النص المفهرس

صفحات 221-240

[٩٣ / ١]
السلام - وأبو زيد رجل مجهول عند أهل العلم لا يعرف له رواية غير هذا
الحديث. انتهى ، وفيه نظر من حيث زعمه أن أبا زيد تفرّد به عن ابن
مسعود؛ لرواية جماعة نحوه عنه منهم عمرو التعالى الصحابي. ذكره الحاكم
أبو أحمد في كتاب الكنى، فقال: نا أبو القاسم البغوي، نا عبد الأعلى بن
حماد البُرسي معتمر سليمان عن أبيه، أخبرني أبو تميمة/ عن عمرو - لعلّه قد
قال البقال - عن عبد الله بن مسعود أنه قال: ((استتبعني النبي عَ ◌ّه قال
فانطلقنا حتى أتينا مكان كذا وكذا ... )) فذكر حديث ليلة الجن ومنهم أبو
رافع. ذكر حديثه أبو عبد الله الحاكم من جهة أبي سعيد مولى أبي هشام عن
حماد بن سلمة عن عليّ بن زيد عن ابن مسعود أن النبي عَِّ قال له ليلة
الجن: ((أمعك ماء؟ قال: لا، قال: أمعك نبيذ؟ قال: نعم، قال: فتوضأ به))
قال الجوزجاني : هذا حديث باطل، وقال أبو عبد الله: تفرد به أبو سعيد عن
حماد، وفيما قاله نظر؛ وذلك أن الدارقطني لما ذكره من جهة أبي سعيد قال:
عليّ ضعيف، وأبو رافع لم يثبت سماعه من ابن مسعود، وليس هذا الحديث
في مصنفات حماد ، وقد رواه أيضًا عبد العزيز بن أبي زرعة - وليس هو
بقوي - عن حماد مثله، فهذا عبد العزيز قد بايع آراء سعيد، وفي قول أبي
الحسن وأبو رافع: لم يثبت سماعه من ابن مسعود نظر من حيث كونه جاهليًا
من كتاب التابعين، قال أبو عمر: روى عن أبي بكر وعمر وابن مسعود، فمن
كان بهذه المتابعة لا ينكر سماعه من ابن مسعود، لا سيما وقد جمعهما
العصر والبلد، وفي قوله : لم يثبت، إشعار بعدم النفي، إذ لو كان ثابتًا عنده
لجزم به كعادته ، ويشبه أن يكون روايته عنه إنما جاءت على لسان متكلّم فيه؛
فلذلك قال : لم يثبت، وفي كلامه أيضًا إشعار بترجيح مذهب من يشترط أنّه
لابدّ من أن يعرف سماعه من المروى عنه ولئن كان كذلك فهو مذهب
مرجوح، أطنب مسلم - رحمه الله تعالى - في الردّ على قائله ، وفي قوله
أيضًا: وليس هذا الحديث من مصنفات حماد نظر؛ لأن المصنف الكبير لا
يذكر في جمیعه جمیع روايته إمّا بعدم استحضاره له ، أو لكونه لم يرفضه،
وقد يحتمل أن يكون ذكره في مصنف لم يره الدارقطني ،/ وذلك مأخوذ من
[٩٣/ ب]
٢٢١

قوله: مصنفاته بغير إله الحضر لمّ نظر وحكاه غالبًا - والله أعلم - فعلى ما تقرر
شبه أن يكون أمثل أسانيد هذا الحديث ومنهم : أبو عبيدة بن عبد الله بن
مسعود وأبو الأحوص، نا بذلك الشيخ المسند المعمر حسن بن عمر بن
عيسى بن خليل الكردي من لفظه، قال: نا أبو المنجا عبد الله الدقّاق ، قال :
نا محمد بن عيسى المدائني، نا الحسن بن قتيبة بن يونس بن أبي إسحاق عن
أبي إسحاق عن أبي عبدة، وأبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود قال: ((مر
بي رسول الله عَ ليه ذات ليلة فقال: خذ الإدارة منّى ثم انطلق وأنا معه قال:
ثم خطّ على خطا ثم قال : لا تخرج من هذا الخط قال : ثم مضى عليه
السلام فسمعت لغطًا شديدًا خطّ على رسول الله عَّه والله أحفظ لرسوله
مني فإذا هم وفد الجن، فلما انصرف النبي - عليه السلام - قال : فأتاني
فقلت: يا رسول الله: سمعت لغطًا شديدًا قال: هذا. وفد أهل نصيبين من
الجن أتوني قال : فلما قمت تبعوني يسألوني الرزق فأمرت لهم بالعظام
والروث قال : ثم تبرز ثم جاء فقال: ناولني ثلاثة أحجار فناولته حجرين وروثه
قال: فرمى بالروثة وقال : هذا ركس أو رجس قال: فلما أفرغت عليه من
الإِداوة إذا هو نبيذ، فقلت: يا رسول الله، أخطأت بالنبيذ فقال: تمرة حلوة
وماء عذب ))(١) ولما ذكره الحاكم قال: لم نكتبه إلا بهذا الإِسناد؛ والحمل فيه
على محمد بن عيسى المدائني، وهو واهي الحديث، وذكره البيهقي في
الخلافيات نحوًا من الذي يقدم، وزاد، والحديث باطل بالمرة، وفيما قاله نظر؛
لأن الخطيب ذكر في تاريخه: سمعت البرقاني يقول(٢) ...... وسأله عنه مرة
(١) تقدّم. ورواه أبو داود (ح/ ٨٤) والترمذي (ح/ ٨٨) وابن ماجة (ح/ ٣٨٤، ٣٨٥)
والحاكم، وأحمد في ((المسند)) (١/ ٤٤٩، ٤٥٠، ٤٥٨) وعبد الرزاق في ((المصنف)) (٦٩٣)
وابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١/ ٢٦) والكنز (١٥٢٣٣، ٢٧٤٩٨) وابن كثير في ((تفسيره)
(٧/ ٢٧٧) والقرطبي في ((تفسيره)) (١٣/ ٥٢، ٢١٢/١٦) والدارقطني في ((سنته)) (١ / ٧٨)
والبيهقي (١/ ١٠). قلت: وهذا حديث ضعيف. ضعّفه الشّيخ الألبانى ومن قبله أبى داود كما
فی إسناد حديثه. انظر للشيخ الألبانی. ضعیغ ابن ماجة (ح/٨٤، ٨٥) وضعیف أبى داود (ح/
١٠) والمشكاة (٤٨٠).
(٢) بياض ((بالأصل)).
٢٢٢

[٩٤ / ١]
أخرى فقال: لا بأس به، وسألت اللالكائي عنه فقال: صالح ليس يدفع عن
السماع لكن كان الغالب عليه؛ لكونه جعله جاما لترجمته وذلك عادته فيما
ذكره عن نفسه، وأمّا / الدارقطني فقال : تفرّد به الحسن بن قتيبة عن يونس بن
أبي إسحاق، والحسن ومحمد بن عيسى المتقدّم ضعيفان، وفيما قاله نظر لما
أسلفنا من حال محمد، والحسن ممن قال فيه ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به،
قاله يعقوب بن سفيان ، ومن كان بهذه المثابة لا يقال فيه: ضعيف ليُردّ
حديثه، وإنما الموثق ما ذكره البخاري في الصغير قال عمرو : قلت لأبي عبيدة
أكان أبوك مع النبي عَّهِ ليلة الجن؟ فقال: وذكره البخاري في الأوسط
والصغير فقال: لا يصح ومنهم عبد الله بن سلمة ذكره الحافظ أبو الحسن بن
المظفر في كتاب غرائب حديث شعبة عن عمرو بن مرّة عن عبد الله بن
سلمة عنه ، وذكره البخاري في الأوسط والصغير فقال : لا يصح ومنهم
قابوس بن أبي طبيان عن أبيه نا ابن مسعود نحوه ومنهم عبد الله بن عمرو بن
غيلان الثقفي ذكره الإسماعيلي في جمعه حديث يحيى بن أبي كثير عنه،
وذكره ابن أبي حاتم في كتاب العلل وأعلّه بجهالة حال ابن غيلان هذا ،
وقال الدارقطني : يقال: اسمه عمرو وقيل: عبد الله بن عمرو بن غيلان، وفي
الخلافيات قيل : عن فلان عن ابن غيلان وبنحوه قاله الجوزجاني ومنهم
علاء بن رباح ولم يسمع به ولم يره ولم تبلغه سنة ذكره البيهقي في
الخلافيات ، ومنهم عبد الله بن عباس من طريق ابن لهيعة عن حنش الصنعاني
ذكره ابن ماجة ثنا وقال البيهقي: تفرّد بها ابن لهيعة ومنهم أبو وائل شقيق ابن
سلمة. ذكره الدارقطني من جهة الحسين بن عبد الله العجلي وقال : كان
وضّاعًا ، قال الحاكم أبو عبد الله فيما ذكره أبو بكر في الخلافيات: ومنهم
ابن لعبد الله، روى أبو عبيدة بن عبد الله عن طلحة بن عبد الله عنه أن أباه
حدّثه، قال البخاري في التاريخ الأوسط: ولا نعرف لطلحة سماعًا من ابن
عبد الله، وأما حديث أبي عثمان النهدي عن عبد الله حين خرج مع النبي،
فسنده صحيح، ورواه الدارقطني في مسند عبد الله بن زيد عن أبي هارون، نا
إبراهيم التيمي عن أبي عثمان،/ وأما حديث أبي تميمة العجيمي وعمرو البكالي
[٩٤ / ب]
٢٢٣

عن ابن مسعود، وليس في حديث واحد منهما ذكر نبيذ التمر، إنّما ذكر
خروجه مع النبي عَّله تلك اللّيلة على اضطراب في إسناد حديثهما، وعلى
هذا فلا تقوم بهما حجة، وأبو عثمان بن شيبة ذكره ابن شاهين في كتاب
الناسخ والمنسوخ من طريق ضعيف، كذا ذكره البيهقي، وفيه نظر؛ لأنّ حديث
عمرو سنده صحيح، ورواه الدارقطني عن غيلان المعمر قال : قال أبي: حدّثني
عمرو البكالي فذكره، فقد ثبت بمجموع ما تقدّم أنّه لم يروه أبو زيد عن ابن
مسعود وحده، كما يفهم من كلام الترمذي المنكر، والله أعلم .
رجعنا إلى ذكر أبي زيد ومن جهله، قال ابن أبي حاتم: سمعت أبا زرعة
يقول: حديث أبي فزارة ليس بصحيح - يعني في الوضوء بالنبيذ - وأبو زيد
مجهول وذكر في العلل نحوًا من هذا، وقال أبو عبد الله البخاري أبو زيد
رجل مجهول لا يعرف أبوه ولا بلده ، قال أبو أحمد الحاكم: هو رجل
مجهول لا يوقف على صحة كنيته واسمه، ولا يعرف راويًا عن أبي فزارة ولا
رواية من وجه ثابت إلّا حديث النبيذ ، وقال البخاري في كتاب الناسخ
والمنسوخ: وأبو زيد لا يعرف وما يدري أين هو؟ وقال الجورباني: منهم من
سمّاه ومنهم من كنّاه، ولكنه رجل مجهول، وقال أبو عمر في كتاب
الاستغناء: هو عند أهل الحديث رجل مجهول، روى عن ابن مسعود حديثًا
منكرًا لم يتابع عليه، ولم يرو عنه غير أبي فزارة، ولا يصح حديث أبي زيد
هذا عند أهل الحديث، ولا قال به أحد من أهل الحجاز ، ولا رواه من يوثق
به ولا يثبت ، وقال أبو الحسن محمد بن محمد بن عبد الله الباهلي في
مسند عبد الله بن مسعود - تأليف أحمد بن إبراهيم الدورقي وهذا الحديث
يدخله شيئان، أحدهما: أن يكون هذا من قبل حفظ الباطن، والوجه الآخر:
أن يكون قوله: ما رأيت مثلهم إلا ليلة الجن حين رأى ناسًا من الزّط يعني:
ما علمت إلَّا ما علمت من رسول الله عَ ليه/؛ لأن الصحيح عن ابن مسعود
أنه قال: (( ما كنت ليلتئذ مع النبي - عليه السلام -)) وقال أبو أحمد
الكرابيسي: وفي هذا الخبر إبطال كتاب الله تعالى وذلك أن الله تعالى قال :
[١/٩٥]
٢٢٤

﴿ فلم تجدوا فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾(١) وقال عليه السلام لعمار: ((إن لم
تجد الماء فعليك بالصعيد )) (٢) وقد اجتمعت الأمة أنه لا يتوضأ بغير الماء، ولا
يغتسل به من الجنابة مثل الخل ونبيذ التمر والعسل وماء العصفر يومًا أشبه
ذلك، ولا يثبت في هذا الباب من هذه الرواية حديث ، بل الأخبار الصحيحة
عن ابن مسعود ناطقة بخلافه ، وقال أبو جعفر الطحاوي: هذه الطرق لا تقوم
بها الحجة عند من يقبل خبر الواحد، وقال أبو بكر بن المنذر: حديث ليس
بثابت، وقال ابن عدي: ولا يصح هذا الحديث عن النبي - عليه السلام -
وهو خلاف القرآن، وبنحوه قاله الترمذي ، وفي علل الحربي: وأبو زيد رجل
مجهول، وقد روى حديثه هذا عن أبي فزارة سبعة أنفس، وقالوا خمسة
أقاويل: فقال إسرائيل ووكيع وشريك وسفيان: عن أبي زيد، وقال أبو العميس:
عن زيد، وقال عبد الملك بن أبي سليمان: عن عبد الله بن يزيد بن الأصم ،
وقال ليث: عن رجل، وقال عبد الملك بن أبي سليمان: عن عبد الله بن
يزيد بن الأصم، وقال ليث: عن رجل، وقال أبو عبد الله الشهري: عن شريك
أنّه حدّثه عن أبي زائدة خلاف ما حكاه عن سعدونة، والقول قول من قال
عن أبي زيد .
الثاني : التردد، في أبى فزارة ، هل هو راشد بن كيسان أم لا ؟ فالذي
يظهر من كلام أحمد أنّهما رجلان، فإنه قال: أبو فزارة في حديث ابن
مسعود رجل مجهول، وكذلك ذكره البخاري، ولكنه جعل راوي حديث
النبيذ راشد بن كيسان ، ولما ذكر بحشل في تاريخ واسط حديث أبي فزارة
قال : سألت أنسًا عن الركعتين قبل المغرب ، قال : ليس هذا أبو فزارة
(١) سورة النساء آية : ٤٣.
(٢) حسن. رواه أبو داود في: ١ - كتاب الطهارة، ١٢١ - باب التيمم، (ح/٣١٨). ولفظه: ((حدّثنا
أحمد بن صالح، ثنا عبد الله بن وهب ، أخبرني یونس عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عتبة حدثه عن
عمّار بن ياسر أنّه كان يُحدث أنّهم تمسحوا وهم مع رسول الله عَليه بالصّعيد لصلاة الفجر، فضربوا
بأكفّهم الصعيد ، ثم مسحوا وجوههم مسحة واحدة ، ثم عادوا فضربوا بأكفهم الصعيد مرّة أخرى،
فمسحوا بأيديهم كلّها إلى المناكب والآباط من بطون أيديهم .
٢٢٥

[٩٥/ ب]
الكوفي، ذاك راشد بن كيسان ، وقال ابن عدي: مداره على أبي فزارة، وهو
مشهور، واسمه راشد، وكذا سمّاه الدارقطني وأبو عمر وقال: روى عنه
الثوري وعلي بن عباس وجعفر بن ريّان/ وشريك، وهو ثقة عندهم، ليس به
بأس، وذكر إسحاق بن منصور عن ابن معين: أبو فزارة ثقة ، وقال في موضع
آخر : أبو فزارة العبسي كوفي، روى عن مصقلة بن مالك: روى عنه الثوري،
فلا أدري أهما اثنان أم واحد، وقد خرج عبد الرزاق في أماليه التي رواها عنه
الرمادي، فقال: أخبرني الثوري عن أبي فزارة العبسي، وأما النسائي فلم يذكر
في كتاب الكني غير راشد، فعلى قول البخاري ومن بعده يكون قول من قال
فيه مجهول غير جيد، لا سيما على قول الحربي من أنَّ سبعة رووه عنه ،
وذكر جماعة من العلماء، فأين مطلق الجهالة مع هذا؟ والله أعلم . وأما قول
ابن الجوزي في كتاب التحقيق: فإن قيل أبو فزارة اسمه راشد بن كيسان
أخرج عنه مسلم؛ فلذلك قال الدارقطني: أبو فزارة في حديث النبيذ اسمه
راشد، فجوابه من وجهين أحدهما أنّهما اثنان؛ والمجهول هو الذي في هذا
الحديث، ودليل هذا قول أحمد: أبو فزارة في حديث ابن مسعود مجهول،
فاعلم أنه غير المعروف . الثاني : أن معرفة اسمه لا تخرجه عن الجهالة فيه
نظرًا لما أسلفناه .
الثالث : وهو إنكار كون ابن مسعود - رضى الله عنه - وغيره شهد ليلة
الجن، وقد أسلفنا ما يدلّ على أنّه هو حضرها، ولما رأى قومًا من الزطّ قال :
هؤلاء أشبه من رأيت بالجن ليلة الجن، وأنكر ذلك علقمة فيما ذكره مسلم في
صحيحه وأبو عبيدة ابنه فيما ذكره البخاري في الأوسط، ولما ذكره أبو جعفر
الطحاوي رجّحه مع علمه بانقطاعه قال : لأنّ الله يعلم حال أبيه وإبراهيم
النخعي فيما ذكره البيهقي ، وقال في التحقيق عن اللالكائي: أحاديث الوضوء
بالنبيذ وضعت على أصحاب ابن مسعود عند ظهور العصبية، ويجاب عن
إنكار أبي عبيدة بأمرين :
الأول : ضعف الإِسناد الموصل إليه .
الثاني : ما أسلفناه من روايته عكس ذلك ، وعن قول إبراهيم بانقطاعه
٢٢٦

[٩٦ / ١]
ويشبه أنّه إنّما أخذه عن علقمة، وعن قول علقمة بأن عبد الله لم يشهد الجن،
وما قالوا وصدق/ في ذلك كان في الخط الذي خطه له المصطفى عَ له ولهذا
إنك لا تجد رواية ضعيفة ولا صحيحة أنّه شهد الجن، إنما يقولوا: ليلة الجن،
وذلك بيّ في حديث أبي الأحوص المتقدّم، وأن الوضوء بالنبيذ كان بعد
مجيئه عليه السلام من عند الجن، ومال الطحاوي - رحمه الله - إلى أن ابن
مسعود لم يحضرها، ويزيد ذلك وضوحًا ما ذكره الكرابيسي في كتاب
المدلّسين من تأليفه : أخبرني من سمع عبد الرزاق يحدّث عن أبيه عن ميناء
عن عبد الله أن النبي عَ له قال له ليلة الجن: ((يا عبد الله نعيت إلى نفسي))
الحديث في ذكر الخلافة، وحديث التيمي عن أبي عثمان النهدي عن عبد
الله: (( أنّه رأى ناسًا من الزطّ فقال: ما رأيت شبههم إلَّا ليلة الجن مع
النبي - عليه السلام -)) وأمّا قول اللالكائي فظاهر في التعصب، والله أعلم .
ويزيد ذلك وضوحًا حضور الزبير بن العوام ليلة الجنّ . روى ذلك الإسماعيلي
عن موسى ابن جعفر بن يعقوب بن سفيان، نا سليمان، نا أبو محمد الفقيه بن
الوليد، حدّثني نمير بن يزيد الحمصي - معروف حسن الحديث - عن أبيه عن
عمه مجاهد ابن ربيعة، نا الزبير بن العوام قال: (( صلى بنا النبي - عليه
السلام - صلاة الصبح في مسجد المدينة فلما فرغ قال : أيكم يتبعني إلى وفد
الجن الليلة))(١) الحديث . وأيما مرّ رجل فلم يجزم بعدم حضوره، لكنه تردد،
قال الأثرم : سألت أبا عبد الله الذي يصح عندك أن النبي - عليه السلام -
صحبه عبد الله ليلة الجن؟ فقال: لا أدري ، وقال ابن السند في كتاب
استيعاب الخلاف: أما أوجبت التعارض أن الذي روى الحديث الأول - يعني
حديث عبد الله - أسقط منه كلمة، وإنّما الحديث ما شهدها أحد غيري،
ومال الطحاوي - رحمه الله - إلى أن ابن مسعود لم يحضرها فقال : فهذا
الباب إن كان من طريق الإِسناد؛ فهذا الحديث الذي فيه الإِنكار أولى - يعني
حديث علقمة - لاستقامة طريقه ومتنه وثبت/ رواته، وإن كان من طريق النظر
فإنا قد رأينا الأصل المتفق عليه، أنّه لا يتوضأ بنبيذ الزبيب ولا بالخل، فكان
[٩٦/ ب]
(١) أثبتنا تمام لفظ الحديث من ((الثانية)).
٢٢٧

النظر على ذلك أن يكون نبيذ التمر أيضًا كذلك ، وقد أجمع العلماء أن نبيذ
التمر إذا كان موجودًا في حال وجود الماء أنّه لا يتوضأ به؛ لأنّه ليس ماءً
فكما كان خارجًا عن حكم المياه في حال وجود الماء، كان كذلك هو في
عدم الماء، وتوضأ النبي عَّهِ كان وهو غير مسافر، فلو ثبت هذا الأثر أنّ النبيذ
يجوز التوضئ به في البوادي والأمصار، ثبت أنّه يجوز التوضئ به في حال
وجود الماء وعدمه ، فلما أجمعوا على ترك ذلك والعمل بضدّه ثبت بذلك
تركهم الحديث، وخرج حكم ذلك النبيذ من حكم سائر المياه، وثبت بذلك
ألّا يجوز التوضئ به في حال من الأحوال، وهو قول أبي يوسف وهو النظر
عندنا، والأول قول أبي حنيفة ، وفي تاريخ الموصلي من حديث شريك عن
أبي فزارة أن النبي عَّه قال: ((قد أمرت أن أتلوا على إخوانكم الجن فليقم
معي من ليس في قلبه مثقال خردلة من غش)) ، وفى سنن الدارقطني من جهة
المسيب بن واضح، نا مبشر بن إسماعيل الحلبي عن الأوزاعي عن يحيى بن
أبي كثير عن عكرمة عن ابن عباس قال رسول الله عَ: ((النبيذ وضوء من
لم يجد الماء)) قال: ووهم فيه في موضعين: في ذكره ابن عباس، وفي ذكره
النبي - عليه السلام -، والمحفوظ في قول عكرمة غير مرفوع إلى النبي - عليه
السلام - ولا إلى ابن عباس والمسیب ضعيف، وقد رواه جماعة، وهو ضعيف
عن أبان، وهو متروك عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا، ولما ذكره الجوزجاني
قال: هذا حديث باطل، والصحيح رأى عكرمة غير مرفوع، ولما ذكره البيهقي
في الخلافيات قال: هذا الحديث واهي، وروى أبو إسحاق السبيعي عن الحرث
ومزيدة بن جابر عن علي أنّه كان لا يرى بالوضوء به بأسًا، قال ابن المنذر:
وهو قول الحسن البصري والأوزاعي ، قال الدارقطني: وبه قال/ ابن عباس
وعكرمة ، قال الترمذي: وبه قال الثوري: وروى عن أبي العالية نحوه، وذهب
بعضهم إلى أنّه لو صح لكان منسوخًا؛ لأنّه كان بمكة في صدر الإِسلام وقوله
تعالى : ﴿ فلم تجدوا ماءً ﴾ نزل في غزوة المريسيع، وممن قال ذلك ابن
القصار من المالكية وغيره ، وأما قول أبي حنيفة : لا يجوز الوضوء بشيء من
الأنبذة إلا نبيذ التمر، ففيه نظر؛ لما روى الدارقطني عن أبي العالية أما كان
ذلك ريب وما واصل النبيذ الطرح والرفض قال الله تعالى : ﴿فنبذوه وراء
[٩٧/ ١]
٢٢٨

ظهورهم﴾(١) وإذا أردت عمله لتطهير قلت : نبذت النبيذ بغير إلف. ذكره
ثعلب وكراع وابن السكيت والقزاز، وأما ما ذكره ابن درستويه من أن قول
العامة: أنبذت خطأ، فيشبه أن يكون وهم؛ لأنّ جماعة من اللغويين ذكروا
ذلك فلا عيب على العامة ، قال اللحيائي في نوادره : وأنبذت لغة ولكنّها
قليلة، وبنحوه ذكره ثعلب في كتاب فعلت وأفعلت، وابن سيدة في المحكم ،
قال : والانتباذ قيل : هو المعالجة أو الوضوء بماء البحر . حدّثنا هشام بن
عمار، نا مالك بن أنس، حدّثني صفوان بن سليم عن سعيد بن سلمة - هو
من آل ابن الأزرق - أن المغيرة بن أبي بردة - وهو من بني عبد الدار - حدّثه
أنه سمع أبا هريرة يقول: ((جاء رجل إلى النبي عَّ فقال: يا رسول الله إنا
نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء
البحر؟ فقال رسول الله عَّم: ((هو الطهور ماؤه، الحلّ ميتته))(٢). هذا
الحديث قال فيه أبو عيسى لما أخرجه: هذا حديث حسن صحيح ، قال :
وسألت محمدًا عنه فقال : هو حديث صحيح ، قال أبو عمر بن عبد البر: ما
أدري ما هذا من البخاري، فإن أهل الحديث لا يحتجون بمثل إسناد هذا
الحديث، ولو كان صحيحًا عنده لوضعه في كتابه، والحديث عندي صحيح ؛
لأن العلماء تلقوه بالقبول وحاصل ما يعبد به على هذا الحديث أربعة أوجه :
[٩٧/ ب]
أحدها : الجهالة بشعبة بن سلمة والمغيرة،/ وادعى أنه لم يرو عن سعيد غير
صفوان، ولا عن المغيرة غير سعيد، وفي موضع آخر: وليس إسناده مما يقوم به
حجة رجلان غير معروفين يحمل العلم. انتهى كلامه ، وفيه نظر من وجوه :
الأول : قوله: ولو كان صحيحًا لوضعه في كتابه، وذلك أنه هو قد أخبر
(١) سورة آل عمران آية : ١٨٧.
(٢) صحيح. رواه أبو داود (ح/ ٨٣) والترمذي (ح/ ٦٩) وقال: هذا حديث حسن صحيح .
والنسائي (١/ ٥٠، ١٧٦) وابن ماجة (ح/ ٣٨٦، ٣٨٧، ٣٨٨) وأحمد في ((المسند)) (٢/
٢٣٧، ٣٦١، ٣/ ٣٧٣، ٥/ ٣٦٥) والدارمي (١ / ٢٨٦، ٢/ ٩١) والبيهقي في ((الكبرى))
(١/ ٣، ٤/ ٢٥٤، ٩/ ٢٥٢، ٢٥٦) والموطأ (٢٢، ٤٩٥) والحاكم في ((المستدرك)) (١/
١٤١، ١٤٢، ١٤٣) وابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (١ / ١٣٠) وابن حبان في ((صحيحه))
(١٩٩، ١٢٠) والطبراني في «الكبير» (٢/ ٢٠٣). وكذا صححه الشّيخ الألباني.
٢٢٩

عن نفسه أنّه خرّج كتابه هذا من مائة ألف حديث صحيحة قال : ولم أخرج
هنا إلا ما أجمعوا عليه، فهذا صحيح غير مجمع عليه .
الثاني : ما ادّعا أنّه لم يرو عن سعيد غير صفوان، وليس كذلك بل يروي
عنه أيضًا الجلاخ أبو كثير فيما ذكره النسائي في كتاب السنن، والحاكم في
المستدرك، والبيهقي في كتاب السنن الكبير بلفظ: ((كنا عند النبي عَ ◌ّه يومًا
فجاء صيّاد فقال: يا رسول الله إنا ننطلق في البحر نريد الصيد فيحمل معه
أحدنا الإداره وهو يرجو أن يأخذ الصيد حتى يبلغ من البحر مكان لم يظن أن
يبلغه، فلعله يحتلم أو يتوضأ، فإن اغتسل أو توضأ نفذ الماء، فلعل أحدنا يهلكه
العطش فهل ترى في ماء البحر أن يغتسل منه أو يتوضأ به إذا خفنا ذلك ؟
فزعم أن رسول الله عَ له قال له: ((اغتسلوا به وتوضؤوا منه فإنه الطهور ماؤه
الحل مينته )).
الثالث : المغيرة روی عنه غیر سعید، وهو یحیی بن سعید ویزید بن محمد
القرشي. فيما ذكره البيهقي وعبد الله بن أبي صالح من رواية ابن وهب عنه.
ذكره أبو بكر في رياض السوس ، والحرث بن يزيد ويزيد بن أبي حبيب وعبد
العزيز بن صالح وأبو مرزوق التجيبي وموسى بن الأشعث البلوي وغيرهم. فيما
ذكره ابن يونس، وقال عبد الغني وصفوان بن سليمان وعبد الله ابنه فيما
ذكره أبو حصن أحمد بن إبراهيم بن أبي خالد في كتابه التعريف تصريح
التاريخ .
الرابع : جهالة سعید مرتفعه، فذكره عند من خرّج حديثه مصححًا له ممن
أسلفناه، وممن نذكره بعد حتى قال ابن مندة واتفاق صفوان والجلاخ مما
يوجب شهادة سعيد والنسائي ، قال : هو ثقة .
[٩٨ / ١]
الخامس : /جهالة حال المغيرة مرتفعة بما ذكرنا في سعيد، ويقول ابن منده
اتفاق يحيى وسعيد على المغيرة مما يوجب شهرته، وبنحوه قال في المستدرك،
ولما سئل عنه أبو داود: قال هو معروف من آل الأزرق، ولما ذكره ابن حبان
في كتاب الثقات قال: ومن أدخل بينه وبين أبي هريرة أبًا فقد وهم ، وقال
ابن عبد الحكم في كتابه فتوح مصر: لما قيل يزيد بن مسلم بإفريقية اجتمع
٢٣٠

الناس على رجل يقوم بأمرهم إلى أن يأتي يزيد بن عبد المالك، فرضوا بالمغيرة
فخوف فلم يرض، فاجتمعوا على محمد بن أوس فلما سمع الخليفة بذلك
قال : أما كان بالبلدين من قريش أحد ؟ قيل : بلى المغيرة بن أبي بردة ،
قال : قد عرفته قال : فما باله لم يقم؟ قيل أبى ذلك وأحب العزلة، وقال أبو
بكر عبد الله بن محمد المالكي في كتاب طبقات علماء القيروان: كان المغيرة
قد حالف بني عبد الدار، من أهل الفضل، كثير الصدقة، لا يرد سائلًا يسأله
غزا، وهو أبو عبد الله بن المغيرة قاضي القيروان لعمر بن عبد العزيز سنة تسع
وتسعين، وكان زاهدًا ديّنًا عادلًا ورعًا فاضلاً تابعيًا أيضًا، وذكره أبو العرب
فيمن دخل إفريقية من أجله التابعين ، وقال ابن يونس في تاريخ علماء مصر:
ولى غزو البحر لسليمان بن عبد الملك سنة ثمان وتسعين، والبعث من مصر
لعمر بن عبد العزيز سنة مائة، وولده بإفريقية إلى اليوم ، قال ابن أبي خلف:
شهد قتل أصحاب يزيد بن المهلب، وممن صححه أيضًا أبو حاتم البستي، ثم
قال: وذكر الخبر المدحض قول من زعم أن هذه الستة تفرد بها سعيد بن
سلمة، فذكر حديث جابر الآتي بعد، ورجّح ابن منده صحته، وقال ابن
المنذر: ثبت أن النبي - عليه السلام - قال في البحر: ((هو الطهور ماؤه))
وقال البيهقي : هو حديث صحيح، وإنما لم يخرجه البخاري في الصحيح
لأجل اختلاف وقع في اسم سعيد بن سلمة والمغيرة، وذكره الجارود في
المنتقى. نا النسخ المسند المعمر مجد الدين إبراهيم بن عليّ بقراءتي عليه،
أخبركم الإِمام الرحّال صدر الدين أبو عليّ الحسن بن محمد بن محمد
/البكري إجازة - إن لم يكن سماعًا - نا أبو روح عبد المعز محمد بن أبي [٩٨/ ب]
الفضل الهروي قراءة عليه، أخبركم أبو القاسم زاهر بن طاهر بن محمد
السحامي قراءة عليه وأنت تسمع، نا أبو سعيد محمد بن عبد الرحمن
الجندرودسي، نا أبو طاهر محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق بن خزيمة بن
المغيرة بن صالح السلمي النيسابوري، حدّثني الإِمام أبو بكر بجميع كتاب
الصحيح من تأليفه قال : نا يونس بن عبد الأعلى الصفدي، نا ابن وهب أنّ
مالگا حدثه یحیی بن حکیم، نا بشر يعني ابن عمر الزهراني، نا مالك، نا
صفوان عن سعيد بن سلمة فذكره قال : هذا حديث يونس، وقال يحيى: عن
٢٣١

صفوان، ولم يقل من آل ابن الأزرق ولا من بني عبد الدار ، وقال : نركب
البحر أزمانًا، والحاكم في المستدرك ، ومع ذلك فقد أعلّ بأمور منها :
الاختلاف في سعيد بن سلمة، فيما ذكره البيهقي في السنن الكبير، فقيل: عن
سلمة بن سعيد وقيل: عن عبد الله بن سعيد المخزومي ، وقيل : من آل ابن
الأزرق، وقيل: من آل بني الأزرق، ومنها: الإِرسال فيما ذكره أبو عمر من أن
ابن عمير الحميدي والمخزومي رووه عن ابن عيينة عن يحيى بن سعيد عن
رجل من أهل المغرب يقال له المغيرة إن أناسًا من بني مدلج أتو النبي عَّ﴾.
فقالوا : الحديث بمعنى حدّث مالك ، قال : ويحيى بن سعيد أحفظ من
صفوان، وأمّا عن سعيد بن سلمة، ومنها: الاضطراب واختلاف الروايات. قاله
ابن إسحاق، فرواه عن يزيد بن أبي حبيب عن الجلاخ عن عبد الله بن سعيد
المخزومي عن المغيرة عن أبيه عن أبي هريرة قال: ((أتى رجال من بني مدلج))
وفي رواية عن ابن إسحاق سلمة بن سعيد عن المغيرة حليف بني عبد الدار
عن أبي هريرة. ذكره السراج في مسنده وفي البيهقي، واختلف في رواية
يحيى بن سعيد اختلافًا كثيرًا، فقيل: عن المغيرة بن عبد الله بن أبي بردة عن
رجل من بني مدلج عن النبي عَّه/ هذه رواية أبي عبيد القاسم بن سلام عن
هشيم عنه، ورواه بعضهم عن هشيم فقال: عن المغيرة بن أبي برزة - وهو
وهم - وحمل أبو عيسى الوهم فيه عن هشيم. انتهى كلامه، وفيه نظر من
حيث ألزم الوهم هشيم، أو ليس بالذّم له إذا اتفق الرواه عنه في ذلك فأما وقد
اختلف عليه فلا، وقد تقدّمت رواية أبي عبيد عنه على الصواب، والله أعلم .
قال البيهقي : ورواه سفيان عن يحيى فقال: عن المغيرة بن عبد الله بن
عبدان - رجل من بني مدلج - ورواه سليمان بن بلال عن يحيى عن عبد
الله بن المغيرة الكندي عن رجل من مدلج، وقيل: عن المغيرة بن عبد الله عن
أبيه قال البيهقي في معرفة السنن: وهذه الاختلافات تدلّ على أنه لم يحفظه
كما ينبغي ، والجواب عن ذلك أنّ من لم يحفظ لا يكون حجة على من
حفظ، وذلك أن ابن يوسف جوده عن ذلك. فيما ذكره الحافظ ابن عساكر -
رحمه الله - في كتابه مجموع الرغائب ، قال وقد جوّده عبد الله بن يوسف
عن مالك عن صفوان عن سعيد، سمع المغيرة أبا هريرة، وفي كتاب التاريخ
[٩٩/ ١]
٢٣٢

للبخاري، وحديث مالك أصح ، قال البيهقي : وقد تابعه الليث وعمرو بن
الحرث، كلاهما عن سعيد بن سلمة عن يزيد بن محمد عن المغيرة ، أمّا
الاختلاف في نسبة المغيرة فكلّه متفاوت غير ضار. قاله أبو عمر، وأمّا رواية
ابن إسحاق فقد خالفه في ذلك الليث، حيث رواه كمالك، والليث لا يقاربه
ابن إسحاق، وقد وقع لنا حديث أبي هريرة - رحمه الله - من غير طريق
المغيرة، من جهة الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عنه، نا بذلك
أبو النون يونس بن إبراهيم الكناني إذنًا ومناولة عن ابن الكناني المغيرة قال: نا
أبو الكرم الشهرزوري قال: أبو الحسن بن المهتدي في كتابه عن أبي الحسن
عليّ بن مهدي البغدادي الحافظ، نا يحيى بن إسماعيل، نا محمد بن عبد
الله بن منصور، نا أبو أيوب سليمان بن عبد الرحمن، نا محمد بن غزوان، نا
الأوزاعي به، ومن جهة ابن المسيب عن أبي هريرة ذكره ابن حبان في
الضعفاء من طريق عبد الله بن محمد القدلعي، نا إبراهيم بن سعد عن الزهري
عنه، ومن جهة الأعرج عن أبي هريرة ذكره ابن منده وأشار إلى عدم ثبوته في
المستدرك، وقد روى هذا، قال مالك في طريق هذا الحديث من ثلاثة أسماء
من شرط هذا الكتاب، وهم: عبد الرحمن بن إسحاق، والقدَّاس، والحرث بن
إبراهيم المزني، وإنما حملني على ذلك أن نعرف العالمين أن هذه المتابعات
والشواهد لهذا الأصل الذي صدّر به مالك كتاب الموطأ، وتداوله فقهاء
الأمصار من عصره إلى وقتنا هذا لا يرد بجهالة سعيد والمغيرة، على أنّ اسم
الجهالة مرفوع عنهما بهذه المتابعات ، ورواه الدارقطني من حديث إبراهيم بن
المختار عن عبد العزيز بن عمر بن سعيد بن شهاب عن أبي هند عن أبي هريرة
ولفظه: (( من لم يطهره ماء البحر فلا طهّره الله))(١) حدّثنا سهل بن أبي
سهل، نا يحيى بن أبي بكر، حدّثني الليث بن سعد عن جعفر بن ربيعة عن
بكر بن سوادة عن مسلم بن مخشى عن ابن الفراسي قال : كنت أصید،
وكانت لي قربة أجعل فيها ماءً وإني توضأت بماء البحر، فذكرت ذلك الرسول
الله عَّله فقال: ((هو الطهور ماؤه الحل ميتته)) هذا حديث سأل الترمذي
[٩٩/ ب]
(١) ضعيف. رواه الدارقطني: (١/ ٣٩٦).
وضعفه الشيخ الألباني . ( ضعيف الجامع: ص٨٤٣ ح ٥٨٤٣).
٢٣٣

[١٠٠/ ١]
البخاري عنه فقال: هو مرسل، ابن الفراسي لم يدرك النبي عَ له وأبوه له
صحبة، وقال الإشبيلي : لم يروه فيما أعلم إلا ابن مخشى(١) وابن مخشى لم
يروه - فيما أعلم - عنه إلّا بكر بن سوادة، هذا نص ما ذكر، وخفى عليه
انقطاع حديثه ، وذلك أنّه من عند ابن عبد البرّ، ونص ما عنده عن مسلم أنّ
الفراسي قال : كنت أجيد الحديث وناقض ذلك الإشبيلي حين ذكر حديث
((إذا كنت سائلًا فسل الصالحين)) بقوله: ابن الفراسي لم يرو عنه إلا مسلم ،
وقال أبو الحسن بن القطان: فتبيّ من هناك أن مسلمًا لا يروى عن الفراسي
إلَّا بوساطة ابنه، وليست لابنه صحبة. انتهى كلامه . وقال أبو عمر: إسناده
ليس بالقائم، وقد وقع لنا/ هذا الحديث من طريق متصلة صحيحة، ذكرها أبو
بكر بن أبي شيبة في مسند قتيبة: نا ليث عن جعفر عن بكر عن مسلم بن
مخشى عن ابن الفراس أن الفراسي قال: قلت لرسول الله عَ له: ((فذكر
الحديث ، فهذا كما ترى أنّ الفراسي رواه عن أبيه، فذهب ما توهم البخاري
وغيره من انقطاعه، على أنَّ البخاري قد خولف في ذلك فذكر ابن بنت منيع
في معجمه أنّ ابن الفراسي له صحبة أيضًا ، وزعم ابن الأثير أنَّ ابن الفراسي
والفراسي واحد، ويشبه أن يكون وهمّا، والله أعلم، وأما بكر بن سوادة أبو
ثمامة المصري الفقيه المفتي، فروى عن سهل بن سعد الساعدي وغيره من
الصحابة، وروى عنه جماعة منهم: عمرو بن الحرث وعبد الرحمن بن زياد
والليث ابن سعد قال ابن سعد: كان ثقة - إن شاء الله تعالى - وروى له
مسلم في صحيحه، واستشهد به البخاري، وبكر بن سوادة وثقه أبو حاتم
البستي - رحمه الله - فصح بذلك الحديث، والله تعالى أعلم ، ويقال في
الفراسي ولم يذكر البخاري في الكبير غيره وهو من فراس بن مالك بن كنانة
حديثه عند أهل مصر ومخرج حديثه عنهم. كذا ذكره ابن عمرو وفيه نظر؛
لأن فراسًا ليس هو ابن مالك إنما هو ابن عثمان بن ثعلبة بن مالك، قال أبو
محمد الرشاطي: وثبوتهما هو الصواب. حدّثنا محمد بن يحيى، نا أحمد بن
حنبل أبو القاسم بن أبي الزياد، حدّثني إسحاق بن حازم عن ابن مقسم
(١) قوله: ((مخشى)) وقع في ((بعض النسخ)): ((يخنس))، والصحيح ما أثبتناه .
٢٣٤

[١٠٠/ ب]
عبيد الله عن جابر أن النبي عَ المر سئل عن ماء البحر فقال: ((هو الطهور ماؤه
الحل ميتته)) هذا حديث ذكره الشيخ تقي الدين أن ابن السكن وأخرجه في
مصنفه وقال : هو أصح ما روى في هذا الباب وخالفه ابن منده في هذا
فقال : روى هذا الحديث عبيد الله بن مقسم عن جابر وعن الأعرج عن أبي
هريرة ، ولا يثبت والظاهر أنَّ القول كما قاله ابن السكن وذلك أنّ رجال
إسناده/ ثقات بيانه أن أبا القاسم بن أبي الزياد لما سئل عنه أبو زرعة فقال أبيه
كنيته لا يعرف له اسم وتبعه على ذلك الحافظان مسلم بن الحجاج وأبو عمرو
عنهما من المتأخرين ، وخالف ذلك أبو عمرو بن الصلاح فذكر أن اسمه مبررًا
بذلك قاضي قضاة بدر الدين ابن جماعة فقال قاضي القضاة تقي الدين ابن
رزين بن الصلاح وانبأنا به جماعة من شيوخنا الشاميين عنه به ، وقال
العباس بن محمد سئل عنه يحيى بن معين فقال : ليس به بأس قد سمع منه
أحمد، قرأة على الشيخ المعمر أبي بكر المقدسي أخبركم ابن رواح إجازة أن
لم يكن سماعًا - نا الحافظ أبو طاهر قراءة عليه وأنا أسمع بثغر الاسكندرية
في يوم الأحد العشرين من جمادي الأولى سنة ثلاث وسبعين وخمس مائة، نا
الشيخ أبو القاسم محمود بن سعادة بن أحمد بن يوسف بن عمران الهلالي
بثغر سلماس من أصل سماعه سنة ست وخمس مائة ، نا أبو يعلي الخليل بن
عبد الله القزويني قدم علينا سنة اثنين وعشرين وأربع مائة، ثنا أبي عن علي بن
إبراهيم بن سلمة القطان، نا عليّ بن أحمد بن الصباح، نا أبو بكر أحمد بن
محمد بن هانئ - رحمه الله - قال : سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل
ذكر أبا القاسم بن أبي الزياد فأثنى عليه وقال: كتبنا عنه وهو شاب فأمّا
إسحاق بن حازم. وقيل: ابن أبي حازم المديني فروى عنه عبد الله بن وهب
وعبد الله بن نافع وخالد بن مخلد ومعن بن عيسى قال فيه(١) ابن معين: ثقة،
وكذلك قاله أحمد بن حنبل، وقال أبو حاتم الرازي : صحيح الإِسناد،
وأخرجه الحاكم في مستدرك عليّ بن قانع. نا محمد بن عليّ بن شعيب، نا
الحسن بن بشر، نا الماعي بن عمران عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر،
(١) ((بالأصل)) وردت كلمتان زائدتان .
٢٣٥

[١٠١/ ١]
ورواه الدارقطني عن عليّ بن الفضل، نا أحمد بن أبي عمران، نا سهل بن
تمام نا مبارك بن فضالة عن أبي الزبير به، قال: وخالفه عبد العزيز بن عمران،
وليس بالقوي ./ وأسنده عن أبي بكر الصديق، وجعله عن وهب عن ابن
كيسان عن جابر، ولما ذكره في العلل قال: تفرد به عبد العزيز، وهو مدني
ضعيف الحديث ، وقد روى عن أبي بكر من قوله غير مرفوع من رواية
صحيحة من حديث عمرو بن دينار عن أبي الطفيل عنه، ورواه ابن راطا(١)
عن شيخ له من حديث عبد الله بن عمرو عن عمرو بن دينار عن أبي الطفيل
عن أبي بكر عن النبي ◌َّله، ووهم في رفعه، والموقوف أصح ، ولما ذكره ابن
صخر في فرائدة قال : قال لنا أبو محمد الحسن بن عليّ: هذا حديث غريب
من حديث أبي بكرٍ عن النبي، انفرد بروايته بهذا الإِسناد محمد بن يحيى
المدني، وما كتبناه إلّا من حديث عمر بن شبه، وقد حدّث به الزنادي فقال :
حدّثني أبو زيد النحوي - يعني ابن شيبة - نا محمد بن يحيى، حدّثني عبد
العزيز فذكره ، وقال صاحب كتاب الوقوف على معرفة الموقوف: الصحيح
موقوف على أبي بكر، وفي هذا ردّ لما ذكره أبو عيسى، وفي الباب عن جابر
والفراسي، وفيه أيضًا حديث عن ابن عباس أخرجه الحاكم في مستدركه من
حديث حماد بن سلمة عن أبي التياح عن موسى بن سلمة عنه ، وقال: هذا
حديث صحيح على شرط مسلم، وشواهده، كثيرة ولم يخرجاه، وأبى ذلك
الدارقطني، وزعم أن وقفه هو الصواب، وفيه أيضًا حديث عليّ بن أبي طالب.
أخرجه الحاكم من حديث محمد بن الحسين بن عليّ، حدّثني أبي عن أبيه
عن جدّه عنه، وفيه أيضًا حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. أخرجه
الحاكم من حديث الهقل بن زياد عن الأوزاعي عن عمرو بن شعيب عن أبيه
عن جدّه، وفيه أيضًا حديث أنس بن مالك به يونس بن إبراهيم إذنًا ومناولة
عن ابن المقبرّ فقال: أنا أبو الكرم الشهرزوري، نا محمد بن عليّ في كتابه، نا
عليّ بن عمر قال : نا عليّ بن مبشر، نا محمد بن حرب، نا محمد بن يزيد
عن أبان عن أنس به قال أبان : هو ابن أبي شيبة، وهو متروك الحديث ، وفيه
(١) كذا فى ((الأصل)): ((راطا)).
٢٣٦

أيضًا حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب. ذكره الدارقطني، وقال:/ باطل [١٠١/ ب]
بهذا الإسناد، مقلوب، وفيه أيضًا حديث العركي، أنابه الإِمام تاج الدين ابن
دقيق العيد - رحمه الله - إجازة عن الفقيه أبي الحسن بن الحميري، قال : ثنا
الحافظ أبو الظاهر بن سلفة قال : نا الشيخ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن
إبراهيم الرازي قراءة عليه وأنا أسمع بمصر قال: نا القاضي أبو الفضل محمد بن
أحمد بن عيسى السعدي قال : نا أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن
حمدان العكبري ، قال : قرأ على أبي القاسم عبد الله بن محمد بن عبد
العزيز ، نا عثمان بن أبي شيبة ، نا حاتم بن إسماعيل عن حميد بن صخر عن
عياش بن عباس عن عبد الله بن جرير عن العركي الذي سأل رسول الله عَ ليه
قال: (( يا رسول الله: إنا نركب الإِرمات فتبعد في البحر ومعنا ماء لسقاؤنا))
الحديث . قال أبو القاسم: هكذا نا عثمان عن حاتم عن حميد بن صخر وهو
وعمرو إنما هو حميد بن زياد أبو صخر المدني، وهو صالح الحديث ، قال :
والعركي بلغني اسمه عندما رواه ابن قتيبة في غريبه عن القرشي، نا محمد بن
عتاب المكي، نا حاتم بن إسماعيل عن أسامة بن زيد عن عبد الرحيم عن عبد
الله ابن ذر بن الغافقي عن العركي به، وأما البحر فمختلف فيه؛ فزعم بعضهم
أن ذلك يعم العذب والملح ، وقال بعضهم: بل ذلك مخصوص بالملح فقط،
ممن قال ذلك القزاز فإنه ذكر أنه سمى بذلك لسعته من قولهم: تبحر الرجل
في العلم إذا اتسع فيه، وإذا اجتمع الملح من الماء والعذب سموهما باسم الملح ،
قال تعالى: ﴿ مرج البحرين يلتقيان﴾(١) فجعل الماء العذب بحرًا المقارنة
الملح، قال الشاعر :
على مرضي أن أهجر المشرب العذب
وقد عاد عذب الماء بحرًا فزاد بی
انتهى كلامه ، وفيه تصريح بأن البحر يطلق على الملح لا العذب، وإن
أطلق فعلى سبيل المجاز، وكذا ذكره ابن فارس في محكمه بقوله: ماء بحر أي
ملح يقال : أبحر الماء إذا أملح ، وفي الغريب المصنف عن الأموي
والأصمعي:/ البحر هو : الملح، يقال منه قد أبحر الماء أي صار ملحًا ، وكذا
(١) سورة الرحمن آية : ١٩.
٢٣٧
[١٠٢ / ١]

ذكره الزمخشري في أساس البلاغة بقوله: وما بحر وصف به لملوحته، وقد
أبحر المشرب العذب، قال ذو الرّمة : بأرض هجان الترب وسميَّه الثرى غداة
فأت عنها الملوحة والبحر ، وفي كلام الجوهري ما يفهم منه خلاف ذلك
لقوله : البحر خلاف البر، سمى بذلك لعمقه واتساعه، والجمع أبحر وبحار
وبحور، وكلّ نهر عظيم بحر، قال عدي : سره ماله وكثرة ما يملك والبحر
مُغْرضًا والسرير يعق الفرات ، وقال الشافعي - رحمه الله تعالى - في كتاب
المناسك وغيره : والبحر الماء العذب والملح، وإليه نجا أبو محمد بن بري في
كتابه المسمى بالتنبيه والإفصاح عمّا وقع في كتاب الصحاح، الذي أنا بجميعه
الشيخ تاج الدين أحمد بن عليّ بن وهب المعروف بابن دقيق العيد، إذنّا عن
الفقيه بهاء الدين عنه قال : كان الأموي يجعل البحر من الماء الملح فقط ،
قال: وسمّى بحرًا لملوحته، يقال : ماء بحر أي ملح، وأما غيره فقال : إنما
سمي بحرًا لسعته وانبساطه، ومنه قولهم: أنّ فلانًا كالبحر أي : واسع
المعروف، فعلى هذا يكون البحر للملح والعذب، وشاهد العذب قول ابن
مقبل : ونحن منا لبحر أن تشربوا به ، وقد كان منكم ماؤه بمكان، وقال
جرير أعطوا هتيده بحذوها ثمانية ما في عطائهم من ولا شرف كومًا بهارس
مثل الهضب لو وردت ما أنقرأت لكاد ينير(١) ، وقال الكميت إناس : إذا
وردت نحوهم سوادي الغرائب لم يضرب، وقد أجمع أهل اللغة أن اليم هو
البحر، وجاء في التنزيل ﴿فَأُلقيه في اليم﴾ قال أهل التفسير: هو نيل مصر،
وفي كتاب الجمهرة لابن دريد: والعرب تسمى الماء الملح والعذب بحرًا إذا
كثر، وفي التنزيل: ﴿مرج/ البحرين يلتقيان﴾ يعني الملح والعذب وفي
كتاب الغريب لابن قتيبة، سئل ابن عباس عن الوضوء بماء البحر فقال : هما
البحران لا تبالي بأيهما توضأت، والله أعلم ، وكذا ذكره الأحداني في كتاب
الكفاية التي قرأتها على غلامه، وفيه شيخ مشايخ البلاد أبي حيان عن ظهر
قلب في مجلس واحد، وأخبر بها عن الشيخ الصالح المقري سيّد الدين عبد
النصير بن عليّ الهمداني وغيره، عن أبي الفضل جعفر بن أبي البركات،
[١٠٢ / ب]
(١) قوله: ((ينير)) غير واضحة ((بالأصل)) وكذا أثبتناه.
٢٣٨

وأنبأني بها جماعة من أصحاب جعفر عن أبي الصالح رضوان بن مخلوف
عن أبي الحسن عليّ بن الحسن بن حفص القرشي سماعًا من والده وعن أبي
محمد بن عبد الله بن المؤلف لها، أي إسحاق إبراهيم بن إسماعيل بن
أحمد بن عبد الله الطرابلسي، كلاهما عن مؤلّفها أبي إسحاق ، قال : والبحر
الماء الكثير المتسع، عذبًا كان أو ملحًا، وإنّما سمي بحرًا لكثرته، ومن أسمائه:
اليم والزاما والمهرقا وحضارة، والقاموس: وسطة وغواريه: أمواجه، والحال: طيبة
وترابه، والعبر: ساحل البحر وهو الشّط والشاطئ والسيف والصيف والضفة
والجدّ والجدة والغبقة، ويقال: ماء رَغْرَبَ وماء تليذم وماء خضرم إذا كان كثيرًا
متسعًا، وفي الغريب المصنف: والبلائق الماء الكثير ، وفي كتاب الألفاظ لابن
السكيت: ماء سُعر وسعبت وطنيس وطيسل وزينب وجوارٍ على فعال أي
كثير، وفي كتاب السيف اللسان للحميري: ولا يقولون بحر إلّ بما كان ملحًا
خاصة ، والبحر يقع على الملح والعذب. انتهى كلامه ، وفيه نظر من حيث
عيبه على من يقول ذلك من الناس، ولا غيب عليهم لما أسلفناه من قول
جماعة من أهل العلم باللغة، والله أعلم .
وأما السائل فزعم السمعاني أنّه العركي قال : وهو اسم يشبه النسبة -
والله أعلم - انتهى ، وفيه نظر من حيث جعله اسمًا، وليس كذلك بل هو
نعت لمن كان صيادًا، وقد سبق بيان ذلك في الكتاب الموسوم برفع الارتياب/
في الكلام على اللباب، وملخصه ما ذكره القزاز وغيره ، والعروك الصيادون،
والواحد عركي قال زهير : يغشى الحذأة تبارعث الكثيب كما يغشى السَّفين
موج اللجة العرك، وكتب المصطفى عَّ له لقوم من اليهود: إنّ عليكم ربع ما
أخرجت نخلكم وربع ما صاد عروككم، ويزيد ذلك وضوحًا قول البغوي :
قيل : اسمه عبد كما أسلفناه .
[١٠٣ / ١]
واختلف في الوضوء من ماء البحر؛ فكره الوضوء منه جماعة، منهم: أبو
هريرة وعبد الله بن عمر وأبو العالية. فيما ذكره ابن أبي شيبة في المصنف ،
وفي الأشراف عن ابن المسيب: إذا ◌ُجُئت إليه تقوض منه، وقد انعقد الإِجماع
على جواز الوضوء منه فيما حكاه ابن عبد البر، وإنما كره الوضوء منه من
كرهه لما روى في بعض الأحاديث من أنّ الله تعالى يسقط فيه الكواكب يوم
٢٣٩

القيامة ويصيّره نارًا ، وفي حديث يعلي من تاريخ محمد بن إسماعيل مرفوعًا :
((البحر من جهنم، أحاط بهم سرادقها، والله لا أدخله حتى أعرض على الله
تعالى))(١) وكنت لم أسمع بهذا الحديث، فلما سافرت إلى الشام سنة تسع
وسبع مائة في شوال، نزلنا منزلة العريش على شاطئ البحر يوم الثلاثاء تاسعة،
وجب عليّ غسل، فلما أردت أن أغتسل من البحر وجدت ناسًا كثيرًا مختفين
بالشاطئ فبصر فاستوضؤا، فقمت وقت القائلة فرأيت في منامي برية واسعة
ملئ جمر الهبة الكرس إذا وقد عليه، فجعلت أفكر فيه فسمعت قائلًا يقول :
هذا البحر الملح صيّره - أو يصيره - اللّه نارًا يوم القيامة، ولا تقربه فاستيقظت
فزعًا ولم أقربه ولا ماءه، فلما قدمنا من الشّام ومرّت علينا أعوام رأيت هذا
الحديث في كتب المسانيد، فحمدت الله تعالى الذي وفاني سرّه وصدق
رؤياي الرّجل يستعين عليَّ وضوءه فنصب عليه. / حدّثنا هشام بن عمار، نا
عيسى بن يونس، نا الأعمش عن مسلم بن صبيح عن مسروق عن المغيرة بن
شعبة قال: ((خرج النبي عَّله لبعض حاجته، فلما رجع تلقيته بالإِداوة،
فصببت عليه فغسل يديه ثم غسل وجهه، ثم ذهب يغسل ذراعيه، فضاقت
الجبة فأخرجهما من تحت الجبة فغسلهما ومسح على جبهته ثم صلى بنا))(٢)
هذا حديث أخرجه الشيخان » في صحیحیھما حدثنا محمد بن یحیی، نا
الهيثم بن حميلي، نا شريك عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن الربيع بنت
معوذ قالت: (( أتيت النبي عَ لّه بميضأة فقال: اسكبي، فسكبت فغسل وجهه
وذراعيه، وأخذ ماءً جديدًا فمسح به رأسه مقدّمه ومؤخّره، وغسل قدميه ثلاثًا
ثلاثًا )) (٣) هذا حديث قال فيه أبو عيسى حين خرّجه: هذا حديث حسن،
[١٠٣/ ب]
(١) ضعيف . الجوامع (١٠٢٧٥) والكنز (٣٥٣٤١) والتاريخ الكبير للبخاري (١/ ٧٠، ١٨
٤١٤) .
وضعفه الشيخ الألباني. ( ضعيف الجامع: ص ٣٥٠ ح ٢٣٦٦).
(٢) صحيح متفق عليه. رواه البخاري (ح/ ٢٠٣) ومسلم في ( الطهارة، ح/ ٧٨) النسائي
في ( الطهارة، باب ((٩٥))) وابن ماجة (ح/ ٣٨٩) وأحمد في ((المسند)) (١/ ٣٣، ٣/ ٤٢١،
٤٤٣، ٤ / ٢٣، ٢٢٤، ٢٣٧، ٢٠/٥).
(٣) ضعيف . رواه ابن ماجة (ح/ ٣٩٠) وأبو داود (ح/ ١٢٦)، وأحمد في ((المسند)) (٦ / ٤٦١) . =
٢٤٠