النص المفهرس
صفحات 61-80
المبحث الأول : التعريف الموجز بالحافظ الدارقطني ، ويشمل ما يلي : ١- اسمه ونسبه وكنيته . ٢- نشأته . ٣- طلبه العلم ورحلته فيه . ٤- عقيدته . ٥- ثناء العلماء عليه . ٦- شيوخه وتلاميذه . ٧- وفاته . ٦١ المبحث الأول : التعريف الموجز بالإمام الدارقطني (١) . ١- اسمه ونسبه و کنیته :- هو الإمام الحافظ أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود بن النعمان بن دينار الدارقطني (٢) البغدادي . ٢ - ولادته : ولد-رحمه الله- سنة ست وثلاثمائة، وقيل: سنة خمس وثلاثمائة(٣). وقد قال الدارقطني : ((مات أبو العباس أحمد بن محمد بن شريح القاضي الفقيه سنة ست وثلاثمائة .... وولدت في هذه السنة)) (٤). (١) لقد اعتنى بترجمة الدارقطني كثير من السابقين والباحثين المتأخرين الذين حققوا بعض كتبه أو درسوها مما يؤكد إجمال الكلام عنه ، ومن أمثلة مصادر ترجمته ما يلي : (تاريخ بغداد ٣٤/١٢، المنتظم ١٨٣/٧، الأنساب ٢٧٣/٥، معجم البدان ٤٢٢/٢، النبلاء ٤٤٩/١٦، اللباب ٤٠٤/١، وفيات الأعيان ٢٩٧/٣، البداية والنهاية ٢١٧/١١، التذكرة ٩٩١/٣، العبر ٢٨/٣، الأعيان، النجوم الزاهرة ١٧٢/٤، الشذرات ١١٦/٣ طبقات القراء ٥٥٨/١ / طبقات الحافظ ٣٩٣، طبقات الشافعية الكبرى ٦٢/٣، مفتاح السعادة ١٤١/٢) . (٢ ) الدارقطني منسوب إلى (دار القطْن) بفتح الدال وسكون الألف وفتح الراء وسكون الطاء المهملة ، وفي آخرها نون ، وهي محلة كانت ببغداد من نهر طابق بالجانب الغربي بین الکرخ ونھر عیس بن علي (الأنساب ٢٧٣/٥). (٣) المنتظم ١٨٣/٧، ١٩٣، التذكرة ٩٩١/٣، طبقات الشافعية الكبرى ٤٦٢/٣، وفيات الأعيان ٢٩٨/٣ . (٤ ) (سؤالات السهمي ق ١٢ ). ٦٣ ٣- طلبه العلم ورحلته فيه : توجه إلى طلب العلم وهو صغير ، حيث كان أبوه من المحدثين الثقات ، قال يوسف القواس ((كنا نمرُّ إلى البغويّ والدارقطني صبي يمشي خلفنا بیدہ رغيف گامَخ))(١) . وقال الدارقطني نفسه : ((كتبت في أول سنة خمسة عشرة وثلاثمائة)» (٢) . وحفظ القرآن صغيراً كما يفيده قوله - رحمه الله - : ((كنت أنا والكتاني نسمع الحديث فكانوا يقولون : يخرج الكتاني محدث البلد ، ويخرج الدارقطني مقرىء البلد فخرجت أنا محدثاً والكتاني مقرئاً)) (٣). وقد ارتحل في طلب العلم إلى العراق البصرة والكوفة وغيرهما في حدود سنة عشرين وثلاثمائة. قال الدارقطني : ((كتبت ببغداد أحاديث من السوداني .. ثم مضيت إلى الكوفة لاسمع منه))(٤) . كما رحل إلى الشام ومصر والحجاز . قال الحاكم : (( دخل الدارقطني الشام ومصر على كبر السن وحج واستفاد وأفاد ، ومصنفاته (١) (التذكرة ٣/ ٩٩٤) والكامخ: هو الذي يؤتدم به ، كما في ( مختار الصحاح ص ٥٧٨ ) . (٢) ( سؤالات البرقاني ق ١٢). (٣) (المنتظم ٧ / ٨٧ ). (٤) ( تاريخ بغداد ١٢ / ٣٧ ). ٦٤ يطول ذكرها)) (١) . وحدد الدارقطني زمن دخوله مصر فقال : ((دخلت مصر في سنة سبع وخمسين)) - أي بعد الثلاثمائة وحين رحل إلى مصر لامه اليافعي حيث إن الوزير ابن حنزابه أراد أن يصنف مسنداً ، فخرج أبو الحسن إليه ، وأقام عنده مدة يصنف له المسند وحصل له من جهته مال كثير . وقد دافع الإمام الذهبي عن الدارقطني في ذلك ، بأن الحاجة لعلها دعته إلى قبول ذلك ، وأن ذلك مذهب لبعض العلماء لا يلحقه مع حاجته في ذلك لوم (٢) . هذا مع ما عرف عن الوزير من فضل وعلم ، وما أثمرت رحلة الدارقطني إلى مصر من نشر للعلم وتتلمذ الناس عليه . ٤- عقيدته : قال السلمي : (( وسمعت الشيخ أبا الحسن يقول : ما في الدنيا شيء أبغض إلي من الكلام ))(٣) . وقال الذهبي: ((وكان إليه المنتهى في السنة ومذهب السلف))(٤). وقال أيضاً : ((لم يدخل الرجل في علم الكلام ولا الجدال ، ولا خاض في ذلك بل كان سلفياً)) (٥). (١) (النبلاء ٤٥٧/١٦). (٢) انظر: ( تاريخ بغداد ٣٩/١٢، مرآة الجنان ٤٢٧/٢، النبلاء ٤٥٦/١٦). (٣) ( سؤالات السهمي ق ١٤ ب، النبلاء ٥٢١/٤/١ ). (٤) ( تذكره الحافظ ١٠٤٨/٣ ). (٥) ( النبلاء ٤٥٧/١٦ ) ٦٥ ومع ذلك فقد اتهم بالتشيع ، حيث حفظ ديوان السيد إسماعيل ابن محمد بن يزيد الحميري ، وهو رافضي خبيث . ويجاب عن ذلك بأن الحميري مع رفضه فقد كان شاعراً مطبوعاً حلو الشعر ، وأن حفظ شعره كحفظ شعر شعراء الجاهلية لا يستلزم تهمة . وبخاصة أن الدارقطني قال: (عثمان - رضي الله عنه - أفضل من علي باتفاق جماعة أصحاب رسول الله ﴿ هذا قول أهل السنة ، وهو أول عقد يحل في الرفض ) (١). كما اتهم بأنه أشعري بسبب أنه قبل بين عيني أبي بكر محمد بن الطيب بن محمد ، المعروف بابن الباقلاني الأشعري (-٤٠٣هـ) وقال : ((هذا إمام المسلمين والذاب عن الدين، القاضي أبوبكر ابن الطيب.))(٢). وأجاب عن ذلك الحافظ الذهبي بأن هذا التصرف من الدار قطني تجاه ابن الباقلاني راجع إلى موقف ابن الطيب من المعتزلة ، والقدرية ، والرافضة ، ومناظرته لهم ، ودفاعه عن السنة ورده على الكرامية ، مع ما كان لأهل البدع من ظهور بالدولة البويهية ، وأن ما بينه وبين أهل الحديث عامر ، وإن كانوا يختلفون في مسائل دقيقة (٣). (١) (سؤلات السلمي ق ١٨، التذكرة ٩٩٤/٣). (٢) (التذكرة ١١٠٤/٣) . (٣) (النبلاء ٢٤٦/٢/١١) لعله في تذكرة الحافظ. ٦٦ ٥- ثناء العلماء عليه : قال الخطيب البغدادي فيه : (( وكان فريد عصره وقريع دهره، ونسيج وحده وإمام وقته ، انتهى إليه علم الأثر والمعرفة بعلل الحديث ، وأسماء الرجال، وأحوال الرجال ، مع الصدق والأمانة ، والفقه والعدالة ، وقبول الشهادة وصحة الاعتقاد ، وسلامة المذهب والاضطلاع بعلوم سوى علم الحديث)) (١). وقال الحاكم : ((صار الدارقطني أوحد عصره في الحفظ والفهم والورع وإماماً في القراء ، والنحوين ، وأقمت في سنة سبع وستين ببغداد أشهراً وكثر اجتماعنا، فصادفته فوق ما وصف لي، وسألته عن العلل والشيوخ ، وله مصنفات يطول ذكرها ، فأشهد أنه لم يُخْلَق على ادیم الأرض مثله)) (٢) . ٦ - شيوخه وتلاميذه : لقد توسع الدارقطني في الطلب والرحلة مع ازدهار عصره بالعلم والعلماء ، فكان ذلك سبباً في كثرة شيوخه وسعة استفادته منهم . وكذلك كثر تلاميذه وبرز أثره فيهم لما له من الأمانة وسعة الإحاطة بفنون العلم وأنواع علوم الحديث . (١) (تاريخ بغداد ٣٤/١٢) . (٢) (التذكرة ٩٩١/٣، ٩٩٢ ). ٦٧ ٧ - وفاته : توفي الحافظ الدارقطني سنة خمس وثمانين وثلاثمائة ، بعد حياة حافلة بخدمة السنة النبوية والذبّ عنها وصيانتها تعليماً وتصنيفاً . ودفن - رحمه الله - في مقبرة باب الدير من مدينة بغداد (١). (١) (تاريخ بغداد ٤٠/١٢). ٦٨ المبحث الثاني : التعريف الموجز بكتاب (الإلزامات) ١- اسمه. ٢- ثبوت نسبته إلى الدارقطني . ٣- هل شارك الدار قطني غيره في إلزام الشيخين بما ألزمهما به ؟ ٤- هل يلزم الشيخين ما ألزمهما به ؟ ٦٩ - المبحث الثاني : التعريف بكتاب ( الإلزامات ) : ٧٠١٠ ١- اسمه : سمي هذا الكتاب ( بالإلزامات ) ، فقد جاء في أوله : ((هذا كتاب الإلزامات على صحيحي البخاري ومسلم، تصنيف الإمام الحافظ أبي الحسن علي بن عمر بن مهدي الدارقطني)) (١). وقد عُنونت نسخة زين العابدين البهاري من (الإلزامات) بذلك. واشتهر تسميته بذلك عند أغلب من تَرْجَم للدار قطني وذَكَر هذا الكتاب ضمن مصنفاته(٢). وهذه التسمية معبّرة عن مضمون الكتاب وهو إيراد ما يرى الدار قطني أنه يلزم البخاري ومسلماً إخراجه من الأحاديث التي ينطبق عليها شرطهما في الكتابين الصحيحين . ٢- ثبوت نسبته إلى الدار قطني : اشتهر واستفاض عند أهل العلم من زمن الدارقطني إلى وقتنا هذا نسبة هذا الكتاب إلى الدارقطني . قال الإمام النووي: ((ألزم الإمام الحافظ أبو الحسن علي بن عمر الدار قطني رحمه الله وغيره البخاري ومسلماً - رضي الله عنهما - إخراج أحاديث مع أن أسانيدها أسانيد قد أخرجا لرواتها في (١) ( كتاب الإلزامات ص ٧٣ ). (٢) انظر مصادر ترجمة الدارقطني ( ص ٦٣ ). ٧١ صحيحيهما بها )). وذكر الدارقطني وغيره أن جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم - رووا عن رسول الله ﴾، ورويت أحاديثهم من وجوه صحاح لا مطعن في ناقليها ، ولم يخرّجا من أحاديثهم شيئا فيلزم إخراجها على مذهبهما (١) . وقد أشار إلى ذلك الحافظ العراقي في التذكرة والتبصرة (٤٣/١) وابن حجر في التهذيب (ترجمة عروة بن المضرِّس) والسيوطي في التدريب (٣١/١) والسخاوي في فتح المغيث (٣١/١) ومحمد بن إبراهيم الوزير في تنقيح الأنظار (٥١/١) والكتّاني في الرسالة المستطرفة (ص٢٣) وغيرهم . ٣- هل شارك الدار قطني غيره في إلزام الشيخين بما ألزمهما به ؟ : لقد شارك الدار قطني في ذلك غيره كأبي ذر الهروي. قال النووي : ((وصنف الدارقطني وأبو ذر الهروي في هذا النوع الذي ألزموهما)) وكذلك أبو مسعود الدمشقي ، فقد وافق الدارقطني في بعض ما ألزم به (٢) . . كما أن صنيع أصحاب المستدركات على الصحيحين يشعر بذلك وبخاصة الإمام الحاكم النيسابوري ؛ فقد صرح بأن ما يذكره في كتابه ( المستدرك ) على شرطهما او أحدهما . (١) (صحيح مسلم بشرح النووي ٢٤/١). (٢) (صحيح مسلم بشرح النووي ١ / ٢٤ ). ٧٢ ٤- هل يلزمهما ما ألزم به ؟ : قال الإمام النووي : ((وهذا الإلزام ليس بلازم في الحقيقة ؛ فإنهما لم يلتزما استيعاب الصحيح ، بل صحّ عنهما تصريحهما أنهما لم يستوعباه وإنما قصدا جمعَ حُمَل من الصحيح ، كما يقصد المصنف في الفقه جَمع جُمْلَةٍ من مسائله ، لا أنه يحصر جميع مسائله . لكنهما إذا كان الحديث الذي تركاه أو تركه أحدهما مع صحة إسناده في الظاهر أصلاً في بابه ، ولم يخرجا له نظيراً ، ولا ما يقوم مقامه ، فالظاهر من حالهما أنهما اطلعا فيه على علّة إن كانا روياه . ويحتمل أنهما تركاه نسياناً أو إيثاراً لترك الإطالة ، أو رأيا أن غيره مما ذكراه يسدّ مسدّه، أو لغير ذلك)). هـ (١) وجاء في مقدمة الحافظ ابن حجر لشرحه صحيح البخاري ، أنهما تركا ذلك خشية الطول .. (٢) وقريباً من ذلك قال النووي في شرحه لصحيح مسلم . (٣) (١) ( صحيح مسلم بشرح النووي ١ / ٢٤ ). (٢) (هدي الساري ص ٩ )، وقد قال النووي: (( ولأبي مسعود الدمشقي أيضاً عليهما استدراك ولأبي على الغساني الجيّاني، في كتابه، ( تقييد المهمل) في جزء العلل منه استدراك ، أكثره على الرواة عنهما ، وفيه ما يلزمهما ، وقد أجيب عن كل ذلك أو أكثره. ( صحيح مسلم بشرح النووي ١ / ٢٧ ) . (٣) انظر: ( صحيح مسلم بشرح النووي ٤ / ١٢٣ ) . ٧٣ المبحث الثالث : التعريف الموجز بكتابه ( التتبع ) ١ - اسمه . ٢- صحة نسبته إلى الدار قطني . ٣- هل شارك الدار قطني في تتبعه سواه ؟ . ٤- موقف العلماء منه . ٧٥ المبحث الثالث : التعريف الموجز بكتاب ( التتبع ) ١- اسمه : سُمِّيَ كتاب الدار قطني الثاني بالتتبع؛ فقد جاء في أول كتاب (الإلزامات): ((ويليه كتاب ( التتبع ) أيضاً، وهذا أيضاً له تأليف الحافظ الدار قطني - رحمه الله تعالى ورضي الله عنه - آمين يا إله العالمين آمين)). (١) وقد سَمَّاه بغير ذلك غير واحد ممن ترجم للدار قطني وتعرض لذكر مصنفاته (٢) قال النووي - رحمه الله -: ((وقد أَلَّف الإمام الحافظ أبو الحسن على بن عمر الدار قطني في بيان ذلك كتابه المسمَّى: ( الاستدراكات والتتبع ))). ٢- صحة نسبته إلى الدار قطني : لقد أثبت نسبة هذا الكتاب إلى الدار قطني غير واحد من أهل العلم كالحافظ أبي عمرو بن الصلاح في مقدمته (علوم الحديث ص٢٤) والحافظ النووي كما في مقدمة شرحه لصحيح مسلم ( ١ / ٢٧ ) . والحافظ ابن حجر في كتابه النكت على ابن الصلاح ( ١ / ٤٥، ٧٥، ٧٨) وكذا السخاوي في فتح المغيث (١ / ٥٢ ) والسيوطي في (١) ( كتاب إلزامات ص ٧٣ ). (٢) (لقد سبقت الإشارة إلى بعض مصادر ترجمة الدار قطني ( ص ٦٣ ). ٧٧ التدريب، وزكريا الأنصاري في شرحه لألفية العراقي (١ / ٧٠، ٧١ ) وحاجي خليفة في كشف الظنون (١ / ٥٥٧ ) وغيرهم كثير. ٣- هل شارك الدار قطني في تتبعه سواه ؟ : قال الإمام النووي : ((قد استدرك جماعة على البخاري ومسلم أحاديث أخلاّ فيها بشرطهما ، ونزلت عن درجة ما التزماه . وقد ألّف الدار قطني في ذلك ، ولأبي مسعود الدمشقي أيضاً عليهما استدراك ، ولأبي علي الغساني في جزء العلل من التقييد استدراك عليهما ، وقد أجیب عن ذلك أو أکثره)) . (١) وقد اعتنى بالكلام على هذه المواضع التي انتقدها الدار قطني غالب من تصدى لشرح الصحيحين أو أحدهما ، كأبي عبد الله محمد بن علي المازَري ، وأبي زكريا يحيى بن شرف النووي ، والقاضي عياض الْيَحْصُبي ، والحافظ ابن حجر . وغالبهم أجاب عما أشكله الدار قطني وبَيَّن وَجْه إخراج البخاري أو مسلم ، كما سيأتي في الفقرة التالية . ٤- موقف العلماء منه : لعلّ من أهم ما يكشف وجهة نظر الأئمة بعد الدار قطني من كتابه ( التتبع ) الإشارة بإيجاز إلى موقف الحافظ ابن حجر أمير المؤمنين في الحديث المستوعب لغالب جهود سابقيه المحقق فيما يعرض له من قضايا (١) ( صحيح مسلم بشرح النووي المقدمة ١ / ٢٧ ). ٧٨ العلم وبخاصة ما يتعلق بالصحيحين. وقد عقد فصلاً في سياق الأحاديث التي انتقدها الدار قطني وغيره من النقاد وأوردها على سياق الكتاب . (١) فقال : (( وقبل الخوض فيه ينبغي لكل منصف أن يعلم أن هذه الأحاديث ، أكثرها لا يقدح في أصل موضوع الكتاب ، فإن جميعها وارد من جهة أخرى ، وهي ما ادعاه الإمام أبو عمرو بن الصلاح وغيره من الإجماع على تلقي هذا الكتاب بالقبول والتسليم لصحة جميع ما فيه ، فإن هذه المواضع متنازع في صحتها ، فلم يحصل لها من التلقي ما حصل لمعظم الكتاب ، وقد تعرض لذلك ابن الصلاح في قوله ((إلا مواضع يسيرة انتقدها عليه الدارقطني وغيره )) وقال في مقدمة شرح مسلم له ((ما أخذ عليهما - يعني على البخاري ومسلم - وقدح فيه معتمد من الحافظ ، فهو مستثنى مما ذكرناه ؛ لعدم الإجماع على تلقيه بالقبول )) (٢) . انتهى . وهو احتراز حسن ، واختلف كلام الشيخ محي الدين في هذه المواضع فقال في مقدمة شرح مسلم ما نصه : ((فصل: قد استدرك جماعة على البخاري ومسلم أحاديث أخلا فيها بشرطهما ، ونزلت عن درجة ما التزماه ، وقد ألف الدار قطني في ذلك، ولأبي مسعود (١) وذلك في مقدمة شرحه لصحيح البخاري (هدى الساري ص ٣٦٤ - ٤٠٢ ). (٢) انظر: ( صيانة صحيح مسلم ص ٨٦)، (علوم الحديث ص ٢٤، ٢٥). ٧٩ الدمشقي أيضاً عليهما استدراك ، ولأبي علي الغساني في جزء العلل من التقييد استدراك عليهما ، وقد أجيب عن ذلك أو أكثر))، (١) وقال في مقدمة شرح البخاري : (( فصل قد استدرك الدار قطني على البخاري ومسلم أحاديث فطعن في بعضها ، وذلك الطعن مبني على قواعد لبعض المحدثين ضعيفة جداً ، مخالفة لما عليه الجمهور من أهل الفقه والأصول وغيرهم ؛ فلا تغتر بذلك)» (٢) . وسيظهر من سياقها والبحث فيها على التفصيل أنها ليست كلها کذلك. وقوله في شرح مسلم ((وقد أجيب عن ذلك أو أكثر)) هو الصواب ؛ فإن منها ما الجواب عنه غير منتهض ، كما سيأتي ، ولو لم يكن في ذلك إلا الأحاديث المعلّقة التي لم تتصل في كتاب البخاري من وجه آخر ، ولا سيما إن كان في بعض الرجال الذين أبرزهم فيه من فيه مقال ، كما تقدم تفصيله ، فقد قال ابن الصلاح ((إن حديث بهز بن حكيم المذكور وأمثاله ليس من شرطه قطعاً ))، وكذا ما في مسلم من ذلك ، إلا أن الجواب عما يتعلق بالمعلق سهل ؛ لأن موضوع الكتابين إنما هو للمسندات، والمعلق ليس بمسند، ولهذا لم يتعرض الدار قطني فيما تتبعه على الصحيحين إلى الأحاديث المعلقة، التي لم (١) (صحيح مسلم بشرح النووي ١ /٢٧ ). (٢) هدى الساري ص ٣٦٤ . ٨٠