النص المفهرس

صفحات 21-40

المبحث الأول : التعريف الموجز بالإمام مسلم رحمه الله ،
ويشمل ما يلي :
١- اسمه ونسبه وولادته ونشأته .
٢- طلبه العلم ورحلته فيه .
٣- شيوخه .
٤ - تلاميذه .
٥- أهم مصنفاته .
٦- منزلته وثناء العلماء عليه .
٧- وفاته .
٢١

الفصل الأول :
التعريف بالإمام مسلم وصحيحه .
الإمام مسلم - رحمه الله - أحد أعلام الأمة المشهورين ، ترجم
له الكثير ، وتوسع في الحديث عنه جملة من السابقين واللاحقين ؛ فلا
حاجة للتوسع هنا في ترجمته ، ولكن من المناسب الإشارة بإيجاز إلى
جوانب من شخصيته وخصائص صحيحه في سياق خدمة كتاب صنفه
مؤلفه في الإجابة عما أشكله الحافظ الدارقطني عليه في صحيحه .
وذلك ضمن الفقرات التالية :
١- اسمه ونسبه وولادته ونشأته :
هو الإمام الحافظ أبو الحسن مسلم بن الحجاج بن مسلم القُشَيْريّ
النيسابوري ، صاحب الصحيح المبرّز في العلم ، والمميز في التصنيف،
المجمع على جلالته وإمامته وفضله ، وعلو كعبه في علم الحديث (١).
ولد سنة ٢٠٦ هـ على ما جزم به الحافظ أبو عمرو عثمان بن
عبدالرحمن الشَّهْرزُوريّ ، المعروف بابن الصلاح (٦٤٣ هـ) والإمام
أبو السعادات المبارك بن محمد بن الأثير الجزري (٦٠٦ هـ) وذكر
(١) انظر: ( تاريخ دمشق ٤٦٨/١٦، تاريخ بغداد ١٠٠/١٣، تذكر الحافظ ٥٨٨/٢،
النبلاء ٥٧٧/١٢، تهذيب الأسماء واللغات ٩٠/١ ).
٢٣

الحافظ الذهبي ( ٧٤٨ هـ ) أنه ولد سنة ٢٠٤ هـ. (١).
وقد تربّى في بيت علم ؛ حيث كان أبوه الحجاج من المعتنين
بالطلب ، ونشأ في بيئة نيسابور العلمية ؛ فكان لذلك أعظم الأثر في
توجهه إلى العلم والعبادة ؛ فبدأ بالسماع في سن مبكر ، وذلك سنة
٢١٨ هـ، وبادر إلى الحج سنة ٢٢٠ هـ. وعمره لم يتجاوز ست
عشرة سنة(٢) .
٢- طلبه العلم ورحلاته فيه :
بدأ مسلم طلب العلم وسماعه على علماء بلده من الصغر ، فكان
عمره أول سماعه ثنتي عشرة سنة (٣).
وقد توقّع له شيوخه النبوغ وسعة الحفظ وعلوّ المكانة ، وعموم
النفع فقال إسحاق بن راهويه الحافظ (-٢٣٨ هـ): ((أي رجل يكون
هذا؟)). (٤). وقال إسحاق بن منصور الكَوْسَج (-٢٥١هـ): ((لن
نَعْدَم الخير ما أبقاك الله للمسلمين» (٥) .
ولما بلغ الرابعة عشرة من عمره قام برحلته الأولى سنة ٢٢٠ هـ
إلى مكة حيث حج البيت الحرام ، واستفاد من رحلته هذه في سماع
(١) انظر ( صيانة صحيح مسلم ص ٦٢، جامع الأصول ١٠٩/١، النبلاء ١٢ / ٥٥٨
التذكرة ٥٨٨/٢، البحر الذي زخر ٥٧٣/٢) .
(٢) انظر: (النبلاء ١٢ / ٥٥٨ ).
(٣) (النبلاء ٥٥٨/١٢).
(٤) (تاريخ بغداد ١٣ / ١٠٢، التذكرة ٥٨٩/٢).
(٥) ( النبلاء ١٢ / ٥٦٣ ).
٢٤

الحديث فأدرك أكبر شيوخه الإِمام عبد الله بن مسلمة القَعْنَي
(-٢٢١ هـ) وعاد إلى وطنه وواصل السماع والكتابة عن أهل بلده
وغيرهم من الوافدين عليه .
ثم قام برحلته الثانية إلى مختلف مراكز العلم في البلاد الإسلامية
متتبعاً الحديث في مظانّه ، متلمذاً في كل مدينة على كبار علمائها .
وتتابعت رحلاته الواسعة ، وبذلك أدرك الإمام مسلم ما كان
يتطلع إليه من لقيا كبار المحدثين والسماع منهم ، وجمع حديثهم ومعرفة
رجال الحدیث وعلله وصحیحه وسقيمه.(١)
٣- شيوخه :
مما يؤكد منزلة الإمام مسلم في علم الحديث وسعة اطلاعه
وحرصه على الطلب كثرة شيوخه من الأئمة الأعلام ، من مختلف
البلدان ، ومن جلّة حفاظ الحديث وعلمائه وقد اعتنى بسرد شيوخ
مسلم الحافظ أبو الحجاج يوسف بن عبد الرحمن المزّي ( - ٧٤٢هـ ).
في كتابه ( تهذيب الكمال في أسماء الرجال ) (٢) والحافظ محمد بن أحمد
الذهبي ( - ٧٤٨ ) في كتابه ( سيرأعلام النبلاء ) (٣).
فعدّ من شيوخه ما يزيد على مائتين وعشرة، ومن أبرز هؤلاء الشيوخ:
(١) انظر: ( تاريخ دمشق ١٦ /٤٦٨، النبلاء ٥٥٨/١٢ - ٥٦٢، تاريخ بغداد ١٣ /
١٠١,١٠٠، تهذيب الأسماء واللغات ٩١/٢، صيانة صحيح مسلم ص ٥٥ - ٥٧).
(٢) (تهذيب الكمال ٣/ ١٣٢٤، ١٣٢٥) .
(٣) (١٢ / ٥٦٠، ٥٦١ ).
٢٥

أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي ، قال فيه إسحاق بن راهويه:
((كل حديث لا يعرفه أبو زرعة ليس له أصل)).
وهو الذي عرض عليه الإمام مسلم صحيحه ، فكل ما أشار إلى أنَّ
له علّه تركه وقد توفي رحمه الله - سنة ٢٦٤ هـ (١).
٢- أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ، إمام هذا الشأن ، وأحد
حفّاظ الدنيا ، وصاحب أصح كتاب بعد كتاب الله .
تتلمذ عليه الإمام مسلم حين ورد نيسابور سنة ( ٢٥٠ هـ )
وأفاد منه حتى قال الحافظ الدارقطني ( - ٣٨٥ هـ): ((لولا البخاري
لما ذهب مسلم ولا جاء)) وقد عرف مسلم منزلة أستاذه حتى أنه ذات
مرة قبّل بين عينيه وقال له : (( دعني حتى أقبّل رجليك يا أستاذ
الأستاذين وسيد المحدثين ، وطبيب الحديث في علله)).
وقد توفي البخاري رحمه الله سنة ٢٥٦ هـ(٢).
٤- تلاميذه :
لقد جلس الإمام مسلم لطلاب العلم يسمعهم مروياته ، ويقرأ
عليهم مصنفاته ، فتتلمذ عليه عدد وافر من طلاب الحديث
وحفاظه من أبرزهم:
(١) انظر: (الجرح والتعديل ٣٢٨/١، التذكرة ٢/ ٥٥٧، طبقات الحفاظ ص ٢٥٣).
(٢) انظر: ( التذكرة ٢ / ٥٥٥، طبقات الحفاظ ٢٥٢، وفيات الأعيان ٤٥٥/١ الهدي
ص ٤٨٨، تاريخ بغداد ١٣ / ١٠٢ ).
٢٦

١- أبو بكر محمد بن إسحق بن خزيمة النيسابوري- ٢١١ هـ) (١)
٢- أبو حاتم ، محمد بن إدريس بن منذر الرازي (-٢٧٥ هـ) (٢)
٣- أبو عوانة، يعقوب بن إسحق بن يزيد الإسفراييني
النيسابوري ( - ٣١٦ هـ)(٣) .
٥- أهم مصنفاته (٤) :
خلّف الإِمام مسلم ثروة مهمة من المصنفات ، أسهمت في إثراء
المكتبة الإسلامية في مجال الحديث وعلومه ورجاله وعلله ، ومن أهمها :
١ - الجامع الصحيح .
٣- الانتفاع بأهُب السباع .
٥- أفراد الشاميين .
٧- الأقران .
٢- التمييز .
٤ - الوحدان .
٦- العلل .
٨- شيوخ مالك
.
٩- أوهام المحدثين .
١٠ - رجال عروة بن الزبير .
١١- التاريخ.
١٣- الجامع الكبير على الأبواب .
١٥- حديث عمرو بن شعيب .
١٦ - الأسماء والكنى.
(١) انظر: (التذكرة ٢ / ٧٢٠، المنتظم ٦/ ١٨٤، تهذيب الكمال ٣/ ١٣٢٥ النبلاء
١٤ / ٣٦٥) .
(٢) انظر: (النبلاء ١٣ / ٢٤٧، صيانة صحح مسلم ص ٥٨، تاريخ بغداد ٣/ ٧٣ ).
(٣) انظر: (التذكرة ٧٧٩/٣، صيانة صحيح مسلم ص ٥٨، النبلاء ٤١٧/١٤).
(٤) انظر: ( في ذلك: صحيح مسلم بشرح النووي ١٠/١، فهرسة ابن خير ٢١٢،
٢٢٥ صيانة صحيح مسلم ص ٥٩، التذكرة ٥٩٠/٢ تاريخ التراث ١ / ٢٧٧،
تهذيب الأسماء واللغات ٢ / ٩١) .
٢٧
١٢- شيوخ سفيان .
١٤ - شيوخ شعبة .

١٧ - طبقات التابعين .
١٨ - المخضرمون .
١٩ - المسند الكبير على الرجال . (١)
٦- منزلته وثناء العلماء عليه :
إن المطلع على ترجمة الإمام مسلم يجد أقوالاً كثيرة في الثناء عليه
والإشادة بفضله وإمامته في علم الحديث وحسن تصنيفه مما يؤكد مكانته
وعلو منزلته بين علماء الأمة وحفاظ الحديث فمن ذلك :-
١ - قال محمد بن قاسم القرطبي: ((مسلم جليل القدر ، من أئمة
المحدثين))، وذكر كتابه الصحيح فقال: ((لم يضع أحد مثله)).(٢)
٢- وقال محمد بن بشار العبدي البصري الثقة (- ٣٢٧ هـ):
((حفاظ الدنيا أربعة : أبو زرعة بالريّ ، ومسلم بنيسابور، وعبد الله
الدارمني بسَمْرَقند، ومحمد بن إسماعيل ببخارى)) (٣).
٣- وقال الإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي ( ٣٢٧هـ):
((مسلم ثقة من الحفاظ ، له معرفة بالحديث)) (٤).
٤- وقال الحافظ أبو بكر أحمد بن علي الخطيب ( ٤٦٣هـ ):
(مسلم أحد الأئمة من حفّاظ الحديث)) (٥).
٥- وقال الحافظ محي الدين يحيى بن شرف النَّوي
(١) النبلاء (١٢ / ٥٦٠، ٥٦١).
(٢) انظر: ( تدريب الراوي ١ / ٩٥ ).
(٣) النبلاء ١٢ / ٥٦٤، التهذيب ١٠ / ١٢٨).
(٤) انظر ( الجرح والتعديل ١٨٢/٨ النبلاء ١٢ / ٥٦٤).
(٥) (تاريخ بغداد ١٣ / ١٠٠)
٢٨

(-٦٧٦ هـ) (١): مسلم أحد أعلام هذا الشأن، وكبار المُبَرَزين فيه،
وأهل الحفظ والإتقان والرَّحالين في طلبه إلى أئمة الأقطار والبلدان ،
والمعترف له بالتقدم فيه ، بلا خلاف عند أهل الحذق والعرفان ،
والمرجوع إلى كتابه والمعتمد عليه في كل الأزمان ....
ومن حقق نظره في صحيح مسلم - رحمه الله - علم أنه إمام لا
يلحقه مَنْ بَعْدَ عصره ، وقلّ من يساويه بل يُدانيه من أهل وقته ودهره ،
ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ﴾(٢) . وقال
أيضاً: ((وأجمعوا على جلالته، وإمامته وعلوّ مرتبته ، وحِذْقه في هذه
الصنعة وتقدّمه فيها ، ومن أكبر الدلائل على جلالته وإمامته وورعه
وحِذقه وقعوده في علوم الحديث واضطلاعه منها وتفننه فيها كتابه
الصحيح)) (٣).
٧- وفاته :
اتفق على أنه توفي في شهر رجب سنة إحدى وستين ومائتين ،
ونقل الحاكم ابن البيع عن عبد الله بن الأخرم الحافظ أن ذلك كان
عشية يوم الأحد (٤) . ودفن يوم الاثنين لخمس بقيت من شهر رجب ،
رحمه الله وأجزل مثوبته وأسكنه الفردوس من الجنة .
(١) (صحيح مسلم بشرح النووي ١٠/١، ١١).
(٢) ( سورة الجمعة الآية ٣ )
(٣) ( تهذيب الأسماء واللغات ٩٠/٢ )
(٤) ( صحيح مسلم بشرح النووي ١١/١ ).
٢٩

المبحث الثاني : التعريف الموجز بصحيح مسلم ،
ويشمل ما يلي :
١ - إسمه .
٢- سبب تأليفه .
٣- مكان تأليفه .
٤- مدة تأليفه .
٥- تبويبه .
٦- عدد أحاديثه .
٧- شرط مسلم فيه وموقفه من الإسناد المعَنْعَن .
٨- هل أخرج مسلم في صحيحه حديث الطبقات الثلاث
المذكورة في مقدمته ؟ .
٩- هل أورد مسلم فيه علل الأحاديث المشار إليها في مقدمة
الصحيح ؟
١- المعلّقات والموقوفات والمقطوعات والعوالي في صحيح مسلم .
١١- أبرز سمات صحيح مسلم .
١٢ - عناية العلماء به :-
أ - شروحه .
ب- مختصراته .
٣١

جـ - المصنفات في رجاله .
١٣ - روايات صحيح مسلم .
١٤- الموازنة بينه وبين صحيح البخاري .
٣٢

المبحث الثاني : التعريف بصحيح مسلم ( الجامع الصحيح
المسند ) :
صحيح مسلم هو ثاني أصح كتابين بعد القرآن الكريم الذين
تلقتهما الأمة بالقبول ، واتفق أهل العلم على صحة ما فيهما من
الحديث المسند إلى رسول الله﴿، ولذا اعتنى به العلماء أعظم عناية؛
بياناً لفضله وثناء عليه ووصفاً لميزاته ، ومقارنة بينه وبين ما ألف في بابه،
وشرحاً واختصاراً له ، واستخراجاً له ، وترجمة لرجاله ، وبياناً لشرطه
وتوضيحاً لمقدمته .
وفيما يلي إشارات مختصرة إلى بعض ذلك، ضمن الفقرات التالية:
١- اسمه :
اشتهر تسميته بالجامع الصحيح المسند (١).
٢- سبب تأليفه :
ذكر الإمام مسلم رحمه الله - أنه ألف كتابه الصحيح تلبية لرغبة
أحد طلبة العلم، وقد سأله الأحاديث مؤلفة على الأبواب المختلفة، قصد
التفهم فيها والاستنباط منها (٢).
(١) انظر: (تاريخ بغداد ١٣ / ١٠١، وفيات الأعيان ٥ / ١٩٤).
(٢) انظر: ( صحيح مسلم النووي ١ / ٣ ٤٠ ).
٣٣

وقد أشار الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي إلى أن السائل هو
أحمد بن سلمة بن عبد الله فقال : (( أحمد بن سلمة بن عبد الله ، أبو
الفضل البزار المعدل النيسابوري ، أحد الحفّاظ المتقنين ، رافق مسلم بن
الحجاج في رحلته إلى قتيبة بن سعيد _ في بلخ _ وفي رحلته الثانية إلى
البصرة وكتب بانتخابه على الشيوخ، ثم جمع له مسلم الصحيح في
كتابه ، توفي أحمد بن سلمة سنة ٢٨٦ هـ)) (١).
ونّه على ذلك الشيخ عبد الفتاح أبو غدة فقال : وقد ألف كتابه
الصحيح استجابة لطلب صاحبه ومرافقه في الارتحال والتحصيل الحافظ
أحمد بن سلمة النيسابوري (٢).
٣- مكان تأليفه : -
ذكر الحافظ ابن حجر أن مسلماً صنّف كتابه في بلده ، بحضور
أصوله ، وفي حياة كثير من مشايخه ، فكان يتحرّز في الألفاظ ويتحرّى
في السياق (٣).
٤- مدة تأليفه :-
لقد استمرت مدة تأليف مسلم لصحيحه خمس عشرة سنة انتهت
سنة ٢٥٠ هـ كما صرح بذلك أحمد بن سلمة بن عبد الله
(١) انظر: (التذكرة ٢ / ٥٨٩، النبلاء ١٢ / ٥٦٦، كشف الظنون ١ / ٥٠٠،
التقييد والإيضاح ص ٢٥، الإمام مسلم حياته وصحيحه ص ٦١، ٦٢ ).
(٢) انظر: ( الموقظة ص ١٣٨).
(٣) انظر: ( هدي الساري ص ١٢، النكت على ابن الصلاح ١ / ٢٨٣).
٣٤

النيسابوري(١).
وطول هذه المدة يدل على شدة تحري مسلم ودقة انتقائه لما يدخله
في صحيحه من الحديث، حتى قال - رحمه الله -: (( ما وضعت في
هذا السند شيئاً إلا بحجة ولا أسقطت شيئاً منه إلا بحجة))(٢)
٥- تبويبه : -
لقد رتب مسلم كتابه ؛ بحيث جمع أحاديث كل باب متتالية في
موضع واحد ، قال الحافظ أبو عمر ابن الصلاح : (( إن مسلماً - رحمه
الله وإيانا - رتب كتابه على الأبواب ، فهو مُبَوّب في الحقيقة ، ولكنه
لم يذكر فيه تراجم الأبواب؛ لئلا يزداد حجم الكتاب، أو لغير ذلك))(٣)
ثم جاء من بَعْدَه ووضعوا - مجتهدين - تراجم لتلك الأبواب ؛
ومن هنا حصل الاختلاف بين التراجم في اللفظ وفي الموضع ، قال
الحافظ النووي : (( وقد ترجم جماعة أبوابه بتراجم بعضها جيد وبعضها
ليس بجيد ؛ إما لقصور في عبارة الترجمة ؛ وإما لركاكة لفظها ، وإما
بغير ذلك ، وأنا - إن شاء الله - أحرص على التعبير عنها بعبارات تليق
بها في مواطنها)). (٤)
(١) (النبلاء ١٢ / ٥٦٦، التذكرة ٢ / ٥٨٩، كشف الظنون ١ / ٥٠٠، التقييد
والإيضاح ص ٢٥ ).
(٢) انظر: ( النبلاء ١٢ / ٥٨٠).
(٣) انظر: ( صيانة صحيح مسلم ص ١٠٢ ).
(٤) انظر: ( صحيح مسلم بشرح النووي ١ / ٢١ ).
٣٥

وممن ترجم لأبواب صحيح مسلم (١).
١- القاضي عياض بن عبد الرحمن اليَحصْبي .
٢- الحافظ المنذري ( - ٦٠٦ هـ)، وذلك في مختصره لصحيح
مسلم .
٣- أبو العباس القرطبي (-٦٥٦ هـ )، وذلك في تلخيصه
لصحيح مسلم وشرحه له في ((المفهم)) .
٤ - الإمام يحيى بن شرف الدين النووي ( - ٦٧٦هـ)، وذلك
في شرحه لصحيح مسلم .
٥- الشيخ شِبّير أحمد العثماني (١٢٦٩هـ ) وذلك في شرحه
(فتح الملهم ) ، وذكر فيه أن التراجم التي وضعها من سبقه قاصرة عن
الوفاء بالغرض .
٦- عدد أحاديثه : (٢)
لا أعلم تحديداً دقيقاً لعدد أحاديث صحيح مسلم ، ولعل سبب
ذلك الاختلافُ في المكررات في صحيح مسلم .
وقد ذكر أحمد بن سلمة النيسابوري (- ٢٨٦ هـ ) أنها اثنا عشر
ألف حديث .
(١) انظر: (المعلم ١/ ٢١٢، البحر الذي زخر ٢ / ٦١٣، مقدمة الملهم ص ٣٤٧).
(٢) انظر: (صحيح مسلم ٢٣٢٣/٤، مفتاح كنوز السنة ص : هـ ، و، مكانة
الصحيحين ص ١٨٤ ، الإمام مسلم حياته و صحيحه ص ٦٦ - ٧٠ ).
٣٦

وذكر أبو قريش محمد بن جمعة القُهُسْتاني ( ٣١٣ هـ ) أنها أربعة
آلاف حدیث ، أي بدون المكرر .
وذكر عمر بن عبد المجيد المَّانجي (-٥٨١) أنها ثمانية آلاف
حدیث .
وعدها الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي فوصل ترقيمه للأحاديث من
غير تكرار إلى العدد (٣٠٣٣).
وعدها الشيخ خليل ملا خاطر ؛ فبلغت عنده ( ٤٦١٦ حديثاً ) .
وعدّ المستشرق ( ونسنك ) الأحاديث الأصول في أبواب صحيح
مسلم فبلغت ( ٥٧٨١ حديثاً).
ولعل تحقق النجاح في إدخال كتب السنة الحاسوب الآلي يثمر
الجزم بعدد محدد لأحاديث هذا الكتاب الصحيح .
٧- شرط مسلم فيه وموقفه من الإسناد المعَنْعَن :
لقد صرح مسلم في كتابه باشتراط الصحة فيما يورده في كتابه ،
فقال: (( ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ههنا، وإنما وضعت"
ههنا ما أجمعوا عليه)) (١).
وستمّاه ( المسند الصحيح ) وعرضه على شيخه إمام علل الحديث
الحافظ أبي زرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي (- ٢٦٤ هـ ) مبالغة
في تحري الصحة، والسلامة من العلل ، فاستبعد كل حديث ذكر أبو
(١) (صحيح مسلم ١ / ٣٠٤ ).
٣٧

زُرعة أن له علّة (١).
وهذا الشرط واضح تناقله المصنفون ، وبناء عليه جزموا بصحة
أحاديث كتابه وأنه ثاني كتاب في الصحيح المجرد بعد صحيح الإمام
البخاري ، ومنهم من قدمه على صحيح البخاري قال ابن الصلاح :
« هذا الكتاب ثاني کتاب صُنْف في صحیح الحديث ، ووسِم به ووضع
له خاصة)) (٢). وقال أيضاً: ((وشرط في صحيحه أن يكون الحديث
متصل الإسناد بنقل الثقة عن الثقة من أوله إلى منتهاه ، سالماً من الشذوذ
ومن العلة ، وهذا هو حد الصحيح في نفس الأمر))(٣)
أما ما قرّره الإِمام الحاكم من اشتراط كونه عزيزاً ، وغير ذلك من
تفضيلات تزيد على شرط الصحة ؛ فهو استقراء من صنيع الإِمام مسلم،
وقد نَقَد العلماء ذلك (٤)
ولعل مما يوضح شرطه بيان مذهبه وموقفه من الإِسناد الْمُعَنْعَن
حيث يرى - رحمه الله - أن الإِسناد المُعَنْعَن له حكم الاتصال إذا
(١) ( النبلاء ١٢ / ٥٦٨، صيانة صحيح مسلم ص ٦٧ ).
(٢) ( صيانة صحيح مسلم ص ٦٧ ، ٢٧ ).
(٣) انظر: ( المدخل إلى الإكليل ص ٣٢، شروط الأئمة الستة ص ٢٢، شروط الأئمة
الخمسة ص ٣٥، علوم الحديث ص ٢٨٨، صحيح مسلم بشرح النووي ١ / ٢٧ ،
النبلاء ١٢ / ٥٧٤، تدريب الراوي ١٢٥،١٢١٤/١، النكت على ابن الصلاح ١/
٢٤٠ ) .
٣٨

تعاصر الراوي الْمُعَنْعِن والشيخ الْمُعَنْعَن عنه ، وإن لم يثبت لقاؤهما إلا أن
يكون المُعَنْعِن مدلساً؛ فلا يحكم له بالاتصال .
وحجته في ذلك - رحمه الله - أن الثقة غير المدلّس لا يقول:
( عن فلان ) إلا وقد لاقاه وسمع منه .
واستدلّ لذلك بعدة أمور منها :
أ - حصول الإجماع على قبول خبر الثقة غير المدلس من غير نظر
لصيغ الأداء .
ب- وجود أحاديث اتفق الأئمة على صحتها، وهي لم ترد إلا
بالعنعنة.
جـ - أن من تكلم على صحة الحديث لم يُفتش أحد منهم على
موضع السماع .
وقد مال إلى موقفه جماعة من المحدثين ، والأصوليين ، والفقهاء ،
كأحمد بن حنبل ( -٢٤١هـ) وأبي حاتم محمد بن حبّان البُستي
(-٣٥٤هـ) كما حكاه عنهما الحافظ ابن رجب الحنبلي ( - ٧٩٥ هـ)
وكالقاضي محمد بن الطيب الباقلاني ( - ٤٠٣ هـ ) والإمام ابن حزم
الأندلسي ( -٤٥٦ هـ ) .
ومع ما استدل به الإمام مسلم لمذهبه ، فإن شرط الإمام البخاري
(-٢٥٦ هـ) وشيخه علي بن عبد الله المديني ( - ٢٣٤ هـ ) أحوط
وأظهر في الاتصال ؛ إذ لم يحملوا حديث المُعَنْعِن على الاتصال حتى
يثبت تلاقيهما ولو مرة واحدة ، مع سلامته من وصمة التدليس ، وهذا
٣٩

مذهب جمهور العلماء ، واختيار أئمة الصنعة من المحدثين (١) .
٨- هل أخرج مسلم في صحيحه حديث الطبقات الثلاث المذكورة
في مقدمته ؟ :
مما يزيد بيان شرطه وضوحاً الإشارة إلى وجه الصواب في إخراج
مسلم للطبقات الثلاث من الرواة .
فقد قال مسلم رحمه الله في مقدمة صحيحه (٢) ما حاصله أنه
.· يورد الحديث في كتابه على أساس تقسيم الأخبار المسندة على ثلاث
طبقات من الرواة :
الأولى : أهل الاستقامة والإتقان لما نقلوه من الحديث ؛ فيتقصّى
أخبارهم .
الثانية : من هم أقلّ منهم في الحفظ والإتقان لما رَوَوْه ، مع أنهم
من أهل السَّتْر والصدق ، وتعاطى العلم ؛ فينتقي من أخبارهم بعد أن
استقصى أخبار الطبقة الأولى .
الثالثة : المتَّهَمون عند أهل الحديث أو أكثرهم ، والغالب على
حديثهم المنكر والغلَط ، فلا يتشاغل بتخريج حديثهم .
(١) انظر: ( معرفة علوم الحديث ص ٣٤، الأحكام لابن حزم ١ / ١٥١ - شرح علل
الترمذي ص ٢١١ - ٢٢٢، الهدي ص ١٢، التدريب ١ / ٢١٤ - ٢١٦، البحر
الذي زخر ٢ / ٥٨٩ ).
(٢) انظر: ( صحيح مسلم بشرح النووي ١ / ٤-٧ ).
محم
٤٠