١٩٢) وإتحاف
(٧/ ٤٣٤) وحبيب (٢/ ٥٥) .
(٣) سورة النساء آية : ٤٣.
(٤) ضعيف. رواه البيهقي (١/ ١٢٥) والمنثور (٣/ ٣٥٢) ومسير (٤/ ١٦٦) ونصب الراية
(١/ ٧٠) وابن كثير (٢/ ٢٧٧، ٤ /٢٨٨) والطبري (١٢/ ٨١) والدارقطني (١/ ١٣٤)
والحميدي (١٨١) والترمذي (١٢٨/٤ - التحفة) والحاكم (١/ ١٣٥).
=
٥٠٤

[٢٢١ / ١]
المقصود بالوضوء الصلاة لأجل التكفيل لا لأجل اللمس، بين ذلك لسوقه من
كتابي الدارقطني والبيهقي قد علم أنه في كتاب المستدرك، وهو منقطع فيما
بين عبد الرحمن بن أبي ليلى ومعاذ أن رجلًا قال : يا رسول الله ماتقول في
رجل أصاب من امرأة لا تحل له، فلم يدع شيئًا يصيبه الرجل من امرأته/ إلا
قد أصابه منها، إلا أنه لم يجامعها ؟ فقال: (( توضأ وضوءًا حسنًا ثم قم
فصلٌ ، فأنزل الله تعالى : ﴿ أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل ﴾
الآية، فقال معاذ: أهي خاصة له أم للمسلمين عامة؟ فقال: ((بل للمسلمين
عامة))، وأما قوله: إطلاق الملامسة لا يعرف العرب منها إلا اللمس باليد ففيه
نظر؛ لما علمه أئمة اللغة أبو عمرو بن العلاء وابن السكيت والفارابي وابن دريد
والجوهري والبطليوسي والمبرد وصاعد وابن القوطية وابن القطّاع وابن سبرة
والفراء وابن الأعرابي وثعلب وابن الأنباري وأبو عبيد بن سلام والعسكري
والخطابي والأزهري والهروي وابن حيي وابن قتيبة والقزاز والتبريزي وأبو عبيدة
معمر بن المثني وغيرهم ، وفي كتاب الأشراف: وقال عطاء : إن قبَّل حلالا
فلا إعادة عليه ، وإن قبَّل حرامًا أعاد الوضوء فتعيَّن، ولما ذكر ابن حزم حديث
عائشة قال: لو صحَّ لما كانت لهم فيه حجة؛ لأن معناه منسوخ فتعين؛ لأنه
موافق لما كان عليه الناس من قبل نزول الآية، ووردت الآية بشرع زائد لا
يجوز تركه ولا تخصيصه، فإن احتجوا بحديثها الصحيح: (( التمست النبي
عَّ له في الليل فوقعت يدي على باطن قدمه وهو ساجد)). فلا حجة لهم
فيه؛ لأن الوضوء إنما هو على القاصد، واللمس لا على الملموس من دون أن
يقصد هو إلى أصل الملامسة؛ لأنه لم يلامس ، فأيضًا فليس فيه أنه كان في
صلاة وقد سجد المسلم من غير صلاة، وحتى لو صحَّ أنه كان في صلاة،
= قال الترمذي : هذا حديث ليس إسناده بمتصل ، عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من
معاذ ابن جبل ، ومعاذ مات في خلافة عمر ، وقتل عمر وعبد الرحمن بن أبي ليلى غلام صغير
ابن ست سنين ، وقد روى عن عمر ورآه . وروى شعبة هذا الحديث عن عبد الملك بن عمير
عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن النبي عَ ليه مرسلا)).
وبهذا أعلّه البيهقي، فقال عقبة: ((وفيه إرسال عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يدرك معاذ ابن
جبل)) .
٥٠٥

وهذا مالا يصح فليس في الخبر أنه لم ينقض وضوءه ولا أنَّه صلى صلاة
مسابقة دون تجديد وضوء، ثم لو صح أنه كان في صلاة وصح تأديه عليها
وأنه صلى غيرها دون تجديد وضوء - وهذا كلَّه لا يصح أبدًا - فإنه كأن
يكون في هذا الخبر موافقًا للحال التي كان الناس عليها قبل الآية بلا شك ،
وكذا حديث صلاته وهو حامل أمامة؛ لأنه ليس فيه نص أن يديها ورجليها
مسّت شيئًا من بشرته - عليه السلام -/ إذ قد يكون موشحة بقفازين أو
جوريين أو يكون تقريبًا شائعًا، وهو الأولى أن يظن مثلها محضر الرجال ، وإذا
لم يكن ما ذكرنا في الحديث فلا يحل لأحد أن يزيد فيه ما ليس منه؛ فيكون
كاذبًا، وإذا كان ما ظنوا ليس في الخبر وما قلنا ممكنا، أو الذي لا يمكن غيره
بطل تعلّقهم به، والله تعالى أعلم .
[٢٢١/ ب]
٤٠ - باب الوضوء من المذي
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا هشيم عن يزيد عن أبي زياد عن
عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي: سئل رسول الله عٍَّ عن المذي فقال :
((فيه الوضوء، وفي المني الغسل))(١).
هذا حديث أصله في الصحيحين من حديث ابن الحنفية عن أبيه، وخرجه
أبو عيسى عن محمد بن عمرو السواق البلخي ثنا هشيم وثنا محمود بن
غيلان ثنا حسين الجعفي عن زائدة كلاهما عن يزيد بن أبي زياد وقال : هذا
حديث حسن صحيح . ورواه الطبراني في الأوسط من حديث إسماعيلبن
عمرو ثنا زائدة عن حصين بن عبد الرحمن عن حصين بن قبيصة عن علي :
(١) صحيح. رواه البخاري (ح/ ١/ ٤٥، ٥٦) والترمذي (ح/ ١٢١) وابن ماجة (ح/ ٥٠٤)
والنسائي (١/ ٩٦، ٩٧، ٢١٤) وأحمد فى ((المسند)) (١/ ٨٢، ١٠٨، ١١١) والبيهقي
فى ((الكبرى)) (١١٥/١) وابن خزيمة (١٩، ٢٩١) وعبد الرزاق (٦٠٤) والمنثور (١/ ٢٨٥)
وشرح السنة (١/ ٣٣٠) ومشكل (٣/ ٢٩٤، ٢٩٥، ٢٩٦) والكنز (٤٢٥٢، ٢٧٠٥٥)
ومعاني (١ / ٤٦، ٤٧).
قوله: ((المذي)): ماء رقيق يخرج عند الملاعبة والتقبيل ، عادة .
٥٠٦

((كنت رجلاً مذاءً، فسألت النبي عَّه))(١)، ثم قال: لم يروه عن حصين
إلا زائدة. تفرد به إسماعيل ، ومن طريق زائدة رواه أبو عبد الرحمن، قال أبو
القاسم: ورواه غير إسماعيل عن أبي حصين عن حصين بن قبيصة، وخرجه
عن أبي داود الحافظان ابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما من حديث
عبيدة بن حميد عن الركين بن الربيع عن حصين عنه بلفظ: ((فذكر ذلك
للنبي عَّةٍ، أو ذكر له)). وانفرد ابن حبّان بحديث أبي عبد الرحمن عن
علي: (( كنت رجلاً مذاءً فسألت النبي عَ له فقال: ((إذا رأيت الماء فاغسل
ذكرك ... )) الحديث ، ولما ذكر المنذري حديث أبي داود اتبعه قول الترمذي
حسن صحيح /.
[٢٢٢ / ١]
وقد قدمنا ذلك في حديث الترمذي، قال ذلك في حديث يزيد لا هذا
ولم يخرجه في كتابه، إنما هو عند أبي عبد الرحمن وأبي داود فقط، وأغفل
ذكر ابن ماجة ولا ينبغي له ذلك ، ولما ذكر الإشبيلي حديث حصين سكت
عنه إلا ما أبرز من ذكر حصين، ويعقب ذلك ابن القطان عليه بقوله: حصين
من أهل الكوفة، روى عن علي وابن مسعود، وروى عنه الركين والقاسم بن
عبد الرحمن ولا يعرف حاله، واعترض فيه عن عبيدة بن حميد فلم يعلمه به
ولا بين كونه من روايته، وأصاب في ذلك، وإنما أخطأ حين ضعّف من أجله
حديث ابن مسعود: ((كانت صلاة النبي عٍَّ في الشتاء ... ))(٢) الحديث
وعلى تضعيفه ذلك من أجل عبيدة كان يلزمه في هذا أن ينبه على كونه من
روايته، وإذ لم يفعل فقد أخطأ، والله أعلم. انتهى .
حصين روى عنه أيضًا حصين أبو حصين المذكور، ووثقه ابن حبان تذكرة
(١) حسن. رواه أبو داود (ح/ ٢٠٧) والنسائي (١/ ٩٧) وابن ماجة (ح/ ٥٠٥) وعبد الرزاق
(ح/ ٦٠٠) والموطأ (ص/ ٤٠، ٢١٥) وشفع (٤٩) والكنز (٢٧٠٧١) وأحمد فى ((المسند))
(٤/٦) والشافعي فى ((المسند)) (ح/ ١٢).
(٢) ضعيف. رواه أحمد فى ((المسند)): (٣/ ١٣٥، ٦٠) بلفظ: ((كان رسول الله عَ له
يصلي في الشتاء ... ) .
٥٠٧

له في كتاب الثقات، وفيما أسلفناه من توثيقه عند من صحّح حديثه ، وقال
أبو سعد: هو من أسد بن خزيمة بن مدركة، وروى أيضًا عن سلمان؛ فزال -
بحمد الله - ما أعلّه به أبو الحسن، قال الدارقطني: ورواه أبو عبيدة أيضًا عن
الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن علي،
ولم يتابع على هذا القول وهو من الحفاظ، وقال في الأفراد: غريب من
حديث الحجاج بن حجاج عن الأعمش. تفرَّد به إبراهيم بن طهمان عنه، ومن
قال في هذا الحديث: عن الحجاج عن سلمان بن المنذر، فقد وهم وهمًا
قبيحًا ، وأمّا تصحيح الترمذي حديث يزيد ففيه نظر؛ لما علم من اختلاف
نظره فيه؛ فتارة يصحح حديثه وتارة يحسنه وتارة يُضعِّفه، وإذا صحح حديثًا
استدركه عليه، اللهم إلا أن يكون تصحيحه حديثه بالنظر لما عضده من
متابعات وشواهد وغير ذلك ، وقد تقدَّم ما للناس من الكلام في یزید/.
[٢٢٢/ ب]
حدثنا محمد بن بشار ثنا عثمان بن عمر ثنا مالك بن أنس عن سالم أبي
النظر عن سلمان بن يسار عن المقداد بن الأسود أنه سأل النبي عَ له عن
الرجل يدنو من امرأته فلا ينزل قال: ((إذا وجد أحدكم ذلك فلينضح
فرجه))(١). يعني: يغسله ويتوضأ ، هذا حديث خرجه ابن خزيمة في صحيحه
فقال : ثنا يونس بن عبد الأعلى ثنا ابن وهب أن مالكًا حدَّثه، ولفظه: يسأل
عن الرجل إذا دنا من أهله فخرج منه المذي ماذا عليه ، فإن عندي ابنة رسول
الله عَّه وأنا أستحي أن أسأله، قال المقداد: فسألت النبي عَ له عن ذلك
فقال: ((إذا وجد ذلك أحدكم فلينضح فرجه، وليتوضأ وضوءه للصلاة)).
ونحوه ذكره ابن الجارود في منتقاه وابن حبان في صحيحه، وقال إثره:
مات المقداد بالحرن سنة ثلاث وثلاثين، ومات سليمان بن يسار سنة تسع
وتسعين، وقد سمع سليمان من المقداد وهو ابن دون عشر سنين ، وقال أبو
عمر: ورواه ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس أنه سمع
(١) صحيح . رواه أبو داود (ح/ ٢٠٧) والنسائي (١ / ٩٧) وابن ماجة (ح/ ٥٠٥) وعبد
الرزاق (ح/ ٦٠٠) والموطأ (ص/ ٤٠، ٢١٥) وشفع (٤٩) والكنز (٢٧٠٧١) وأحمد فى
((المسند)) (٤/٦) والشافعي فى ((المسند)) (ح/ ١٢).
٥٠٨

عليًا بالكوفة، قال: وقد خولف في ذلك عمرو، والحديث صحيح ثابت عند
أهل العلم، وله طرق شتى عن علي والمقداد وعمار، وكلّها صحاح حسان،
أحسنها ما ذكره عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قيل لعطاء: أرأيت المذي
أكنت ماسحه مسحًا قال: لا، المذي أشد من البول. أخبرني عايش بن أنس
أخو بني سعد بن ليث، قال: تذاكر علي وعمار والمقداد المذي فقال علي:
إني رجل مذاء، فسلا عن ذلك النبي عَ ليه، قال عايش: فسأله أحد الرجلين -
عمارًا والمقداد - وقال عطاء: قد سمع عايش ونسيته. وذكره ابن حزم
مصححا له - أعنى الحديث الأول - وأبى ذلك الحافظ أبو بكر البيهقي بقوله :
هكذا رواه أبو النضر عن سليمان، ورواه بكير بن عبد الله الأشج عن سليمان
عن ابن عباس موصولا/ أنبأ به أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو بكر بن جعفر ثنا
عبد الله بن أحمد ثنا أحمد بن عيسى ثنا ابن وهب أخبرني مخرمة بن بكير
عن أبيه، فذكره. انتهى كلامه. وفيه نظر في موضعين :
[٢٢٣ / ١]
الأول: حكمه على حديث مخرمة بالاتصال، وليس كذلك، وإن كان
مسلم - رحمه الله تعالى - قد خرجه في صحيحه. نص على ذلك أبو عبد
الرحمن في كتاب المراسيل فقال: ثنا عبد الله بن أحمد فيما كتب به أبي ثنا
حماد بن خالد عن مخرمة قال: لم يسمع من أبي شيئًا نا محمد بن محمومة
قال: سمعت أبا طالب قال: سألته يعني: أحمد عن مخرمة قال: هو ثقة لم
يسمع من أبيه شيئًا، إنما روى من كتاب أبيه ثنا علي بن الحسن ثنا سعيد بن
أبي مريم أنبأنا موسى ابن سلمة خالي قال: أتيت مخرمة بن بكير قلت:
حدثك أبوك؟ قال: لم أدرك أبي، ولكن هذه كتبه ، وقد انتقد الحافظ أبو
الحسن البغدادي على مسلم إخراجه هذه الترجمة، والله أعلم .
الثاني : ما ذكر من انقطاع حديث سليمان، وليس هو بأبي عذرة هذا
القول، لتقدم الإمام الشافعي بذلك بقوله: سلمان عن المقداد مرسل، لا نعلم
سمع منه شيئًا، وتبعه على ذلك الحافظ أبو الوليد الدمشقي وغيره، فغير
صحيح؛ لما أسلفناه قبل، والمثبت مقدَّم على النافي؛ لا سيما مع بيان وجه
ذلك وسببه ، وأما قول أبي عمر: رواية يحيى عن مالك في هذا الحديث :
((فلينضح فرجه وليتوضأ)). وفي رواية ابن بكير والقعنبي وابن وهب
٥٠٩

وسائرهم: ((فليغسل فرجه وليتوضأ وضوءه للصلاة)). وهذا هو الصحيح،
وقد رواه عبد الرزاق عن مالك كما رواه يحيى: ((ولينضح فرجه)). ولو
صحت(١) رواية يحيى ومن تابعه كانت مجملة يفسرها رواية غيره؛ لأن
النَّضح يكون في لسان العرب مرة الغسل ومرة الرش انتهى ما ذكره. وفيه
نظر؛ لما تقدم من حديث الباب عن عثمان بن عمر عن مالك بلفظ :/
((ولينضح فرجه))، وكذلك رواه أبو داود(٢) في سننه من حديث القعنبي ،
وذكر الدارقطني في كتاب أحاديث الموطأ أن أبا مصعب وأحمد بن إسماعيل
المدني وابن وهب ومعن القزاز وعبد الله بن يوسف ويحيى بن بكر الشافعي
وابن القاسم وعتبة بن عبد الله وأبا علي الحنفي وإسحاق بن عيسى والقاسم بن
يزيد رووه عن مالك بلفظ: ((فلينضح))، إلا ابن وهب؛ فإن في بعض
ألفاظه: ((فليغسل)) فلو عكس أبو عمر قوله لكان مصيبًا، والله تعالى أعلم .
وفي مسند أحمد من حديث هانئ بن هانئ عن علي: « كنت رجلاً
مذاءً فأمر ابن المقداد، فسأل النبي، فضحك وقال: فيه وضوء)) وفي روايه
لأبي داود من طريق ابن العبد نا القعنبي عن هشام بن عروة عن ابن فضالة
والثوري وابن عيينة عن هشام عن أبيه عن علي ثنا أحمد بن يونس ثنا أبي
عن هشام عن أبيه أن عليًا ، قال أبو داود: (٣) ورواه الثوري وجماعة عن هشام
عن أبيه عن المقداد عن علي وفيه: ((فليغسل ذكره وأنثييه)). ورد أبو محمد
المنذري هذا الحديث بقوله: قال أبو حاتم: عروة عن علي مرسل وفيه نظر في
موضعين:
الأول: أن هذا بعينه ذكره أبو داود نفسه في كتاب التفرّد بقوله: وحديث
هشام عن أبيه عن علي ليس بمتصل، إلا أن أبي إسحاق قال: عن عروة عن
(١) قوله: ((صحت)) وردت ((بالأصل)): ((فمعنى))، وهو تصحيف ، والصحيح ما أثبتناه .
(٢) حسن. رواه أبو داود في: ١- كتاب الوضوء ، ٨٢ - باب في المذي (ح/ ٢٠٩).
(٣) ضعيف . رواه أبو داود في : ١- کتاب الوضوء، ٨٢ - باب في المدي، (ح/ ٢٠٨). قال أبو داود :
وروى الثوري وجماعة عن هشام، عن أبيه، عن المقداد، عن علي، عن النبي عَ لَه.
قلت : إسناده منقطع، وهذه علَّة الضَّعف.
٥١٠

المقداد عن علي. انتهى. فهو وإن كان لم يسمعه من علي كان متصلا بوساطة
المقداد، كما ذكره أبو داود .
الثاني: لا حاجة ثنا أبي إلى ذكر قول أبي حاتم عن عروة عن علي مرسل؛
لكونه صحيح في نفس السند بالانقطاع بقوله: حدثه عن علي، وخرجه
الكجي عن حجاج، ثنا حماد عن قتادة عن الحسن عن المقداد أنه سأل النبي
عَّلِ عن المذي فقال: ((كل فحل يمذي، وليس فيه إلا الطهور))(١).
[٢٢٤/ ١]
وقد اختلف ألفاظ حديث علي - رضي الله عنه - فذكر ابن حبان بعد
تصحيحه حديثا/ المقداد وعمار أنَّ عليا أمرهما، وحديث أبي عبد الرحمن أنه
هو السائل، فقد يتؤَّهم بعض المستمعين لهذه الأخبار أَنَّ بينها تضاربا، وليس
كذلك؛ لأنَّه يحتمل أن يكون عليّ أَمَرَ عمار أن يسأل فسأله، ثم أمر المقداد
أن يسأل فسأله، ثم سأل هو بنفسه ، والدليل على صحة ما ذكرت أن متن
كل خبر بخلاف متن الخبر الآخر؛ ففي خبر أبي عبد الرحمن: ((إذا رأيت
الماء فاغسل ذكرك وتوضأ؛ وإذا رأيت المني فاغتسل))(٢)، وفي خير إياس بن
خليفة عن عمار: (( يغسل مذاكيره ويتوضأ ))(٣)، ليس فيه ذكر المني ، وخبر
المقداد متتابعين، وفيه أنه ليس السؤالين الذين ذكراهما؛ لأن فيه: سأل عن
الرجل إذا دنا من أهله فخرج منه المذي ماذا عليه؟ فإنّ عندي أثبته فذلك ما
(١) حسن . رواه أبو داود (ح/ ٢١١) بلفظ: حدثنا إبراهيم بن موسى ، أخبرنا عبد الله بن وهب ، ثنا
معاوية - يعني: ابن صالح - عن العلاء بن الحرث ، عن حزام بن حكيم ، عن عمّه عبد الله بن سعد
الأنصاري، قال: سألت رسول الله عَ لَّه عما يوجب الغسل، وعن الماء يكون بعد الماء، فقال: ((ذاك
المذي، وكل فحل يمذي، فتغسل من ذلك فرجك وأنثييك، وتوضأ وضوءك للصلاة)) وأحمد (٣٤٢/٤)
والموضح (١٠٩/١) والتاريخ الكبير (٢٩/٥) والمجمع (٢٨٤/١) وعزاه إلى الطبراني في ((الكبير)) من
رواية عطاء بن عجلان، وقد أجمعوا على ضعفه .
(٢) صحيح. رواه النسائي (١/ ١١١) وأبو داود (٢٠٦) والبيهقي (١/ ١٦٧، ١٦٩) وابن خزيمة (٢٠)
وابن حبان (ح/ ٢٤١). بلفظ: ((إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك .... )) الحديث .
وصححه الشّيخ الألباني .
(٣) صحيح. رواه النسائي (١ / ٩٦، ٩٧) وابن حبان (٢٣٩) والطبراني (٤ / ٣٤٠) ومشكل
(٣/ ٢٩٣) والعقيلي (٣٣/١) ومعاني (١/ ٤٥).
٥١١

وصفنا على أن هذه أسئلة متباينة في مواضع مختلفة لعلل موجودة - والله
تعالى أعلم - انتهى الذي قاله بطريق الاحتمال. تقدم من عند ابن عمر شيئًا ،
وقد ورد في بعض الألفاظ أن النبي عَ لّه هو السائل له. جاء ذلك مبينا في
حديث حسن الإسناد عن المسند المعتمر أبي زكريا محيي بن يوسف المقدسي
عن وكيع: أخبرنا الحافظ أبو طاهر البغوي - رحمه الله - قراءة عليه وأنا أسمع
في رمضان سنة أربع وسبعين وخمسمائة . أنا أبو الحسن المبارك بن عبد الجبار
قراءة عليه وأنا أسمع، أخبرنا القاضي أبو عبد الله بن هرمان، أنا القاضي أبو
محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خالد والرامهرمزي ثنا الحسن بن علي قاضي
الأهواز، نا محمد بن علي الوراق، ثنا أبو نعيم، ثنا وزام الضبي قال: سألت
جوابًا التيمي عن المذي فقال: سألت منه أبا إبراهيم يزيد بن شريك فألجأ
الحديث إلى علي، وألجأ علي الحديث إلى النبي عَّه فقال: ((رآني النبي
عَّه وقد سحبت فقال لي: يا علي لقد سحبت، قلت: سحبت/ من اغتسال
الماء، وأنا رجل مذاء، فإذا رأيت منه شيئًا اغتسلت ، قال: لا تغتسل منه يا
علي ... ))(١) الحديث .
[٢٢٤/ ب]
فعلى هذا وكف يده على ما في مسند أحمد عن عبد الله قال: حدثني أبو
محمد بن شيبان ثنا عبد العزيز بن مسلم نا يزيد بين أبي زياد عن عبد الرحمن بن
أبي ليلى عن علي قال: ((كنت رجلاً مذاءً فسألني رسول الله عَّه فقال: في
المذى الوضوء - وفي المني الغسل)) (٢)، ويحتمل أن يكون لما بعثني ليسأل رآه -
عليه الصلاة والسلام - ساحبا ونزل علي - رضي الله عنه - جوابه عن ذلك بمنزلة
السؤال ابتداء على طريق التجوز، والله تعالى أعلم .
وأما رواية سعيد بن بشر عن محمد بن عبد الرحمن عن الأعمش عن
يحيى بن الجرار عن علي أمر المقداد؛ فخطأ. قال ذلك ابن أبي حاتم عن أبيه.
(١) صحيح. أنظر: الكنز (٢٧٣٤١) وجرجان (١٧٤).
(٢) صحيح. رواه أحمد (١/ ١١٠، ١١٢، ١٢١) وابن عدي في ((الكامل)) (٣/ ١١٢٢).
٥١٢

وفي السنن الكبير من جهة ابن جريج عن عطاء: ((أنَّ عليًّا كان يدخل في
إحليله القبلة من كثرة المذي )).
حدثنا أبو كريب ثنا عبد الله بن المبارك وعبدة بن سليمان عن محمد بن
إسحاق ثنا سعيد بن عبيد بن السباق عن أبيه عن سهل بن حنيف قال :
كنت ألقى من المذي شدة فأكثر منه الاغتسال: فسألت رسول الله عَ له فقال:
((إنما يجزيك من ذلك الوضوء))، قلت: يا رسول الله كيف بما يصيب ثوبي؟
قال: ((إنما يكفيك كف من ماء، فتنضح به عن ثوبك حيث ترى أنه أصابه)).
هذا حديث خرجه الحافظ البستي في صحيحه(١) عن أبي يعلى: ثنا إسماعيل بن
إبراهيم ثنا ابن إسحاق، وخرجه ابن خزيمة عن يعقوب بن إبراهيم ثنا ابن علية وثنا
محمد بن أبان ثنا ابن أبي عدي عن ابن إسحاق، وخرجه ابن حزم مصححًا له، وقال أبو
عیسی(٢) : هذا حديث حسن صحيح ولا نعرفه مثل هذا إلا من حديث ابن إسحاق ،
وفي مسائل حرب: ((أرأيت ما يصيب ثيابي منه؟ قال: يعد إلي كف من ماء))، وفي
كتاب الأثرم: ((كنت ألقى من المذى عناء/ فقال: يحزنك أن تأخذ حفنة من ماء فترش
عليه؟))، وقال: قلت لأبي عبد الله: ما تقول فيه : قال: لا أعلم شيئًا يخالفه، وأخبر به
محمد بن شداد أنه سمع أبا عبد الله يقول : لو كان غير ابن إسحاق ، وقال صالح: قال
أبي : حدثنا ابن إسحاق، لا أعرفه عن غيره ولا أحكم لابن إسحاق ، وفي كتاب
الخلال: سئل أبو عبد الله عن المذي يصيب الثوب، كيف العمل فيه؟ قال : الغسل ليس
[٢٢٥ / ١]
(١) صحيح. رواه ابن ماجة (ح/ ٥٠٦) والطبراني (٦ / ١٠٦) وابن أبي شيبة (١/ ٨٣) وابن
حبان (٢/ ٢١٦) . وصححه الشيخ الألباني .
(٢) صحيح. رواه الترمذي في: أبواب الطهارة ، ٨٤ - باب ما جاء في المذي يصيب الثوب ،
(ح/ ١١٥). وقال: ((هذا حديث حسن صحيح ، ولا نعرفه إلا من حديث محمد بن
إسحاق في المذي مثل هذا)) .
ورواه أحمد (٣/ ٤٨٥) والدارمي (١/ ١٨٤) وأبو داود (١/ ٨٤ - ٨٥) وابن ماجة (١ / ٩٤)
وفى كل هذه الروايات - ما عدا الدارمى - صرّح ابن إسحاق بسماعه من سعيد بن عبيد .
وقد اختلف أهل العلم في المذي يصيب الثوب ؛ فقال بعضهم : لا يُجزىء إلا الغسل ، وهو
قول الشافعي ، وإسحاق ، وقال بعضهم : يجزئه النَّضح .
وقال أحمد : أرجو أن يجزئه النَّضح بالماء .
٥١٣

في القلب منه شيء، حدثنا محمد بن إسحاق. انتهى كلامه. وفيه نظر؛ لما ذكره أبو
القاسم في الأوسط من حديث إدريس بن محمد بن أبي الريان الرملي ثنا أسباط بن عبد
الواحد بن العلاء بن هارون يعني: الذي عند أبي زرعة وابن حبان - ثنا سعيد به وقال :
لم يروه عن العلاء إلا أسباط. تفرد به إدريس. حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا محمد بن
بشر ثنا مسعر عن مصعب بن أبي شيبة عن أبي حبيب بن يعلى بن منبه عن ابن عباس أنَّه
أتى أبيّ بن كعب ومعه عمر فخرج عليهما فقال : إني وجدت مذيًا فغسلت ذكري
وتوضأت فقال عمر: أو يجزئ ذلك؟ قال: نعم، قال: أسمعته من رسول الله عَ ليه ؟
قال : نعم . هذا حديث قال أبو القاسم في الأوسط، لم يروه عن مسعد عن مصعب إلا
محمد بن بشر - يعني: العبدي المخرج حديثه في الصحيحين - وأبو حبيب ذكره أبو
حاتم في كتاب الثقات فصح على هذا إسناده ؛ ولهذا ساغ للشيخ ضياء الدين تخريجه
في المختارة، والله أعلم .
وفي الباب غير ما حديث فمن ذلك حديث عبد الله بن سعد الأنصاري
قال: سألت رسول الله عَّ له عما يوجب الغسل، وعن الماء يكون بعد الماء
فقال: (( ذاك المذى، وكل فحل يمذي فاغسل من ذلك فرجك وأنثييك
وتوضأ وضوءك للصلاة)). رواه أبو داود(١) عن إبراهيم من موسى عن ابن
وهب عن معاوية/ بن صالح عن العلاء بن الحرث عن حرام بن حكيم عن
عمه عبد الله بن سعدويه، ولما ذكره في التفرّد مطولًا الذي تفرد به منه قوله:
(( وأنثييك وروى ابن العلاء بن الحرث عند ابن ماجة (٢) بهذا السند قصة
مؤاكلة الحائض في موضعين، ليس منها ذكر المذى ، وكذلك الترمذي(٣)
وقال : حديث حسن صحيح ، وفي بعض النسخ حسن غريب، وخرجه ابن
[٢٢٦ / ب]
(١) حسن. رواه أبو داود في: ١- كتاب الطهارة، ٨٢ - باب في المذي (ح/ ٢١١).
(٢) قلت : ومن هذين الموضعين: هذا الموضع في سنن ابن ماجة : حدّثنا أبو بشر، بكر بن
خلف ، ثنا عبد الرحمن بن مهدي عن معاوية بن صالح ، عن العلاء بن الحارث ، عن حرام بن
حكيم، عن عمّه عبد الله بن سعد، قال: ((سألت رسول الله عَّله عن مؤاكلة الحائض،
فقال: واكلها )).
(٣) فى: ١ - كتاب الطهارة ، ١٣٠ - باب في مؤاكلة الحائض (ح/ ٦٥١).
ورواه الترمذي في: أبواب الطهارة، ١٠٠ - باب في مؤاكلة الحائض وسؤرها (ح/ ١٣٣) .
وقال : هذا حديث حسن غريب ، وهو قول عامة أهل العلم : لم يرو بمؤاكلة الحائض بأسًا .
٥١٤

الجارود في منتقاه، واعترض الإشبيلي حين ذكره من عند أبي داود بقوله: لا
يصح غسل الأنثيين، ولا نحتج بهذا الإسناد، يعني: متابعة لابن حزم حيث
قال فيه: غريب وحرم ضعيف. قاله من عند نفسه ولم يعزه، وقال ابن
القطان: هو كما قال، ولكن بقى عليه أن يُبيّ منه موضع العلة، وهو الجهل
بحال حرام بن حكيم الدمشقي، وإذا جعلناه علة للخبر فقد ثنا قصة فيه؛
وذلك أن أبا محمد لا يزال يقبل أحاديث المسانيد الذين يروى عن أحدهم
أكثر من واحد، وحرام هذا يروى عنه مع العلاء عبد الله بن العلاء وزيد بن
واقدة. قاله أبو حاتم وترجم باسمه ابنه ابن محمد بعد ترجمة أخرى ذكر فيها
حرام بن معاوية، وروى عن النبي عَِّ مرسلًا، وروى عن عمر فروى معمر
عن زيد بن رفيع عنه وروى عبيد الله بن عمر وعن زيد بن رفيع فقال: عن
حرام بن حكيم بن حرام قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول ذلك فجعلهما
كما ترى رجلين ، وتبع في ذلك البخاري، وزعم الخطيب أنَّ البخاري وهم
في ذلك ومن أنه رجل واحد يختلف على معاوية بن صالح في اسم أبيه،
وممن عمل فيه عمل البخاري وابن أبي حاتم الدارقطني - رحمهم الله تعالى -
انتهى كلامه. وفيه نظر في موضعين:
[٢٢٦ / ١]
الأول : کونه الجنابة برأس حرام بن حکیم بن خالد بن سعد بن حکیم
الأنصاري ويقال: العسيس، ويقال : العنسي، قال ابن عساكر : روی/ عن
أبي هريرةوعمه وأبي ذر وأنس بن مالك وأبي مسلم الخولاني ونافع بن
محمود بن ربيعة، وروى عنه العلاء بن الحرث وزيد بن واقد وعبد الله بن
العلاء بن زيد وبشر بن العلاء، ومحمد بن عبد الله بن مهاجر وزيد بن رافع
وعتبة بن أبي الحكم ، قال العجلي: هو ثقة، وذكره فيهم أيضًا بن حبان،
وروى له البخاري في كتاب القراءة خلف الإِمام، ومن كان بهذه المثابة لا
يكون عّة لحديث، ويكون القول فيه ما قاله الترمذي الذي لم يروياه - والله
أعلم -. وأمّا قول أبي محمد في باب الحيض: حرام ضعيف، فلا أدري من
أين جاء تضعيفه؟! ذكر ذلك بعض الحفاظ المتأخرين، ولو رأى ما أسلفناه قبل
لم يقل ذلك، والله تعالى أعلم .
الثاني: متابعة عبد الحق في قوله: لا يصح غسل الأنثيين، وذلك أنّا ما
قدّمنا قبل من عند أبي داود مخالف في لفظه على غيره، وإن كان المنذري
٥١٥

والخزرجي قد ذكرا انقطاعه فقد قدّمنا، وأيضًا معنى حديث سليمان بن حبان
عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن عبيدة السلماني عن علّي،
وفيه: فقال عليه السلام: ((يغسل أنثييه وذكره، ويتوضأ وضوءه للصلاة)).
ذكره الحافظ أبو عوانة (١) يعقوب بن إسحاق - رحمه الله - والحافظ ضياء
الدين المقدسي في صحيحيهما، وفيه رد لما قاله الإمام أحمد لما سأله أبو داود
قال: غسل الأنثيين إلا هشام بن عروة في حديثه، وأما الأحاديث كلها فليس
فيها هذا. وحديث حسان بن عبد الرحمن الضبعي قال عليه السلام: (( لو
اغتسلتم من المذي كان أشد عليكم من الحيض )). ذكره أبو موسى في كتاب
الصحابة(٢) بسند جيد. وحديث رافع بن خديج: أنّ عليًّا أمر عمارًا أن يسأل
النبي عٍَّ عن المذي وقال: ((يغسل مذاكيره ويتوضأ)). ذكره ابن حبان في
صحيحه(٣)، وإن كان الإِمام أحمد قال - فيما ذكره البيهقي في المعرفة -
حديث المقداد/ أصح، فليس فيه تضعيفه - والله أعلم -، وحديث ابن عباس:
أن رجلًا قال: يا رسول الله إني كلما توضأت سال. فقال: ((إذا توضأت
فسال من قرنك إلى قدمك فلا وضوء عليك)). ذكره الدارقطني(٤) وقال: لا
يصح، خرجه ابن أبي كثير - يعني: مرفوعًا - في غسل الفرج من المذي.
ذكره أبو القاسم في الأوسط وقال: لم يروه عن مسعر يعني عن مصعب بن
شيبة عن أبي حبيب عن يعلى بن أمية عن ابن عباس عنه إلا محمد بن بشر
الغريب. قال الآمدي: مذيت وأمذيت، وهو المذي والمني والودي مشدّدان،
قال أبو عبيد وغيره: تخفيف المذي والودي قال: والصواب عندنا أن المني
وحده بالتشديد والآخران بالتخفيف ، قال ابن دريد: هو ما خرج عند
[٢٢٦/ ب]
(١) صحيح. رواه أبو عوانة: (١/ ٢٧٣).
(٢) كتاب الصحابة بسند جيد .
(٣) صحيح. رواه ابن حبان (٢٣٩) والنسائي (١/ ٩٦، ٩٧) والطبراني (٤ / ٣٤٠) ومشكل
(٢٩٣/٣) والعقيلي (١/ ٣٣) وشرح معاني الآثار (١/ ٤٥).
(٤) ضعيف. رواه الدارقطني (١ / ١٥٩) والبيهقي (١/ ٣٥٧) والعقيلي (٣/ ٣٥) والمجمع (١/
٢٤٧) وعزاه إلى الطبراني في ((الكبير))، وفيه عبد الملك بن مهران، قال العقيلي: صاحب
مناكير . وقد بوّب لهذا الحديث الهيثمي فقال: ((باب فيمن يكون به البواسير )).
٥١٦

الالتقاء، ورُّما شدّد، واختلفت النسخ من كتاب العين في الودي ففي بعضها
مشدَّد، وفي بعضها مخفف، وقال صاحب الصحاح: المذي بالتسكين فقال:
كلّ ذكر مذي، وكل أنثى ودي، وبنحوه ذكره الفراء، وقال: ولم يسمع في
المني - يعني العين -، قال أبو الحسن: الصواب عندي أن يكون المني وحده
مشدّدًا والآخران مخففين، وفي الحديث: ((المذاء من الثقات))، هو أن
يكون الرجل يجمع الرجال والنساء فيماذي بعضهم مذاء ومماذأة وأمذيت
فرسى، وهو أن عليه يدعى فيجوز أن يكون المذاء من هذا كأنه تحلية الرجل
امرأته لما تريد من الحرام ، قال الهروي: هو أدق ما يكون من النطفة، وفي
الاستذكار عن مالك: وهو عندنا أشد من الودي؛ لأنّ الفرج يغسل من المذي
والودي عندنا كذلك البول قال: فليس على الرجل أن يغسل منه أنثييه اللذان
يظن أنّه قد أصابهما منه شيء، قال: والودي يكون من الحمام يأتي أثر البول
أبيض خائر، قال: والمذي يكون معه شهوة وهو رقيق إلى الصفرة، ويكون
عند الملاعبة وعند حدوث الشهوة. انتهى .
قد أسلفنا أن حديث غسل الأنثيين صحيح، والتصحيح هنا المراد به الرّش.
جاء ذلك مبيّنًا/ فيما أسلفناه من حديث سهل، والله أعلم. قال ابن المنذر:
وأوجب غسله من البدن جماعة من الصحابة، وهو مذهب مالك والشافعي
وكثير من أهل العلم غير أحمد بن حنبل فإنه قال: أرجو أن يجزئه النضح،
والغسل أحب إليّ ، وقال أبو جعفر في بيان المشكل: إنما أمر بغسل المذاكير
لنقاءه من المذي بذلك فلا يخرج؛ لأنّ الماء يقطعه كما أمر من ساق يديه،
ولها لئن أن ينضح ضرعها بالماء حتى لا يسيل؛ لأن ذلك واجب كوجوب
وضوء الصلاة، والدليل عليه: ما تواتر من قوله فيه الوضوء، فأخبر بالواجب
فيه، والله تعالى أعلم .
[٢٢٧ / ١]
٤١ - باب وضوء النوم
حدثنا علي بن محمد نا وكيع قال: سمعت سفيان يقول الزائرة بن
قدامة: يا أبا الصلت هل سمعت في هذا شيئًا؟ قال: ثنا سلمة بن كهيل عن
٥١٧

كريب عن ابن عباس: ((أنَّ النبي عَّه قام من الليل، فدخل الخلاء فقضى
حاجته، ثم غسل وجهه وكفيه، ثم نام ))(١).
ثنا أبو بكر بن خلاد الباهلي ثنا يحيى بن سعيد ثنا شعبة ثنا سلمة ابن
كهيل أنا بكير عن كريب قال: فلقيت كريبًا فحدثني عن ابن عباس عن النبي
عَ ◌ّهِ فذكر نحوه هذا حديث. خرجاه في صحيحيهما مطولاً ومختصرًا .
٤٢ - باب الوضوء لكل صلاة والصلوات كلها بوضوء واحد
حدثنا سويد بن سعيد ثنا شريك عن عمرو بن عامر عن أنس بن مالك
قال: ((كان رسول الله عَّله يتوضأ لكل صلاة، وكُنَّا نحن نصلي الصلوات
كلها بوضوء واحد)). هذا حديث خرجه البخاري في صحيحه(٢)، وقال فيه
أبو عيسى: حديث حسن صحيح، وزاد: (( ما لم يحدث)). ورواه أيضًا عن
محمد بن حميد/ الرازي ثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق عن
حميد عن أنس أن النبي عَّهِ: ((كان يتوضأ لكل صلاة، طاهرًا أو غير
طاهر))، قال: قلت لأنس: فكيف كنتم تصنعون أنتم؟ قال: (( كنا نتوضأ
وضوءًا واحدًا))، وقال: حديث حميد عن أنس حديث حسن(٣) غريب من
هذا الوجه ، والمشهور عند أهل الحديث حديث عمرو بن عامر، وقال في
[٢٢٧/ ب]
(١) صحيح . رواه ابن ماجة في: ١- كتاب الطهارة ، ٧١ - باب الوضوء من النوم (ح/
٥٠٨) .
وصححه الشّيخ الألباني .
(٢) صحيح. رواه البخاري (١ / ٦٤) والترمذي (٦٠) وقال : هذا حديث حسن صحيح.
وأحمد (٣/ ١٣٢، ١٣٣، ١٥٤، ٥/ ٣٥٨) والبيهقي (١/ ١٦٢) وابن خزيمة (١٢ ) وأبو
عوانة (١/ ٢٣٧) وابن أبي شيبة (١/ ٢٩) وشرح السنة (١ / ٤٤٧) والمنثور (٢ / ٢٦١) والكنز
(١٧٨٥٣، ١/ ٢٧٠) والطبري (٦/ ٧٣) والقرطبي (٨١/٦) وابن كثير (٣/ ٤٠، ٤٢)
والتاريخ الكبير (٦ / ٣٥٦) والمنتقى (١).
(٣) انظر، سنن الترمذي: (١ / ٨٨).
قال الشيخ أحمد شاكر : وحديث حميد عن أنس متابعة جيده لرواية عمرو بن عامر ،
واستغراب الترمذي له لا أوافقه عليه ، فإنّ الحديث الغريب هو الذي ينفرد به أحد الرواة ، وهذا
لم ينفرد به حميد، إلا إن كان يريد غرابته عن حميد نفسه، ولذلك قيّد قوله: (( غريب)) =
٥١٨

العلل: سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: لا أدري ما سلمة هذا، كان
إسحاق تكلم فيه، ما أروي عنه، ولم يعرف محمد هذا من حديث حميد،
وأمّا يحيى الحازمي حديث عمرو بن عامر وعَزْوِهِ إياه إلى أصحاب السنن
فذهول شديد عن ذكره من كتاب البخاري .
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد قال : ثنا وكيع عن سفيان
عن محارب بن دثار عن سليمان بن بريدة عن أبيه أن النبي عَ ◌ّه: ((كان
يتوضأ لكل صلاة، فلما كان يوم فتح مكة صلى الصلوات كلها بوضوء
واحد ))(١). هذا حديث قال أبو عيسى إثر روايته له عن ابن بشار ثنا ابن
مهدي عن سفيان عن علقمة عن سليمان : هذا حديث حسن صحيح ،
وروى هذا الحديث علي بن قادم عن الثوري وزاد فيه: ((فتوضأ مرة مرة))،
وروى الثوري هذا الحديث أيضًا عن محارب بن دثار عن سليمان بن بريدة
أن النبي عَّ ◌ُله: ((كان يتوضأ لكل صلاة))، ورواه وكيع عن سفيان عن
محارب عن سليمان بن بريدة عن أبيه، وروى عبد الرحمن بن مهدي وغيره
عن سفيان عن محارب عن سليمان عن النبي عَ ◌ّه مرسلًا(٢) وهذا أصح من
= في بعض النسخ بأنّه: ((من هذا الوجه))، وفي بعضها بأنّه: ((من حديث حميد)). ولا
عبرة بقول الشّارح: ((تفرّد به محمد بن إسحاق ، وهو مدلس ، ورواه عن حميد معنعنًا )) فإن
ابن إسحاق ثقة حجة جليل القدر ، ومن تكلّم فيه فلم يصنع شيئًا. قال شعبة: ((محمد بن
إسحاق أمير المؤمنين في الحديث))، وقال أبو زرعة الدمشقي: ((ابن إسحاق رجل قد أجمع
الكبراء من أهل العلم على الأخذ عنه ، وقد اختبره أهل الحديث فرأوا صدقًا وخيرًا )).
(١) رواه الترمذي (ح/ ٦١) وقال: هذا حديث حسن صحيح. وقال أيضًا: وروى هذا
الحديث ابن قادم عن سفيان الثوري، وزاد فيه: (( توضأ مرة مرة )).
ورواه مسلم (١ / ٩١) وأبو داود (١/ ٦٦ - ٦٧) والنسائي (١/ ٣٢-٣٣) كلهم من طريق
سفيان الثوري عن علقمة بن مرثد . ورواه ابن ماجة (١ / ٩٥) من طريق وكيع عن الثوري عن
محارب بن دثار عن سليمان بن بريدة عن أبيه .
(٢) وخلاصة البحث فيما تعرّض له الترمذي من أسانيد هذا الحديث : أن سفيان الثوري رواه
عن شيخين : أحدهما علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه مرفوعًا موصولا ، وهذا لم
يختلف فيه الرواة عن الثوري أنه موصول . والشيخ الثاني للثوري : محارب بن دثار عن
سليمان بن بريدة ، ولكن الرواة عن الثوري اختلفوا فيه ؛ فبعضهم يقول : عن سليمان بن بريدة
عن النبي عَّه، وهذا مرسل؛ لأن سليمان ليس صحابيًا ، وبعضهم يقول : =
٥١٩

[٢٢٨ / ١]
حديث وكيع ، وقال ابن أبي حاتم في كتاب العلل: سئل أبو زرعة عن
حديث رواه أبو نعيم عن سفيان عن محارب عن سليمان بن بريدة عن النبي
عَ له: ((أنه صلى خمس صلوات بوضوء واحد))، ورواه وكيع - يعني:
مسندًا - فقال أبو زرعة: حديث/ أبي نعيم أصح. انتهى. وفيه أن وكيعًا تفرَّد
برفعه، وليس كذلك لمتابعة المعتمر بن سليمان له. ذكر ذلك البزار في مسنده
إثر روايته عن سلمة بن شعيب ثنا عبيد الله بن موسى ثنا سفيان عن علقمة بن
مرتد عن سليمان بن بريدة عن أبيه، ومن هذه الطريق رواه مسلم(١) في
صحيحه عن ابن نمير ثنا أبي ثنا سفيان ولفظه: ((أن النبي عَّهِ صلى
الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد، ومسح على خفيه))، فقال له عمر: لقد
صنعت اليوم شيئا لم تكن تصنعه، قال: عمدًا صنعته يا عمر)). قال البزار: ثنا
علي بن الحسين الدرهمي ثنا المعتمر بن سليمان ثنا سفيان عن محارب بن
دينار عن ابن بريدة عن أبيه عن النبي عَّ نحوه، وقال الحافظ أبو علي
الجياني - رحمه الله - في كتابه تقييد المهمل: وروى هذا الحديث وكيع
ومعتمر وغيرهما عن الثوري عن محارب عن ابن بريدة عن أبيه عن النبي
عَّله، كما رواه علقمة بن يزيد، والله أعلم.
وأما قول الحاكم في المستدرك(٢): اتفقا على حديث علقمة عن سليمان بن
يزيد عن أبيه: ((أن النبي عَّ كان يتوضأ لكل صلاة)). فقول لا أعلم له فيه
سلفًا ولا رأيت أحدًا، قال ابن سليمان: اتفقا على حديثه ، وممن نص على
أنه من أفراد مسلم هو في كتاب المدخل قال: ذكر من اتفقا عليه فمن أبيه
سليمان فذكر جماعة ثم قال: وأخرج مسلم وحده سليمان بن بريدة، ثم ذكر
= عن سليمان بن بريدة عن أبيه مرفوعًا ، وهذا متصل ، والذي رواه عن الثوري هكذا هو
وكيع ، وروايته عن ابن ماجة ، وهذه الرواية جعلها الترمذي مرجوحة ، ورأى أنّ رواية من رواه
عن الثوري عن محارب عن سليمان مرسلاً أصح . ولسنا نوافقه على ذلك ؛ لأن الحديث
معروف عن سليمان عن أبيه ، ووكيع ثقة حافظ ، فالظاهر أن الثوري كان تارة يروي الحديث
عن محارب موصولًا ، كما رواه عنه وكيع ، وتارة مرسلًا ، كما رواه عنه غيره .
(١) انظر : الحاشية قبل السابقة .
وراجع: ابن خزيمة ( ١٣، ١٤) وعبد الرزاق (١٥٧) والمشكاة (٤٢٥) والكنز (٢٧٠٣٢).
(٢) قوله: ((المستدرك)) وردت في ((الأولى)) غير واضحة ، وكذا أثبتناه .
٥٢٠